شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

 

116 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ:

"مِنْ السُّنَّةِ: أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ، إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى"

رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا

 

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء هل التيمُّم يرفع الحدث كالماء، أم أنَّه مبيح للصلاة ونحوها إلى حين القدرة على الماء، وأمَّا الحدث فقائمٌ بحاله؟:

وذهب إلى أنَّه رافع مطلقًا: أبو حنيفة؛ وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن الجوزي.

وذهب مالك، والشَّافعي، وأحمد في المشهور عنه: إلى أنَّه غير رافع بل مبيح فقط؛ ولذا يجبُ أنْ يتيمَّم لوقت كلِّ صلاة؛ فإنَّ تيمُّمه يبطُلُ بدخول وقت الثانية. والصحيحُ دليلًا هو القولُ الأوَّل.

قال في الشرح الكبير: القياسُ أنَّ التيمُّم بمنزلة الطهارة حتَّى يجد الماء أو يُحْدِث؛ وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي؛ لأنَّها طهارة تبيح الصلاة، فلم تقدَّر بالوقت كطهارة الماء. أهـ.

قال الإمام أحمد: القياسُ أنَّ التيمُّم بمنزلة الطهارة حتَّى يجد الماء.

قال في الإنصاف: اختاره الشيخ؛ وهو أصحُّ.

أمَّا الحديث الذي معنا فضعيفٌ، قال الحافظ: رواه الدَّارقطنىُّ بإسنادٍ ضعيف جدًّا.

لذا فإنَّ الصحيحَ هو أنَّ المتيمِّم يصلِّي بالتيمُّم الواحد ما شاء من فروض ونوافل، ويستبيحُ به كلَّ ما يستبيحُ بطهارة الماء، حتَّى يجدَ الماء، أو يحصُلَ له ناقضٌ من نواقض الوضوء." اهـ من توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 436)

 

وقال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في "سبل السلام" (1/ 147_148):

"وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ وَابْنِ عُمَرَ_، حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ،

وَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَلَا تَقُومُ بِالْجَمِيعِ حُجَّةٌ؛

وَالْأَصْلُ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ التُّرَابَ قَائِمًا مَقَامَ الْمَاءِ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ إلَّا___مِنْ الْحَدَثِ، فَالتَّيَمُّمُ مِثْلُهُ؛ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَهُوَ الْأَقْوَمُ دَلِيلًا. اهـ

 

وقال ابن حزم _رحمه الله_ في "المحلى بالآثار" (1/ 356_357):

"وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ طَهَارَةً تَامَّةً وَلَكِنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ.

قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلٌ يُكَذِّبُهُ الْقُرْآنُ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: (لَيْسَ طَهَارَةً تَامَّةً - وَلَكِنَّهُ اسْتِبَاحَةٌ لِلصَّلَاةِ)،___

وَهَذَا كَلَامٌ يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ لِلصَّلَاةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِطَهَارَةٍ، فَهُوَ إذَنْ طَهَارَةٌ لَا طَهَارَةٌ.

وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ هَبْكَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا اسْتِبَاحَةً لِلصَّلَاةِ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنْ لَا يَسْتَبِيحُوا بِهَذِهِ الِاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ كَمَا اسْتَبَاحُوا بِهِ الصَّلَاةَ الْأُولَى؟

وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِبَاحَةً لِلصَّلَاةِ الْأُولَى دُونَ أَنْ يَكُونَ اسْتِبَاحَةً لِلثَّانِيَةِ؟ وَقَالُوا: (إنَّ طَلَبَ الْمَاءِ يَنْقُضُ طَهَارَةَ الْمُتَيَمِّمِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ).

قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا بَاطِلٌ:

* أَوَّلُ ذَلِكَ: إنَّ قَوْلَكُمْ: (إنَّ طَلَبَ الْمَاءِ يَنْقُضُ طَهَارَةَ الْمُتَيَمِّمِ) دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ،

* وَثَانِيهِ: أَنَّ قَوْلَكُمْ: (أَنَّ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) بَاطِلٌ، وَأَيَّ مَاءٍ يَطْلُبُ؟ وَهُوَ قَدْ طَلَبَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ؟

ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَيَّ مَاءٍ يَطْلُبُهُ الْمَرِيضُ الْوَاجِدُ الْمَاءَ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً." اهـ

 

وقال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 378):

"هذا الأثر - كما ترون- أثر ضعيف جدا، ولم يقل المؤلف: له شاهد.

وعلى هذا فنقول: الحديث ضعيف لا يعمل به، ونبقى على الأصل من أن الإنسان إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته فإنه لا يلزمه إعادة التيمم إذا دخل وقت التيمم، وقد قررنا هذا في أول كتاب التيمم، وبينا أن التيمم مطهر رافع للحدث إلى متى؟ إلى أن يزول سبب إباحته إما بوجود الماء إن كان التيمم عن عدم الماء، وإما بزوال العذر إذا كان لعذر، هذا هو الصحيح.

 

تخريج الحديث:

 

سنن الدارقطني (1/ 341) (رقم: 710_712)، مصنف عبد الرزاق الصنعاني (1/ 214) (رقم: 830)، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (2/ 57) (رقم: 552)، المعجم الكبير للطبراني (11/ 62) (رقم: 11050)، السنن الكبرى للبيهقي (1/ 339_340) (رقم: 1057_1058)، وفي معرفة السنن والآثار (2/ 33) (رقم: 1638)

 

والحديث ضعيف، بل موضوع:

قال المؤلِّفُ: رواه الدَّارقطني بإسنادٍ ضعيف جدًّا؛ لأنَّه من رواية الحسن ابن عمارة، وهو ضعيف جدًا، وفي الباب موقوفاً:

* عن علي: رواه الدَّارقطني، وفيه حجَّاج بن أرطأة والحارث الأعور،

* وعن ابن عمر: رواه البيهقي، وقال: هو أصح ما في الباب،

* وعن عمرو بن العاص: رواه الدَّارقطني، وفيه إرسال شديد بين قتادة وعمرو." اهـ من توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 435) للبسام _رحمه الله_.

 

فعلة الحديث: الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي الفقيه (كان على قضاء بغداد فى خلافة أبى جعفر المنصور) المتوفى سنة 153 هـ ، من كبار أتباع التابعين، روى له: الترمذي وابن ماجه. وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب":  (متروك)، والمتروك ضعيف جدًّا

 

وقال الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" (1/ 612_613):

"وقال الدارقطني: (والحسن بن عمارة ضعيف).

قلت: بل هو شر من ذلك، فقد قال فيه شعبة: (يكذب)، وقال ابن المديني: (كان يضع الحديث)، وقال أحمد: (أحاديثه موضوعة)، وقال شعبة أيضا: (روى أحاديث عن الحكم، فسألنا الحكم عنها؟ فقال: "ما سمعتُ منها شيئا")...

والحسن بن عمارة لا يحتج به. قلت: فلا يصح إذن عن ابن عباس مرفوعا ولا موقوفا، بل قد روى عنه خلافه، كما ذكره ابن حزم في " المحلى " (2 / 132) يعني أن المتيمم يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات الفروض والنوافل، ما لم ينتقض تيممه بحدث أو بوجود الماء، وهذا هو الحق في هذه المسألة كما قرره ابن حزم، وانظر " الروضة الندية " (1 / 59) ." اهـ

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة