شرح الحديث 22-23 (باب ما جاء في خاتم النبوة) من الشمائل المحمدية
|
[22] – (7) حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَضَّاحِ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَوَقِيِّ
قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنْ
خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي خَاتَمَ
النُّبُوَّةِ - فَقَالَ: «كَانَ فِي ظَهْرِهِ بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» |
رواة
الحديث:
* حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (ثقة:
ت. 252 هـ بـ البصرة):
محمد بن بَشَّار بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، بُنْدار، المولود: سنة 167 هـ،
من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ: حَدَّثَنَا
بِشْرُ بْنُ الْوَضَّاحِ (صدوق:
ت. 221 هـ):
بشر بن الوضاح البصري، أبو الهيثم، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: تم (الترمذي
في الشمائل)،
* قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ (ثقة):
بشير بن عقبة الناجي السامي (ويقال:
الأزدى)، أبو عقيل الدورقي البصري، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م مد تم
(مد: أبو داود في المراسيل)
* عَنْ أَبِي
نَضْرَةَ الْعَوَقِيِّ (ثقة:
ت. 108 أو 109 هـ):
المنذر بن مالك بن قطعة العبدي،
العَوَقِيّ، البصريّ، أبو نَضْرَةَ (مشهور بكنيته،
والعَوَقَةُ: بطن من عبد القيس)، من الوسطى من التابعين، روى
له: خت م د ت س ق
* قَالَ: سَأَلْتُ
أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ (صحابي: ت. 74 هـ بـ المدينة):
سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن
ثعلبة بن عبيد بن الأبجر (وهو خدرة) بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أبو
سعيد الخدري، روى له: خ م د ت س ق
نص
الحديث وشرحه:
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ
الْعَوَقِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي
خَاتَمَ النُّبُوَّةِ - فَقَالَ: «كَانَ فِي ظَهْرِهِ بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ»
وفي "مسند أحمد" – ط.
عالم الكتب (3/ 69) (رقم: 11656):
عَنْ عَتَّابٍ
الْبَكْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُجَالِسُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الَّذِي كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقَالَ: بِأُصْبُعِهِ
السَّبَّابَةِ، «هَكَذَا لَحْمٌ نَاشِزٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
وفي "دلائل النبوة"
للبيهقي (1/ 265):
عَتَّابٌ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا سَعِيدٍ، يَقُولُ: «الْخَتْمُ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَحْمَةٌ نَاتِئَةٌ»
المعنى
الإجمالي للحديث:
بيّن أبو سعيد الخدري _رضي الله
عنه_ في هذا الحديث صفة خاتم النبوة الذي كان في ظهر النبي _صلى الله عليه وسلم_،
فذكر أنه كان قطعةَ لحمٍ مرتفعة قليلًا عن سطح الجلد، أي بُرْزَة صغيرة ظاهرة في
أعلى الظهر بين الكتفين.
والمقصود: أن هذا الوصف هو
علامة من علامات نبوة النبي _صلى الله عليه وسلم_ التي جاءت في كتب الأنبياء
السابقين، وكان يعرفها أهل العلم منهم، وهي من دلائل صدقه ورسالته.
تخريج
الحديث:
أخرجه الترمذي في "الشمائل
المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 45) (رقم: 22)، والبخاري في "التاريخ
الكبير" (2/ 85 و 4/ 44) (رقم: 1775 و 1910)، وأحمد في "مسنده" – ط.
عالم الكتب (3/ 69) (رقم: 11656)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (3/
1160) (رقم: 2026)، والطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (3/ 180)، وأبو
الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (2/ 356)
(رقم: 210)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (1/ 265).
والحديث صحيح لغيره: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة
وشيء من فقهها وفوائدها" (5/ 128) (رقم: 2093)، و"صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (2/ 872) (رقم: 4807)، "ومختصر الشمائل" (ص: 32) (رقم: 19)
من فوائد الحديث:
قال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح
التقريب" (4/ 41):
"وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ
الْقُرْطُبِيُّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَقَالَ وَهَذِهِ كُلُّهَا
مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى مُفِيدَةٌ أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ كَانَ نُتُوءًا
قَائِمًا أَحْمَرَ تَحْتَ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ." اهـ
وقال الحافظ أبو
الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر
العسقلاني" (المتوفى: 852 هـ)
_رحمه الله_ في "فتح الباري" (6/ 563):
"قَالَ الْعُلَمَاءُ: السِّرُّ فِي ذَلِكَ
أَنَّ الْقَلْبَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ مَقْطُوعٍ...
قَالَ السُّهَيْلِيُّ وُضِعَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ
عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ
مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَان وَذَلِكَ الْموضع يدْخل مِنْهُ الشَّيْطَان."
اهـ
وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج"
(15/ 99):
"قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ
الرِّوَايَاتُ مُتَقَارِبَةٌ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهَا شَاخِصٌ فِي جَسَدِهِ
قَدْرَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ وَهُوَ نَحْوُ بَيْضَةِ الْحَجَلَةِ وَزِرُّ
الْحَجَلَةِ وَأَمَّا رِوَايَةُ جَمْعُ الْكَفِّ وَنَاشِزٌ فَظَاهِرُهَا
الْمُخَالَفَةُ فَتُؤَوَّلُ عَلَى وَفْقِ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةِ وَيَكُونُ
مَعْنَاهُ عَلَى هَيْئَةِ جَمْعِ الْكَفِّ لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ فِي قَدْرِ
بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: (وَهَذَا الْخَاتَمُ هُوَ أَثَرُ
شَقِّ الْمَلَكَيْنِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ)،
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ
لِأَنَّ شَقَّ الْمَلَكَيْنِ إِنَّمَا كَانَ في صدره وبطنه والله اعلم." اهـ
ملحق الفوائد:
هذه الروايات الثلاثة تصف خاتَم النبوّة الذي كان بين
كتفي رسول الله _صلى
الله عليه وسلم_، وهي من دلائل نبوّته،
وفيها فوائد عظيمة، ومن تلك الفوائد:
1_ فيه: إثبات علامة النبوة الظاهرة التي
خصَّ الله بها نبيَّه _صلى
الله عليه وسلم_، وهي الخاتم بين
كتفيه، دليلاً حسياً على صدق نبوّته.
2_ فيه: بيان أن النبوة اصطفاءٌ من الله _تعالى_،
لا تُكتسب، ولا تُنال بالسعي، وإنما هي موهبة ربانية يظهر أثرها حتى على الجسد
الشريف.
3_ فيه: تأكيد أن النبي _صلى الله عليه وسلم_
كان بشراً له جَسَدٌ مِثْلُ سائر البشر، إلا أن الله ميزه بآيات ومعجزات، منها هذا
الخاتم الشريف.
4_ فيه: إثبات لمعجزة حِسِّيَّةٍ شهِدها
الصحابةُ _رضي الله عنهم_ بأعينهم، ونقلوها للأمة بالتواتر، مما يزيد الإيمان
بصِدق الرسالة.
5_ فيه: وصف الصحابة للخاتم بدقة (بضعة
ناشزة، لحم ناتئ)، يدل على أمانتهم في النقل وتحريهم الحقيقة كما رأوها دون مبالغة
أو خرافة.
6_ فيه: شاهد على محبة السلف للنبي _صلى الله عليه وسلم_،
حيث كانوا يسألون عن تفاصيل جسده الشريف حباً واتباعاً لا فضولاً.
7_ فيه: بيان أن الله ميّز نبيه _صلى الله عليه وسلم_
بعلامات باقية الأثر، تذكّر الناس بعظيم منزلته وخصوصيته عند الله.
8_ استدل العلماء بهذه الروايات على صدق ما
رآه الرهبان والعلماء من أهل الكتاب، مثل بحيرى الراهب الذي عرف النبي _صلى الله عليه وسلم_
بخاتم النبوة قبل البعثة.
9_ فيه: إشارة إلى أن النبوة لا تأتي، إلا
بوحي من الله، ولا تُنال بمجاهدة أو رياضة روحية، فالخاتم رمز للاصطفاء الإلهي.
10_ تُظهر هذه الروايات حرص المحدثين على جمع
أوصاف النبي _صلى الله
عليه وسلم_ بدقة، وهو من باب تعظيم السنة
النبوية والسيرة المطهرة.
11_ فيه: تذكير للمؤمن أن كمال النبي _صلى الله عليه وسلم_
ليس فقط في خُلقه وخلقه، بل في كل ما يتعلق به من هيبة ونور وخصائص ربانية.
12_ يستفاد منها أن معرفة صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_
من الإيمان به، لقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ
الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ) [الأعراف: 157].
13_ فيه: إثبات أن الخاتم كان محسوساً يراه
الناس ويلمِسونه، فهو ليس رمزاً خيالياً ولا معنىً معنوياً، بل أثر حقيقي في جسده
الشريف.
14_ فيه: دلالة على أن الله جعل في خلق نبيه _صلى الله عليه وسلم_
من الأسرار ما يدل على عظمته، دون أن يُخرجه عن البشرية.
15_ فيه: تعليم للأمة أن الإيمان بالنبي _صلى الله عليه وسلم_
يشمل الإيمان بكل ما وصفه الصحابة عنه، من الخَلق والخُلق والمعجزات.
16_ تُبيّن علو مكانة النبي _صلى الله عليه وسلم_
في القلوب، إذ كان الصحابة يتحدثون عن صفاته بشغف وإجلال.
17_ فيه: أن الخاتم كان علامة ختم الله
للنبوّة به _صلى الله
عليه وسلم_، فكما أنه خاتم في الجسد، فهو كذلك
خاتم في الرسالة والنبوة.
18_ فيه: تذكير بعظيم فضل الصحابة الذين رأوا
من دلائل النبوة ما لم يره غيرهم، فنقلوا لنا ذلك أمانة.
19- تدل على كمال الضبط والرواية عند المحدّثين،
حيث جاءت الألفاظ متقاربة: "بضعة ناشزة"، "لحم ناتئ"، وكلها
بمعنى واحد.
20_ فيه: تأمل في جمال الخَلق النبوي، فحتى
ما كان فيه من "لحم ناشز" إنما هو نور ومعجزة لا تنفّر ولا تنقص من
جماله الشريف.
21_ منها يُستفاد وجوب تعظيم النبي _صلى الله عليه وسلم_
وعدم الغلو، فالصحابة وصفوا بدقة دون تقديس مادي أو تصوير خيالي.
22_ فيه: أن الخاتم تذكير بأن النبي _صلى الله عليه وسلم_
خُتمت به الرسالات، فلا نبي بعده، وهذه الحقيقة تؤكدها العلامة الحسية في جسده
الشريف.
23_ تُعلمنا الروايات أهمية التثبت في النقل،
فقد جاء الوصف من أكثر من طريق، مما يعضد بعضه بعضاً ويزيده قوة.
24_ فيه: دليل على أن الإيمان بالمعجزات
الحسية جزء من الإيمان بالنبي _صلى الله عليه وسلم_، لأنها من دلائل
نبوّته الموثوقة.
25_ فيه: ما يدلنا كيف كانت عناية السلف بجمع
أوصاف النبي ﷺ، فالسؤال عن الخاتم هو جزء من محبة اتباعه ومعرفة صفته كما وردت.
|
[23] – (8) حَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ:
أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: أَتَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي نَاسٍ مِنْ
أَصْحَابِهِ، فَدُرْتُ هَكَذَا مِنْ خَلْفِهِ، فَعَرَفَ الَّذِي أُرِيدُ،
فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ
مَوْضِعَ الْخَاتَمِ عَلَى كَتِفَيْهِ مِثْلَ الْجُمْعِ حَوْلَهَا خِيلَانٌ
كَأَنَّهَا ثَآلِيلُ، فَرَجَعْتُ حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ، فَقُلْتُ: غَفَرَ
اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَلَكَ» فَقَالَ
الْقَوْمُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_؟
فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] |
رواة الحديث:
* حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ
أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ الْبَصْرِيُّ (صدوق
صاحب حديث طعن أبو داود فى مروءته: ت. 253 هـ):
أحمد بن المقدام بن سليمان بن الأشعث بن أسلم بن سويد
بن الأسود بن ربيعة بن سنان، أبو الأشعث العجلي البصري،
من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ ت س ق
* قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
(ثقة ثبت فقيه: ت. 179 هـ):
حماد بن زيد بن درهم الأزدى الجهضمي،
أبو إسماعيل البصري الأزرق (مولى آل جرير بن حازم، وكان جده درهم من سبي سجستان)، المولود:
سنة 98 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ
م د ت س ق
* عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ (ثقة:
بعد 140 هـ):
عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري (مولى بني تميم، ويقال: مولى عثمان بن عفان،
ويقال: مولى ابن زياد)، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ (صحابي):
عبد الله بن سرجس الْمُزَنِيُّ
(وقيل: المخزومي، حليف لهم، سكن البصرة)، روى له: م
د ت س ق
نص الحديث وشرحه:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ:
أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_، وَهُوَ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدُرْتُ هَكَذَا مِنْ خَلْفِهِ،
فَعَرَفَ الَّذِي أُرِيدُ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ
مَوْضِعَ الْخَاتَمِ عَلَى كَتِفَيْهِ مِثْلَ الْجُمْعِ حَوْلَهَا خِيلَانٌ
كَأَنَّهَا ثَآلِيلُ،
فَرَجَعْتُ حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ، فَقُلْتُ: غَفَرَ
اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَلَكَ» فَقَالَ الْقَوْمُ: "أَسْتَغْفَرَ
لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟"
فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ
الْآيَةَ {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد:
19]
وفي "صحيح مسلم" (4/ 1823):
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ:
"رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، أَوْ قَالَ ثَرِيدًا، قَالَ
فَقُلْتُ لَهُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]
قَالَ: ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ «فَنَظَرْتُ إِلَى
خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى.
جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ»
قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من
حديث الصحيحين" (4/ 236)
أما خَاتم النُّبُوَّة فقد ذكرنَا صفته فِي مُسْند
السَّائِب ابْن أُخْت نمر.
و(الناغض): غضروف الْكَتف، وَقد ذكرنَا فِي مُسْند
أبي ذَر.
وَقَوله: (جُمْعًا). قَالَ
ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد مثل جمع الْكَفّ. يُقَال: ضربه بِجمع كَفه: إِذا جمعهَا
وَضم أَصَابِعه. وَفِيه لُغَة أُخْرَى: جمع الْكَفّ بِكَسْر الْجِيم.
و(الخيلان) جمع
خَال: وَهِي نقط متغيرة عَن الْبيَاض، كَانَت على ذَلِك الْموضع الْمُرْتَفع من
الْخَاتم.
و(التآليل):
قطع متحثرة من اللَّحْم، مُرْتَفعَة عَن الْجَسَد متصلبة." اهـ
قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (15/ 99):
"قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الْخَاتَمُ
هُوَ أَثَرُ شَقِّ الْمَلَكَيْنِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ
ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ لِأَنَّ شَقَّ الْمَلَكَيْنِ إِنَّمَا كَانَ في صدره وبطنه،
والله اعلم." اهـ
وفي "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (3/
463) للبيضاوي:
"(الناغض): ما ارتفع من الكتف. (جمعا)،
أي: مجتمعا. و(خيلان): جمع خالٌ، وهي بثرة تضرب إلى السواد.
وفي "المفاتيح في شرح المصابيح" (6/ 120)
للزيداني:
"و(الخيلان): جمع الخال، وهو نقطةٌ
سوداءُ تظهر في البشرة، تزيد الجمال)
و(الثآليل): جمع ثُؤْلُول، قيل: هو خراجٌ صُلْبٌ
يخرجُ على البدن، والخُرَاجُ - بالضم -: ما يخرُجُ في البدن من القروح." اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
وصف عبدُ الله بن سرجس _رضي الله عنه_ موقفًا وقع
بينه وبين النبي _صلى الله عليه وسلم_، حيث جاء إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهو
بين أصحابه،
ثم دار من خلفه _صلى الله عليه وسلم_ يريد رؤية خاتم
النبوة الذي كان بين كتفيه. فلما رآه النبي _صلى الله عليه وسلم_، وعرف قصده، كشف
له ظهره الشريف تيسيرًا عليه، فرأى الصحابي الخاتمَ بوضوح كان مثل الجُمع (أي:
كبيضة الحمامة تقريبًا) محاطًا بشامات صغيرة تشبه الثآليل.
ثم رجع الصحابي _رضي الله عنه_ إلى وجه النبي _صلى
الله عليه وسلم_، وقال: "غفر الله لك، يا رسول الله."
فرد عليه النبي _صلى الله عليه وسلم_: "ولك."
فتعجب الصحابة _رضي الله عنهم_ من نيل هذا الدعاء،
فأخبرهم ابن سرجس أن هذا أمر عام يشملهم أيضًا، واستشهد بالآية:
{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]
فالحديث يدل على وصف دقيق لخاتم
النبوة في جسد رسول الله ﷺ، وهو من دلائل نبوته، وتواضعه _صلى
الله عليه وسلم_ ورحمته، حيث كشف ظهره لمن أراد رؤية العلامة، وسعة شفقته _صلى
الله عليه وسلم_ على المؤمنين، واستغفاره لهم جميعًا.
تخريج الحديث:
أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط.
المكتبة التجارية (ص: 46) (رقم: 23)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 1823/ 112) (رقم:
2346)، والنسائي في "السنن الكبرى" (10/ 259) (رقم: 11432)، وابن سعد في
"الطبقات الكبرى" – ط. دار صادر (1/ 426 و 7/ 58)، وابن أبي عاصم في
"الآحاد والمثاني" (2/ 335) (رقم: 1103)، وأبو عوانة في "مستخرجه"
– ط. الجامعة الإسلامية (18/ 68) (رقم: 10091)، والبيهقي في "دلائل النبوة"
(1/ 263)، والخطيب في "المتفق والمفترق" (2/ 1261) (رقم: 793)، وابن
عساكر في "معجمه" (1/ 514) (رقم: 631).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 33) (رقم: 20)، و"مختصر
صحيح مسلم" للمنذري – ت. الألباني (2/ 414) (رقم: 1556)، و"تخريج مشكاة
المصابيح" (3/ 1610) (رقم: 5780)
من فوائد الحديث:
وقال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353 هـ) _رحمه الله_ في "تحفة
الأحوذي" (10/ 89):
"وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ
تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَاتَمَ كَانَ شَيْئًا بَارِزًا إِذَا قَلَّ كَانَ
كَالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا وَإِذَا كَثُرَ كَانَ كَجَمْعِ الْيَدِ،
وَأَمَّا رِوَايَةُ كَأَثَرِ الْمِحْجَمِ أَوْ
كَرُكْبَةِ عَنْزٍ أَوْ كَشَامَةٍ خَضْرَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ وَمَكْتُوبٌ فِيهَا
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ سِرْ فَإِنَّكَ الْمَنْصُورُ
فَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شيء كما قاله القسطلاني
وتصحيح بن حِبَّانَ لِذَلِكَ وَهْمٌ، انْتَهَى." اهـ
وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ)
_رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (6/ 121):
"قول الراوي في أول الحديث: (وأكلتُ معه
خبزًا ولحمًا) دليلٌ على جواز تناوُلِ الإدام بالخبز، بل يجوزُ أن يؤتدَمَ
بالأطْعِمَة اللَّذيذة؛ لأنه وردَ: اللَّحْمُ سيدُ الطعام.
* ودليلٌ أيضًا على التواضع للفقراء والضعفاء
بالمؤاكلة وغيرها،
* ودليلٌ على صدق الراوي إذا قيَّده بأنه، واكلَ
الرسول فأكلَ معه كذا وكذا تعيينًا لزمن الحديث." اهـ
وقال عبد الحق بن سيف
الدين البُخاري الدِّهلوي الحنفي (والمتوفى سنة
1052 هـ) _رحمه اللَّه تعالى_ في "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح"
(9/ 260):
"وهذه كلها بيان لصورته الظاهرة وشكله
في رأي العين، ومن دون ذلك سر عظيم مخصوص به -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن لأحد
من الأنبياء والمرسلين، واللَّه أعلم." اهـ
ملحق الفوائد:
هذا الحديث الجليل عن عبد الله بن سرجس _رضي الله عنه_
- بروايتيه - من الأحاديث العظيمة التي اجتمع فيها الدليل الحسيّ على نبوة النبي _صلى
الله عليه وسلم_، والفضل العظيم لأمته، وبيان تواضعه ورحمته. وفيه فوائد كثيرة،
نذكر منها ما تيسّر:
1_ فيه: إثبات خاتم النبوة الذي كان بين كتفي النبي _صلى
الله عليه وسلم_، وهو من علامات النبوة المذكورة في الكتب السابقة.
2_ فيه: أن هذا الخاتم كان حقيقة محسوسة تُرى
بالعين، لا مجرد مجاز أو صفة معنوية.
3_ فيه: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يتحرّون رؤية الآيات والعلامات النبوية لزيادة اليقين والمحبة.
4_ فيه: حرص ابن سرجس على التأكد بنفسه من
تلك العلامة، وهذا من حرص الصحابة على المعرفة واليقين.
5_ فيه: فطنة النبي _صلى الله عليه وسلم_ حين
عرف ما أراده الصحابي قبل أن يتكلم، لقوة فراسته _صلى الله عليه وسلم_ وتمام علمه
بحال أصحابه.
6_ فيه: تواضع النبي _صلى الله عليه وسلم_
حيث ألقى رداءه ليُمكّن الصحابي من رؤية خاتم النبوة دون كلفة أو غضاضة.
7_ فيه: جواز النظر إلى شيء من بدن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ لغرض العلم أو الاستفادة من آية النبوة.
8_ فيه: أن خاتم النبوة كان عند الكتف اليسرى
كما نصت الرواية، وهو من الدقة في الوصف.
9_ فيه: أن الخاتم كان مثل الْجُمْعِ (أي:
بيضة الحمامة) حجماً، عليه خيلان (شامات) كأنها ثآليل.
10_ فيه: أن هذا الوصف الدقيق يدل على أمانة
الصحابة في النقل والرواية.
11_ فيه: إثبات كمال خَلق النبي _صلى الله
عليه وسلم_، حتى فيما يختص بآية النبوة التي زادها الله له.
12_ فيه: أن رؤية خاتم النبوة مما يزيد
الإيمان واليقين حيث أنه وافق ما أخبر به الكتب السماوية عند أهل الكتاب
13. فيه محبة الصحابة للنبي _صلى الله عليه
وسلم_، حتى في التفاتاتهم وأمنياتهم لرؤية كل ما يتصل به ﷺ.
14_ فيه: أدب الصحابة في الخطاب، حيث بدأ عبد
الله بن سرجس بالدعاء: "غفر الله لك، يا رسول الله."
15_ فيه: سرعة إجابة النبي _صلى الله عليه
وسلم_ بالدعاء بالمثل: "ولك"، وهذا من كمال خلقه _صلى الله عليه وسلم_.
16_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان
يدعو لأمته بمغفرة ذنوبهم.
17_ فيه: استحباب مقابلة الدعاء بمثله، كما
فعل النبي _صلى الله عليه وسلم_ حين دعا لابن سرجس.
18_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ شفيع
لأمته، مستغفر لهم في الدنيا والآخرة.
19_ فيه: فضل عظيم للمؤمنين والمؤمنات
جميعًا، لأن الله أمر نبيه بالاستغفار لهم.
20_ فيه: الاستدلال بالقرآن على الأفعال
النبوية، إذ استشهد النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالآية:
{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ}.
21_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_
يطبّق القرآن عمليًا في حياته اليومية.
22_ فيه: أن الصحابة كانوا يتحققون من النصوص
ويسألون عنها لزيادة الفهم واليقين.
23_ فيه: أن طلب الدعاء من الصالحين مشروع في
حياتهم، كما طلب الصحابة استغفار النبي _صلى الله عليه وسلم_ لهم.
24_ فيه: بيان فضل عبد الله بن سرجس رضي الله
عنه، إذ نال دعوة النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالمغفرة.
25_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا
يستكثر شيئًا من الخير لأصحابه، بل يشركهم في الدعاء.
26_ فيه: جواز أكل الصحابة مع النبي _صلى
الله عليه وسلم_ في بساطة وتواضع، كما في رواية مسلم: "أكلت معه خبزًا
ولحمًا."
27_ فيه: ما يدل على تواضع النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في الطعام والمعاشرة، يجلس مع أصحابه ويأكل مثلهم.
28_ فيه: أدب المجالس مع النبي _صلى الله
عليه وسلم_، وأن الصحابة كانوا يتحرجون من أي تصرف بلا إذن.
29_ فيه: دليل على قوة الملاحظة والدقة عند
الرواة، إذ جمع ابن سرجس بين مشهد الأكل ومشهد الخاتم.
30_ فيه: أن اجتماع خصلتين في الحديث (وهما علامة
النبوة دعاؤه بالمغفرة) يجمع بين الدليل الحسي والمعنوي على كمال نبوته _صلى الله
عليه وسلم_.
31_ فيه: تذكير للأمة برحمة النبي _صلى الله
عليه وسلم_ الشاملة للمؤمنين والمؤمنات.
32_ فيه: أن آيات النبوة باقية في الأخبار
الصحيحة لتكون زيادة يقين للمؤمنين بعد وفاته _صلى الله عليه وسلم_.
33_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ مأمور
بالاستغفار مع كونه مغفورًا له، وفيه تعليم للأمة لدوام الاستغفار.
34_ فيه: إثبات أن المغفرة من الله تعالى،
والدعاء سبب من أسبابها.
35_ فيه: أن محبة الصحابة للنبي _صلى الله
عليه وسلم_ كانت مقرونة بالاتباع واليقين، لا بالعاطفة المجردة.
Komentar
Posting Komentar