شرح الحديث 59 (الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء) - من صحيح الترغيب

 


59 - (11) [صحيح] وعن العِرباض بن سارية رضي الله عنه؛ أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:

"لقد تركتُكم على مِثْلِ البيضاء (1)، ليلُها كنهارِها[1]، لا يَزيغُ عنها إلا هالكٌ".

رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السّنة" بإسناد حسن (2).

__________

(1) أي: الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلاً، فصار حال إيراد الشبه عليها كحال كشف الشبه عنها ودفعها، إليه الإشارة بقوله: "ليلها كنهارها".[2]

(2) قلت: وكذلك رواه أحمد وابن ماجه والحاكم في بعض ألفاظ حديث العرباض المتقدم (1 - باب)،

ولذلك تعجب الناجي (15/ 1) من المؤلف لعزوه إياه لابن أبي عاصم دون ابن ماجه! وهو عند ابن أبي عاصم برقم (48)، وله عنده شاهد.

 

ترجمة العرباض بْن سارية السُّلَمِيّ _رضي الله عنه_:

 

قال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (3/ 1238) (2026):

"العرباض بْن سارية السُّلَمِيّ، يكنى أَبَا نَجِيح كَانَ من أهل الصفة__سكن الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين. وقيل: بل مات فِي فتنة ابْن الزُّبَيْر." اهـ

 

وقال مغلطاي _رحمه الله_ في "إكمال تهذيب الكمال" (9/ 214):

"وذكره ابن سعد في طبقة الخندقيين." اهـ

 

قال الذهبي _رحمه الله_ في "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 862) (رقم: 81):

"الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ أَبُو نَجِيحٍ السُّلَمِيُّ [الوفاة: 71 - 80 ه]:

صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأحد أَصْحَابِ الصُّفَّةِ الَّتِي بِمَسْجِدِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ البكائين الذين نَزَلَ فِيهِمْ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92]، الآية.

سكن حمص،

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنَ رُوَيْمٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُقْبَضَ، فَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَوَهَنَ عَظْمِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ،

قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ أُصَلِّي وَأَدْعُو أَنْ أُقْبَضَ إِذَا أَنَا بِفَتًى شَابٍّ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، وَعَلَيْهِ دُوَّاجٍ أَخْضَرَ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُو بِهِ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ أَدْعُو يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ حَسِّنِ الْعَمَلَ وَبَلِّغِ الأَجَلَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا رتبائيل الَّذِي يَسِلُّ الْحُزْنَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ:

كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ وَلَهُ اسْمٌ لا يُحِبُّهُ غَيَّرَهُ، وَلَقَدْ أَتَيْنَاهُ وَإِنَّا لَسَبْعَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَكْبَرُنَا الْعِرْباضُ بْنُ سَارِيَةَ، فَبَايَعْنَاهُ.

وَقَالَ إسماعيل بن عياش: حدثنا أبو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: لَوْلا أَنْ يُقَالَ: فَعَلَ أَبُو نَجِيحٍ لأَلْحَقْتُ مَالِي سُبُلَهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَةِ لُبْنَانَ، فَعَبَدْتُ اللَّهَ حَتَّى أَمُوتَ. [ص:863]

وقال النضر بن شميل: حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْفَيْضِ: سَمِعْتُ عُمَرَ أَبَا حَفْصٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ: أَعْطَى مُعَاوِيَةُ الْمِقْدَامَ حِمَارًا مِنَ الْمَغْنَمِ، فَقَالَ لَهُ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ: مَا كَانَ لَكَ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَكَ، كَأَنِّي بِكَ فِي النَّارِ تَحْمِلُهِ عَلَى عُنُقِكَ، فَرَدَّهُ.

قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ، وَغَيْرُهُ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.

 

شرح الحديث:

 

وهذا الحديث قطعة من حديث العرباض بن سارية:

أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 16) (رقم: 43):

عن الْعِرْبَاض بْنِ سَارِيَةَ، يَقُولُ:

وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟"

قَالَ:

«قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ»

 

نص الحديث وشرح الجمل الغريبة:

 

(وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً)،

أي: ذكّرنا بالله تعالى، وأمرنا بطاعته، وحذّرنا من معصيته، ورغّبنا فيما عنده من الثواب، وخوّفنا مما أعدّه للعاصين من العقاب. والوعظ: هو تذكير المخاطب بما يرقّق قلبه، ويحمله على فعل الخير وترك الشر.

(ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ)،

* ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ: أي: سالت الدموع من العيون، وفاضت من شدة التأثر والخشية. والمراد: أن الموعظة بلغت من القلوب مبلغًا عظيمًا، حتى لم تستطع العيون أن تحبس دموعها.

* وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ: أي: خافت القلوب وفزعت وتأثرت من سماع تلك الموعظة. وليس المراد مجرد الخوف الطبيعي، بل الخشية التي تحمل صاحبها على التوبة والإنابة والاستعداد للقاء الله.

(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ)،

أي: إن هذه الموعظة تشبه موعظة من عزم على مفارقة أصحابه ووداعهم، لما اشتملت عليه من الوصايا العظيمة، والتذكير البليغ، وما ظهر فيها من آثار الخشية والتأثر. وليس في قولهم هذا جزم بأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أخبرهم بدنو وفاته، وإنما هو وصف منهم لشدة الموعظة وجوامع معانيها.

(فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟)

أي: توصي إلينا وتكلّفنا بحفظ وصيتك، وتؤكد علينا أمرًا نلتزمه ونعمل به من بعدك. فالعَهْد: الوصية والتأكيد على أمر يُراد حفظه والقيام به. فكأنهم قالوا: يا رسول الله، إذا كانت هذه موعظة مودّع، فما الوصية الجامعة التي تؤكدها علينا لنتمسك بها بعدك؟

(قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا)،

أي: قد خلّفتكم بعد بيان الدين وإيضاح شرائعه على أمر واضح وطريق مستقيم، لم أدع لكم فيه ما تحتاجون إليه من أصول الهداية دون بيان.

والمراد: أنه _صلى الله عليه وسلم_ بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وبيّن لهم سبيل الحق.

* عَلَى الْبَيْضَاءِ: أي: على الطريقة الواضحة المضيئة التي لا خفاء فيها ولا التباس.  والبيضاء هنا مؤنث «الأبيض»، والمراد بها الطريقة الواضحة، فشُبّهت بالبياض الذي يظهر للناظر ولا يخفى عليه.

* لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا:

أي: أن هذه الشريعة في وضوحها وظهور حججها كوضوح النهار، لا يختص ظهور الحق فيها بوقت دون وقت، ولا يخفى سبيلها على من طلبه واتبع دليله.

وفي هذا التعبير تصوير بديع لشدة وضوح الشريعة، حتى كأن ليلها نهار في ظهور معالمها.

(لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ)،

أي: لا يميل عن تلك الطريقة الواضحة، ولا ينحرف عن سبيلها، ولا يعدل عن هديها إلى طرق الضلال.

* الزَّيْغ: الميل عن الحق والانحراف عنه.

والمراد: التحذير من ترك السنة والإعراض عن هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_.

* إِلَّا هَالِكٌ:

أي: إلا من عرّض نفسه للهلاك والضلال بسبب إعراضه عن الحق وانحرافه عن سبيل الهدى.

والهلاك هنا يشمل الهلاك في الدين بالضلال والبدعة، وما يترتب على ذلك من الخسران والعقوبة. وفيه تحذير شديد من مخالفة الطريق الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته عليه.

(مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا)،

أي: من يطل عمره منكم، ويمتد به البقاء بعد وفاتي.

والفعل «يَعِشْ» مجزوم لأنه فعل الشرط، وأصله من الحياة، أي: من يبق حيًّا منكم مدة طويلة.

* فَسَيَرَى: أي: فسوف يشاهد ويدرك بعينه ما يقع من الفتن والاختلافات بعد وفاتي. والسين في قوله «سَيَرَى» تفيد الاستقبال، أي: إن هذا الاختلاف سيقع في الأزمنة اللاحقة.

* اخْتِلَافًا كَثِيرًا:

أي: اختلافًا واسعًا في الاعتقادات والأقوال والأعمال والمناهج، ومنه اختلاف الناس في فهم الدين، واتباع الأهواء، وظهور الفرق والمقالات المخالفة للحق.

 

ووصفه بالكثرة إشارة إلى تعدد وجوه الاختلاف وتتابع الفتن، حتى يحتاج المؤمن إلى أصل ثابت يرجع إليه عند التنازع.

(فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ)،

* فَعَلَيْكُمْ: هذا أسلوب من أساليب الإغراء في اللغة العربية، ومعناه: الزموا واحرصوا وتمسكوا. والتقدير: فعليكم التمسك بما عرفتم من سنتي. وفيه حث مؤكد على لزوم ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به.

* بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي:

أي: الزموا ما علمتم وثبت عندكم من طريقتي وهديي، في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات وسائر شؤون الدين.

والسنة هنا تشمل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، وما كان عليه من الهدي والسمت.

وتخصيص ما عرفوه بالتأكيد على التمسك به لا يعني ترك ما لم يعرفوه؛ بل الواجب على المسلم أن يتعلم السنة، وأن يرجع إلى أهل العلم فيما جهله منها.

* وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ:

أي: وطريقة الخلفاء الذين خلَفُوْا رسولَ الله _صلى الله عليه وسلم_ في أمته، وقاموا بأمرها بعد وفاته. والمراد بهم في هذا الحديث: الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.

* الرَّاشِدِينَ: أي: الذين استقاموا على طريق الحق والصواب، وسلكوا سبيل الرشد والهدى. والرشد ضد الغي، وهو إصابة الحق وسلوك الطريق المستقيم.

* الْمَهْدِيِّينَ: أي: الذين هداهم الله _تعالى_ إلى الحق، ووفقهم لسلوك سبيله، وجعلهم أئمة في الهدى والرشاد. والجمع بين وصفهم بالرشد والهداية تأكيد لفضلهم وعلو منزلتهم، وبيان أنهم لم يكونوا مجرد أصحاب ولاية وسلطان، بل كانوا أئمة هدى ودين.

(عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ)،

أي: تمسكوا بها تمسكًا شديدًا، ولا تتخلوا عنها، ولا تفرطوا في شيء منها عند ظهور الفتن وكثرة المخالفين. والعض هنا مستعمل في معنى شدة التمسك والمبالغة في المحافظة.

* بِالنَّوَاجِذِ: جمع نَاجِذٍ، وهي: الأضراس التي في أقصى الفم، وقيل: هي الأضراس التي تلي الأنياب. والمعنى: بالغوا في التمسك بالسنة حتى كأنكم تعضون عليها بأقصى أضراسكم.

وهذا تصوير بليغ يدل على شدة الثبات، وقوة العزم، وعدم التفريط في السنة مهما اشتدت الفتن.

(وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا)،

أي: الزموا طاعة ولاة أمور المسلمين فيما يأمرون به من المعروف، مما لا يخالف شرع الله _تعالى_. والطاعة هنا: محمولة على الطاعة الشرعية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

* وَإِنْ عَبْدًا:

أي: ولو كان المتولي للأمر عبدًا، والمراد به: المملوك الذي كان في حكم الرق في ذلك الزمن. والمعنى: أن حق الطاعة في المعروف لا يسقط لمجرد أن المتولي للأمر قليل المنزلة في أعين الناس من جهة النسب أو المكانة الاجتماعية.

* حَبَشِيًّا: أي: منسوبًا إلى الحبشة، وهي البلاد المعروفة في شرقي إفريقيا.

وخص الحبشي بالذكر، لأن العرب كانوا يعرفون الحبشة، وكانوا يعدّون الانتساب إلى العرب والحرية شرفًا اجتماعيًّا، فأراد النبي _صلى الله عليه وسلم_ إبطال التعاظم بالأنساب والألوان في هذا الباب، وبيان أن العبرة بالحق الشرعي، لا بالمفاخرة الجاهلية.

وليس في هذا اللفظ إقرار بأن كل أحد يتولى الولاية دون شروطها الشرعية، وإنما المقصود بيان وجوب الطاعة في المعروف إذا ثبتت له الولاية الشرعية.

(فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ)،

أي: إن شأن المؤمن الذي استقام إيمانه أن يكون منقادًا للحق، مستجيبًا لأمر الله ورسوله، غير مستكبر عن قبول الهدى. والمراد بيان ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من سرعة الانقياد للحق، وحسن الاستجابة للشرع.

* كَالْجَمَلِ: هو الذكر من الإبل، وهو معروف. وإنما ضرب به المثل لما عُرف عنه من الانقياد إذا قُيِّد وقاده قائده.

* الْأَنِفِ: الذي أصاب أنفه وجع أو قرح، فأصبح شديد التأثر إذا مُسَّ أنفه أو قُرِّب منه ما يؤذيه. والأَنِفُ في أصل اللغة معروف، ويقال: أنِفَ البعير، إذا أصاب أنفه قرح أو وجع، فهو أنِف.

(حَيْثُمَا قِيدَ، انْقَادَ)،

أي: أينما، وفي أي جهة كان، بحسب ما يوجَّه إليه. وهي ظرف يفيد العموم في المكان، والمراد هنا تصوير سرعة انقياد ذلك الجمل لقائده.

* قِيدَ:

أي: جُعل له القيد، أو أُخذ بزمامه ليُقاد. والقيد ما يُربط به البعير ونحوه، ويُستعمل كذلك في معنى الأخذ بالزمام وتوجيه الدابة.

* انْقَادَ: أي: استجاب وانساق ولم يمتنع. والانقياد هو الخضوع والاستجابة للأمر، وضده الإباء والامتناع والعناد.

والمعنى الإجمالي للتشبيه: أن المؤمن ينبغي أن يكون سريع الاستجابة للحق، إذا عرفه لم يستكبر عن قبوله، وإذا دُعي إلى طاعة الله ورسوله لم يعاند ولم يتبع هواه.

وينبغي التنبه إلى أن هذا التشبيه في سياق الوصية بالطاعة الشرعية، لا يعني أن المؤمن يتبع كل أحد في كل قول وفعل، ولا أنه يطيع في المعصية؛ وإنما ينقاد لما أوجبه الله عليه من الحق والطاعة في المعروف.

 

وبهذا يتبين أن الحديث يجمع بين ثلاثة أصول عظيمة: وضوح سبيل الحق، ولزوم السنة عند الاختلاف، والطاعة الشرعية في المعروف؛ فمن جمع هذه الأصول، كان على طريق النجاة بإذن الله تعالى.

 

المعنى الإجمالي لحديث العرباض بن سارية _رضي الله عنه_:

 

ذكر الحافظ المنذري _رحمه الله تعالى_ هذا الحديثَ في باب (الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء)،

وهو حديث عظيم يشتمل على وصية جامعة من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، يبين فيها سبيل النجاة عند ظهور الاختلاف، ويحث على التمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين، ويحذر من مخالفة هديهم واتباع الأهواء والبدع.

 

ومعنى قوله: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ»؛ أي: ألقى عليهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ موعظةً بليغةً مؤثرةً، اشتملت على التذكيرِ بالله _تعالى_، والتخويفِ من عذابه، والحثِ على طاعته، حتى رقّت لها قلوب الصحابة رضي الله عنهم، وفاضت أعينهم بالدموع، لما وجدوا فيها من عظيم التأثير وشدة التذكير بالآخرة.

 

فلما رأوا عظيم أثر تلك الموعظة في نفوسهم، وشعروا بما اشتملت عليه من الوصايا الجامعة، قالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟»؛ أي: إن هذه الموعظة تشبه موعظة من يودع أصحابه قبل مفارقتهم، لِمَا ظهر فيها من عظيم التأثير وجوامع الوصايا، فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يوصيهم بوصية جامعة ينتفعون بها من بعده.

 

فأخبرهم _صلى الله عليه وسلم_ أنه قد تركهم على «الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا»، أي على شريعة واضحة ظاهرة، لا خفاء فيها ولا التباس، قد بيّن لهم معالم الدين وسبل الهدى، حتى صار الحق فيها جليًّا كوضوح النهار، لا يحتاج من أراد معرفته إلى تكلف أو حيرة.

ثم بيّن أن من ينحرف عن هذا الطريق الواضح بعد قيام الحجة عليه، فقد عرّض نفسه للهلاك والضلال.

 

ثم أخبرهم صلى الله عليه وسلم بما سيقع بعده من كثرة الاختلاف وتفرق الأهواء، فقال: «مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»؛ أي إن من طال به العمر من أصحابه فسيدرك أزمانًا تظهر فيها الفتن، وتتعدد فيها المقالات والآراء، ويختلف الناس في أمور الدين، ويكثر الافتراق عن سبيل الحق.

 

ولما أخبرهم بهذا الاختلاف، أرشدهم إلى طريق النجاة منه، فقال: «فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ»؛

أي: الزموا سنتي وطريقتي، وتمسكوا بما ثبت عني، وبما كان عليه خلفائي الراشدون المهديون من بعدي، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فإن طريقتهم قائمة على الهدى والحق، وهم أعرف الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشدهم اتباعًا لها.

 

ثم بالغ في الحث على لزوم هذه السنة والثبات عليها، فقال: «عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»؛

أي: تمسكوا بها تمسكًا شديدًا، والزموا العمل بها، ولا تتخلوا عنها عند ظهور الفتن وتكاثر المخالفين، وشبّه شدة التمسك بها بعضِّ الأضراس، وهي النواجذ، للدلالة على غاية الثبات والحرص.

 

ثم أوصى بالطاعة، فقال: «وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا»؛

أي: الزموا طاعة من تولى أموركم من ولاة المسلمين في المعروف، ولا تجعلوا اختلاف الأنساب والألوان أو منزلة الإنسان الاجتماعية سببًا للامتناع عن الطاعة الواجبة، حتى لو كان الوالي عبدًا حبشيًّا.

وليس المراد طاعته في المعصية، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

 

ثم ختم هذه الوصية بقوله: «فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ»؛

أي: إن المؤمن الكامل الإيمان ينبغي أن يكون سريع الانقياد للحق، سهل الاستجابة لما أمر الله به ورسوله، لا يستكبر عن قبول الهدى، ولا يعاند إذا ظهر له الدليل. وشبّهه بالجمل الأنف، وهو الجمل الذي أصاب أَنْفَهُ وَجَعٌ أو قرح، فإذا قُيِّد انقاد بسهولة، ولم يمتنع لشدة تألمه من أن يقاد.

 

وخلاصة المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم ما سيقع في أمته من اختلاف وافتراق وظهور للأهواء والبدع، أوصى أصحابه بلزوم الطريق الواضح الذي تركهم عليه، والاعتصام بسنته وسنة خلفائه الراشدين، والثبات على ذلك ثباتًا لا تزعزعه الفتن، كما أوصاهم بلزوم الطاعة الشرعية لولاة أمور المسلمين في المعروف.

 

وفي الحديث بيان أن النجاة عند اختلاف الناس ليست باتباع كل قول يظهر، ولا بالانتصار للأهواء والآراء، وإنما بالرجوع إلى الوحي، والتمسك بالسنة، والاقتداء بهدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وخلفائه الراشدين، مع لزوم الجماعة والطاعة في المعروف.

 

تخريج الحديث :

 

أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 16) (رقم : 43)، وأحمد في "مسنده" (28/ 367) (رقم : 17142)، وابن أبي عاصم في "السنة" (1/ 26) (رقم : 48)، والطبراني في "المعجم الكبير" (18/ 247 و 257) (رقم : 619 و 642)، وفي "مسند الشاميين" (3/ 172) (رقم : 2017)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحينِ" (1/ 175) (رقم : 331)، والبيهقي في "المدخل إلى السنن الكبرى" (ص: 115) (رقم : 51)، وأبو نعيم في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (1/ 35 و 37) (رقم : 2 و 5)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (1/ 82) (رقم : 79)، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام في "الْخُطَبِ والمَوَاعِظِ" (ص: 89) (رقم : 2)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 1163) (رقم : 2303).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 805) (رقم: 4369)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2/ 610) (رقم: 937)

 

من فوائد الحديث:

 

قال أبو نعيم _رحمه الله_ في "المسند المستخرج على صحيح مسلم" (1/ 37):

"فَتَلَقَّتِ الْهُدَاةُ وَالْعُقَلاءُ وَصِيَّةَ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَبُولِ وَلَزِمُوا التَّوْطِينَ عَلَى سُنَّتِهِ وَسُنَّةِ الْهُدَاةِ الْمُرْشِدَةِ مِنَ الْخُلَفَاءِ،

فَلَمْ يَرْغَبُوا عَنْهُ بَلْ عَلِمُوا أَنَّ الثُّبُوتَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إِلا بِتَتَبُّعِ مَا سَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنَّهُ بَعْدَهُ أَئِمَّةُ الْهُدَى الَّذِينَ هُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي أُمَّتِهِ،

فَتَرَكُوا الِاشْتِغَالَ بِهَوَاجِسِ النُّفُوسِ وَخَوَاطِرِ الْقُلُوبِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُوَلِّدُ آرَاءَ النُّفُوسِ وَقَضَايَا الْعُقُولِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَزِيغُوا عَنِ الْمَحَجَّةِ الَّتِي فَارَقَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الَّذِي شَبَّهَ لَيْلَهَا بِنَهَارِهَا مَعَ مَا جَاءَهُمْ عَنِ اللَّهِ _تَعَالَى_ مِنَ الْوَعِيدِ الْبَلِيغِ الْمُصَرِّحِ بِنَفْيِ الإِيمَانِ عَمَّا خَالَفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ طَعَنَ عَلَى أَحْكَامِهِ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ وَذَلِكَ مَا

 

وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري الرازي، الشهير بـ"اللالكائِيِّ" (المتوفى: 418 هـ) _رحمه الله_ في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (1/ 82):

"سِيَاقُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ , وَالْخَالِفِينَ لَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (27/ 726):

"وما قُبض -صلى الله عليه وسلم- حتّى أكمل له ولأُمته الدينَ، ولهذا أنزل عليه بعرفة قَبْلَ موته بمدة يسيرة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

 

قلت: هذا يوافق قول الله _تعالى_:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} الآية [التوبة: 115]

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (1/ 196_197):

"وَفِي الْجُمْلَةِ فَمَا تَرَكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَلَالًا إِلَّا مُبَيَّنًا وَلَا حَرَامًا إِلَّا مُبَيَّنًا، لَكِنَّ بَعْضَهُ كَانَ أَظْهَرَ بَيَانًا مِنْ بَعْضٍ، فَمَا ظَهَرَ بَيَانُهُ وَاشْتَهَرَ وَعُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَكٌّ، وَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهْلِهِ فِي بَلَدٍ يَظْهَرُ فِيهِ الْإِسْلَامُ، وَمَا كَانَ بَيَانُهُ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْهُ مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ خَاصَّةً، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَمِنْهُ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ أَيْضًا، فَاخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ: مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ النَّصُّ عَلَيْهِ خَفِيًّا لَمْ يَنْقُلْهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمْ يَبْلُغْ جَمِيعَ حَمَلَةِ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَنْقُلُ فِيهِ نَصَّانِ، أَحَدُهُمَا بِالتَّحْلِيلِ، وَالْآخَرُ بِالتَّحْرِيمِ، فَيَبْلُغُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَحَدَ النَّصَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَتَمَسَّكُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ، أَوْ يَبْلُغُ النَّصَّانِ مَعًا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّارِيخُ، فَيَقِفُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالنَّاسِخِ.___

وَمِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومٍ أَوْ مَفْهُومٍ أَوْ قِيَاسٍ، فَتَخْتَلِفُ أَفْهَامُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا كَثِيرًا. وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهِ أَمْرٌ، أَوْ نَهْيٌ، فَتَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، وَفِي حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوِ التَّنْزِيهِ، وَأَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَمَعَ هَذَا فَلَابُدَّ فِي الْأُمَّةِ مِنْ عَالِمٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ، فَيَكُونُ هُوَ الْعَالِمَ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَغَيْرُهُ يَكُونُ الْأَمْرُ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ عَالِمًا بِهَذَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَلَا يَظْهَرُ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا، فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ مَهْجُورًا غَيْرَ مَعْمُولٍ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ، وَلِهَذَا «قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُشْتَبِهَاتِ: لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مُشْتَبِهَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا، وَلَيْسَتْ مُشْتَبِهَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِاشْتِبَاهِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (ص: 727):

"وبالجملة فالنبي صلى الله عليه وسلم توفي وقد تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها.

ولكن أفهام العلماء تختلف، ويبلغ بعضهم من السنة مالا يبلغ الآخر.

فمن هنا وأشباهه من الأعذار، ينشأ الخلاف بينهم، وكل منهم ذو مقصد حسن. رحمهم الله تعالى أجمعين." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله_ في "فيض القدير" (6/ 216):

"إن المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ لَمْ يَمُتْ حتى ترك الناس على شريعة بيضاء، ليلُها كنهارها، لا تحتاج إلى تتمة، ولا تفتقر إلى زيادة، وحسبك في الرد عليهم {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} [المائدة: 3]." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "الضياء اللامع من الخطب الجوامع" (2/ 333):

"فما من شيء يحتاج الناس لمعرفته من أمور الدين والدنيا إلا بين لهم ما يحتاجون إليه فيه حتى صاروا على طريقة بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتيه فيها إلا أعمى القلب.

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (8/ 49):

"ولا ريب بل قد اتضحتْ إِيْضَاحَ النَّهَارِ، ومنه: يعلم أنه لا لُبْسَ في دين الله ولا يحتاج إلى تكلفات المتكلمين وشَطَحَاتِ الْمُتَهَوِّكِيْنَ." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (ص: 400):

"إن الشرع يؤخذ عن الشارع بلا زيادة ولا غُلُوّ، ولا نقصان ولا جفاء.

ومن شرع عبادة لم يشرعها الله ورسوله، فقد كذَّب الله سبحانه في قوله {الْيَوْمَ أكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} واستدرك على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها". اهـ

 

وقال عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422 هـ) _رحمه الله_ في "موارد الظمآن لدروس الزمان (1/ 502_503):

"وَقَالَ أَبُو ذَرْ: لَقَدْ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا طَائُرٌ يُقَلِّبُ جِنَاحَيْهِ في السَّمَاءِ إِلا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا.

وَلا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ كِتَابِ اللهِ وَسَنَّةَ رَسُولِهِ، وَاعْتَاضَ عَنْهُمَا بالقَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ أَنَّهُ كافرٌ كُفْرٌ نَاقِلٌ عَنِ الْمِلَّةِ الإِسْلامِيَّةِ، وَكَذَا مَنِ اسْتَهْزَأَ بالقُرْآنِ أَوْ طَلَبَ تَنَاقُضَهُ أَوْ دَعْوَى أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ أَوْ مُخْتَلِقٌ أَوْ أَثْبَتَ شَيْئًا نَفَاهُ القُرْآنُ أَوْ نَفَا مَا أَثْبَتَهُ القُرْآنُ، فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ تَعَالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88]،

وَقَالَ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } [النساء: 82]___

وَلا خِلافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ مَنْ جَحَدَ مِنْ القُرْآنِ سُورَةً أَوْ آيَةً أَوْ كَلِمَةً أَوْ حَرْفًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ.

وَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَسَعُهُ الْخُروجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، كَمَا وَسِعَ الخَضْرُ الخروجُ عن شَرِيعَةِ مُوسى، أَوْ زَعَمَ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلُ مِنْ هَدْيِهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ أَحْسَنْ؛ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ لا يَسَعُ النَّاسَ في مِثْلِ هَذِهِ العُصُورِ إلا الخِروجُ عن الشريعةِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ كافيةٌ في الزَّمَانِ الأَوَّلِ فَقَطْ وَأَمَّا في هَذِهِ الأزْمِنَةِ فَالشَّرِيعَةِ لا تُسَايِرُ الزَّمَنَ ولا بُدَّ مِنْ تَنْظِيمِ قَوَانِينِ بِمَا يُنَاسِبُ الزَّمَنُ، فَلا شَكَّ أَنَّ هَذا الاعْتِقَادِ إِذَا صَدَرَ مِنْ إِنْسَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَهَانَ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَنَقَّصَهُمَا وَلا شَكَّ في كُفْرِهِ وَخُروجِهِ مِنْ الدِّينِ الإسْلامِي بالكُلِّيَّةِ.

وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُحْتَاج لِلشَّرِيعَةِ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دَوُنَ البَاطِنْ، أَوْ فِي عِلْمِ البَاطِنِ فَقَطْ أَوْ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ أَوْ أَنَّ هَذِهِ الشَّرَائِعِ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ، أَوْ اسْتَهَانَ بِدِينِ الإِسْلامِ، أَوْ تَنَقَّصَهُ أَوْ هَزَلَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ أَوْ بِمَنْ جَاءَ بِهِ وَكَذَلِكَ أَلْحَقَ بَعْضُ العُلَمَاءِ الاسْتِهَانَةِ بِحَمَلَتهِ لأَجْلِ حَمْلِهِ فَهَذِهِ الأمورُ كُلُّهَا كُفْر. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ." اهـ

 

وقال عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن السلمان (المتوفى: 1422 هـ) _رحمه الله_ في "موارد الظمآن لدروس الزمان" (4/ 246):

"وبذَلِكَ قَدْ وضح الأَمْر وتبين الرشد من الغي والهدى من الضلال، ولم يبق بعد ذَلِكَ حجة لطالب الرشد ولا عذر لمن وقع في الغواية،

ولكن فريقًا من النَّاس وضعوا عقولهم تحت أرجلهم، ولم يبالوا بمخالفة الكِتَاب والسنة، واتبعوا الشهوات أنفسهم، فعميت بصائرهم، وأسقطوا أنفسهم من درجة الكمال الَّذِي أعدهم الله له." اهـ

 

وقال إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، الشهير بـ"الشاطبي" (المتوفى: 790هـ) _رحمه الله_ في "الاعتصام" – ت. الشقير والحميد والصيني (1/ 65)

"وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أَتَى بِبَيَانِ جَمِيعِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَهَذَا لَا مُخَالِفَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْمُبْتَدِعُ إِنَّمَا مَحْصُولُ قَوْلِهِ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَتِمَّ، وَأَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ اسْتِدْرَاكُهَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِكَمَالِهَا وَتَمَامِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَمْ يَبْتَدِعْ، وَلَا اسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا، وَقَائِلُ هَذَا ضَالٌّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ." اهـ

 

قلت:

مصداق ذلك: ما أخرجه والطبراني في المعجم الكبير (2/ 155) (رقم: 1647):

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: تَرَكْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ، إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ، إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ»

صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة (4/ 416) (رقم: 1803)

 

وفي "قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (ص: 151) للقنوجي:

"وعن ابن عباس قال: "من تعلم كتاب الله، ثم اتَّبع ما فيه، هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب في الآخرة".

وعن عمر بن الخطاب قال: "تُرِكْتم على الواضحة ليلها كنهارها، كونوا على دين الأعراب والغلمان في الكُتَّاب".

وعن علي بن أبي طالب قال: "تُرِكتم على الجادة: [منهج] عليه أم الكتاب" أخرجها رزين.

وعن ابن مسعود أنه قال:

"من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيهم صلى الله عليه وسلم ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم__من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" أخرجه رزين." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه" (1/ 522)

"في فوائده:

1 - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو اتّباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأن اتباع سنّتهم -رضي الله عنهم- عينُ اتّباع سنته -صلى الله عليه وسلم-.___

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه (1/ 523)

2 - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من وعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد.

3 - (ومنها): ما أعطى الله سبحانه وتعالى نبيّه -صلى الله عليه وسلم- من بلاغة الكلام، وفصاحة اللسان، وجوامع الكلم، كما أوضح ذلك بقوله -فيما أخرجه الشيخان وغيرهما-: "بُعثتُ بجوامع الكلم"، وفي لفظ: "أعطيت جوامع الكلم ... " الحديث.

4 - (ومنها): وجوب تقوى الله تعالى، والسمع والطاعة لولاة الأمور، ما لم يأمروا بمعصية، كما ثبت ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" متّفق عليه، واللفظ لمسلم.

5 - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، فقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- بما يقع في أمته بعده من الاختلاف الشديد، وقد وقع كما أخبر كما تشهد بذلك كتب التواريخ التي تصدّت لبيان الوقائع والحوادث.

6 - (ومنها): الأمر بملازمة سنّته -صلى الله عليه وسلم-، وسنة خلفائه الراشدين والعضّ عليها عند وقوع الاختلاف في الأمة، كما يَعَضّ الإنسان على الأشياء الثمينة التي يَخاف عليها التفلّت والخروج من يده.

7 - (ومنها): أن سنّة خلفائه الراشدين هي سنته -صلى الله عليه وسلم- حيث أمر بالتمسّك بها؛ لأنها إما سنته الصريحة القوليّة، أو الفعليّة، أو هي مستنبطة من كتاب الله سبحانه وتعالى، أو سنته -صلى الله عليه وسلم-.

8 - (ومنها): وجوب الابتعاد عن البِدَع، ومحدثات الأمور التي لا يؤيّدها كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع؛ لأنها ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار، أعاذنا الله تعالى من عذاب النار، وجعلنا من أهل الجنّة دار الأبرار، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه" (1/ 546_547):

"المؤمن كالجمل الذي جُعل الزمام في أنفه، فيجُرّه من شاء من صغير وكبير، ورجال ونساء إلى حيث يشاء، كما أوضحه بقوله: "حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ". و"حيثما" اسم شرط جازمة تجزم شرطها وجوابها، و"قيد" بكسر القاف مبنيّا للمفعول فعل شرطها، و"انقاد" مطاوع قاد جوابها: أي إلى أيّ مكان جُرّ انجرّ إليه، ولا يستعصي على___من أراد قيادته." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه" (1/ 547):

"من شأن المؤمن: تركَ التكبّر، ولزومَ التواضع، فلا يَأْنَف عن قبول الحقّ، من أي شخص كان، بل يخضع له، ويستجيب، ويقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

 

ومن فوائد الحديث أيضا:

 

هذا الحديث من الجوامع العظيمة في باب الاعتصام بالسنة ووضوح الشريعة، وقد تضمن فوائد كثيرة جدًا، منها:

1_ فيه: كمال البلاغ النبوي، فالنبي ﷺ بلّغ الدين كله بلا نقص، فلم يترك خيرًا إلا دل عليه، ولا شرًّا إلا حذّر منه، حتى صار الدين في غاية البيان والوضوح، وهذا من أعظم دلائل نبوته.

2_ فيه: بيان وضوح الشريعة، فشبّهها بالبيضاء. والبياض من أشد الألوان وضوحًا وظهورًا، فدلّ ذلك على أن الشريعة بيّنة لمن طلب الحق، ليست غامضة ولا محتاجة إلى فلسفة.

3_ فيه: أن الدين بيّن في جميع الأحوال، كما أن الليل والنهار متساويان في الإنارة في هذا التشبيه، أي: لا يخفى الحق في حال الفتن ولا في حال الأمن.

4_ فيه: بطلان الحجة والعذر عن المنحرفين، فإذا كان الطريق واضحًا كهذا، فلا يُعذر من ضلّ عنه؛ لأن العذر إنما يكون عند خفاء الدليل، أما مع البيان فلا حجة لأحد.

5_ فيه: تحذير من الزيغ والابتداع، فقوله: "لا يزيغ عنها إلا هالك" فيه: تحذير من الابتداع ومخالفة السنة؛ لأن الميل عن هذا النور المستقيم هو طريق الهلاك.

6_ فيه الاعتصام بالوحي عصمة من الضلال، فطريق النجاة هو التمسك بالقرآن والسنة، فمن اعتصم بهما عصمه الله من الضلال في الدنيا ومن العذاب في الآخرة.

7. _ فيه بيان شمولية الدين وكماله، فهذا الدين بيّن في عقائده، وعباداته، وأخلاقه، ومعاملاته، فلا يحتاج إلى زيادة ولا إلى إحداث طرق جديدة.

8_ فيه: أن التشبيه بالبياض دلالة على الطهارة والصفاء، كما أن البياض رمز للنقاء والخلو من الشوائب، فدين الإسلام طاهر من البدع والشبهات إذا أُخذ من منبعه الصافي.

9_ فيه: إثبات الحجة على الأمة، فقوله ﷺ: "لقد تركتكم" فيه تقرير بأنه قد أتم البلاغ وأقام الحجة، فلا يبقى لأحد عذر إذا أعرض أو ضل.

10_ فيه: بيان صفة الهالك، فالهلاك الحقيقي هو الانحراف عن الجادة، سواء بالغلو أو بالتفريط، فليس الهلاك موت الأبدان، بل موت القلوب عن الحق.

11_ فيه: إشارة إلى استمرار الوضوح عبر الزمان، فالدين ليس خاصًا بزمان الصحابة فقط، بل سيبقى واضحًا لكل من طلبه بإخلاص إلى قيام الساعة.

12_ فيه: تحذير من اتباع الأهواء، فالميل عن الطريق المستقيم غالبًا سببه اتباع الهوى، فالنبي ﷺ حذر أمته من ذلك، لأنه أصل كل ضلال.

13_ فيه: عظم شأن السنة، فالسنة هي المبيّنة للقرآن، وهي الطريق الذي يحفظ بياض الشريعة وصفاءها، فمن تركها، زاغ وهلك.

14_ فيه: أن الأمة على سبيل الهداية ما تمسكت بالنور، فكلما تمسكت الأمة بالكتاب والسنة، اجتمعت، وكانت على الحق، وإذا تركتهما، تفرقت وضلّت.

15_ فيه: بيان يسر الدين، فقوله "ليْلها كنهارها" دليل على أن الدين واضح وميسّر، لا لبس فيه، ومن شدّد على نفسه حتى رأى الدين صعبًا، فقد خالف هذا البيان.

16_ فيه: رد على أهل البدع والظلمات كالذين يزعمون أن الدين غامض أو يحتاج إلى رموز وباطن، إنما خالفوا هذا الحديث، فالحق ظاهر لا يحتاج إلى تلبيس.

17_ فيه: وجوب شكر نعمة البيان، فوضوح الدين نعمة تستوجب الشكر، لأنه لولا هذا البيان، لضلّت الأمة، كما ضلت الأمم قبلها.

18_ فيه: إشارة إلى أن النجاة بالاتباع لا بالابتداع، فالطريق إلى الله هو الاتباع، أما الابتداع، فهو زيغ. ومن زاغ، هلك.

19_ فيه: وجوب طلب العلم الشرعي، فمن لم يعرف الطريق الواضح وقع في الضلال، وطلبُ العلمِ هو الوسيلة لمعرفة معالم هذه البيضاء.

20_ فيه: أن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين لا الدنيا، فالخطر على الإنسان ليس في فقد المال أو الأهل، بل في فقد الهداية والخروج عن هذا الطريق البيّن.

21_ فيه: تحذير من الفتن المظلمة، فالنجاة من الفتن، لا تكون، إلا بالتمسك بالبيضاء، فمن حاد عنها، تاه في الظلمات.

22_ فيه: بيان أن الدين كامل منذ حياة النبي ﷺ، فهذا الحديث يدل على أن الشريعة كملت في حياة النبي ﷺ، فلا ينتظر المسلم زيادة من أحد بعده.

23_ فيه: أن النبي ﷺ ناصح أمين، فبيانه ﷺ لهذه الحقيقة هو من أعظم دلائل نصحه لأمته، فقد تركها على طريق واضح محفوظ.

24_ فيه: تأكيد قاعدة: (الدين بيّن، وإنما الخلل في الناس لا في الشرع)، فالدين بيّن لمن طلبه، وإنما الضلال يأتي من الجهل والهوى، لا من نقص في الشريعة.

25_ فيه: إشارة إلى أن الهداية ليست في الطرق الكثيرة، وإنما في طريق واحد مستقيم، فالشريعة طريق واحد، من حاد عنه وقع في الهلاك، وكل ما سواه طرق متفرقة تفرق بأهلها عن سبيل الله.

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث من الوصايا النبوية الجامعة، جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصولًا عظيمة في الاعتقاد والاتباع والاستقامة، وحذّر أمته من الفتن والاختلاف والزيغ عن سبيل الهدى. وفيما يأتي جملة من فوائده ودُرره:

1- مشروعية الموعظة والتذكير بالله تعالى.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح وصيته بموعظة بليغة، دلّت على أن تذكير الناس بالله، وتخويفهم من عذابه، وترغيبهم في ثوابه، من أجلِّ أبواب الدعوة والإصلاح؛ إذ به تحيا القلوب بعد غفلتها، وتستيقظ النفوس من رقدتها.

2- أن الموعظة البليغة تؤثر في القلوب الصادقة.

فإن الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا موعظة النبي صلى الله عليه وسلم ذرفت عيونهم ووجلت قلوبهم، وذلك لما في قلوبهم من الإيمان واليقين، ولما اشتملت عليه الموعظة من التذكير بالله والدار الآخرة. فدل ذلك على أن حياة القلب تظهر آثارها عند سماع الوحي والمواعظ النافعة.

3- أن خشية الله من أجلِّ صفات المؤمنين.

فإن وجَل القلب من مواعظ الشرع وآياته من دلائل حياة القلب، وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال: 2].

4- أن البكاء من خشية الله فضيلة عظيمة.

فإن دموع الصحابة _رضي الله عنهم_ سالت عند سماع الموعظة النبوية، وفي ذلك بيان أن رقّة القلب وسيلان الدمع عند التذكير بالله من علامات التأثر بالحق، إذا كان ذلك ناشئًا عن صدق الإيمان والخشية.

5- حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الوصايا الجامعة.

فإنهم لما وجدوا في الموعظة ما يدل على عظيم شأنها، بادروا إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما يعهد إليهم به، وذلك دليل على شدة رغبتهم في الخير، وحرصهم على اغتنام مجالسه، واستبقاء وصاياه.

6- جواز وصف الموعظة بأنها موعظة مودّع عند ظهور ما يقتضي ذلك.

فإن الصحابة رضي الله عنهم وصفوا تلك الموعظة بأنها موعظة مودّع، لما ظهر فيها من شمول الوصية وعظيم التأثير، وليس في ذلك جزم منهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بقرب وفاته.

7- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلّغ الرسالة وأوضح المحجة.

فإن قوله: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ» يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك أمته في حيرة من أمر دينها، بل بيّن لها أصول الهدى وسبل النجاة، وأقام عليها الحجة، وأوضح معالم الشريعة.

8- أن دين الإسلام دين واضح لا غموض في أصوله.

فإن وصف الشريعة بالبيضاء التي ليلها كنهارها يدل على ظهور أدلتها ووضوح معالمها، وأن الحق فيها بيّن لمن طلبه من طريقه، ولم يعرض عنه اتباعًا للهوى أو تقليدًا بغير بصيرة.

9- أن وضوح الحق لا يستلزم انتفاء الفتن والاختلاف.

فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته على المحجة البيضاء، ومع ذلك أخبر بوقوع الاختلاف الكثير بعدها؛ فدل ذلك على أن ظهور الفتن لا يكون ناشئًا عن خفاء الشريعة، وإنما يكون كثيرًا بسبب اتباع الأهواء والإعراض عن الدليل والجهل بالحق.

10- التحذير الشديد من الزيغ عن سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم.

فإن قوله: «لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ» وعيد عظيم لمن أعرض عن الطريق الواضح الذي تركهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بيان أن النجاة في لزوم الوحي، والهلاك في الانحراف عنه.

11- أن مخالفة الحق بعد ظهوره من أسباب الهلاك.

فليس كل من خالف السنة معذورًا، بل من قامت عليه الحجة، وعرف سبيل الهدى، ثم أعرض عنه استكبارًا أو اتباعًا لهواه، فقد عرّض نفسه للزيغ والهلاك.

12- إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع في أمته من الاختلاف من دلائل نبوته.

فقد أخبر عن ظهور الاختلاف الكثير بعد وفاته، فوقع الأمر كما أخبر، وفي ذلك شاهد على صدق رسالته، وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، بل هو رسول يوحى إليه.

13- أن الاختلاف الكثير من الفتن التي ينبغي للمؤمن أن يستعد لها.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالإخبار عن وقوع الاختلاف، بل أرشد إلى ما يعصم منه، وهذا يدل على أن المؤمن ينبغي له أن يتزود من العلم والبصيرة قبل ورود الفتن، حتى لا تضطرب به الأهواء عند نزولها.

14- أن الاختلاف ليس دليلًا على تعدد الحق.

فإن الحق واحد، وإن كثرت الأقوال والمذاهب والفرق، وليس كل قول يُدَّعى أنه حق يكون حقًّا، بل الواجب ردّ الأقوال إلى الكتاب والسنة، فما وافقهما قُبل، وما خالفهما رُدَّ على قائله.

15- وجوب التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

فإن قوله: «فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي» أمر بلزوم هديه وطريقته، في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات، وفيه أن السنة هي المرجع عند تنازع الناس واختلافهم.

16- أن السنة النبوية هي سبيل النجاة عند ظهور الفتن.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن الاختلاف أرشد إلى التمسك بسنته، فدل ذلك على أن العصمة من الضلال تكون بالرجوع إلى هديه، لا باتباع الآراء المجردة، ولا بالانتصار للأهواء والعصبيات.

17- أن السنة تشمل أبواب الدين كلها.

فليست السنة مقصورة على هيئات العبادات وأعمال الجوارح، بل تشمل الاعتقاد والقول والعمل والأخلاق والمعاملات، وكل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هديه وطريقته.

18- فضل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بالرشد والهداية، وأمر بالتمسك بسنتهم، وفي ذلك بيان لفضلهم وعلو منزلتهم، وأنهم أئمة هدى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

19- أن الخلفاء الراشدين هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

وهم الذين تعاقبوا على خلافة المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمع لهم فضل الصحبة، والسابقة في الإسلام، والقيام بأمر الأمة، ونشر العدل، وإقامة الدين.

20- مشروعية الاقتداء بالخلفاء الراشدين.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم قرن سنتهم بسنته في الوصية بالاتباع، وهذا يدل على عظيم شأن طريقتهم، ووجوب العناية بما ثبت من هديهم، ولا سيما ما كان من السنن التي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بها.

21- أن سنة الخلفاء الراشدين لا تنفصل عن أصل السنة النبوية.

فإنهم لم يكونوا دعاة إلى دين مستحدث، وإنما كانوا أتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قائمين على هديه، ناشرين لسنته، مجتهدين في حفظ الشريعة وإقامة أحكامها.

22- أن البدع والأهواء من أعظم أسباب الاختلاف المذموم.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى السنة عند ظهور الاختلاف، فدل ذلك على أن من أعظم أسباب الافتراق الإعراض عن هدي النبوة، واتباع ما تمليه الأهواء والآراء المخالفة للدليل.

23- أن البدعة لا تصير حقًّا بكثرة فاعليها.

فإن كثرة المخالفين لا تجعل ما أحدثوه في الدين مشروعًا، ولا تُخرج الباطل عن كونه باطلًا؛ إذ الميزان هو الدليل الشرعي، لا كثرة الأتباع ولا شيوع المقالات.

24- وجوب تعظيم السنة والحرص على حفظها.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوص بمجرد معرفة السنة، بل أمر بالتمسك بها تمسكًا شديدًا، وهذا يقتضي العناية بحفظ أحاديثها، وفهم معانيها، والعمل بمقتضاها، والدعوة إليها.

25- أن التمسك بالسنة يحتاج إلى صبر وثبات.

فإن قوله: «عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» يدل على أن لزوم السنة قد يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة، ولا سيما عند كثرة المخالفين، وظهور الفتن، واشتداد الغربة على أهل الاستقامة.

26- أن شدة التمسك بالسنة من أسباب السلامة عند الفتن.

فإن من جعل السنة إمامه ودليله لم تستخفه كثرة المقالات، ولم تزعزعه تقلبات الناس، بل يرجع إلى الوحي عند التنازع، ويزن به أقوال الرجال وأعمالهم.

27- أن العبرة في الأقوال والأعمال بموافقتها للشرع، لا بمجرد شهرتها.

فقد يشتهر قول بين الناس، ويتناقله الخلق، ثم يكون مخالفًا للدليل؛ فلا يجوز أن يُجعل شيوعه حجة على صحته، وإنما الحجة فيما ثبت عن الله ورسوله.

28- أن طاعة ولاة الأمور من أصول أهل السنة والجماعة.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالطاعة بعد الأمر بالتمسك بالسنة، وهذا يدل على أهمية اجتماع الكلمة، ولزوم الجماعة، وترك ما يفضي إلى الفتن والاضطراب، مع التقيد بأحكام الشرع.

29- أن طاعة ولاة الأمور مقيدة بالمعروف.

فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب الطاعة فيما كان من المعروف، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».

30- أن المعصية لا تُطاع فيها سلطة ولا ولاية.

فمهما عظم قدر الآمر، أو علت منزلته، لم يجز للمسلم أن يطيعه في مخالفة أمر الله تعالى؛ إذ حق الله مقدم على حقوق العباد، ولا يجوز أن يُتخذ أمر المخلوق ذريعة إلى معصية الخالق.

31- أن اختلاف الأنساب والألوان لا يسقط الحقوق الشرعية.

فإن ذكر العبد الحبشي يدل على إبطال ما كانت الجاهلية تعظمه من العصبية للنسب واللون والمنزلة الاجتماعية، وأن المعتبر في هذا الباب هو الحكم الشرعي، لا مفاخر الدنيا وأوهام الجاهلية.

32- أن الولاية الشرعية لا تُقاس بمقاييس التعاظم الجاهلي.

فلا ينبغي للمسلم أن يرد الحق أو يمتنع من الواجب لمجرد أن الآمر دون غيره في النسب أو اللون أو المكانة الدنيوية؛ فإن أحكام الشرع لا تتبدل باختلاف هذه الاعتبارات.

33- أن المؤمن ينبغي أن يكون سهل الانقياد للحق.

فإن قوله: «فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ» يدل على أن من شأن المؤمن سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله، وقبول النصيحة، وترك العناد والاستكبار.

 

34- ذم العناد والإباء عن قبول الحق.

فإن المؤمن إذا تبين له الدليل لم يجز له أن يردّه تعصبًا لمذهب أو شيخ أو جماعة أو هوى، بل الواجب عليه الانقياد للحق، وإن خالف ما ألفه أو اعتاده.

35- أن قبول الحق من دلائل كمال الإيمان.

فإن الإيمان الصحيح يورث صاحبه خضوعًا لله تعالى، واستسلامًا لأمره، واتباعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكلما قوي الإيمان في القلب عظم انقياد صاحبه للحق.

36- أن المؤمن يجمع بين التمسك بالسنة والطاعة في المعروف.

فليس التمسك بالسنة ذريعة إلى الفوضى ومنازعة الأمر، كما أن الطاعة لا تكون ذريعة إلى مخالفة الشرع؛ بل يجمع المؤمن بين اتباع الوحي، ولزوم الجماعة، وأداء الحقوق الشرعية.

37- أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في وصيته بين إصلاح الدين وإصلاح أمر الجماعة.

فبدأ بالأمر بالتمسك بالسنة، ثم أوصى بالطاعة، وفي ذلك بيان أن استقامة الاعتقاد والعمل، مع حفظ الجماعة واجتماع الكلمة، من أعظم أسباب صلاح الأمة وسلامتها.

38- أن الوصايا الجامعة من أحسن طرائق التعليم النبوي.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب أصحابه بوصايا قليلة الألفاظ، عظيمة المعاني، اشتملت على أصول يحتاج إليها المسلم في جميع أحواله، وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم.

39- أن من الحكمة تقديم الأصول المحكمة عند التحذير من الفتن.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر لهم تفاصيل كل اختلاف سيقع، وإنما دلهم على الميزان الذي يردون إليه جميع الاختلافات، وهو سنته وسنة خلفائه الراشدين.

40- وجوب رد النزاع إلى الكتاب والسنة.

فإن الأمر بلزوم السنة عند الاختلاف يدل على أن ما تنازع فيه الناس يجب رده إلى الوحي، كما قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: 59].

41- أن كثرة الفتن لا تسوغ ترك الحق.

فقد يشتد الاختلاف، وتكثر المقالات، وتلتبس الأمور على بعض الناس، ولكن ذلك لا يبيح للمسلم أن يتبع كل ناعق، أو يتنازل عن أصول الدين؛ بل عليه أن يزداد تمسكًا بالسنة وبصيرةً بالدليل.

42- أن المؤمن لا يجعل الأشخاص ميزانًا لمعرفة الحق.

بل يجعل الحق هو الميزان الذي يعرف به الرجال والأقوال؛ فمن وافق الدليل قُبل قوله، ومن خالفه رُدَّ عليه، مهما علت منزلته أو كثر أتباعه.

43- فضل العلم الشرعي في الوقاية من الفتن.

فإن التمسك بالسنة لا يتحقق على وجهه إلا بمعرفتها وفهمها، ولذلك كان العلم النافع من أعظم أسباب الثبات، ومن أعظم ما يعين المسلم على التمييز بين الهدى والضلال.

44- أن الاستقامة تحتاج إلى اجتماع العلم والعمل.

فليس المقصود من معرفة السنة مجرد حفظ ألفاظها، وإنما المقصود فهمها والعمل بها والدعوة إليها والصبر على لزومها؛ فإن العلم الذي لا يثمر عملًا لا يحقق الغاية المطلوبة منه.

45- أن من أعظم أسباب النجاة لزوم الجماعة واجتناب الفرقة.

فإن وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالطاعة والتمسك بالسنة جاءت في سياق الإخبار عن الاختلاف الكثير، وفي ذلك إرشاد إلى أن اجتماع المسلمين على الحق، واجتناب أسباب التفرق والفتنة، من أسباب صلاح أحوالهم.

46- أن المسلم لا يتبع هواه عند اختلاف الأقوال،

بل يلزمه أن يجعل الوحي حاكمًا على رغباته واختياراته، فلا يختار من الأقوال ما يوافق شهوته، ولا يترك ما ثبت من الحق لمجرد مخالفته لهواه.

47- أن الحق لا يُترك لمجرد استغراب الناس له.

فقد يستوحش الإنسان من السنة إذا خالف ما ألفه المجتمع، أو ما اشتهر بين الناس، ولكن المؤمن الصادق لا يترك الدليل لاستغراب الخلق، بل يصبر على الحق ويلزمه.

وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: "اتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ." - الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (1/ 112)

48- أن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته باقية النفع بعد وفاته.

فإن هذه الوصية لم تكن خاصة بالصحابة الذين سمعوها، بل هي هداية للأمة كلها إلى قيام الساعة، ولا سيما عند ظهور الاختلاف وكثرة الفتن.

49- أن سلامة المنهج لا تكون بالدعاوى المجردة.

فليس كل من انتسب إلى السنة كان محققًا للاتباع، وإنما يُعرف صدق الانتساب بموافقة الاعتقاد والقول والعمل لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه خلفاؤه الراشدون.

50- أن لزوم السنة يجمع للعبد خير الدنيا والآخرة.

فمن استقام على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت على طريقته، ولزم جماعة المسلمين، وأطاع في المعروف، فقد أخذ بأسباب الهداية والسلامة، ورُجي له الفوز برضوان الله تعالى.



[1] وفي التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 193):

"(قد تركتكم على الْبَيْضَاء) فِي رِوَايَة: "على المحجة الْبَيْضَاء" (لَيْلهَا كنهارها لَا يزِيغ عَنْهَا بعدِي إِلَّا هَالك) المُرَاد شَرِيعَته وطريقته." اهـ

وقال الساعاتي في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (1/ 189_190):

"يعني: الملة___الحنيفية ملة الإسلام ومعنى بيضاء أي ظاهرة صافية خالصة خالية عن الشك والشبهة." اهـ

[2] هذا من كلام نور الدين السندي _رحمه الله_ في "الحاشية على سنن ابن ماجه" (1/ 20).

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 266-267