شرح الحديث 266-267

 

266 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ حَبِيبٍ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

"كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَادَحُونَ بِالْبِطِّيخِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ."

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا صَدَقَةُ (ثقة: ت. 223 أو 226 هـ):

صدقة بن الفضل، أبو الفضل المروزي (وإليه تنسب سكة صدقة بمرو)، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرٌ (ثقة: ت. 187 هـ بـ البصرة):

معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري، يلقب الطفيل (مولى بني مرة - لم يكن من بني تيم، وإنما نزل فيهم)، ولد سنة 106 هـ، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنْ حَبِيبٍ أَبِي مُحَمَّدٍ (ثقة عابد):

حبيب بن محمد العَجْمِيُّ، أبو محمد البصري (أحد الزهاد المشهورين)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: بخ

 

* عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (ثقة ثبت جليل : ت 106 هـ):

بكر بن عبد الله الْمُزَنِيُّ، أبو عبد الله البصرى، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

قال البخاري _رحمه الله في باب المزاح من كتابه "الأدب المفرد":

عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

"كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَادَحُونَ بِالْبِطِّيخِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ."

 

وفي "غريب الحديث" للخطابي (3/ 114):

"قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ بكر أنه قال:

"كان أصحاب رسول اللَّه صَلَّى الله عليه وسلم يتمازحون، حتى يَتَبَادَحُون بالشيء، فإذا حزبهم أمرٌ، كانوا هم الرجال أصحاب الأمر".

أخبرناه أبو رجاء الغنوي، أخبرنا أبي, أخبرنا عمر بن شبة، حدثني ابن عائشة، حدثني ابن أبي شميلة، عن حبيب بن سليم، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

قوله: يَتَبَادَحُون: أي يَتَرَامَوْن، والبَدْحُ: رميك بالشيء فيه رخاوة كالحنظل ونحوه." اهـ

 

وقال ابن الأثير _رحمه الله_ في "النهاية في غريب الحديث والأثر" (1/ 104)

وَفِي حَدِيثِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتَمازَحون ويَتَبَادَحُون بالبِطِّيخ، فَإِذَا جَاءَتِ الحقَائق كَانُوا هُم الرجالَ»، أَيْ: يتَرامَوْن بِهِ. يُقَالُ بَدَحَ يَبْدَحُ إِذَا رَمَى.

 

وقال أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205 هـ) _رحمه الله_ في "تاج العروس" (6/ 303):

"و(التَّبادُحُ: التَّرامِي بشيْءٍ رِخْوٍ) كالبطِّيخِ والرُّمّان عَبَثاً.

فِي حديثِ بَكرِ بن عبد اللَّهِ: (وَكَانَ الصَّحابةُ) وَفِي نُسخة من بعض الأَمُّهات: كَانَ أَصحابِ محمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (يَتمازحون حَتَّى) ، وَفِي بعض النُّسخ: و (يَتبادَحون)، بِالْوَاو بدل حتّى، (بالبِطِّيخ)، أَي يَتَرامَوْن بِهِ (فإِذا حَزَبَهم أَمرٌ) ، وَفِي بعض الأَمَّهات الحَدِيثِيّة: فإِذا جاءَت الحَقائقُ (كَانُوا همُ الرِّجالَ)، أَي: (أَصحابَ الأَمرِ)." اهـ

 

المعنى الإجمالي للأثر:

 

بيَّن هذا الأثر جانبًا من حسن معاشرة أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_، وسَعَةِ صدورهم، وطِيْبِ نُفُوْسِهِمْ، ومزاحِهم المباحِ فيما بينهم؛

فقد كانوا يتمازحون ويتبادحون بالبطيخ، أي: كان بعضهم يرمي بعضًا به على سبيل اللعب والمزاح، ولم يكن ذلك المزاح قادحًا في هيبتهم ولا في جِدّهم.

 

وقوله: «فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ»، أي: فإذا نزل بهم أمرٌ جِدٌّ، أو حزبهم حادثٌ مهم، أو حضرت مواطن الجد والشدائد، ظهر معدنهم الحقيقي، فكانوا أهلَ ثباتٍ وشجاعةٍ وحزمٍ وقيامٍ بالأمر، لا يصدّهم ما كانوا عليه من المزاح واللعب المباح عن الجد عند الحاجة.

 

وهذا هو الذي أشار إليه أبو سليمان الخطابي بقوله: «فإذا حزبهم أمرٌ، كانوا هم الرجال أصحاب الأمر»؛ أي: إذا نزل بهم أمرٌ عظيم يحتاج إلى الحزم والقيام، وجدوا رجالًا أهلَ بصيرةٍ وثباتٍ واضطلاعٍ بالمسؤولية.

 

فليس المقصود من الأثر: مدح كثرة المزاح، وإنما المقصود: بيان أن المزاح المباح لا ينافي كمال الرجولة والجد، إذا كان الإنسان يضع كل شيء في موضعه؛ فيمزح حيث يحسن المزاح، ويجدّ حيث يقتضي الجد، ويكون قويًّا ثابتًا عند النوازل والمهمات.

 

وفيه إشارة بديعة إلى أن حقيقة الرجل لا تُعرف في أوقات الراحة والمزاح، وإنما تظهر عند الشدائد والحقائق؛ فكم من إنسان يبدو هادئًا أو مازحًا في حال السعة، فإذا نزلت النازلة ظهر ثباته وحزمه، وكم من إنسان يتكلف الوقار والجد، فإذا جاءت مواطن العمل والشدائد، عجز واضطرب.

 

وعليه، فالأثر يجمع بين الأنس بالأصحاب وحسن العشرة من جهة، والجد والحزم والشجاعة عند الحاجة من جهة أخرى، وهذه من محاسن هدي أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

 

الآثار الواردة في

 

عن قَتادةَ قال: سُئِل ابنُ عُمرَ: هل كان أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يضحَكونَ؟ قال: (نعَم، والإيمانُ في قُلوبِهم أعظَمُ مِن الجِبالِ!)، أخرجه عبد الرزاق (20671)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/311).

 

وعن بلالِ بنِ سَعدٍ قال:

(أدرَكْتُهم يشتَدُّونَ بَينَ الأغراضِ، ويضحَكُ بعضُهم إلى بعضٍ، فإذا كان اللَّيلُ كانوا رُهبانًا) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد والرقائق)) (144).

 

وعن سِماكِ بنِ حَربٍ، قال: قلْتُ لجابِرِ بنِ سَمُرةَ:

(أكنْتَ تُجالِسُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: نعَم، كثيرًا كان لا يقومُ مِن مُصلَّاه الذي يُصلِّي فيه الصُّبحَ أو الغَداةَ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، فإذا طلعَت الشَّمسُ قام، وكانوا يتحدَّثونَ فيأخُذونَ في أمرِ الجاهليَّةِ، فيضحَكونَ، ويتبسَّمُ) أخرجه مسلم (670).

 

وعن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: "قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:

"إني أحبّ أن يكون الرجل في أهله كالصبي، فإذا احتيج إليه، كان رجلاً" ابن الجوزي: مناقب (ص ١٨٠)

 

وقال أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى (المتوفى: 502هـ) _رحمه الله_ في "محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء" (1/ 346)

وقال سعيد بن العاص لابنه:

(اقتصد في مزاحك، فالافراط به يذهب البهاء ويجرىء عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين)،

قال خالد بن صفوان: (لا بأس بالمفاكهة تخرج الرجل من حال العبوس).

وقال رجل لابن عيينة: (المزاح سبة)، فقال: (بل سنة لمن يحسنه).

يا ساعتي في مجوني ... قد طبت فيك وطبت

إنّي إذا ضاق صدري ... قطعت بالسّخف وقتي

وقيل: الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وقد ينفس عن جدّ الفتى اللعب." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 102) (رقم: 266).

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 797) (رقم: 435)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 117) (رقم: 201)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد لقمان بن محمد بن ياسين أبو عبد الله الصِّدِّيْقِيُّ السلَفِيُّ (المتوفى 1441 هـ) _رحمه الله_ في "رش البرد شرح الأدب المفرد" (ص: 159):

"فقه الحديث:

1/ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا يتمازحون حتّى يترامون بشيءٍ فيه رخوة، فإذا حزبهم أمر كانوا هم الرِّجال أصحاب الأمر." اهـ

 

وقال الشيخ زيد بن محمد المدخلي (المتوفى 1435 هـ) _رحمه الله_ في "عون الأحد الصمد" (1/ 292):

"هذا الأثر فيه بيان لما كان يصدر من أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ من المزاح فيما بينهم، وذلك أنهم يتبادحون بالبطيخ، لأنه لا يضر أحدا، وإنما من باب الملاطفة والمداعبة والمزاح التظيف الذي لا يترتب عليه شر، فلا حرج في ذلك، ولا على من فعل مثل ما فعلوا؛ لأنه من باب التسلِّي، وإزالة النفرة بين الأصحاب إن وجد شيء من ذلك وحاشاهم، بل هم المتحابُّون في الله، والمتوادُّون فيه." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

ومن هذا الأثر الجليل تُستنبط منه فوائد كثيرة ودروس مهمة، فمن ذلك:

1- أنَّ المزاحَ المباحَ لا يُنافي كمالَ الرُّجولة.

فقد كان أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يتمازحون ويتبادحون بالبطيخ، ومع ذلك كانوا من أكمل الناس رجولةً وشجاعةً وحزمًا. فليس كلُّ من مزح يكون خفيفَ العقل، ولا كلُّ من ترك المزاح يكون كاملَ الوقار.

2- أنَّ لكلِّ مقامٍ مقالًا، ولكلِّ حالٍ ما يليق بها،

فكانوا في حال الأنس والمسامرة على قدرها، فإذا نزلت النوازل، وجدْتَهم أهلَ جدٍّ وثبات. وهذا من تمام الفقه وحسن السياسة للنفس؛ أن لا يجعل المرءُ حالًا واحدةً لازمةً له في جميع المواطن.

3- أنَّ العبرةَ بحقيقة الرجل عند الشدائد، لا بمجرد هيئته في حال الرخاء،

فقد يظهر الإنسانُ في أوقات السعة بمظهر الوقار والصرامة، فإذا حزبَه الأمرُ اضطرب وتخاذل؛ وإنما يُعرف ثباتُ الرجل عند نزول الملمات وحلول النوازل.

4- أنَّ الشدائدَ تُظهر معادنَ الرجال،

فإن النفوسَ قد تستتر أحوالُها في أوقات الدعة، فإذا جاءت المحنُ انكشف ما فيها من قوةٍ أو ضعف، وصبرٍ أو جزع، وحزمٍ أو تردد.

5- أنَّ من محاسن الصحبةِ وجودَ الأنس والملاطفة بين الإخوان،

فإن الصحابة رضي الله عنهم، مع علوِّ منزلتهم وكمال علمهم وعبادتهم، لم يكونوا أهلَ تكلفٍ دائمٍ ولا عبوسٍ مستمر، بل كان بينهم من الدعابة والمزاح المباح ما يحصل به الأنس وتطيب به النفوس.

6- أنَّ الوقارَ لا يستلزم العبوسَ وتركَ كلِّ مزاح،

فالوقار الحقيقي هو سكون النفس وثباتها وحسن تصرفها، لا مجرد تقطيب الوجه وترك التبسم. وقد كان أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ أهل وقار، ومع ذلك كان لهم من المزاح ما هو معلوم في سيرتهم.

7- أنَّ المزاحَ المحمودَ هو ما خلا من المحرمات،

فليس كل مزاح جائزًا؛ وإنما المحمود منه ما لم يكن فيه كذب، ولا سخرية، ولا إيذاء، ولا انتهاك لحرمة مسلم، ولا إضاعة لحق واجب. وإنما هذا الأثر في المزاح الذي كان بينهم على وجه الأنس والعبث المباح.

8- أنَّ كثرةَ الجدِّ في جميع الأحوال ليست من الحكمة،

فالنفس لها إقبال وإدبار، وتحتاج إلى شيء من الراحة والملاطفة، ولهذا كان من هدي السلف أن يروحوا عن أنفسهم بما أباح الله تعالى، من غير أن يخرج ذلك بهم إلى اللهو المذموم.

9- أنَّ المزاحَ لا ينبغي أن يصير دأبًا للإنسان،

فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمزحون، لكنهم إذا جاءت الحقائق كانوا هم الرجال. فالمذموم أن يستولي المزاح على القلب واللسان حتى يصير صاحبه لا يعرف إلا الهزل، ولا يقوم للجد مقامًا.

10- أنَّ تمامَ العقلِ أن يضعَ المرءُ كلَّ شيءٍ في موضعه،

فمن تمام العقل أن يعرف متى يمازح، ومتى يسكت، ومتى يتكلم، ومتى يشتد، ومتى يلين. وهذا هو من حسن التدبير وحكمة التصرف.

11- أنَّ الرجولةَ ليست بقسوة الطبع ولا بغلظة الجانب،

فقد يكون الرجل لطيف المعشر، حسن الصحبة، ضحوكًا مع إخوانه، ثم يكون عند النوازل أسدًا هصورًا، ثابت الجنان، قوي العزيمة. فهذه هي الرجولة المحمودة، لا مجرد الجفاء والعبوس.

12- أنَّ من صفات الرجال عند الشدائد الثباتُ وعدمُ الاضطراب،

فقوله: «فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال» يدل على أنهم إذا نزل الأمر العظيم لم تغلبهم الحيرة، ولم تقعد بهم المخاوف، بل قاموا بما يجب عليهم.

13- أنَّ القيامَ بالأمور العظام يحتاج إلى الحزم والعزيمة.

وقوله في الرواية الأخرى: «فإذا حزبهم أمر» يشعر بأن الأمور الشديدة لا يقوم بها إلا أصحاب النفوس القوية والعزائم الماضية.

14- أنَّ الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين لين الجانب وقوة العزيمة.

فكانوا في معاشرتهم إخوانًا متآلفين، وفي مواطن الحق والشدائد رجالًا أقوياء. وهذه منزلة رفيعة، إذ ليس الكمال في جانب واحد، وإنما الكمال في جمع المتفرق من محاسن الأخلاق.

15- أنَّ حسنَ الخلقِ لا ينافي القوةَ في الحق،

فقد يجتمع في العبد حسن الخلق، ولين الجانب، وطلاقة الوجه، مع الشجاعة في مواطنها، والقوة في الحق عند الحاجة. وليس بين الأمرين تضاد.

16- أنَّ الشدائدَ ميزانٌ يُعرف به صدقُ الرجال،

فإذا وقع الأمر الذي يحتاج إلى نصرة أو تضحية أو صبر أو ثبات، ظهر الصادق من المتكلف، والمقدام من الجبان، وصاحب العزيمة من ضعيف الهمة.

17- أنَّ من أخلاق أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ البساطةَ وتركَ التكلف،

فإنهم مع علو منزلتهم ورفعة أقدارهم كانوا يعيشون مع إخوانهم على سجيةٍ من غير تصنع ولا تكلف، ويتمازحون بالمباح، ثم يقومون عند الحاجة بما يليق بمقامات الرجال.

18- أنَّ ملاطفةَ الإخوان سببٌ للألفة والمحبة،

فالمزاح المباح يزيل الوحشة، ويجمع القلوب، ويجعل الصحبة أطيب وأقرب، بشرط أن لا يتجاوز حد الشرع والأدب.

19- أنَّ المسلم ينبغي أن يكون ذا همةٍ في الجد، لا أسيرًا للهو،

فالمرء قد يستريح ساعة، ويمزح ساعة، ولكن ينبغي أن يكون مستعدًا إذا دُعي إلى الجد، أو نزلت نازلة، أو تعين عليه واجب.

20- أنَّ من علامات كمال التربية أن يتعلم المرء الانتقال من المزاح إلى الجد عند الحاجة، فمن لم يملك نفسه عند المزاح، ولم يستطع أن يضبطها عند الجد، فقد نقص من حسن تدبيره بقدر ذلك.

21- أنَّ أهلَ الفضل والعلم ليسوا بمنأى عن المباح من الملاطفة، فليس من شرط العالم أو طالب العلم أن يكون دائمًا متجهمًا عابسًا، بل له أن يروح عن نفسه وإخوانه بالمباح، ما دام ذلك لا يقدح في مروءته ولا يضيع وقته وحقوقه.

22- أنَّ المروءةَ تُعرف بحفظ الحدود، فالرجل المروء هو الذي إذا مزح لم يتجاوز، وإذا تكلم لم يهتك، وإذا غضب لم يظلم، وإذا جدّ لم يفرط. فالمروءة ليست ترك المباح، وإنما ضبط النفس في كل حال.

23- أنَّ المزاحَ المباحَ إذا انضبط بآدابه كان من حسن المعاشرة، فليس المقصود من الأدب الشرعي أن يُحرم الناس كل ما فيه سرور وأنس، وإنما المقصود تهذيب ذلك وضبطه حتى يبقى في دائرة المباح.

24- أنَّ من أعظم صفات الرجال: القيامَ عند حلول الأمور، وعدمَ الفرار من المسؤوليات، فقول الخطابي: «كانوا هم الرجال أصحاب الأمر» يدل على أنهم كانوا أهلَ قيامٍ بالأمور، لا أهلَ فرارٍ وتخاذل.

25- أنَّ هذا الأثر يربي على الاعتدال في الشخصية، فالمؤمن لا يكون هازلًا في كل أحواله، ولا عابسًا في كل أوقاته، بل يكون صاحب قلب حي، يعرف مواضع الأنس، ومواضع العبادة، ومواضع العلم، ومواضع الجد، ومواضع الشدة.

26- أنَّ الاقتداءَ بالصحابة رضي الله عنهم يكون في أخلاقهم كما يكون في عباداتهم.

فكما يُقتدى بهم في الصلاة والصيام والعلم والجهاد، يُقتدى بهم كذلك في حسن معاشرتهم، وطيب أخلاقهم، وتوازن أحوالهم، وضبطهم للمزاح والجد.

27- أنَّ المزاحَ لا ينبغي أن يذهبَ الهيبةَ عند الحاجة،

فقد كان الصحابة يتمازحون، ومع ذلك لما جاءت الحقائق كانوا رجالًا. فالمطلوب أن يكون المرء بشوشًا من غير خفة، وقويًا من غير غلظة.

28- أنَّ خيرَ الأحوالِ ما اجتمع فيه الأنسُ مع الوقار، واللينُ مع القوة، والمزاحُ مع الجد، وهذا من محاسن الشريعة؛ فإنها لم تدعُ إلى جمود النفوس، ولا إلى إطلاقها في اللهو، وإنما جاءت بالعدل والوسط، ووضع كل خلق في موضعه.

29- أنَّ الإنسانَ ينبغي أن يعرفَ حقيقةَ نفسه عند الشدائد، فليتأمل المرء حاله: هل يثبت إذا نزل البلاء؟ وهل يقوم بالواجب إذا احتاج الأمر إلى تضحية؟ فإن مواطن الشدة تكشف ما خفي من أخلاق النفس.

30- أنَّ من أعظم الدروس في الأثر: أنَّ المزاحَ عارضٌ، وأما الجدُّ عند الحقائق فهو الأصلُ الذي تظهر به معادن الرجال.

فكان الصحابة يتمازحون في أوقات الأنس، ولكن لما جاءت المواطن التي تحتاج إلى العزم والصدق والثبات، ظهر فضلهم وشجاعتهم؛ فجمعوا بين بشاشة الوجه في موضعها، وصلابة الموقف في موضعها، فكانوا بحقٍّ من خير الرجال رضي الله عنهم وأرضاهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

267 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَزَحَتْ عَائِشَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ أُمُّهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعْضُ دُعَابَاتِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ بَعْضُ مَزْحِنَا هَذَا الْحَيُّ»

[قال الشيخ الألباني: ضعيف]

 

رواة الحديث:

 

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (صدوق رمى بالإرجاء: ت. 224 هـ):

بشر بن محمد السختياني، أبو محمد المروزي، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ 

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ (ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد: ت. 181 هـ بـ هيت):

عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي (أحد الأئمة الأعلام و حفاظ الإسلام)، المولود: سنة 118 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ (ثقة):

عمر بن سعيد بن أبى حسين القرشي النوفلي المكي (ابن عم عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى الحسين)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خ م مد ت س ق  (مد: أبو داود في المراسيل)

 

* عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ (ثقة فقيه: ت. 117 هـ):

عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي، أبو بكر (ويقال أبو محمد)، المكي الأحول، من الوسطى من التابعين، روى له:  خ م د ت س ق 

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:

مَزَحَتْ عَائِشَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَتْ أُمُّهَا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعْضُ دُعَابَاتِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ."

قَالَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «بَلْ بَعْضُ مَزْحِنَا هَذَا الْحَيّ»

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيّن هذا الحديث جواز المزاح بين الزوجين والأهل والأقارب، وأن المزاح إذا كان في حدود الأدب والصدق، وخاليًا من المحرَّمات، فإنه من الأمور المباحة التي تدخل في حسن العشرة والتلطّف مع الناس.

 

فقد وقع من أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ مزاحٌ عند النبي ﷺ، فوصفت أمُّها بعض دعابات عائشة بأنها من طبيعة أهل كنانة، أي: إن هذا النوع من الملاطفة والمزاح معروف فيهم ومتأصل في عادتهم.

 

فأقرَّ النبي ﷺ ذلك، بل قال بمعنى: بل إن بعض مزاحنا نحن أيضًا من هذا القبيل؛ أي إن المزاح والملاطفة أمر معروف في الناس، وليس عيبًا في نفسه، وإنما المعتبر أن يكون منضبطًا بالشرع والآداب.

 

فالشريعة لم تمنع المزاح مطلقًا، وإنما منعت ما كان منه محرّمًا أو مؤذيًا أو مشتملًا على الكذب والسخرية ونحو ذلك. وأما المزاح المباح الذي يكون بقصد التأنيس وإدخال السرور وحسن العشرة، فهو من الأمور الجائزة، وقد فعله النبي ﷺ وأقرّه.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص: 102) (رقم: 267)،

ضعيف مرسل: ضعفه الألباني في "ضعيف الأدب المفرد" (ص: 40) (رقم: 44)

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث فوائد جليلة في باب المزاح والملاطفة وحسن العشرة، ومن أهمها:

1. جواز المزاح إذا سلم من المحظور

في الأثر دلالة ظاهرة على أن المزاح في نفسه ليس بمذموم، وإنما المذموم ما قارنه محظور شرعي، من كذب أو سخرية أو أذى أو انتقاص.

الفائدة: أن المؤمن لا يلزمه أن يكون جادًّا في جميع أحواله، بل له أن يروح عن نفسه وأهله وأصحابه بالمزاح المباح.

2. أن المزاح لا ينافي الوقار

كان رسول الله ﷺ أوقر الناس وأعظمهم هيبة، ومع ذلك كان يمزح ويلاطف.

الفائدة: أن الوقار الحقيقي ليس في العبوس وترك الملاطفة، وإنما في لزوم حدود الله، وصيانة اللسان عن الباطل، ووضع كل أمر في موضعه.

3. حسن عشرة النبي ﷺ لأهله

فإقرار النبي ﷺ لمزاح عائشة رضي الله عنها يدل على لطفه بأهله، وحسن معاشرته لهم، وسعة صدره معهم.

الفائدة: أن من كمال حسن العشرة أن يعرف الرجل متى يجدّ ومتى يلاطف، ومتى يتكلم بما يسرّ أهله ويؤنسهم.

4. ملاطفة الزوجة من محاسن العشرة

فكون عائشة رضي الله عنها تمزح عند النبي ﷺ يدل على وجود الأنس والملاطفة بينهما.

الفائدة: أن ملاطفة الزوجة وإدخال السرور عليها من أسباب دوام المودة، ولا سيما إذا كانت بالكلام الطيب والمزاح السالم من المحاذير.

5. أن المزاح المباح من أسباب الألفة

فإن النفوس مجبولة على الأنس بمن يلاطفها ويحسن مخاطبتها.

الفائدة: أن المزاح الحسن قد يكون سببًا لاجتماع القلوب وائتلافها، بخلاف الغلظة الدائمة فإنها تورث النفرة والجفوة.

6. اعتبار العادات الجارية بين الناس في باب الملاطفة

قول أم عائشة رضي الله عنها: «بعض دعابات هذا الحي من كنانة» يشعر بأن بعض أنواع الدعابة قد تكون من العادات المعروفة بين الأقوام.

الفائدة: أن العادات في أصلها معتبرة ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا، ولا سيما في الأمور العرفية التي لا تتضمن عبادة ولا محرمًا.

7. أن اختلاف الطباع في المزاح أمر واقع

فالناس يتفاوتون في الدعابة والملاطفة؛ فمنهم من يغلب عليه الجد، ومنهم من يكون كثير الدعابة، ومنهم المتوسط بين ذلك.

الفائدة: أن اختلاف الطباع لا يقتضي ذم أحد الفريقين، ما دام كل واحد منهم واقفًا عند حدود الأدب والشرع.

8. أن الاعتدال هو المحمود في المزاح

فليس المراد من جواز المزاح أن يجعل المرء جميع كلامه هزلًا، ولا أن يشتغل بالدعابة عن مصالح الدين والدنيا.

الفائدة: أن خير الأمور أوساطها، فيجعل المسلم لكل مقام مقالًا؛ فيجدّ حيث يحسن الجد، ويمزح حيث يحسن المزاح.

9. أن المزاح لا يكون بالكذب

وإن كان هذا الأثر لا يذكر الكذب صراحة، فإن المزاح المشروع إنما يكون فيما أباحه الشرع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لا أقول إلا حقًّا».

الفائدة: أن المسلم لا يجعل الكذب سبيلًا إلى إضحاك الناس؛ فإن صدق اللسان أصل في جميع الأحوال، في الجد والهزل.

10. تحريم ما يشتمل عليه المزاح من أذى

فليس كل ما يسمى مزاحًا يكون مباحًا، إذ قد يشتمل المزاح على شتم أو تحقير أو تخويف أو سخرية.

الفائدة: أن العبرة بحقيقة الفعل ومآله، لا بمجرد تسميته مزاحًا؛ فما كان مؤذيًا أو محرمًا لم يصر حلالًا بمجرد قول صاحبه: «إنما كنت أمزح».

11. جواز إظهار السرور والانبساط مع الأهل

فالإنسان مأمور بأن يعاشر أهله بالمعروف، ومن المعروف أن يكون بينهم قدر من الأنس والانبساط.

الفائدة: أن إظهار السرور لأهل البيت ليس من خوارم المروءة، بل قد يكون من محاسن الأخلاق إذا ضبطه الشرع.

12. أن حسن الخلق يشمل أوقات الجد والهزل

فحسن الخلق ليس مقصورًا على كثرة العبادة أو حسن الكلام في المجالس الرسمية، بل يظهر كذلك في معاشرة الأهل والأصحاب.

الفائدة: أن صاحب الخلق الحسن يعرف كيف يخاطب كل إنسان بما يلائم حاله، من غير أن يتنازل عن دينه أو مروءته.

13. لطف النبي ﷺ في تصحيح المعنى

لما قالت أم عائشة رضي الله عنها ما قالت، لم يعنّفها النبي ﷺ، وإنما قال برفق: «بل بعض مزحنا هذا الحي».

الفائدة: أن من الحكمة في التعليم والتوجيه أن يصحح المرء الخطأ بلطف، ولا يجعل كل تصحيح مقترنًا بالتغليظ والتعنيف.

14. أن المزاح قد يكون بين الكبار والصغار وبين الأقارب

فالمزاح ليس خاصًّا بفئة دون فئة، وإنما ضابطه الأدب والشرع.

الفائدة: أن المسلم ينبغي أن يراعي حال من يخالطه؛ فيداعب من يحتاج إلى التأنيس، ويترك المزاح حيث يكون سببًا للهيبة أو سوء الفهم.

15. أن كثرة المزاح ليست هي المقصودة

فالحديث دل على أصل المزاح، ولم يدل على استحباب الإكثار منه.

الفائدة: أن المزاح كالملح في الطعام، إذا قلَّ منه ما يصلح، وإذا كثر أفسد؛ فالمحمود منه ما كان عارضًا بقدر الحاجة، ولم يشغل عن الجد النافع.

16. أن المباح قد يصير عبادة بالنية الصالحة

فإذا قصد الرجل بمزاحه مع أهله إدخال السرور عليهم، وإحسان عشرتهم، وتأليف قلوبهم، أمكن أن يؤجر على ذلك.

الفائدة: أن العادات المباحة تتغير أحكامها باعتبار المقاصد والنيات، فقد يكون الشيء في أصله مباحًا، ثم يصير قربة إذا اقترنت به نية صالحة.

17. أن السنة ليست كلها في مظاهر الجد والعبادة الظاهرة

فالسنة تشمل أيضًا حسن العشرة، والرفق، والتبسم، والملاطفة، ومراعاة النفوس.

الفائدة: أن من فقه السنة أن يعرف المسلم هدي النبي ﷺ في عبادته ومعاملته وأخلاقه، فلا يقتصر اقتداؤه به على جانب دون جانب.

18. حسن العشرة من كمال الهدي النبوي

فالرسول ﷺ كان أعلم الناس بالله، وأتقاهم له، ومع ذلك كان أرفق الناس بأهله وأحسنهم عشرة.

الفائدة: أن العبادة الصحيحة تورث صاحبها حسن الخلق، ولين الجانب، وحسن المعاملة، لا الجفاء والفظاظة.

19. أن الأصل في المزاح الحل ما لم يشتمل على مانع

وهذا من القواعد المهمة في هذا الباب؛ لأن المزاح من العادات، والأصل في العادات الإباحة حتى يقوم دليل على المنع.

الفائدة: أن المسلم لا يحرم على الناس ما أحل الله لهم من العادات والملاطفات بمجرد الاستثقال الشخصي أو اختلاف الطباع.

20. فقه الاعتدال بين الجد والمزاح

والهدي الكامل أن يكون للمسلم حظ من الجد وحظ من الانبساط، فلا يكون عبوسًا منفّرًا، ولا هازلًا ساقط المروءة.

وخلاصة الباب: أن المزاح المباح خلق من أخلاق الألفة، وليس مناقضًا للوقار، وإنما المذموم منه ما جاوز حدَّه، فأفضى إلى كذب أو سخرية أو أذى أو تضييع للواجبات.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

خمس بلايا على الأمة وسببها