شرح الحديث 235-237 (الترغيب في الأذان، وما جاء في فضله من كتابه ) من صحيح الترغيب

 

235 - (5) [صحيح لغيره] وعن البراءِ بن عازب رضي الله عنه؛ أن نبيَّ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"إن الله وملائكتَه يصلُّون على الصفٍ المُقَدَّمِ، والمؤذِّنُ يغفرُ له مدى صوتِهِ، ويُصَدِّقُه من سمعه مِن رَطبٍ ويابسٍ، وله [مثل] أجر من صلّى معه".

رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن جيّد.

 

ترجمة البَرَاء بن عَازِب الخزرجي _رضي الله عنه_:

 

قال خير الدين الزِّرِكْلِيُّ _رحمه الله_ (2/ 46_47):

"البَرَاء بن عَازِب (000 - 71 هـ = 000 - 690 م): البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي، أبو عُمارة: قائد، صحابي من أصحاب الفتوح، أسلم صغيرا، وغزا مع رسول الله _صلّى الله عليه وسلم_ خمس عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق.

ولما ولي عثمان الخلافةَ جعله أميرا على الرَّيِّ (بِفارس) سنة 24 هـ، فغزا أبهر (غربيّ قزوين)، وفتحها، ثم قزوين، فملكها، وانتقل إلى زِنْجَانَ، فافتتحها عَنْوَةً.

وعاش إلى أيام مُصْعَبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فسكن الكوفة، واعتزل الأعمال. وتوفي في زمنه. روى له البخاري ومسلم___305 أحاديث." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

ثم قال المنذري _رحمه الله_ في باب (الترغيب في الأذان، وما جاء في فضله) من كتابه "الترغيب والترهيب":

وعن البراءِ بن عازب رضي الله عنه؛ أن نبيَّ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"إن الله وملائكتَه يصلُّون على الصفٍ المُقَدَّمِ، والمؤذِّنُ يغفرُ له مدى صوتِهِ، ويُصَدِّقُه من سمعه مِن رَطبٍ ويابسٍ، وله مثل أجر من صلّى معه".

 

وقال ابن كثير _رحمه الله_ في "تفسيره" – ت. سلامة (6/ 436):

"وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْهُ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ: الرَّحْمَةُ [وَرَدَّ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} ] (2)

وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الصَّلَاةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ لِلنَّاسِ وَالِاسْتِغْفَارِ، كَقَوْلِهِ:

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} الْآيَةَ. [غَافِرٍ: 7-9]." اهـ

 

شرح الجمل الغريبة:

 

(إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ المُقَدَّمِ)،

* الصلاة من الله تعالى: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ورحمته به.

* والصلاة من الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم.

* الصفُّ المقدَّم: هو الصفُّ الأوّل الذي يلي الإمام، والمراد به: الصفوف المتقدِّمة في صلاة الجماعة، وأفضلها أوّلها.

والمعنى: أنَّ الله _تعالى_ يُثني على أهل الصفِّ الأوّل، ويسأل لهم الملائكة الرحمة والمغفرة؛ وذلك لفضل المبادرة إلى الصلاة والسبق إلى مواضع القُربة.

(وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ)،

* المؤذِّن: هو الذي يتولّى رفع الأذان والإعلام بدخول وقت الصلاة.

* مَدَى صَوْتِهِ: أي: غاية ما يبلغ إليه صوتُه من المسافة، وقيل: المراد مقدار ما يصل إليه صوتُه وينتهي إليه.

* يُغْفَرُ لَهُ: أي: يُرجى له أن يغفر الله _تعالى_ ذنوبه بفضل هذه العبادة العظيمة.

والمعنى: أنَّ المؤذِّن ينال مغفرة الله _تعالى_ بقدر امتداد صوت أذانه وبلوغه، وهذا من عظيم فضل الله على مَن قام بهذه الشعيرة.

(وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ)،

* يُصَدِّقُهُ: أي: يشهد له ويُقرُّ بصدق ما دعا إليه من توحيد الله وتعظيمه والدعوة إلى الصلاة.

* مَنْ سَمِعَهُ: أي: كلُّ مَن بلغه صوتُ المؤذِّن وسمعه.

* مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ: الرَّطب هو ما كان فيه رطوبة، واليابس هو ما خلا منها، والمراد بهما سائر الموجودات من المخلوقات التي يُسْمِعُها اللهُ _تعالى_ ويُجري عليها ما يشاء من الإدراك والشهادة والتصديق.

والمعنى: أنَّ كلَّ ما يسمع صوت المؤذِّن من المخلوقات يشهد له يوم القيامة، وفي ذلك بيانٌ لشرف الأذان، وعظيم أثره في المخلوقات.

(وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ)،

* مِثْلُ أَجْرِهِ: أي: مثل ثواب المصلِّي الذي استجاب لنداء المؤذِّن وحضر الصلاة.

* مَنْ صَلَّى مَعَهُ: أي: مَن صلّى الصلاة التي دعا إليها ذلك المؤذِّن بأذانه.

والمعنى: أنَّ المؤذِّن ينال مثل أجر المصلِّين الذين استجابوا لندائه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ لأنَّه كان سببًا في دعوتهم إلى الصلاة وإعلامهم بوقتها.

 

تنبيه: ليس المراد أنَّ المؤذِّن ينال أجر الصلاة نفسِها وإن لم يصلِّ، أو أنَّ أجره يُغنيه عن أداء الصلاة؛ بل المراد: أنَّه يُكتب له مثل ثواب مَن صلّى بسبب دعوته، مع وجوب أداء الصلاة عليه كسائر المسلمين، والله أعلم.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيَّن النبيُّ _صلّى الله عليه وسلّم_ في هذا الحديث عِظَمَ فضل الأذان، وما رتَّب الله _تعالى_ عليه من الأجور الجزيلة والفضائل العظيمة؛ فذكر ثلاث خصالٍ جليلة:

الخصلة الأولى: فضل الصفِّ المقدَّم في الصلاة.

فأخبر _صلّى الله عليه وسلّم_ أن الله _تعالى_ وملائكتَه يُصَلُّوْنَ على الصفِّ الأوّل، وهذا يدلُّ على شرفه وعلوِّ منزلته، وأنَّ مَن بادر إلى الصلاة، وحرص على التقدُّم إلى الصفوف الأُوَل، فقد حَظِيَ بِفضلٍ عظيمٍ ورحمةٍ من الله _تعالى_، ودعاءٍ من ملائكته.

الخصلة الثانية: فضل المؤذِّن وعظيم أجره.

أخبر _صلّى الله عليه وسلّم_ أن المؤذِّن يُغفر له بمدى صوته؛ أي: أنَّ مغفرة الله _تعالى_ تبلغ غايةَ ما يصل إليه صوتُه، وأنَّ كلَّ ما يسمع صوتَه من رطبٍ ويابسٍ يشهد له ويُصدِّقه، فيكون ذلك من أسبابِ عِظَمِ الْأَجْرِ ورِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ له يوم القيامة.

الخصلة الثالثة: مشاركة المؤذِّن للمصلِّين في الأجر.

فَمِنْ فضْلِ الله _تعالى_ على المؤذِّن أنَّه يُعْطَى مثلَ أجر مَن صلّى معه؛ لأنَّه كان سببًا في دعوتهم إلى الصلاة وإعلامهم بدخول وقتها، فكان له من ثواب صلاتهم مثلُ ما لهم، من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

 

فالأذان عبادةٌ عظيمة، وأنَّ للمؤذِّن من الأجر والفضل ما لا ينبغي أن يزهد فيه راغبٌ في الخير؛ إذ يجتمع له فضلُ الذكر والدعوة إلى الصلاة، وشهادةُ المخلوقات له، ومشاركةُ المصلِّين في ثواب صلاتهم، مع ما ورد في الحديث من فضل الصفِّ المقدَّم، وكلُّ ذلك يدلُّ على سعة رحمة الله _تعالى_ وعظيم فضله على عباده.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه النسائي في "سننه" (2/ 13) (رقم: 646)، وفي "السنن الكبرى" (2/ 239) (رقم: 1622)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 284) (رقم: 18506_18507)[1]، وأبو العباس السَّرَّاجُ في "حديثه" (2/ 145) (رقم: 602)، وفي "مسنده" (ص: 55) (رقم: 70)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (8/ 136) (رقم: 8198)، وأبو الفضل الزهري في "حديثه" (ص: 396) (رقم: 396)، وأبو القاسم الرافعي القزويني في "التدوين في أخبار قزوين" (1/ 306).

 

وله شاهد من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_: أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب" – ت. مصطفى العدوي (2/ 341) (رقم: 1435)

 

قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (8/ 126):

"حديث البراء بن عازب _رضي الله تعالى عنهما_ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي. تحفة جـ 2 ص 57، أخرجه هنا (646)، وفي الكبرى (1610) بهذا السند." اهـ

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 376) (رقم: 1841)، وعبد القادر الأرنؤوط _رحمه الله" في "تحقيق جامع الأصول" (9/ 385) (رقم: 7036).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (8/ 125):

"وفي الحديث: الحث على الصلاة في الصف المقدم، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه من كتاب الإمامة، إن شاء الله _تعالى_. " اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (10/ 289):

"الرجال اختصّوا بكمال الأوصاف، والضبط عن الإمام، والاقتداء به، والتبليغ عنه، ولما فيه من البعد من صفّ النساء." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التحبير لإيضاح معاني التيسير" (5/ 173):

"قوله في حديث البراء: (ويصدقه من سمعه)،

هذا التصديق غير الشهادة الماضية، وأنها تكون يوم القيامة. والتصديق عند ندائه يقول كل سامع له: صدقت.

قوله: (وله مثل أجر من صلى معه)،

أي: للمؤذن مثل أجر من صلى معه ممن سمع أذانه مطلقاً." اهـ

 

وقال عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد الرَّحْمَانِيُّ الْمُبَارَكْفُوْرِيُّ (المتوفى: 1414 هـ) _رحمه الله_ في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (4/ 15):

"فالصلاة من الله _تعالى_ تشمل كل صف على حسب تقدمه، إلا الأخير، فلاحظ له منها لفوات التقدم." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (5/ 227):

"وقوله: ( كل رطب ويابس) يدل على أن الجمادات سواء كانت رطبة أو يابسة فإن لها سماعاً في الدنيا وشهادة في الآخرة.

فدل ذلك على صحة أشياء مختلف في بعضها:

منها: إدراك الجمادات ونطقها.

وقد أثبت ذلك جمهور السلف، سواء كانت رطبة أو يابسة، كما دل عليه قوله: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: 10] ، وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ? [الإسراء: 44] وخص الحسن التسبيح بما كان رطباً قبل ان ييبس.

والجمهور على خلافه.

وأمامن قال: تسبيحها: دلالاتها على صانعها بلسان الحال، فقول ضعيف جداً، والأدلة الكثيرة تبطله.

ومنها: أن الجمادات ... يوم القيامة.

وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن أنيس في سؤال الحجر والعود.

والحديث الصحيح: أن الغال يأتي بما غل من بقر وغنم وصامت ورقاع تخفق. وأن مانع الزكاة يجعل له ماله صفائح يكوى به.

كما دل عليه قوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 35]." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (8/ 121):

"المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو الترغيب في رفع الصوت بالأذان، بحيث لا يتضرر به، لكونه سببًا للمغفرة، وشهادة كل شيء

له، ولأن فيه الأمر بحضور الصلوات، فكلما كان أدعى للإسماع كان أولى، لما يترتب عليه من زيادة الخير.

وقد روى البيهقي بسنده عن أبي محذورة رضي الله عنه، قال: "لما قدم عمر رضي الله عنه مكة أذنت، فقال لي: يا أبا محذورة أما خفت أن ينشق مُرَيْطَاؤُكَ". "السنن الكبرى" جـ 1 ص 397 والمريطاء: بضم الميم، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية: عرقان في مراقِّ البطن، يعتمد عليهما الصائح، قاله في "اللسان".

ومنها: ثبوت المغفرة للمؤذن بمد صوته.

ومنها: رِفْعَةُ شأن المؤذن يوم القيامة، حيث شهد له كل رطب ويابس، ممن سمع صوته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان." اهـ

 

وقال محمد بن علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني" (المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل الأوطار" (2/ 43):

"وَفِي فَضْلِ الْأَذَانِ: أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مُصَرِّحَةٌ بِعَظِيمِ فَضْلِهِ وَارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ الَّتِي يَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ، وَلَكِنْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي عَرَّفْنَاك فِي شَرْحِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ." اهـ

 

وقال أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (المتوفى: 682 هـ) _رحمه الله_ "الشرح الكبير على الْمُقْنِعِ" – ت. التركي (3/ 45_46):

"قال القاضي: الأذانُ أفْضَلُ مِن الإمامَةِ. وهذا إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ ابنِ أبي موسى، وجَماعَةٍ مِن أصحابِنا. [وهذا مَذْهَبُ] الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ في فَضِيلَتِه، ولِما روَى أبو هريرة، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الإمَامُ ضَامنٌ، وَالمُوذِّن مُوتمنٌ اللَّهُمَّ أرشِدِ الأئمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُوذنِينَ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِيُّ.

والأمانَةُ أعْلَى مِن الضَّمانِ، والمَغْفِرَةُ أعلى مِن الإرْشادِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، الإمامَةُ أفْضَل؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَلّاها بنَفْسِه، وخُلَفاؤه مِن بعدِه، ولا يَخْتارُون إلَّا الأفضلَ، ولأنَّ الإمامَةَ يُخْتارُ لها مَن___هو أكْمَلُ حالًا وأفْضَلُ، واعْتِبارُ فضِيلَتِه دَلِيلٌ على فضيلةِ مَنْزِلَتِه. ومَن نَصَر الروايَةَ الأُولَى قال: إنَّما لم يَتَوَلَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخُلَفاؤُه؛ لضِيقِ وَقْتِهم عنه، ولهذا قال عُمَرُ: لولا الخِلِّيفَي، لأذَّنْتُ. والله أعلمُ." اهـ

 

وقال محمد بن علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني" (المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل الأوطار" (2/ 53):

"وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَدِّ الصَّوْتِ فِي الْأَذَانِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَشَهَادَةِ الْمَوْجُودَاتِ وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْمَجِيءِ إلَى الصَّلَاةِ،

فَكُلُّ مَا كَانَ أَدْعَى لِإِسْمَاعِ الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ كَانَ أَوْلَى «وَلِقَوْلِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِأَبِي مَحْذُورَةَ ارْجِعْ فَارْفَعْ صَوْتَك»

وَهَذَا أَمْرٌ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، قِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُؤَذِّنُ فِيهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يَبْلُغُهُ صَوْتُهُ ذُنُوبٌ تَمْلَأُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ لَغَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث النبويِّ الجليل جملةٌ من الفوائد العظيمة، والدلالات النافعة، والأصول الشرعية التي ينبغي لطالب العلم أن يتفقَّه فيها، ومن ذلك ما يأتي:

١- فيه: عِظَمُ شأن الأذان في الشريعة الإسلامية،

فإنَّ الأذان ليس مجرَّد إعلامٍ بدخول وقت الصلاة، بل هو شعيرةٌ ظاهرة من شعائر الإسلام، وعبادةٌ جليلةٌ يتقرَّب بها العبد إلى ربِّه، وقد رتَّب الشارع على القيام بها من الأجور والفضائل ما يدلُّ على علوِّ منزلتها.

٢- فيه: إثباتُ صفة الصلاة لله _تعالى_ على الوجه اللائق بجلاله،

ففي قوله _صلّى الله عليه وسلّم_: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ» إثباتُ الصلاة لله _تعالى_، وهي صفةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، نؤمن بها على ما يليق بجلاله، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل.

٣- فيه: فضلُ الصفِّ الأوّل وعلوُّ منزلته،

فقد أخبر النبيُّ _صلّى الله عليه وسلّم_ أنَّ الله _تعالى_ وملائكته يصلُّون على الصفِّ المقدَّم، وهذا من أعظم ما يُرغِّب المسلم في التبكير إلى الصلاة، والمبادرة إلى الصفوف المتقدِّمة، وعدم التفريط في هذا الفضل العظيم.

٤- فيه: الحثُّ على المسابقة إلى الطاعات واغتنام أوقات الفضائل،

فإنَّ مَن أراد تحصيل الأجور العظيمة، فلا يليق به أن يتثاقل عن أبواب الخير، بل ينبغي له أن يكون سبَّاقًا إلى مواطن الفضل، حريصًا على إدراك الصفوف الأُوَل، فإنَّ المسابقة إلى الخيرات من دلائل صدق الرغبة فيما عند الله _تعالى_.

٥- فيه: عِظَمُ فضل المؤذِّن ورفعةُ منزلته،

فقد خصَّه النبيُّ _صلّى الله عليه وسلّم_ بفضائلَ عظيمةٍ، منها: المغفرة، وشهادة المخلوقات له، وحصول مثل أجر المصلِّين الذين استجابوا لندائه، وفي ذلك ترغيبٌ ظاهرٌ في القيام بهذه الشعيرة المباركة.

٦- فيه: أنَّ الأذان من أعظم أبواب الدلالة على الخير،

فإنَّ المؤذِّن يدعو الناس إلى عبادة الله _تعالى_، ويوقظ الغافل، وينبِّه الساهي، ويذكِّر المنشغل بموعد الوقوف بين يدي ربِّ العالمين؛ فهو داعيةٌ إلى الصلاة بلسانه، ومُعينٌ على إقامتها بعمله.

٧- فيه: سعةُ فضل الله _تعالى_ على عباده،

فإنَّ الله _سبحانه_ يجزي على العمل اليسير من عباده جزاءً عظيمًا، ويُضاعف لهم الحسنات، ويجعل للأعمال أسبابًا تبلغ بها الأجور مبلغًا لا يخطر للعبد على بال، وذلك من سعة رحمته وعميم إحسانه.

٨- فيه: أنَّ مغفرة الذنوب من أعظم ثمرات الأعمال الصالحة،

ففي قوله: «وَالْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ» تنبيهٌ على أنَّ من أجلِّ ما ينبغي للمؤمن أن يطلبه في عبادته مغفرةَ الله _تعالى_، فإنَّ العبد مهما كثرت طاعاته، لا يستغني عن عفو ربِّه ومغفرته.

٩- فيه: أنَّ الجزاء من جنس العمل،

فإنَّ المؤذِّن لما رفع صوته بذكر الله _تعالى_، وأعلن توحيده وتعظيمه، كان من جزائه أن تشهد له المخلوقات التي بلغها صوته، وفي ذلك مناسبةٌ ظاهرةٌ بين العمل والجزاء.

١٠- فيه: شرفُ ذكر الله _تعالى_ ورفعُ شأنه بين الخلق،

فالأذان مشتملٌ على التكبير والتهليل والشهادة لله بالوحدانية ولنبيِّه صلّى الله عليه وسلّم بالرسالة، وفيه دعوةٌ إلى الصلاة والفلاح؛ فهو من أعظم المواطن التي يُعلن فيها ذكر الله تعالى وتوحيده.

١١- فيه: إثباتُ شهادة المخلوقات يوم القيامة،

ففي قوله: «وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ» دليلٌ على أنَّ الله _تعالى_ يُنْطِقُ مَن شاء من خلقه بالشهادة لعباده، وأنَّ المخلوقات قد تكون شهودًا على أعمال بني آدم يوم القيامة.

١٢- فيه: أنَّ علم الله تعالى وقدرته محيطان بجميع مخلوقاته،

فلا يخفى عليه _سبحانه_ صوتٌ في أقطار الأرض، ولا حركةٌ في برٍّ أو بحر، وهو القادر على أن يُسمع مَن شاء، وأن يُنطقه بما شاء، وأن يجعله شاهدًا على ما شاء من أعمال عباده.

١٣- فيه: أنَّ المخلوقات ليست سواءً في أحوالها وخصائصها،

فذكرُ الرطب واليابس يتناول أجناسًا مختلفةً من الموجودات، وفيه تنبيهٌ على سعة ما يشمله هذا اللفظ من مخلوقات الله تعالى، وأنَّ الأمر كلَّه بيده سبحانه، يُجريه على وفق حكمته ومشيئته.

١٤- فيه: فضلُ تعليم الناس الخير والدلالة عليه،

فالمؤذِّن يدلُّ الناس على الصلاة، وكلُّ مَن كان سببًا في هداية الناس إلى طاعةٍ من الطاعات، وإعانتهم على فعلها، كان له من الأجر بقدر ما دلَّ عليه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ».

١٥- فيه: أنَّ الدالَّ على الخير شريكٌ لفاعله في الثواب،

ففي قوله: «وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ» بيانٌ لفضل السببيَّة في الطاعات، وأنَّ الله تعالى لا يضيِّع أجر مَن كان سببًا في وقوع الخير، بل يكتب له مثل ثواب مَن انتفع بدلالته.

١٦- فيه: أنَّ ثواب العامل لا ينقص بسبب مشاركة غيره له في الأجر،

فإنَّ الله _تعالى_ واسع الفضل، لا تضيق خزائنه عن إثابة عباده، ولا ينقص أجر المصلِّي بسبب حصول مثل أجره للمؤذِّن، بل يُعطي كلَّ واحدٍ من فضله ما يستحقُّه.

١٧- فيه: فضلُ الجماعة واجتماع المسلمين على الصلاة،

فإنَّ الأذان إنما شُرع لإعلام الناس ودعوتهم إلى الصلاة، واجتماعهم على عبادة ربِّهم، وفي ذلك إظهارٌ لشعائر الإسلام، وتأليفٌ لقلوب المسلمين، وتربيةٌ لهم على الاجتماع والطاعة.

١٨- فيه: أنَّ الأعمال الصالحة تتفاضل بتفاضل ما يترتَّب عليها من المصالح،

فالمؤذِّن لا يقتصر نفع عمله على نفسه، بل يتعدَّاه إلى جماعة المصلِّين، ولذلك كان له من الأجر مثل ما لهم، وفيه حثٌّ على الأعمال التي يتعدَّى نفعها إلى الآخرين.

١٩- فيه: الحثُّ على الإخلاص في طلب الأجر والثواب،

فإنَّ مَن عرف عظيم ما أعدَّه الله للمؤذِّن من الفضل، حمله ذلك على الرغبة في هذه العبادة ابتغاء مرضاة الله تعالى، لا طلبًا لثناء الناس أو رفعة الذكر بينهم؛ فإنَّ العبرة بصدق النيَّة وإخلاص العمل.

٢٠- فيه: أنَّ الفضائل الشرعية ينبغي أن تُطلب من أبوابها التي شرعها الله _تعالى_،

فليس الفضل في مجرَّد رفع الصوت أو كثرة النداء، وإنما الفضل في الأذان المشروع، بألفاظه وصفته، مع الإخلاص لله تعالى والقيام بحقوق هذه الشعيرة.

٢١- فيه: أنَّ المحافظة على شعائر الإسلام من أعظم أسباب ظهور الدين،

فالأذان شعارٌ ظاهرٌ للمسلمين، تُعرف به أوقات صلواتهم، وتُعلن به كلمة التوحيد في المساجد والبلدان، وفي المحافظة عليه محافظةٌ على مظهرٍ عظيمٍ من مظاهر الإسلام.

٢٢- فيه: تفاوتُ الناس في أبواب الخير ومواطن الفضل،

فقد يكون للرجل بابٌ من أبواب الطاعة يفتح الله له فيه من الأجر ما لا يحصل له في غيره، والمؤذِّن مثالٌ لذلك؛ إذ جعل الله له من الفضائل ما يدعو إلى اغتنام هذه القربة وعدم الزهد فيها.

٢٣- فيه: أنَّ المسلم ينبغي له أن يكون حريصًا على نفع إخوانه،

فالمؤذِّن ينفع المسلمين بإيقاظهم للصلاة وتنبيههم إلى وقتها، وفي ذلك تذكيرٌ للمؤمن بأنَّ من كمال الخير أن يتعدَّى نفعه إلى غيره، وألَّا يحبس أبواب البرِّ على نفسه.

٢٤- فيه: عظمُ منزلة الصلاة في الإسلام،

فإنَّ الأذان إنما جُعل دعوةً إليها وإعلامًا بدخول وقتها، وما رتَّب الله عليه من الفضائل العظيمة شاهدٌ على شرف الصلاة وعلوِّ مكانتها، وأنَّها من أعظم شعائر الدين وأجلِّ فرائضه.

٢٥- فيه: أنَّ طلب الفضائل لا يكون على حساب الفرائض والواجبات،

فلا ينبغي للمؤذِّن أن يغترَّ بما ورد في فضل أذانه، فيُقصِّر في أداء الصلاة أو غيرها من الواجبات، بل الواجب عليه أن يجمع بين أداء الفرائض والإكثار من النوافل والقربات.

٢٦- فيه: الترغيب في تحمُّل مسؤولية الأذان والقيام بحقوقه،

فمن تصدَّى لهذه الشعيرة فليؤدِّها على وجهها المشروع، محافظًا على ألفاظها وأوقاتها، متجنِّبًا التساهل فيها؛ فإنَّ عظم الأجر يدلُّ على عظم شأن العمل ومسؤوليته.

٢٧- فيه: أنَّ العبرة بفضل الله تعالى لا بكثرة العمل وحدها،

فقد يكون العمل في ظاهره يسيرًا، ولكنَّ الله تعالى يرفع صاحبه به درجاتٍ عظيمةً؛ لما قام في قلبه من الإخلاص والصدق، ولما اشتمل عليه عمله من المصالح المتعدِّية.

٢٨- فيه: أنَّ المسلم ينبغي له ألَّا يحتقر شيئًا من أعمال البرِّ،

فربَّ عملٍ يراه صاحبه يسيرًا يكون سببًا في مغفرة ذنبه ورفعة درجته، والأذان من جملة تلك الأعمال التي عظم أجرها وظهر فضلها في هذا الحديث.

٢٩- فيه: فضلُ المبادرة إلى الصلاة وعدم التأخُّر عن الصفوف المتقدِّمة،

فكما دلَّ الحديث على فضل المؤذِّن، دلَّ صدره على فضل الصفِّ المقدَّم، وفي ذلك توجيهٌ للمسلم إلى أن يجمع بين المبادرة إلى المسجد، والتقدُّم إلى الصفوف الأُوَل، والحرص على إدراك فضائل الصلاة.

٣٠- فيه: وجوبُ تعظيم ما عظَّمه رسول الله _صلّى الله عليه وسلّم_ من شعائر الدين،

فإنَّ بيان النبيِّ _صلّى الله عليه وسلّم_ لهذه الفضائل يحمل المؤمن على تعظيم الأذان والمؤذِّنين، وإكرام هذه الشعيرة، والرغبة في المشاركة فيها، من غير غلوٍّ ولا مجاوزةٍ للحدود الشرعية.

 

فأبواب الخير واسعة، وأنَّ الله تعالى جعل لبعض الأعمال آثارًا تتعدَّى إلى غير فاعليها، فالمؤذِّن يرفع صوته بذكر الله، فيكون سببًا في اجتماع المصلِّين على طاعته، وينال من الأجر مثل ما نالوا، ويشهد له ما سمع نداءه من خلق الله.

فحريٌّ بطالب الآخرة أن يغتنم هذه الفضائل، وأن يسابق إلى الطاعات، وأن يجعل همَّه تحصيل مرضاة الله تعالى، فإنَّ الفضل فضلُه، والجزاء جزاؤه، وهو سبحانه ذو الفضل العظيم.

 

 

 

 

 

 

 

236 - (6) [صحيح لغيره] ورواه الطبراني عن أبي أمامة، ولفظه: قال: قال رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

"المؤذِّن يُغفرُ لهُ مدَّ صوته، وأجرُه مثلُ أجر من صلّى معه".

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (8/ 241) (رقم: 7942).

صححه لغيره الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1128) (رقم: 6643)، وإن كان في إسناده جعفر بن الزبير الحَنَفِيُّ الشامي الدمشقي، من كبار أتباع التابعين، روى له: ابن ماجه. قال ابن حَجَرٍ: "متروك الحديث، وكان صالِحًا فى نفسه."

 

وأما فوائده، فارجع إلى الفوائد المذكورة في الحديث السابق.

 

 

 

 

 

 

 

237 - (7) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"الإمام ضامنٌ (1)، والمؤذن مؤتمَن، اللهم أرشِد الأئمةَ، واغْفِرْ للمؤذِّنين".

رواه أبو داود والترمذي.

[صحيح] وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما"؛ إلا أنَّهما قالا:

"فأرشَدَ الله الأئمّةَ، وغَفَرَ للمؤذّنين".

ولابن خزيمة رواية كرواية أبي داود. وفي أخرى له:

قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"المؤذّنون أمناءُ، والأئمّة ضُمَناءُ، اللهم اغفر للمؤذنين، وسدِّد الأئمّةَ (2)، (ثلاث مرات) ".

__________

(1) أي: متكفّل لصلاة المأمومين. (والمؤذن مؤتمن) أي: أمين على مواقيت الصلاة.

(2) قلت: والمحفوظ الرواية الأولى؛ "أرشِدِ الأئمة".

 

شرح الجمل الغريبة:

 

(الإِمَامُ ضَامِنٌ)

* الإمام: هو الذي يتقدَّم المصلِّين في الصلاة، ويقتدون به في أفعالها.

* ضامن: أي: متحمِّلٌ للمسؤولية، ومؤتمنٌ على صلاة مَن خلفه، وقائمٌ بما أُنيط به من حقوق الإمامة.[2]

والمعنى: أنَّ الإمام مسؤولٌ عن إقامة الصلاة على الوجه المشروع، فعليه أن يأتي بأركانها وواجباتها، ويراعي أحوال المأمومين، ويؤدِّي الصلاة بهم على هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

وليس معنى الضمان أنَّه يتحمَّل عن المأمومين كلَّ خللٍ يقع منهم، أو أنَّ صلاتهم لا تصحُّ إلا بصحَّة صلاته مطلقًا؛ وإنما المراد أنَّه مؤتمنٌ على أداء هذه المسؤولية، ومطالبٌ برعايتها.

(وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ)

* المؤذِّن: هو الذي يتولَّى الأذان والإعلام بدخول وقت الصلاة.

* مؤتمن: أي: موضع ثقةٍ وأمانة، قد ائتمنه المسلمون على أمرٍ من أمور دينهم.

والمعنى: أنَّ المؤذِّن مؤتمنٌ على إعلام الناس بدخول أوقات الصلوات، فعليه أن يتحرَّى الوقت، وألَّا يؤذِّن قبل دخوله، وأن يحافظ على أداء الأذان بألفاظه المشروعة.

ومن مقتضيات هذه الأمانة أن يكون المؤذِّن عارفًا بمواقيت الصلاة، متيقِّظًا لها، بعيدًا عن التساهل والتفريط.

(اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ)

* اللهم: لفظٌ يُستعمل في الدعاء، ومعناه: يا الله.

* أرشد: أي: وفِّق، واهدِ، وسدِّد إلى الصواب والحق.

* الأئمة: جمع إمام، وهم الذين يتقدَّمون الناس في الصلاة.

والمعنى: أنَّ النبيَّ _صلّى الله عليه وسلّم_ دعا الله _تعالى_ أن يوفِّق أئمة المسلمين للصواب والسداد، وأن يعينهم على أداء مسؤوليتهم، وإقامة الصلاة على الوجه الذي يرضيه _سبحانه_.

وفي هذا الدعاء تنبيهٌ على عظيم شأن الإمامة، وأنَّ الإمام محتاجٌ إلى توفيق الله وهدايته؛ لِيُحْسِنَ القيام بما تحمَّله من مسؤولية.

قال شرف الحق العظيم آبادي _رحمه الله_ في "عون المعبود" (2/ 152):

"(اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ)، والمعنى: أرشد الأئمة للعلم بما تكلفوه وَالْقِيَامِ بِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ

(وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ)

* اغفر: أي: استر الذنب، وتجاوز عنه، واعفُ عن صاحبه، وارحمه.

* للمؤذِّنين: أي: الذين يقومون بالأذان، ويرفعون نداء الصلاة في أوقاتها.

والمعنى: أنَّ النبيَّ _صلّى الله عليه وسلّم_ دعا الله _تعالى_ أن يغفر للمؤذِّنين ذنوبهم، جزاءً لما يقومون به من خدمة هذه الشعيرة العظيمة، وإعلام المسلمين بأوقات الصلاة، ودعوتهم إلى عبادة ربِّهم.

قال شرف الحق العظيم آبادي _رحمه الله_ في "عون المعبود" (2/ 152):

(وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) مَا عَسَى يَكُونُ لَهُمْ تَفْرِيطٌ فِي الْأَمَانَةِ الَّتِي حَمَلُوهَا مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمٍ عَلَى الْوَقْتِ أَوْ تَأْخِيرٍ عَنْهُ سَهْوًا

تنبيه مهم: قوله: «الإمام ضامن، والمؤذِّن مؤتمن»، لا يعني أنَّ الإمام والمؤذِّن معصومان من الخطأ، وإنما يبيِّن ما أُنيط بكلٍّ منهما من أمانةٍ ومسؤولية؛ فالإمام مسؤولٌ عن إقامة الصلاة، والمؤذِّن مسؤولٌ عن الأذان والتحرِّي في وقته، والله أعلم.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيّن النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث ما للإمام والمؤذِّن مِنَ المنزلة والمسؤولية في جماعة المسلمين؛ فأخبر أنَّ الإمام ضامنٌ، أي: هو متحمِّلٌ مسؤوليةَ صلاةِ مَنِ ائْتَمَّ به، فعليه أن يُقيم الصلاة على وجهها المشروع، ويُحسن أداءها، ويراعي أحوال المأمومين، فلا يُطيل بهم إطالةً تُشقُّ عليهم، ولا يُخلُّ بأركان الصلاة وواجباتها.

 

وأخبر أنَّ المؤذِّن مؤتمَنٌ، أي: هو موضع أمانة المسلمين في إعلامهم بدخول أوقات الصلوات، فعليه أن يتحرَّى دخول الوقت، ويؤدِّي الأذان على وجهه المشروع، ولا يتقدَّم به عن وقته، ولا يتساهل في هذه الأمانة.

 

ثم دعا النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للأئمة بالرشد، فقال: «اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ»؛ أي: وفِّقهم للصواب والسداد، وأعنهم على القيام بمسؤوليتهم في إمامة الناس وإقامة الصلاة.

 

ودعا للمؤذِّنين بالمغفرة، فقال: «وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ»؛ وذلك لما يقومون به من خدمة شعيرة الأذان، وإعلام المسلمين بأوقات الصلاة، ودعوتهم إلى عبادة الله تعالى.

 

ووجه مناسبته أنَّ الحديث اشتمل على دعاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمؤذِّنين بالمغفرة، وهذا من أعظم ما يدلُّ على فضل الأذان وشرف القائمين به، وفيه ترغيبٌ ظاهرٌ في هذه الشعيرة المباركة، وبيانٌ لعظيم منزلتها في الإسلام.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 143) (رقم: 517)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 402) (رقم: 207)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (4/ 156) (رقم: 2526)، وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (1/ 477) (رقم: 1838_1839)، والحميدي في "مسنده" (2/ 213) (رقم: 1029)، وابن الجعد في "مسنده" (ص: 312) (رقم: 2118)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 203) (رقم: 2338)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 232 و 2/ 284 و 2/ 378 و 2/ 382 و 2/ 419 و 2/ 424 و 2/ 461 و 2/ 472 و 2/ 514) (رقم: 7169 و 7818 و 8909 و 8970 و 9428 و 9478 و 9942 و 10098 و 10666)، وابن خزيمة في "صحيحه" (3/ 15 و 3/ 16) (رقم: 1528 و 1531)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (5/ 435 و 5/ 443) (رقم: 2194 و 2199)، وابن حبان في "صحيحه" (4/ 560) (رقم: 1672)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 209) (رقم: 663)، و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 231) (رقم: 217)، و"صحيح أبي داود" - الأم (3/ 3) (رقم: 530)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 539) (رقم: 2787)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (3/ 227) (رقم: 1670).

 

من فوائد الحديث:

 

عون المعبود وحاشية ابن القيم (2/ 152)

وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَالْمُؤَذِّنُ أَمِينٌ فِي الْأَوْقَاتِ يَعْتَمِدُ النَّاسَ عَلَى أَصْوَاتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمُؤَقَّتَةِ

 

عون المعبود وحاشية ابن القيم (2/ 152)

وقال بن الْمَلَكِ وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ لِأَنَّهُمْ يَرْتَقُونَ فِي أَمْكِنَةٍ عَالِيَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرِفُوا عَلَى بُيُوتِ النَّاسِ لِكَوْنِهِمْ أُمَنَاءَ." اهـ

 

وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (1/ 523):

"وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضِيلَةِ الْأَذَانِ وَعَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمَامةِ لِأَنَّ الْأَمِينَ أَرْفَعُ حَالًا مِنَ الضَّمِينِ،

وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ أَمُّوا وَلَمْ يُؤَذِّنُوا وَكَذَا كِبَارُ الْعُلَمَاءِ بَعْدَهُمْ." اهـ

 

وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (1/ 523)

قَالَ الْأَشْرَفُ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى فَضْلِ الْأَذَانِ عَلَى الْإِمَامَةِ لِأَنَّ حَالَ الْأَمِينِ أَفْضَلُ من حال الضمين ثم كَلَامُهُ

وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا الْأَمِينَ يَتَكَفَّلُ الْوَقْتَ فَحَسْبُ وَهَذَا الضَّامِنُ يَتَكَفَّلُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَيَتَعَهَّدُ لِلسِّفَارَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ فِي الدُّعَاءِ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ وَكَيْفَ لَا وَالْإِمَامُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤَذِّنُ خَلِيفَةُ بِلَالٍ وَأَيْضًا الْإِرْشَادُ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ وَالْغُفْرَانُ مَسْبُوقٌ بِالذَّنْبِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ القارىء في المرقاة وهو مذهبنا في الْحَنَفِيَّةِ وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ انْتَهَى

قُلْتُ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّدُهُ والله تعالى أعلم

 

وقال أبو الليث السمرقندي _رحمه الله_ في "تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين" (ص: 289):

"سُمِّيَ الْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنًا، لِأَنَّ النَّاسَ ائْتَمَنُوهُ فِي أَمْرِ صَلَاتِهِمْ وَصَوْمِهِمْ، فَمِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، كَيْلَا يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ أَمْرُ صَلَاتِهِمْ، وَسَحُورِهِمْ، وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، لِكَيْلَا يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ أَمْرُ فُطُورِهِمْ.

فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مُؤْتَمَنًا، وَالْإِمَامُ ضَامِنًا لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ صَلَاةَ الْقَوْمِ، فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ." اهـ

 

وقال ابن الحاج الفاسي في "المدخل" (2/ 202_203):

"وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ الْجَمَاعَةِ قَلَقًا وَخَوْفًا، وَأَكْثَرَهُمْ عِلْمًا وَخَشْيَةً وَرِقَّةً، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تُرْفَعُ عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ حَتَّى يُحَصِّلَ جَمِيعَ مَنْ خَلْفَهُ فِي صَحِيفَتِهِ، وَفِي خِفَارَتِهِ،

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَرَى لِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فَضْلًا، وَيَرَى الْفَضْلَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَيَتَخَوَّفُ عَلَى ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:

وَيَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرُ مُهِمَّاتِهِ التَّحَفُّظَ مِنْ الْعَوَائِدِ الْمُتَّخَذَةِ، وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ السُّنَنِ الْمَعْمُولِ بِهَا عِنْدَهُمْ،___حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَحَدٌ الْيَوْمَ لَوَجَدُوا عَلَيْهِ،

وَقَالُوا: تَرَكَ السُّنَّةَ فَظَهَرَ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ: «كَيْفَ بِك يَا حُذَيْفَةُ إذَا تَرَكْت بِدْعَةً قَالُوا: تَرَكَ سُنَّةً» فَيَتَحَفَّظُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِرِ جَهْدَهُ إذْ أَنَّهُ عَلَمٌ لِلْعَامَّةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْغَالِبِ." اهـ

 

وقال ابن الحاج الفاسي في "المدخل" (2/ 240):

"فَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُؤَذِّنِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ كُلُّ مَا ذُكِرَ فَهُوَ مِنْ رَعِيَّتِهِمَا مَعًا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَقْوَى وَأَفْضَلَهُمْ وَأَوْرَعَهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ إنْ اجْتَمَعَتْ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهَا فَأَكْثَرُهَا فَيَتَّخِذُ مَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ." اهـ

 

وقال الزيداني _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/ 51):

"وإنما قال رسول الله - عليه السلام - هذا الحديث؛ ليعلم الأئمة أنهم حافظون لصلاة من اقتدى به؛ ليكونوا مستيقظين في حفظ عدد الركعات، وليدعوا بلفظ الجمع، وأيضًا ليجتهدوا في تطهير الثياب والبدن، وإتمام أركان الصلاة، وحفظ أمورها؛ لأن الغالب أن يكون المأموم من العوام، فلا يعلمون أمور الصلاة من السهو وغيره.

وكذلك المؤذن؛ ليجتهد في محافظة الأوقات؛ كيلا تبطل صلاة المسلمين وصومهم بالأذان في غير وقته." اهـ

 

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (3/ 915)

((خط)): في الحديث دلالة علي استحباب تولي الأذان وكراهة تولي الإمامة، لأن الدعاء بالإرشاد إنما يكون فيما فيه خطر أي أمر عظيم. قال أيضاً: ليس هذا الضمان مما يوجب الغرامة من هذا في شيء، يعني لا يلزم علي الإمام إثم بالإمامة بل يحصل له ثواب.

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث النبويِّ الجليل جملةٌ من الفوائد العلميَّة والتربويَّة والفقهيَّة، وفيه بيانٌ لعظيم شأن الإمامة والأذان، وما يتعلَّق بهما من الأمانة والمسؤولية، وما ينبغي أن يتحلَّى به القائمون على هاتين الشعيرتين من العلم والرشد والإخلاص. ومن أبرز فوائده ما يأتي:

١- فيه: عِظَمُ شأن الإمامة في الصلاة،

فإنَّ الإمامة منصبٌ شرعيٌّ شريف، يتولَّى صاحبه التقدُّم بالمسلمين في أعظم عباداتهم، وهي الصلاة؛ ولذلك لم يجعلها الشارع مجرَّد تقدُّمٍ في المكان، بل رتَّب عليها أمانةً ومسؤوليةً، تقتضي من صاحبها العلمَ والفقهَ وحسنَ الرعاية.

٢- فيه: أنَّ الإمامة أمانةٌ عظيمةٌ ومسؤوليةٌ شرعيَّة،

ففي قوله _صلّى الله عليه وسلّم_: «الإِمَامُ ضَامِنٌ» تنبيهٌ على أنَّ الإمام قد تحمَّل مسؤوليةً تتعلَّق بصلاة الجماعة، فلا ينبغي له أن يتساهل في شأنها، أو يتصدَّى لها بغير علمٍ وبصيرة، بل عليه أن يؤدِّيها على الوجه الذي شرعه الله ورسوله.

 

٣- فيه: وجوبُ عناية الإمام بصلاة مَن خلفه،

فإنَّ الإمام لا ينفرد بالصلاة عن المأمومين، بل هو متقدِّمٌ بهم، مقتدًى به في أفعالها، فعليه أن يراعي أحوالهم، ويحسن أداء الصلاة، ويؤدِّي أركانها وواجباتها، ولا يُخلُّ بشيءٍ من حقوقها.

٤- فيه: أنَّ الإمام ينبغي أن يكون فقيهًا بأحكام الصلاة،

فإنَّ مَن تصدَّى لإمامة المسلمين كان محتاجًا إلى معرفة أحكام الصلاة، وصفة أدائها، وما يلزم فيها من الأركان والواجبات والسنن، حتى لا يُوقع نفسه ولا مَن خلفه في الخلل بسبب الجهل والتقصير.

٥- فيه: الحثُّ على اختيار الأئمة الأكِفَّاءِ،

فإنَّ الإمامة لا ينبغي أن تُجعل لمن لا يحسن الصلاة ولا يعرف أحكامها، بل ينبغي أن يُقدَّم لها مَن كان أهلًا لها، جامعًا بين صحة الاعتقاد، واستقامة الدين، والعلم بما يحتاج إليه في إمامته؛ فإنَّ صلاح الصلاة من صلاح مَن يتولَّى إقامتها.

٦- فيه: وجوبُ مراعاة أحوال المأمومين في الصلاة،

فالإمام مأمورٌ بأن يرفق بالمصلِّين، وألَّا يشقَّ عليهم بالتطويل الذي يخرج عن هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد قال _عليه الصلاة والسلام_:

«إذا أمَّ أحدُكم الناسَ فليخفِّف؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلَّى أحدُكم لنفسه فليُطوِّل ما شاء». متفق عليه.

٧- فيه: أنَّ الإمامة ليست موضعًا للتعاظم والتكبُّر، بل هي ولايةٌ على عبادةٍ عظيمة، وخدمةٌ للمصلِّين، ومسؤوليةٌ أمام الله تعالى؛ فحقيقٌ بالإمام أن يتواضع، وأن يعلم أنَّ تقدُّمه على الناس إنما هو لأداء حقِّ الله تعالى، لا لطلب المنزلة في نفوس الخلق.

 

٨- فيه: أنَّ المؤذِّن صاحبُ أمانةٍ عظيمة،

ففي قوله _صلّى الله عليه وسلّم_: «وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» بيانٌ لعظم ما أُنيط بالمؤذِّن من المسؤولية؛ إذ ائتمنه المسلمون على إعلامهم بأوقات الصلاة، فلا يحلُّ له أن يتساهل في ذلك، أو يتقدَّم بالأذان قبل دخول الوقت بغير مسوِّغ شرعي.

٩- فيه: وجوبُ تحرِّي المؤذِّن دخولَ وقت الصلاة،

فإنَّ مِنْ أعظَمِ ما تتعلَّق به أمانة المؤذِّن معرفةُ المواقيت والتحقُّق من دخولها، إذ قد يترتَّب على خطئه أن يُصلِّي الناس قبل الوقت، أو يفوتهم أداء الصلاة في وقتها؛ فوجب عليه أن يكون على بصيرةٍ في هذا الباب.

١٠- فيه: أنَّ الأذان شعيرةٌ شرعيَّةٌ لا يجوز التساهل في أمرها،

فالأذان عبادةٌ ذات ألفاظٍ وصفةٍ مخصوصة، لا يُتصرَّف فيها بالأهواء، ولا تُغيَّر ألفاظها من غير دليل، بل الواجب المحافظة على ما ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

١١- فيه: أنَّ الأمانة من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلَّى بها أهل الدين،

فقد وصف النبيُّ _صلّى الله عليه وسلّم_ المؤذِّن بالأمانة، وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّ القيام بالشعائر الدينية لا ينفكُّ عن الصدق والثقة والتحرِّي، وأنَّ العبادة لا تُؤدَّى على وجهها الكامل مع التهاون بحقوقها.

١٢- فيه: أنَّ المناصب الشرعيَّة تكليفٌ قبل أن تكون تشريفًا،

فالإمامة والأذان وإن كانا من الأعمال الفاضلة، فإنَّهما يتضمَّنان مسؤولياتٍ عظيمة، ومن تصدَّى لهما وجب عليه أن يعرف حقَّ الله فيهما، وأن يقوم بما أُنيط به من واجبٍ وأمانة.

١٣- فيه: فضلُ الدعاء لأهل الولايات الدينية بالتوفيق والسداد،

ففي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ» دليلٌ على مشروعية الدعاء لمن تولَّى أمرًا من أمور الدين بأن يوفِّقه الله تعالى إلى الصواب، ويهديه إلى الحق، ويعينه على أداء ما تحمَّله من مسؤولية.

١٤- فيه: أنَّ الرشد من أعظم ما يحتاج إليه الإمام،

فالإمام يحتاج إلى الرشد في قراءته، وصلاته، وتعليمه، وتوجيهه للمصلِّين، ومعاملته لهم؛ إذ ليس المقصود مجرَّد حسن الصوت أو إتقان القراءة، بل لا بدَّ من موافقة السنة، وحسن الفقه، وصواب التصرُّف.

١٥- فيه: إثباتُ حاجة العباد إلى هداية الله وتوفيقه،

فإنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم دعا للأئمة بالرشد، مع ما لهم من المنزلة والمسؤولية، وفي ذلك إرشادٌ إلى أنَّ العبد لا يستغني عن هداية ربِّه طرفة عين، مهما بلغ من العلم والعمل.

١٦- فيه: فضلُ المؤذّنين واستحقاقهم الدعاء بالمغفرة،

ففي قوله _صلّى الله عليه وسلّم_: «وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» منقبةٌ ظاهرةٌ للمؤذِّنين، إذ خصَّهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالدعاء بالمغفرة، وذلك لما يقومون به من إظهار شعيرة الأذان والدعوة إلى الصلاة.

١٧- فيه: أنَّ المغفرة من أجلِّ المطالب وأعظم المقاصد،

فإنَّ النبيَّ _صلّى الله عليه وسلّم_ دعا للمؤذِّنين بالمغفرة، ولم يقتصر على الدعاء لهم بسعة الرزق أو رفعة المنزلة، وفي ذلك تذكيرٌ بأنَّ العبد أحوج ما يكون إلى عفو الله ومغفرته، فإنَّ النجاة من تبعات الذنوب من أعظم أسباب الفوز في الآخرة.

١٨- فيه: فضلُ الدعاء النبويِّ لمن قام بشعائر الإسلام،

فإنَّ دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للأئمة والمؤذِّنين دعاءٌ عظيم القدر، وفيه إظهارٌ لفضل هذه الأعمال، وحثٌّ لأمته على تعظيم القائمين بها، والعناية بأحوالهم.

١٩- فيه: أنَّ الدعاء للمؤمنين من هدي الأنبياء والصالحين،

فالنبيُّ _صلّى الله عليه وسلّم_ لم يذكر مسؤولية الإمام والمؤذِّن فحسب، بل دعا لهما بما يصلح أمرهما في الدنيا والآخرة؛ وفي ذلك تعليمٌ للمسلمين أن يدعوا لإخوانهم بالتوفيق والمغفرة، وألَّا يقتصروا على مطالبتهم بالواجبات.

٢٠- فيه: أنَّ الإمام والمؤذِّن يحتاج كلٌّ منهما إلى عون الله _تعالى_،

فالإمام يحتاج إلى الرشد ليحسن إقامة الصلاة، والمؤذِّن يحتاج إلى المغفرة والقبول ليكون عمله سببًا في رفعة درجته؛ وفي ذلك إشارةٌ إلى افتقار أهل الطاعات إلى ربِّهم، وأنَّ العمل مهما عظم لا يستغني صاحبه عن فضل الله ورحمته.

٢١- فيه: أنَّ الشريعة راعت مصالح المسلمين في عباداتهم،

فقد جعلت للإمام مسؤوليةً تتعلَّق بإقامة الصلاة، وللمؤذِّن أمانةً تتعلَّق بالإعلام بدخول وقتها، وفي هذا تنظيمٌ لشعائر الجماعة، وحفظٌ لمصالح المسلمين، وإعانةٌ لهم على أداء فرائضهم في أوقاتها.

٢٢- فيه: أنَّ صلاح الإمام والمؤذِّن يعود نفعه على جماعة المسلمين،

فإذا استقام الإمام في صلاته، وأحسن المؤذِّن في أذانه، انتظم أمر الجماعة، وحُفظت أوقات الصلوات، وأُقيمت الشعائر على وجهها المشروع؛ فكان صلاحهما سببًا في صلاح جانبٍ عظيمٍ من حياة المسلمين التعبُّدية.

٢٣- فيه: أنَّ المسؤولية تقتضي العلم والعمل معًا،

فليس كلُّ مَن تقدَّم للإمامة أو رفع الأذان قد أدَّى حقَّ هذه الشعيرة بمجرَّد مباشرته لها، بل لا بدَّ من معرفة الأحكام، وإحسان التطبيق، ومراقبة الله تعالى؛ فإنَّ العلم بلا عملٍ تقصير، والعمل بلا علمٍ مظنَّة الخطأ والزلل.

٢٤- فيه: فضلُ التعاون على إقامة شعائر الإسلام،

فالإمام يقيم الصلاة بالناس، والمؤذِّن يدعوهم إليها، وكلٌّ منهما يعين الآخر على إظهار هذه الشعيرة؛ وفي ذلك حثٌّ على التعاون على البرِّ والتقوى، وتكامل الأدوار في خدمة دين الله تعالى.

٢٥- فيه: أنَّ الدعاء بالإرشاد يتضمَّن سؤال الهداية والتوفيق وحسن العاقبة،

فالإرشاد أعمُّ من مجرَّد معرفة الصواب؛ إذ يدخل فيه التوفيق للعمل به، والثبات عليه، وحسن القيام بمقتضاه. ولذلك كان دعاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للأئمة بالإرشاد جامعًا لخيري العلم والعمل.

٢٦- فيه: أنَّ أهل الفضل لا يستغنون عن التذكير والنصيحة،

فمهما علت منزلة الإمام أو المؤذِّن، فإنَّه محتاجٌ إلى من يذكِّره بحقوق المسؤولية، ويعينه على أداء الأمانة، ويحثُّه على الإخلاص والإحسان؛ فإنَّ النفوس تضعف، والقلوب تتقلَّب، والموفَّق من استعان بالله ولزم طريق الاستقامة.

٢٧- فيه: أنَّ فضل العمل لا يُسقط ما فيه من تبعات المسؤولية،

فقد يكون العمل شريفًا عظيم الأجر، ومع ذلك يكون صاحبه مسؤولًا عن التقصير فيه؛ فلا ينبغي للمؤذِّن أن يغترَّ بفضل الأذان فيتهاون في أمانته، ولا للإمام أن يغترَّ بشرف الإمامة فيُضيِّع حقوق المأمومين.

٢٨- فيه: أنَّ العبرة بحسن القيام بالعمل، لا بمجرد الانتساب إليه،

فليس الفضل لمجرَّد كون الرجل إمامًا أو مؤذِّنًا، وإنما الفضل في أداء ما أُنيط به على الوجه المشروع، مع الإخلاص والمتابعة؛ فإنَّ المناصب لا تزكِّي أصحابها، وإنما تزكو الأعمال بصلاحها وقبولها عند الله تعالى.

٢٩- فيه: أنَّ من تمام النصيحة لأهل الولايات الدعاءَ لهم، لا مجرد لومهم،

ففي دعاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للأئمة والمؤذِّنين تعليمٌ للأمة أن تجمع في تعاملها مع القائمين على مصالح الدين بين بيان الحق، والنصح بالمعروف، والدعاء لهم بالتوفيق والمغفرة، بعيدًا عن الظلم والاعتداء.

٣٠- فيه: أنَّ السنة النبوية تجمع بين بيان الحقوق والدعاء لأهلها،

فقد بيَّن النبيُّ _صلّى الله عليه وسلّم_ حقَّ الإمام في القيام بمسؤولية الصلاة، وحقَّ المؤذِّن في أداء أمانة الأذان، ثم دعا لكلٍّ منهما بما يناسب حاله؛ فدعا للأئمة بالرشد، وللمؤذِّنين بالمغفرة، وفي ذلك كمال نصحه ورحمته بأمته.

 

فالإمامة والأذان من شعائر الإسلام العظيمة، وأنَّ مَن تصدَّى لشيءٍ منهما فقد تحمَّل أمانةً ينبغي أن يؤديها بعلمٍ وإخلاصٍ وإتقان.

فالإمام محتاجٌ إلى الرشد والسداد، والمؤذِّن محتاجٌ إلى المغفرة والقبول، وكلاهما مفتقرٌ إلى توفيق الله تعالى وعونه؛ فليس الشأن أن يتقدَّم المرء في موضعٍ من مواضع الخدمة الدينية،

 

وإنما الشأن أن يحسن القيام بحقِّ الله تعالى فيما تولَّاه، وأن يلقى ربَّه وقد أدَّى الأمانة واجتهد في أداء المسؤولية.



[1] وأخرج الشطر الأول منه أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 298) (رقم: 18640).

[2] وقال الخطابي _رحمه الله_ في "معالم السنن" (1/ 156): "والإمام ضامن: بمعنى أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل: معناه ضامن الدعاء يعمهم به ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، وقد تأوله قوم على معنى أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال، وكذلك يتحمل القيام أيضاً إذا أدركه راكعا." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 266-267