شرح الحديث 40-41 (باب: بر مَنْ كَانَ يَصِلُهُ أَبُوهُ) من الأدب المفرد
|
20_بَابُ: بِرِّ مَنْ
كَانَ يَصِلُهُ أَبُوهُ [40] – (1) حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ
يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ: "مَرَّ
أَعْرَابِيٌّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ أَبُو الْأَعْرَابِيِّ صَدِيقًا لِعُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ؟
قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ بِحِمَارٍ كَانَ يَسْتَعْقِبُ،
وَنَزَعَ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ فَأَعْطَاهُ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ:
أَمَا يَكْفِيهِ دِرْهَمَانِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «احْفَظْ
وُدَّ أَبِيكَ، لَا تَقْطَعْهُ فَيُطْفِئَ اللَّهُ نُورَكَ» [قال الشيخ
الألباني: ضعيف] |
رواة
الحديث:
حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ (صدوق كثير الغلط ، ثبت فى كتابه:
ت 222 هـ):
عبد الله بن
صالح بن محمد بن مسلم الجهني مولاهم، أبو صالح المصري (كاتب الليث بن سعد)، روى له: خت د ت ق
* قَالَ:
حَدَّثَنِي اللَّيْثُ (ثقة ثبت فقيه إمام: ت 175 هـ):
الليث بن سعد بن
عبد الرحمن الفهمى ، أبو الحارث المصرى ، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، من
كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ
خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ (ثقة فقيه: 139 هـ):
خالد بن يزيد
الجمحى، أبو عبد الرحيم المصري الإسكندراني، مولى ابن الصبيغ، من الذين عاصروا
صغار التابعين، روى له:
خ م د ت س ق
* عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ (ثقة: 127 هـ):
عبد الله بن
دينار القرشى العدوى مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني (مولى عبْدِ الله بْنِ عمرَ بْنِ
الخطَّابِ)، طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنِ
ابْنِ عُمَرَ (صحابي: ت. 73 أو 74 هـ):
عبد الله بن عمر
بن الخطاب القرشى العدوي، أبو عبد الرحمن المكي
المدني، صحابى جليل _رضي الله عنه_، روى له: خ م د
ت س ق
نص
الحديث:
عَنِ ابْنِ
عُمَرَ:
"مَرَّ
أَعْرَابِيٌّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ أَبُو الْأَعْرَابِيِّ صَدِيقًا لِعُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: (أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ؟)، قَالَ: "بَلَى"،
فَأَمَرَ لَهُ
ابْنُ عُمَرَ بِحِمَارٍ كَانَ يَسْتَعْقِبُ، وَنَزَعَ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ،
فَأَعْطَاهُ.
فَقَالَ بَعْضُ
مَنْ مَعَهُ: "أَمَا يَكْفِيهِ دِرْهَمَانِ؟"
فَقَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«احْفَظْ وُدَّ
أَبِيكَ[1]،
لَا تَقْطَعْهُ فَيُطْفِئَ اللَّهُ نُورَكَ[2]»
وفي "صحيح
ابن حبان" (2/ 175) (رقم: 432):
عَنْ أَبِي
بُرْدَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ،
فقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُكَ؟، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي
قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ» وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي
عُمَرَ وَبَيْنَ أَبِيكَ إِخَاءٌ وَوُدٌّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصِلَ ذَاكَ."
وأخرجه أبو يعلى
الموصلي في "مسنده" (10/ 37) (رقم: 5669)، وحسنه
الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (3/ 417) (رقم: 1432)،
و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1034) (رقم: 5960)، و"صحيح
الترغيب والترهيب" (2/ 659) (رقم: 2506)
المعنى
الإجمالي للحديث:
بيّن الحديث حرص
الإسلام على صلة الرحم ووفاء الولد لوالديه في علاقاتهم الاجتماعية. فقد مرَّ
أعرابيٌّ فتعرف ابن عمر رضي الله عنه عليه، فأكرمه بهدية ومكرمة من قِبله،
استنادًا إلى توجيه النبي _صلى الله عليه وسلم_: «احفظ ودّ أبيك، لا تقطعه فيُطفئ
الله نورك».
فالوفاء بعلاقات
ودّ الوالدين مع الآخرين من أسباب بركة الإنسان ونور قلبه، وأن قطع هذه الروابط
يؤدي إلى نقصان البركة والخير في حياته.
تخريج
الحديث:
أخرجه التخاري
في "الأدب المفرد" (ص: 29) (رقم: 40)، والطبرانى فى "المعجم الأوسط"
(8/279) (رقم: 8633)، والبيهقى فى "شعب الإيمان" (6/200) (رقم: 7898)
ضعفه الشيخ
الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" (5/ 107)
(رقم: 2089)، وقال:
"قلت: وهذا
إسناد ضعيف، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد الله بن صالح، فهو من رجال البخاري
وحده، وفيه ضعف معروف من قبل حفظه.
ومما
يدلك على ذلك؛ أنه قد خالفه في إسناده ومتنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد،
فقال: حدثنا أبي
والليث بن سعد جميعا عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد
عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر:
"أنه كان
إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها
رأسه، فبينما هو يوما على ذلك الحمار، إذ مر به أعرابي، فقال [له ابن عمر]:
ألست ابن فلان
بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار،
وقال: اركب هذا،
والعمامة؛ قال: اشدد بها رأسك.
فقال له بعض
أصحابه: غفر الله___لك: أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد
بها رأسك، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن من
البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي". وإن أباه كان صديقا لعمر. أخرجه
مسلم (8/6)، وأحمد (2/88 و91)، والبخاري في "الأدب المفرد" عقب حديث
الترجمة.
فهذا
هو المحفوظ من لفظ الحديث، أخطأ فيه عبد الله بن صالح، فرواه
باللفظ الأول، ولعله اشتبه عليه بما حدث به سعد بن عبادة الزرقي أن أباه قال:
" كنت
جالسا في مسجد المدينة مع عمروبن عثمان، فمر بنا عبد الله بن سلام متكئا على ابن
أخيه، فنفذ عن المجلس، ثم عطف عليه، فرجع عليهم، فقال: ما شئت عمرو بن عثمان!
مرتين أو ثلاثا، فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق إنه لفي كتاب الله عز
وجل، مرتين -: لا تقطع من كان يصل أباك، فيطفأ بذلك نورك ".
أخرجه البخاري
في " الأدب " أيضا (42)؛ ورجاله ثقات، إلا أن ابن عبادة هذا لم يوثقه
غير ابن حبان، فهذا أصل الحديث، أي أنه من الإسرائيليات. والله سبحانه وتعالى
أعلم.
وحديث الترجمة
رواه الطبراني في " المعجم الأوسط " (2/246/2/8797 - بترقيمي) من الوجه
المذكور، وعلقه البيهقي في " الآداب " (ص 31 - 32) ، وعزاه الأخ المعلق
عليه لـ " البيهقي في (السنن) "، ولم أره فيه، فلعله خطأ مطبعي، فإنه
وصله في " الشعب " (6/200/7898) بتمامه. وقال الهيثمي (8/147):
"رواه الطبراني في " الأوسط "، وإسناده حسن "!" اهـ كلام
الشيخ الألباني _رحمه الله_.
من
فوائد الحديث:
ولما عرفنا
ضعفه، فلا حاجة لإطالة شرحه، فإن الشرح فرع عن التصحيح، اللهم إلا بعض أهل العلم
يرى إيراده وشرحه، إن كان معناه صحيحا، أو لرجائهم أن يكون له فيما بعدُ طريق أو
شاهد يعتضد به، والله أعلم وأحكم.
وقال محمد لقمان بن محمد بن ياسين أبو عبد الله
الصِّدِّيْقِيُّ السلَفِيُّ (المتوفى 1441 هـ) _رحمه
الله_ في "رش البرد شرح الأدب المفرد" (ص 39) في ذكر فوائده:
"فقه
الحديث:
1_ الحث على صلة
أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم، وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه.
2_ الوعيد على
هجر أصدقاء الأب بأن ذلك يطفئ نور الإيمان." اهـ
ملحق
الفوائد:
فيما يلي فوائد
عديدة مستنبطة من حديث ابن عمر رضي الله عنه حول حفظ ودّ الوالدين:
1 – إثبات فضل
صلة الرحم ووفاء الولد لوالدِه، فدل الحديث على أن حفظ ودّ الوالدين مع الناس
مرتبط بمكارم الأخلاق، وأن الوفاء لعلاقات الوالدين أمر يُثاب عليه العبد عند
الله.
2 – تحذير من
قطع روابط الوالدين، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: «لا تقطعه»، أي لا تقطع
علاقة والدك بالناس، لأن ذلك سبب في زوال النور والبركة، سواء في الدنيا أو الآخرة.
3 – ارتباط
البركة والنور بالوفاء، فجاء في الحديث: «فيُطفئ الله نورك»، أي أن الله قد يزيل
نور قلبك أو بركتك إذا لم تحافظ على ودّ والدك، فالصلة سبب للبركة.
4 – وجوب مراعاة
حقوق الوالدين في تعاملات الأبناء الاجتماعية، فالحديث يوضح أن حقوق الوالدين لا تقتصر
على الطاعة المباشرة، بل تمتد إلى مواقف الأبناء مع الناس بما يعكس مكانة الوالد
وصداقته.
5 – تعليم
الأمانة والكرم في التعامل مع الآخرين، ففعل ابن عمر رضي الله عنه بإكرام الأعرابي
وإعطائه هدية يدل على تعليم النبي _صلى الله عليه وسلم_ الوفاء بالعهود والإحسان
للغرباء باسم الوالد، وهو سلوك محمود.
6 – علو مكانة
الصحابة في حسن الخلق، فابن عمر رضي الله عنه التزم بتوجيه النبي _صلى الله عليه
وسلم_، وأظهر سلوكًا يظهر الفضائل الإسلامية في المعاملة، وهو قدوة في البرّ.
7 – التذكير
بواجب البر بالوالدين من خلال حفظ صداقتهما وعلاقاتهما، فحفظ ودّ والدك مع الناس
نوع من البرّ به، فالصلة بين الوالدين والآخرين ليست منفصلة عن واجب الولد تجاه
والديه.
8 – بيان أثر
التقصير في هذه العلاقات على حياة الإنسان، فالحديث يوضح أن عدم حفظ ودّ الوالدين
يؤدي إلى نقصان البركة، وهو تحذير من الإعراض عن مسؤوليات البرّ.
9 – تعليم حسن
الظن والمعاملة الطيبة للغرباء، فإعطاء الهدايا ومكارم الأخلاق مع الغرباء باسم
الوالد يُظهر أثر التربية الصالحة والمودة في المجتمع.
10 – فيه: حضٌّ
على حفظ سمعة الوالدين، فالحرص على ودّ الوالدين مع الناس يظهر احترام مكانتهم
ويجعل الأبناء وسيلة لنشر الخير.
|
[41] – (2) حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبُو عُثْمَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ
أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» [قال الشيخ
الألباني : صحيح] |
رواة
الحديث:
* حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ (ثقة: ت. 213 هـ):
عبد الله بن
يزيد القرشي العَدَوِيُّ الْمَكِيُّ:
أبو عبد الرحمن المقرىء القصير (مولى آل عمر بن الخطاب، سكن مكة)، من صغار أتباع
التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ (ثقة ثبت فقيه زاهد: ت. 158 هـ):
حيوة بن شريح بن
صفوان بن مالك التُّجِيْبِيّ، أبو زرعة المصري
الفقيه الزاهد العابد، من كبار أتباع التابعين، روى له:
خ م د ت س ق
* قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ (ليِّنُ
الحديث)[3]،
الوليد بن أبى
الوليد عثمان القرشي، أبو عثمان المدني (مولى
عثمان بن عفان)، طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: بخ
م د ت س ق
* عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ (ثقة: 127 هـ)،
عبد الله بن
دينار القرشي العدوي مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنى (مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب)، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنِ
ابْنِ عُمَرَ (صحابي: ت. 73 هـ):
عبد الله بن عمر
بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن المكى
المدني _رضي الله عنه_، روى له: خ م د ت س ق
نص
الحديث:
عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ
يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»
[قال الشيخ
الألباني : صحيح]
وفي
رواية لمسلم في "صحيحه" (4/ 1979/ 11)
(2552):
عن عبد الله بن
دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً مِنَ الأعْرَابِ[4]
لَقِيَهُ بطَريق مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ عبدُ الله بْنُ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ
عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأسِهِ،
قَالَ ابنُ دِينَار: فَقُلْنَا لَهُ: أصْلَحَكَ الله، إنَّهُمُ الأعرَابُ وَهُمْ
يَرْضَوْنَ باليَسير،
فَقَالَ عبد
الله بن عمر: إن أَبَا هَذَا كَانَ وُدّاً لِعُمَرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه -
وإنِّي سَمِعتُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ أبرَّ البِرِّ[5]:
صِلَةُ الرَّجُلِ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» .
وفي "صحيح
مسلم" (4/ 1979/ 13) (رقم: 2552):
عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ:
أَنَّهُ كَانَ
إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا
مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ
يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: (أَلَسْتَ
ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ)، قَالَ: (بَلَى)،
فَأَعْطَاهُ
الْحِمَارَ، وَقَالَ: (ارْكَبْ هَذَا)، وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: (اشْدُدْ بِهَا
رَأْسَكَ)،
فَقَالَ لَهُ
بَعْضُ أَصْحَابِهِ: (غَفَرَ اللهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ
حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ)،
فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ
يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ»
المعنى
الإجمالي لهذه الروايات:
دلتْ هذه
الروايات على عِظَم شأن برِّ الوالدين، وأنَّ مِنْ أكْمَلِ مراتبه وأعلاها: أن
يحرص الابنُ بعْد وفاةِ أبيه على الإحسان إلى من كان بينهم وبينه مودةٌ وصداقة،
فيَصِلَهم بالمعروف، ويكرمهم، ويحفظ حقَّ تلك العِشرة القديمة وفاءً لأبيه وبرًّا
به بعد موته.
وبيّن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ أن هذا النوع من الإحسان يُعَدُّ من أبرِّ البرِّ، لأنه يجمع بين
برِّ الوالد، وحفظ الجميل، والوفاء بالعهد، وصيانة روابط المودة التي كانت قائمة
في حياة الأب.
ولهذا أظهر عبدُ
الله بن عمر _رضي الله عنهما_ هذا المعنى عمليًّا، فكان يُبالغ في إكرام أصحاب
أبيه عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_، ولو كانوا من الأعراب الذين يرضون بالقليل،
إيثارًا لامتثال وصية النبي _صلى الله عليه وسلم_، وتقديمًا لحقِّ برِّ الوالد على
ما قد يراه الناس إسرافًا أو مبالغة.
فالحديث بجميع
طرقه يضع منهجًا خُلُقيًّا رفيعًا في الإسلام. قوامه: الوفاء،
وشكر المعروف، واستدامة الإحسان، وأن برَّ الوالدين لا ينقطع بموتهما، بل يبقى
حيًّا في صلة أحبابهما وأصدقائهما والإحسان إليهم.
تخريج
الحديث:
أخرجه
(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (41)، و(مسلم) [4/ 6492 و 6493 و 6494]
(2552)، و(أبو داود) في "الأدب" (5143)، و (الترمذيّ) في "البرّ
والصلة" (1903)، و(أحمد) في "مسنده" (2/ 91 و 97 و111)، وعبد بن
حميد في المنتخب ت صبحي السامرائي (ص: 253) (رقم: 794)، و (الطبرانيّ) في
"المعجم الأوسط" (8/ 279) (رقم: 8633)، و (عبد بن حُميد) في
"مسنده" (1/ 253)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (4330 و 4331)،
والروياني في مسنده (2/ 409) (رقم: 1414)، و(البيهقيّ) في السنن الكبرى للبيهقي
(4/ 301) (رقم: 7768)، وفي شعب الإيمان (10/ 294) (رقم: 7515)، و (البغويّ) في
"شرح السُّنَّة" (3445)، و (ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (31/
159)، والله تعالى
والحديث
صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 46) (رقم: 31)،
و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 318) (رقم: 1525)، و"التعليقات
الحسان على صحيح ابن حبان" (1/ 439) (رقم: 431_432)
من
فوائد الحديث:
قال الحسين بن
محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ
الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري"
(المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (5/
205):
"هذا
إشارةٌ إلى تأكيد حقِّ الأب، فإنه إذا كان الإحسانُ إلى أحباءِ الأب لحرمة الأبِ
أفضلَ البرِّ، فالإحسان إلى الأب بطريق الأَولى أن يكون أفضلَ القُرُبات."
اهـ
وقال علامة
الديار الهندية محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري
(المتوفى: 1353 هـ) _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (6 / 25):
"قال
النووي: (الوُدُّ) هنا مضموم الواو،
وفي هذا فضل صلة
أصدقاء الأب والإحسان إليهم بإكرامهم وهو متضمن لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه
وتلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشائخ والزوج والزوجة وقد سبقت الأحاديث في
إكرامه صلى الله عليه و سلم خلائل خديجة رضي الله تعالى عنها انتهى." اهـ
وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031هـ) _رحمه الله
في "فيض القدير" (2 / 405):
"قال
الحافظ العراقي _رحمه الله_:
"جعله أبر
البر أو من أبره، لأن الوفاء بحقوق الوالدين والأصحاب بعد موتهم أبلَغُ، لأن الحي
يجامل، والميت لا يستحي منه، ولا يجامل إلا بحسن العهد،
ويحتمل أن
أصدقاء الأب كانوا مكيفين في حياته بإحسانه وانقطع بموته فأمر بنيه أن يقوموا
مقامه فيه،
وإنما كان هذا
أبر البر لاقتضائه الترحم والثناء على أبيه، فيصل لروحه راحة بعد زوال المشاهدة
المستوجبة للحياة،
وذلك أشد من بره
له في حياته وكذا بعد غيبته فإنه إذا لم يظهر له شيء يوجب ترك المودة فكأنه حاضر
فيبقى وده كما كان وكذا بعد المعاداة رجاء عود المودة وزوال الوحشة وإطلاق التولية
على جميع هذه الأشياء إما حقيقة فيكون من عموم المشترك أو من التواطئِ أو بعضها،
فيكون من الجمع بين الحقيقة والمجاز.
ونبه بالأب على
بقية الأصول، وقياس تقديم الشارع الأم في البر كون وصل أهل ودها أقدم وأهم،
ومن الْبَيِّنِ:
أن الكلام في أصلٍ مسلِمٍ، أما غيره، فيظهر أنه أجنبي من هذا المقام، نعم إن كان
حيا، ورجا ببر أصدقائه تألفه للإسلام، تأكَّدَ وصْلُه،
وفي معنى الأصول:
الزوجة، فقد كان المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ يصل صُوَيْحِبَاتُ خديجةَ بعد موتها
قائلا: "حسن العهد من الإيمان."[6]
وألحق بعضُهم
بالأَبِ الشيخَ ونحوَهُ." اهـ
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى
: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح" (7 / 3084):
"أَنَّ
مِنْ جُمْلَةِ الْمَبَرَّاتِ الْفُضْلَى: مَبَرَّةَ الرَّجُلِ مِنْ أَحِبَّاءِ
أَبِيهِ، فَإِنَّ مَوَدَّةَ الْآبَاءِ قَرَابَةُ الْأَبْنَاءِ. وَخُلَاصَتُهُ:
أَنَّهُ إِذَا غَابَ الْأَبُ أَوْ مَاتَ يَحْفَظُ أَهْلَ وُدِّهِ، وَيُحْسِنُ
إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَبِ." اهـ
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى
: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح" (7 / 3084):
"وَإِنَّمَا
كَانَ أَبَرَّ، لِأَنَّهُ إِذَا حَفِظَ غَيْبَتَهُ فَهُوَ يَحْفَظُ حُضُورَهُ
أَوْلَى، وَإِذَا رَاعَى أَهْلَ وُدِّهِ فَكَانَ مُرَاعَاةُ أَهْلِ رَحِمِهِ
أَحْرَى." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (ص / 236):
"في هذا
الحديث: الحث على إكرام أصدقاء أبيه، ويقاس عليه أصدقاء الأم وسائر الأقارب."
اهـ
وقال عياض بن
موسى السبتي، المعروف بـ"القاضي عياض" اليحصبي
(المتوفى: 544 هـ) _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (8 / 16):
"والصلة
واللطف والتحفى أحد معانى البر على ما تقدم.
ومن أبر البر:
الوفاءُ لمن يلزم بره بصلة من كان يبره. هو كما قال _عليه السلام_ في خبر خليلة
خديجة[7]:
"إن حسن العهد من الإيمان." اهـ
وقال أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) _رحمه الله_ في "غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب" _ ط. الكتب العلمية (1/ 303):
"وَقَالَ
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي الرَّوَّادِ:
"إذَا
كَانَ الرَّجُلُ بَارًّا بِأَبَوَيْهِ فِي حَيَّاتِهِمَا ثُمَّ لَمْ يَفِ بَعْدَ
مَوْتِهِمَا بِنُذُورِهِمَا، وَلَمْ يَقْضِ دُيُونَهُمَا، كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَاقًّا. وَإِذَا كَانَ لَمْ يَبَرَّهُمَا وَأَوْفَى
بِنُذُورِهِمَا وَقَضَى دُيُونَهُمَا كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى بَارًّا."[8] ذَكَرَهُ
الْحَجَّاوِيُّ رحمه الله." اهـ
وقال أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) _رحمه الله_ في "غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب" _ ط. الكتب العلمية (1 / 303):
"وَقَالَ
أَبُو اللَّيْثِ فِي "تَنْبِيهِهِ":
"فَإِنْ
سَأَلَ سَائِلٌ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ إذَا مَاتَا سَاخِطَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ
هَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا،
قِيلَ لَهُ بَلْ
يُرْضِيهِمَا بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا :
أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ، لأَنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ
أَحَبَّ إلَيْهِمَا مِنْ صَلاحِهِ.
وَالثَّانِي :
أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُمَا وَأَصْدِقَاءَهُمَا.
وَالثَّالِثُ:
أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا وَيَدْعُوَ لَهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا .
وَذُكِرَ عَنْ
بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ مَنْ دَعَا لأَبَوَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ
مَرَّاتٍ فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((أَنِ اشْكُرْ لِي
وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ))
فَشُكْرُ
اللَّهِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ , وَكَذَا شُكْرُ
الْوَالِدَيْنِ أَنْ تَدْعُوَ لَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ،
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." [انظر: "تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء
والمرسلين" (ص: 128_129) لأبي الليث السمرقندي]." اهـ
وقال
محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي، الشهير بـ"ابْنِ الْحَاجِّ"
(المتوفى: 737 هـ) _رحمه الله_ في "المدخل" (3/ 164):
"وَالصُّحْبَةُ
مَعَ الْوَالِدَيْنِ بِبِرِّهِمَا بِالنَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَخِدْمَتِهِمَا فِي
حَيَاتِهِمَا، وَإِنْجَازِ وَعْدِهِمَا، وَالدُّعَاءِ لَهُمَا فِي كُلِّ
الْأَوْقَاتِ مَا دَامَا فِي الْحَيَاةِ، وَحِفْظِ عَهْدِهِمَا بَعْدَ الْمَمَاتِ،
وَإِنْجَازِ عَادَاتِهِمَا، وَإِكْرَامِ أَصْدِقَائِهِمَا." اهـ[9]
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (3 / 216):
"وفي هذا
الحديث: دليل على امتثال الصحابة، ورغبتهم في الخير ومسارعتهم إليه؛ لأن ابن عمر
استفاد من هذا الحديث فائدةً عظيمةً،
فإنه فعل هذا
الإكرام بهذا الأعرابي من أجل أن أباه كان صديقاً لعمر، فما ظنك لو رأى الرجل الذي
كان صديقاً لعمر؟ لأكرمه أكثر وأكثر." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (3 / 216):
"فيستفاد
من هذا الحديث:
* أنه إذا كان
لأبيك أو أمك أحد بينهم وبينه ود فأكرمه، كذلك إذا كان هناك نسوة صديقات لأمك؛
فأكرم هؤلاء النسوة، وإذا كان رجال أصدقاء لأبيك؛ فأكرم هؤلاء الرجال، فإن هذا من
البر.
* وفي
هذا الحديث _أيضاً_: سعة رحمة الله عز وجل حيث إن البر بابه
واسع لا يختص بالوالد والأم فقط؛ بل حتى أصدقاء الوالد وأصدقاء الأم، إذا أحسنت
إليهم فإنما بررت والديك فتثاب ثواب البار بوالديه.
* وهذه من نعمة
الله عز وجل، أن وسع لعباده أبواب الخير وكثرها لهم، حتى يلجوا فيها من كل جانب،
نسأل الله تعالى أن يجعلنا والمسلمين من البررة، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين." اهـ
وقال مفتي
الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420هـ) _رحمه الله_ في
"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30)جزءا - (13 / 253):
"الصدقة
للوالدين أو غيرهما من الأقارب مشروعة ؛ لقول النبي_صلى الله عليه وسلم_، لما سأله
سائل قائلا: "هل بقي من بر أبوي شيءٌ أبَرُّهما بِهِ بعد موتهما؟" قال:
«نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما،
وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما»." اهـ
وقال مفتي
الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420هـ) _رحمه الله_ في
"فتاوى نور على الدرب لابن باز" - بعناية الشويعر (14 / 324):
"كونه يصل
أحباب أبيه وأولياء أبيه وأقاربه، وكذلك صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما مثل
الإحسان إلى أعمامه وإلى جده أبي أبيه، وإلى أخواله إخوة____أمه، وأخوال جداته،
ونحو ذلك، هذا كله من الصلة للوالدين، صلته أقارب والديه صلة لهما." اهـ
وقال عبد
القادر بن
ملّا حويش السيد محمود آل غازي العاني (المتوفى:
1398 هـ) _رحمه الله_ في "بيان
المعاني" (2/ 472):
"وإذا عرفت
هذا فاعلم أن العقوق من الكبائر لأن حضرة الرسول عده منها، والعقوق هو أن يؤذي
والديه أو أحدهما بما لو فعله مع غيره كان محرّما من جملة الصغائر، أما إذا طالب
الولد والديه بدين لا يكون عقوقا، لأنه لو فعله مع غيرهما لا يكون حراما،
أما طلب حبسه
لأجل الدين فمن العقوق، كما أنه لو طلب حبس المعسر فإنه لا يجوز ومجرّد الشكوى
منهما لا تعد عقوقا لأن إقامة الدعوى على الغير بحق جائزة،
وقد شكا بعض ولد
الصحابة آباءهم إلى رسول الله ولم ينهه، وهو الذي لا يقر على باطل، أما بنهرهما
وزجرهما فمن الكبائر لثبوت النهي عنه نصا كما مر عليك، ومخالفة أمر الوالد فيما
إذا فعله لحق بالولد ضرر أو يغلب على ظنه لحوق الضرر لا يعدّ عقوقا ولا مخالفة بل
عليه الطاعة
والامتثال فيما عدا ذلك. ومن الكبائر أن يسافر الولد ويترك أبويه أو أحدهما بلا
نفقه مع قدرته وحاجتهما،
أما السفر إلى
حج الفرض وطلب العلم فلا يحق للوالدين المنع إذا تأمنت نفقتهما من مالهما أو ماله،
وإن مخالفتهما في هذين لا يعدّ عقوقا ولا يكون فعله كبيرة،
أما إذا لم يؤمن
نفقتهما مدة ذهابه وإيابه فلا يجوز له الذهاب مطلقا، لأن حقهما أقدم من غيره، وإن
فعل كان عاقا ومخالفا ومرتكبا الكبائر،
وإذا خالفهما
فيما لا دخل لهما فيه ولا ضرر فيه عليهما ولا عليه فلا شيء عليه البتة، إلا أن عدم
المخالفة أولى لئلا يحقدا عليه،
وإذا فعل فعلا
يسبّب ضررا إليهما فيحرم عليه ذلك، لأن إضرار هما والتسبب لإضرارهما حرام ولو كلف
الوالد ابنه طلاق زوجته التي يحبّها فلم يمتثل فلا إثم عليه، لأن هذا من خصائصه
ولا ضرر يلحقهما منه رأسا ولا تسببا،
وإذا كان يقدر
أن يصبر عن زوجته فطلقها امتثالا لأمر والديه أو أحدهما فهي فضيلة له يثاب عليها،
كما يأثم الوالدان إذا تسببا لطلاقها بلا سبب شرعي." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي
الوَلَّوِي (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (40/ 264_265):
"في
فوائده:
1 - (منها):
بيان فضل صلة أصدقاء الأب، والإحسان إليهم، وإكرامهم، وهو متضمّن لبرّ الأب،
وإكرامه؛ لكونه بسببه،
قال النوويّ -
رَحِمَهُ اللهُ -: "ويلتحق به أصدقاء الأم، والأجداد، والمشايخ، والزوج،
والزوجة، وقد سبقت الأحاديث في إكرامه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلائل
خديجة - رضي الله عنها – ["شرح النوويّ" (16/ 109 – 110)].
2 - (ومنها): ما
قاله الحافظ العراقيّ - رَحِمَهُ اللهَ -: إنما جعله أبرّ البرّ، أو من أبرّه؛
لأنَّ الوفاء بحقوق الوالدين والأصحاب بعد موتهم أبلغ؛ لأنَّ الحيّ يُجَامَلُ،
والميت لا يُستحْيَى منه، ولا يجامَل، إلَّا بحسن العهد.
ويَحْتَمِل أن
أصدقاء الأب كانوا مكفيين في حياته بإحسانه، وانقطع بموته، فأمر بنيه أن يقوموا
مقامه فيه، وإنما كان هذا أبرّ البرّ؛ لاقتضائه الترحم، والثناء على أبيه، فيَصِل
لروحه راحة بعد زوال المشاهدة المستوجبة للحياة، وذلك أشدّ من برّه له في حياته،
وكذا بعد غيبته، فإنه إذا لَمْ يظهر له شيء يوجب ترك المودّة، فكأنه حاضر، فيبقى
ودّه كما كان، وكذا بعد المعاداة رجاء عود المودّة، وزوال الوحشة، وإطلاق التولية
على جميع هذه الأشياء إما حقيقةٌ، فيكون من عموم المشترك، أو من التواطؤ، أو
بعضها، فيكون من الجمع بين الحقيقة والمجاز، ونبّه بالأب على بقية الأصول، وقياس
تقديم الشارع الأمّ في البرّ كون وصل أهل ودّها أقدم، وأهمّ.
ومن البيّن أن
الكلام في أصلٍ مسلمٍ، أما غيره فيظهر أنه أجنبيّ من هذا المقام، نعم إن كان حيًّا
ورجا ببر أصدقائه تالّفه للإسلام، تأكَّد وَصْله.
وفي معنى
الأصول: الزوجة، فقد كان النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصِل
صويحبات____خديجة - رضي الله عنها - بعد موتها، قائلًا: "إنَّ حُسن العهد من
الإيمان"، وألحق بعضهم بالأب الشيخ، ونحوه. انتهى ["فيض القدير على الجامع
الصغير" 2/ 405].
3 - (ومنها):
بيان أن برّ الوالدين لا ينقطع بموتهما.
4 - (ومنها):
بيان فضل عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - حيث كان مراعيًا لهذه السُّنَّة بعد
موت أبيه، والله تعالى أعلم." اهـ
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "التبصرة" (1/
192_193):
"الْوَيْلُ
كُلُّ الْوَيْلِ لِعَاقٍّ وَالِدَيْهِ، وَالْخِزْيُ كُلُّ الْخِزْيِ لِمَنْ مَاتَا
غِضَابًا عَلَيْهِ، أُفٍّ لَهُ هَلْ جَزَاءُ الْمُحْسِنِ إِلا الإِحْسَانُ
إِلَيْهِ، أَتْبِعِ الآنَ تَفْرِيطَكَ فِي حَقِّهِمَا أَنِينًا وَزَفِيرًا: {وَقُلْ
رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].___
كم آثرك
بِالشَّهَوَاتِ عَلَى النَّفْسِ، وَلَوْ غِبْتَ سَاعَةً صَارَا فِي حَبْسٍ،
حَيَاتُهُمَا عِنْدَكَ بَقَايَا شَمْسٍ، لَقَدْ رَاعَيَاكَ طَوِيلا فَارْعَهُمَا
قَصِيرًا، {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]،
كَمْ لَيْلَةٍ
سَهِرَا مَعَكَ إِلَى الْفَجْرِ، يُدَارِيَانِكَ مُدَارَاةَ الْعَاشِقِ فِي
الْهَجْرِ، فَإِنْ مَرِضْتَ أَجْرَيَا دَمْعًا لَمْ يَجْرِ، تَاللَّهِ لَمْ
يَرْضَيَا لِتَرْبِيَتِكَ غَيْرَ الْكَفِّ وَالْحِجْرِ سَرِيرًا {وَقُلْ رَبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
يُعَالِجَانِ
أَنْجَاسَكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَكَ، وَلَوْ لَقِيتَ مِنْهُمَا أَذَى شَكَوْتَ
شَقَاءَكَ، مَا تَشْتَاقُ لَهُمَا إِذَا غابا ويشتقاقان لِقَاءَكَ، كَمْ
جَرَّعَاكَ حُلْوًا وَجَرَّعْتَهُمَا مَرِيرًا {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
أتحسن الإساءة
في مقابلة الإحسان، أو ما تَأْنَفُ الإِنْسَانِيَّةُ لِلإِنْسَانِ، كَيْفَ
تُعَارِضُ حُسْنَ فَضْلِهِمَا بِقُبْحِ الْعِصْيَانِ، ثُمَّ تَرْفَعُ عَلَيْهِمَا
صَوْتًا جَهِيرًا، {وَقُلْ رَبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
تُحِبُّ أَوْلادَكَ
طَبْعًا، فَأَحْبِبْ وَالِدَيْكَ شَرْعًا، وَارْعَ أَصْلا أَثْمَرَ لَكَ فَرْعًا،
وَاذْكُرْ لُطْفَهُمَا بِكَ وَطِيبَ الْمَرْعَى أَوَّلا وَأَخِيرًا {وَقُلْ رَبِّ
ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
تَصَدَّقْ
عَنْهُمَا إِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ، وَصَلِّ لَهُمَا وَاقْضِ عَنْهُمَا الدَّيْنِ،
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمَا وَاسْتَدِمْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَما تُكَلَّفُ
إِلا أَمْرًا يَسِيرًا {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}
[الإسراء: 24]." اهـ
ملحق
الفوائد:
في هذه الروايات
فوائد كثيرة، ومن أهمها ما يأتي:
1_ فيه: بيان
عِظَم منزلة برِّ الوالدين، فدلَّ الحديث على أن برَّ الوالدين من أجلِّ
القُرُبات، حتى جُعل له مراتب، وأعلاها «أبرُّ البرِّ»، مما يدل على سموِّ شأنه
وعظيم أجره عند الله تعالى.
2_ فيه: أن برَّ
الوالدين لا ينقطع بموتهما، ففيه دليل على أن الإحسان إلى الوالد لا يقتصر على
حياته، بل يستمر بعد وفاته بصلة أحبابه وأصدقائه والدعاء له وتنفيذ وصاياه.
3_ فيه: فضل صلة
أصحاب الأب والإحسان إليهم، فمِنْ أعظم صور البر: الإحسان إلى من كانت بينهم وبين
الأب مودة وصداقة، وهذا من الوفاء وحفظ الجميل، وهو خلقٌ كريم دعا إليه الإسلام.
4_ فيه: استحباب
الوفاء لأهل المعروف، فتُظهر الروايات فضل الوفاء، وأنه من أخلاق المؤمنين، حيث
يُكافئ الإحسان القديم ولا ينساه مع مرور الزمن.
5_ فيه: مشروعية
الإكرام بالمال والجاه، ففي فعل ابن عمر _رضي الله عنهما_ دليل على أن الإكرام قد
يكون بالعطاء المالي أو بالتنازل عن متاعٍ يحتاجه المرء، ابتغاء مرضاة الله.
6_ فيه: تقديم
طاعة السنة على أعراف الناس، فاستنكر بعض الصحابة فعل ابن عمر، فبيَّن أن باعثه هو
امتثال السنة، وفيه أن العبرة باتباع هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_، لا بما
يستحسنه الناس أو يستكثرونه.
7_ فيه: حث على التواضع
وحسن الخلق مع عامة الناس، فإكرام الأعرابي – مع بساطته – دليل على تواضع الصحابة،
وأن الكرامة في الإسلام ليست بالحسب ولا بالنسب، بل بالخلق والعمل.
8_ فيه: فضل عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما، فتظهر الروايات شدة حرصه على اتباع السنة وتطبيقها
عمليًّا، ولو كان ذلك على حساب راحته أو ماله.
9_ فيه: أن
الأعمال الفاضلة تُفاضَل فيما بينها، فقوله _صلى الله عليه وسلم_: «أبرُّ البرِّ»
يدل على أن أعمال البر متفاوتة، وأن منها ما هو أكمل وأعظم أجرًا من غيره.
10_ فيه: استحباب
إظهار العمل الصالح للتعليم، فبيان ابن عمر سبب فعله يُفيد جواز إظهار العمل الصالح
إذا كان القصد التعليم والاقتداء، لا الرياء.
11_ فيه: الحث
على إحياء معاني البر في المجتمع، ففي الحديث تربية للأمة على حفظ العلاقات
الاجتماعية، وعدم قطع أواصر الود بزوال أسبابها الظاهرة.
12_ فيه: أن صلة
أهل ودِّ الأب من صلة الرحم بالمعنى العام، وإن لم تكن قرابة نسب، إلا أنها قرابة
مودة، وقد اعتبرها الشرع من مكارم الأخلاق وأعمال البر.
13_ فيه: عظيم
أثر القدوة العملية في الدعوة، ففعل ابن عمر _رضي الله عنهما_ أبلغ من كثير من
الأقوال، وفيه: أن القدوة الصالحة تؤثر في القلوب وتعلِّم بلا كلام.
14_ فيه: أن
الشريعة تحث على مكارم الأخلاق قبل المصالح الدنيوية، فتقديم الوفاء والبر على
مصلحة الركوب والانتفاع بالحمار دليل على تغليب القيم الإيمانية على المصالح
المادية.
15_ فيه: أن
برَّ الوالد سبب لبركة العمر والعمل، فمَنْ لازَم برَّ الوالدين، وفَّقه الله
للخيرات ورفع درجته، كما كان حال الصحابة _رضي الله عنهم_.
|
21_ بَابُ لَا تَقْطَعْ مَنْ كَانَ يَصِلُ أَبَاكَ فَيُطْفَأَ
نُورُكَ [42] – (1) أَخْبَرَنَا
بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَاحِقٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ
الزُّرَقِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: "كُنْتُ
جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مَعَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، فَمَرَّ بِنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ مُتَّكِئًا عَلَى
ابْنِ أَخِيهِ، فَنَفَذَ عَنِ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ
عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «مَا شِئْتَ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ
ثَلَاثًا، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِالْحَقِّ، إِنَّهُ لَفِي كِتَابِ اللَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_، مَرَّتَيْنِ:
"لَا تَقْطَعْ مَنْ كَانَ يَصِلُ أَبَاكَ فَيُطْفَأَ بِذَلِكَ نُورُكَ»." [قال الشيخ
الألباني : ضعيف] |
[1] وفي فيض القدير (1/ 196): "(احفظ ود أبيك) بضم الواو أي
محبته وبكسرها أي صديقه وعلى الأول فيه كما في النهاية حذف تقديره احفظ من كان ودا
لأبيك أي صديقا له وعلى الكسر لا تقدير فإن الود بالكسر الصديق." اهـ
[2] وفي فيض القدير (1/ 196):
"(لا
تقطعه) بنحو صد وهجر (فيطفئ الله نورك) بالنصب جواب النهي أن يخمد ضياءك ويذهب
بهاءك ويمسكه وما يمسك الله فلا مرسل له. والمراد: احفظ محب أبيك أو صديق أبيك
بالإحسان والمحبة سيما بعد موته ولا تهجره فيذهب الله نور إيمانك،
وهذا
وعيد مهول وتقريع يذهب عقول الفحول عن قطع ود الأصول حيث آذن عليه بذهاب نور
الإيمان وسخط الرحمن وما يذكر إلا أولوا الألباب، ولم يقل ضوءك بدل نورك لأن
الضوء،
فيه
دلالة على الزيادة فلو قيل يطفئ الله ضوءك لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى
نورا، والغرض الأبلغية التوعد بانطماس النور بالكلية،
قال
الحافظ العراقي:
"وهل
المراد به نوره في الدنيا أو نوره في الآخرة كل محتمل وقد ورد في التنزيل ما يدل
على كل منهما أما في الدنيا ففي قوله {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي
به في الناس} وقوله في حديث الحاكم إن النور إذا دخل الصدر انفسح قيل يا رسول الله
هل لذلك من علم قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود واستعداد
للموت قبل نزوله وأما في الآخرة ففي نحو {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم
بين أيديهم}،
قال:
ويؤيد أن المراد النور الأخروي إذ ترك الود لمن كان من أهل ود أبيه نوع من النفاق
فإنه كان يجامل أباه فلما توفي أبوه ترك ذلك وترك النور في الآخرة جزاء من فيه
نفاق كما قال تعالى {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من
نوركم} {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم}
وقد
أخرج ابن المبارك في الزهد عن ابن سلام والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق
نبيا إنه لفي كتاب الله تعالى لا تقطع من كان يصل أباك فيطفئ الله نورك وأخرج ابن
عساكر عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قال في كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه الصلاة
والسلام احفظ ود أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك وكالأب الجد أبو الأب والأم ويظهر
أن يلحق به جميع الأصول من الجهتين ومن البين أن الكلام في أب محترم يحرم عقوقه
ويطلب بره." اهـ
وفي
التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 430) للصنعاني : (لا تقطعه فيطفئ الله نورك) أي
النور الذي ينال من بركات بر أبيك وهو حث على البر بأحباء الآباء وذلك بعد وفاة
الآباء كما يأتي التقييد به أي أنه يكون بعده آكد." اهـ
[3] تابعه ابن الهاد فيما أخرجه صحيح مسلم (4/ 1979) (12) (رقم: 2552)،
وابن الهاد: هو يزيد بن عبد
الله بن أسامة بن الهاد الليثى، أبو عبد الله المدني (المتوفى سنة 139 هـ بـ المدينة)، من صغار التابعين، روى له: خ م د ت س ق، وقال الحافظ ابن حجر عنه: "ثقة
مكثر." اهـ
[4] وفي البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (40/
262):
"(مِنَ
الأَعْرَابِ) قال الفيّوميّ - رَحِمَهُ اللهُ -: الأَعْرَابُ بالفتح: أهل البدو من
العرب، الواحد أَعْرَابِيٌّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة وارتياد
للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواءٌ كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية،
وجاور البادين، وظَعَن بِظَعْنهم فهم أَعْرَابٌ، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن
المدن والقرى العربية، وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لَمْ يكونوا
فصحاء، ويقال: سُمّوا عَربًا؛ لأنَّ البلاد التي سكنوها تسمى العَرَبَاتَ، ويقال:
العَرَبُ العَارِبَةُ هم الذين تكلموا بلسان يعرب بن قحطان، وهو اللسان القديم،
والعَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم - عليهما
الصلاة والسلام - وهي لغات الحجاز، وما والاها. انتهى ["المصباح
المنير" (2/ 400)]
[5] وفي البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (40/
263):
"قال
المناويّ - رَحِمَهُ اللهُ -: البرّ هو الإحسان، وأبرّ البرّ: أحسنه، وأفضله، وأبر
البرّ من قبيل جَلّ جلالُهُ، وجَدّ جدُّهُ، جُعِل الجلالُ جليلًا، وأُسند الفعل
إليه، وجُعل الجدّ جادًّا، وأُسند الفعل إليه، وجُعل البرّ بارًّا، ويبنى منه أفعل
التفضيل، وكذا كلُّ ما هو من هذا القبيل، نحو أفضل الفضل، وأفجر الفجور، وكون ذلك
من البرّ؛ لأنَّ الولد إذا وَصَل وُدّ أبيه. اقتضى ذلك الترحم عليه، والثناء
الجميل، فتصل إلى روحه راحة بعد زوال المشاهدة المستوجبة للحياء، وذلك أشدّ من
كونه بارًّا في حياته. انتهى." ["فيض القدير"
(6/ 6)]
[6] أخرجه ابن الأعرابي في
"معجمه" (1/ 401) (رقم: 774):
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ
عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَنْتِ؟» قَالَتْ:
أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ قَالَ: «بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ
كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟» قَالَتْ: "بِخَيْرٍ
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ."
قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَتْ
قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا
الْإِقْبَالَ؟" قَالَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ»
وأخرجه: والحاكم في "المستدرك
على الصحيحين" (1/ 62) (رقم: 40)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (2/
102) (رقم: 971)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (11/ 378_379) (رقم: 8701 و
8702)، وفي "الآداب" (ص: 74) (رقم: 182).
صححه الألباني _رحمه الله_ في
"سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 424) (رقم: 216)،
وفي "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 413) (رقم: 2056)
[7] أخرجه ابن الأعرابي في
"معجمه" (1/ 401) (رقم: 774):
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ
عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَنْتِ؟» قَالَتْ:
أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ قَالَ: «بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ
كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟» قَالَتْ: "بِخَيْرٍ
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، يَا رَسُولَ اللَّهِ."
قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَتْ
قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا
الْإِقْبَالَ؟" قَالَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ»
وأخرجه: والحاكم في "المستدرك
على الصحيحين" (1/ 62) (رقم: 40)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (2/
102) (رقم: 971)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (11/ 378_379) (رقم: 8701 و
8702)، وفي "الآداب" (ص: 74) (رقم: 182).
صححه الألباني _رحمه الله_ في
"سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 424) (رقم: 216)،
وفي "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 413) (رقم: 2056)
[8] لم أظفر بهذا الأثر، إلا أن البغوي _رحمه الله_ نقله في كتابه
"شرح السنة" (13/ 33) – ط. المكتب الإسلامي
[9] وفي
"شرح السنة" للبغوي (13/ 33): "وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ
قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ
أَبِيهِ بَعْدَهُ»." اهـ

Komentar
Posting Komentar