شرح الحديث 1 - كتاب الإيمان - من مشكاة المصابيح
كَشْفُ التَّبَارِيْحِ
في شرح مشكاة المصابيح
شرحه وعلق عليه:
الأستاذ عبد القادر بن هارون أبو
فائزة البوجيسي
_حفظه الله_
خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة
النبوية
|
قال الخطيب
التِّبْرِيْزِيُّ _رحمه الله_ في كتابه "مشكاة المصابيح" (1/ 3_8): مُقَدّمَة الْمُؤلف بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين الْحَمد لله،
ونحمده وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ
أَنْفُسِنَا وَمن سيئات أَعمالنَا، من ييهده اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ
يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةً،
وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَةً، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَعثه وطرق الْإِيمَانِ قَدْ
عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانهَا، وَجَهل
مَكَانهَا،[1]
فشيّد _صلوَات
الله وسلامة عَلَيْهِ_ من معالمها مَا عَفا، وشفى من الغليل فِي تَأْيِيدِ
كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شفى، وأوضح سَبِيل الهادية لِمَنْ
أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ
يَمْلِكَهَا. [2] أَمَّا
بَعْدُ؛ فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيهِ لَا يَسْتَتِبُّ، إِلَّا
بِالِاقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ
اللَّهِ لَا يَتِمُّ، إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ، وَكَانَ
«كِتَابُ الْمَصَابِيحِ» - الَّذِي صَنَّفَهُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ،
قَامِعُ الْبِدْعَةِ، أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْفراء
الْبَغَوِيُّ، رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ - أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي
بَابِهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الْأَحَادِيثِ وَأَوَابِدِهَا. وَلَمَّا سلك
- رَضِي الله عَنهُ - طَرِيق الِاخْتِصَارَ، وَحَذَفَ الْأَسَانِيدَ؛ تَكَلَّمَ
فِيهِ___بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ - وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ
- كَالْإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كالأغفال، فاستخرت الله _تَعَالَى_،
واستوفقت مِنْهُ، فأعلمت مَا أغفله، فأودعت كل حَدِيث مِنْهُ فِي مقره كَمَا
رَوَاهُ الْأَئِمَّة المنقنون، وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُونَ؛ مِثْلُ: * أَبِي
عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، * وَأَبِي
الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرَيِّ، * وَأَبِي
عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيِّ، * وَأَبِي
عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ___إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، * وَأَبِي
عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ، * وَأبي
عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، * وَأَبِي
دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ، * وَأَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ، * وَأبي عبد
الله مُحَمَّد بن يزِيد بن مَاجَهْ الْقَزْوِينِيِّ، * وَأَبِي
مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، * وَأَبِي
الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عمر___الدَّارَقُطْنِيِّ، * وَأَبِي
بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ، * وَأَبِي
الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ وَقَلِيلٌ مَا
هُوَ. وَإِنِّي
إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم_؛ لأَنهم قد فرغوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنَا عَنْهُ. وَسَرَدْتُ
الْكُتُبَ وَالْأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ أَثَرَهُ فِيهَا،
وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ غَالِبًا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَّلُهَا:
مَا
أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا وَإِنِ
اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَيْرُ؛ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ. وَثَانِيهَا:
مَا
أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ.___ وَثَالِثُهَا:
مَا
اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ محلقات مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ
عَلَى الشَّرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ
إِنْ فَقَدْتَ حَدِيثًا فِي بَابٍ؛ فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرٍ أُسْقِطُهُ. وَإِنْ
وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُومًا
إِلَيْهِ تَمَامُهُ؛ فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ وَأُلْحِقُهُ. وَإِنْ
عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ
فِي الْأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِي؛ فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تتبعي
كتابي «الْجمع بَين الصحيحن» لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ «جَامِعَ الْأُصُولِ» ؛
اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَيِ الشَّيْخَيْنِ وَمَتْنَيْهِمَا. وَإِنْ
رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَذَلِكَ مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ
الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا أطلعت على تِلْكَ الرِّوَايَة التس سَلَكَهَا
الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَلِيلًا
مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كتب وَجَدْتُ
خِلَافَهَا فِيهَا. فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ فَانْسِبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ
لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ
فِي الدَّارَيْنِ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ. رَحِمَ
اللَّهُ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا
طَرِيقَ الصَّوَابِ. وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي التَّنْقِيرِ وَالتَّفْتِيشِ
بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ كَمَا وجدت.___ وَمَا أَشَارَ
إِلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛
بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا، وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي
الْأُصُولِ؛ فَقَدْ قَفَّيْتُهُ فِي تَرْكِهِ، إِلَّا فِي مَوَاضِع لغَرَض.
وَرُبمَا تَجِد مَوَاضِع مهملهة، وَذَلِكَ حَيْثُ لم أطلع على رِوَايَة
فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ، فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ فَأَلْحِقْهُ بِهِ، أَحْسَنَ
اللَّهُ جَزَاءَكُ. وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِـ«مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ» وَأَسْأَلُ
اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْإِعَانَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالصِّيَانَةَ،
وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ، وَأَنْ يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ
الْمَمَاتِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. حَسْبِيَ اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ. |
المعنى الإجمالي لمقدمة المؤلف
_رحمه الله_:
افتتح الخطيب التبريزي رحمه الله كتابه بحمد الله
تعالى، والاستعانة به، والاستغفار منه، والاستعاذة به من شرور النفوس وسيئات
الأعمال، ثم أتى بالشهادتين؛ إظهارًا لافتقار العبد إلى ربه، وتجديدًا لمعاني
التوحيد والاتباع، واستفتاحًا لعمله بما جرت به عادة أهل العلم من البدء بحمد الله
والثناء عليه.
ثم أثنى على النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن عظيم
أثر بعثته في إحياء معالم الإيمان وإظهار أنوار التوحيد؛ إذ بعثه الله تعالى في
زمن خفيت فيه آثار الهداية، وضعفت فيه أركان الإيمان، واشتبهت فيه معالم الطريق
على كثير من الناس. فجدَّد الله به معالم الدين، وأظهر به كلمة التوحيد، وأوضح
سبيل الهداية لمن أراد سلوكه، ودلَّ الناس على أسباب السعادة في الدنيا والآخرة.
ثم انتقل المؤلف إلى بيان الدافع الذي حمله على تصنيف
كتابه، وهو أن التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحقق إلا باتباع سنته
والاقتفاء لأثره، وأن الاعتصام بحبل الله لا يتم على وجهه إلا بمعرفة ما جاء به
الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه.
ولما كان كتاب «المصابيح» للإمام البغوي رحمه الله من
أجمع الكتب في بابه، وأضبطها للأحاديث النبوية، رأى التبريزي أن يخدمه ويزيد
الانتفاع به.
وبيَّن أن الإمام البغوي رحمه الله قصد الاختصار،
فحذف الأسانيد، واقتصر على ذكر الأحاديث، فتكلم بعض النقاد في صنيعه من هذه الجهة،
وإن كان البغوي إمامًا ثقةً، وكان نقله عن الثقات بمنزلة الإسناد في الاعتماد عليه
من حيث الجملة. غير أن المؤلف _رحمه الله_ رأى أن الاقتصار على ذلك قد يُفوِّت على
القارئ معرفة مَن أخرج الحديث من أئمة السنة، والتمييز بين مصادر الروايات؛
فاستخار الله تعالى، وعزم على استدراك ما فاته من
ذلك، فعمد إلى تخريج أحاديث الكتاب وإرجاعها إلى مواضعها في كتب الأئمة المتقنين،
كالبخاري ومسلم ومالك والشافعي وأحمد والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه
والدارمي والدارقطني والبيهقي وغيرهم.
ثم أوضح _رحمه الله_ أنه إذا نسب الحديث إلى أحد
هؤلاء الأئمة، فكأنه قد أسنده إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_؛ لأن هؤلاء الأئمة
قد تولوا روايته وتدوينه في مصنفاتهم، وأغنوا من جاء بعدهم عن إعادة إيراد
أسانيده. كما ذكر أنه حافظ على ترتيب الكتب والأبواب الذي وضعه البغوي، واقتفى
أثره في ذلك، لكنه قسَّم أحاديث كل باب، في الغالب، إلى ثلاثة فصول:
* الفصل الأول: ما
أخرجه البخاري ومسلم، أو أخرجه أحدهما، وقد اكتفى بعزوه إليهما وإن كان الحديث قد
رواه غيرهما؛ لمكانتهما العالية في الرواية.
* الفصل الثاني: ما
أخرجه سائر الأئمة الذين ذكرهم من أصحاب المصنفات الحديثية.
* الفصل الثالث: ما
يناسب معنى الباب من الأحاديث والآثار الملحقة به، مما ورد عن السلف والخلف، مع
المحافظة على الشروط التي التزمها في كتابه.
ثم شرح المؤلف بعض منهجه في التصرف في الأحاديث
والروايات؛ فذكر أنه قد يحذف الحديث إذا كان مكررًا في موضع آخر، وقد يورد بعض
الحديث مختصرًا، أو يضم إليه تمامه في موضع آخر، بحسب ما تقتضيه المصلحة العلمية.
وإذا وجد اختلافًا في ترتيب الأحاديث أو عزوها بين
الفصول، فذلك راجع إلى اعتماده بعد التتبع والمقابلة على كتاب «الجمع بين
الصحيحين» للحميدي وكتاب «جامع الأصول»، مع تقديم الاعتماد على صحيحي البخاري
ومسلم ومتون رواياتهما.
ونبَّه إلى أن الاختلاف الواقع في ألفاظ بعض الأحاديث
قد يكون ناشئًا عن تعدد طرق الرواية واختلاف ألفاظها، أو عن عدم اطلاعه على
الرواية التي اعتمدها الإمام البغوي.
وأظهر في ذلك غاية التواضع والإنصاف؛ فطلب ممن وقف
على شيء من هذا الاختلاف أن ينبهه عليه ويرشده إلى الصواب، وأن ينسب القصور إلى
نفسه لا إلى الإمام البغوي، مؤكدًا أنه بذل وسعه في البحث والتنقيب، ونقل ما وجده
من اختلاف الروايات.
ثم بيَّن عنايته ببيان الأحاديث التي أشار البغوي إلى
غرابتها أو ضعفها أو غير ذلك من أوصافها، وأنه غالبًا ما يوضح وجه ذلك.
أما ما لم يتعرض له البغوي من تلك الأوصاف في أصول
الكتاب، فقد جرى التبريزي _رحمه الله_ في الغالب على ترك التعرض له، إلا في مواضع
اقتضى فيها غرض علمي بيان ذلك. وذكر أنه قد يترك بعض المواضع بيضاء إذا لم يعثر
على الرواية التي تكملها، راجيًا ممن وقف عليها أن يلحقها بالكتاب، ثم سمَّى عمله
هذا «مشكاة المصابيح».
وختم مقدمته بسؤال الله تعالى أن يوفقه ويعينه ويهديه
ويحفظه، وأن ييسر له إتمام مقصوده، وأن يجعل هذا العمل نافعًا له في حياته وبعد
مماته، وللمسلمين والمسلمات، مستعينًا بالله ومفوضًا أمره إليه.
فتدور هذه المقدمة حول ثلاثة أمور رئيسة:
1 - بيان شرف السنة النبوية وعظيم الحاجة إلى
العناية بها، فإن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو سبيل الهداية والنجاة، ولا
يتحقق إلا بمعرفة سنته والاقتداء بهديه.
2 - بيان سبب تأليف «مشكاة المصابيح» ومنهج
المؤلف فيه،: فقد أراد التبريزي _رحمه الله_ خدمة كتاب «المصابيح» للبغوي، بإضافة
عزو الأحاديث إلى مصادرها، وتقسيمها إلى ثلاثة فصول بحسب مصادرها، وبيان ما يحتاج
منها إلى توضيح، مع المحافظة على ترتيب الكتاب الأصلي.
3 - إظهار أمانة المؤلف _رحمه الله_ وتواضعه
في البحث العلمي، وذلك ببذل الجهد في التتبع والمقابلة، والتنبيه على اختلاف
الروايات، والاعتراف بما قد يقع فيه من قصور، ودعوة أهل العلم إلى تصويبه وإرشاده
إلى الصواب.
وهكذا تكشف المقدمة عن أن «مشكاة المصابيح» ليس مجرد
جمع للأحاديث وترتيب لها، بل هو عمل علمي قصد به مؤلفه خدمة كتاب سابق، وتيسير
الرجوع إلى مصادر السنة، وتقريب أحاديثها إلى طالب العلم، مع إظهار الأدب مع
الأئمة، والتجرد للحق، والاستعانة بالله في ابتداء العمل وختامه.
ترجمة الخطيب التبريزي _رحمه
الله_
قال خير الدين الزركلي _رحمه الله_ (6/ 234):
"التِّبْريزي (000 - 741 هـ = 000 -
1340 م): محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي:
عالم بالحديث.
له (مشكاة المصابيح - ط) أكمل به كتاب "مصابيح
السنة" للبغوي، وفرغ من تأليفه سنة 737 و (الإكمال في أسماء الرجال - ط)
بهامش المشكاة." اهـ
|
كتاب الْإِيمَان الْفَصْل الأول 1 - (مُتَّفق
عَلَيْهِ) عَنْ عُمَرَ
بْنِ الْخَطَّابِ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «إِنَّمَا
الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ
يَتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ» |
ترجمة
عمر بن الخطاب صحابي الحديث -رضي الله عنه-
قال المزي في
تهذيب الكمال :
(خ م د ت س ق):
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رِيَاحِ بْنِ عبد الله بن قرط بن رزاح بن
عدى بن كعب بن لؤى بن غالب القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين.
وأمه: حنتمة بنت هاشم ذى الرمحين بن المغيرة بن عبد الله
بن عمر بن مخزوم،
أسلم بمكة قديما،
وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد بدرا، والمشاهد كلها مع
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
وولي الخلافة عشر سنين و خمسة أشهر.
وقتل يوم
الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجة. وهو ابن ثلاث وستين سنة (63) فى سن النبى صلى
الله عليه وسلم و سن أبى بكر. و دفن مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فى حجرة
عائشة ، وصلى عليه صهيب بن سنان . اهـ .
عن عمر يقول:
ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين .
و قال الزبير بن
بكار: كان عمر بن الخطاب من أشراف قريش ، و إليه
كانت السفارة فى الجاهلية، وذلك أن قريشا كانت إذا وقع بينهم حرب أو بينهم و بين
غيرهم بعثوه سفيرا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا و مفاخرا، ورضوا
به .
عن هلال بن يساف
: أسلم عمر بن الخطاب بعد أربعين رجلا و إحدى عشرة
امرأة .
و قال أبو عمر
بن عبد البر : كان إسلامه عِزًّا ظهر به الإسلام
بدعوة النبى صلى الله عليه وسلم ، و هاجر ، فهو من
المهاجرين الأولين ، و شهد بدرا ، و بيعة الرضوان و كل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، و توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو عنه راض
و قال ابن مسعود
: مازلنا أعزة منذ أسلم عمر .
و ولى الخلافة
بعد أبى بكر ، بويع له بها يوم مات أبو بكر باستخلافه له سنة ثلاث عشرة ، فسار
بأحسن سيرة و أنزل نفسه من مال الله بمنزلة رجل من الناس .
و فتح الله له الفتوح بالشام و العراق و مصر ، و دوَّن الدواوين فى العطاء ،
و رتب الناس فيه
على سوابقهم . و كان لا يخاف فى الله لومة لائم ،
و هو الذى نوَّر شهر الصوم بصلاة الإشفاع فيه ، و أرخ التأريخ من الهجرة الذى بأيدى الناس إلى اليوم . و
هو أول من سمى بأمير المؤمنين ، و هو أول من اتخذ
الدرة . و كان نقش خاتمه " كفى بالموت واعظا يا عمر " .
و كان آدم ،
شديد الأدمة ، طوالا ، كث اللحية ، أصلع أعسر يسر ، يخضب بالحناء و الكتم .
و من حديث ابن
عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب صدر عمر بن الخطاب حين أسلم ثلاث مرات ،
و هو يقول : " اللهم أخرج ما فى صدره من غل و أبدله إيمانا " يقولها ثلاثا .
و من حديث ابن
عمر أيضا ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله جعل الحق على
لسان عمر و قلبه " .
و نزل القرآن
بموافقته فى أسرى بدر ، و فى الحجاب ، و فى تحريم الخمر ، و فى مقام إبراهيم .
و روى سعد بن
إبراهيم ، عن أبى سلمة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله
صلى الله عليه
وسلم : " قد كان فى الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن فى هذه الأمة أحد فعمر بن
الخطاب " .
و قال على بن
أبى طالب : خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر .
و قال أيضا : ما
كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر .
و قال أيضا : لو
وضع علم أحياء العرب فى كفة ميزان ، و وضع علم عمر فى كفة لرجح علم عمر ، و لقد
كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم ، و لمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق فى نفسى من
عمل سنة .
و مناقبه و
فضائله كثيره جدا مشهورة مدونة فى كتب العلماء من طلبها وجدها .
رضى الله عنه و
أرضاه .
روى له الجماعة . اهـ .
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ» |
تخريج الحديث :
أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 6) (رقم: 1)، ومسلم في
"صحيحه" (3/ 1515) (رقم : 1907)، وأبو داود في "سننه" (2/
262) (رقم: 2201)، الترمذي في "سننه" (4/ 179) (رقم: 1647)، والنسائي في
"سننه" (1/ 58) (رقم: 75 و 3437 و 3794)، وابن ماجه في "سننه"
(2/ 1413) (رقم : 4227)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 107) (رقم: 10)
فوائد الحديث :
1/ فيه بيان أن إحداث النية للوضوء والغسل واجب
وعليه بوب الحديث ابن خزيمة في صحيحه - (1 / 73) قائلا:
"باب إيجاب إحداث النية للوضوء والغسل." اهـ
وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين
العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح
البخاري" (1 / 30):
"وَفِيه: دَلِيل على أَن الطَّهَارَة وَسَائِر
الْعِبَادَات لَا تصح، إِلَّا بنية." اهـ
وقال أبو زكريا يحيى
بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في
"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (13
/ 54):
"وفيه: دليل على أن الطهارة وهى الوضوء والغسل والتيمم لا
تصح إلا بالنية، وكذلك الصلوة والزكوة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات.
وأما ازالة النجاسة
فالمشهور عندنا أنها لاتفتقر إلى نية لأنها من باب التروك
والترك لايحتاج إلى نية، وقد نقلوا الاجماع فيها وشذ بعض أصحابنا فأوجبها، وهو
باطل." اهـ
2/ فيه جواز اختلاف النية بين الإمام والمؤتمين،
فيجوز أن يصلي المأموم ظهرا بينما الإمام ينوي ويصلي العصر:
عليه بوب الحديث أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى"،
ط. المعارف بالهند - (3 / 87) قائلاً :
"باب الظُّهْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّى الْعَصْرَ {ت} قَالَ
النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ
امْرِئٍ مَا نَوَى.."
وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين
العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح
البخاري" (1 / 27):
"مَا ذكره ابْن السَّمْعَانِيّ فِي "أَمَالِيهِ":
"أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَعْمَال الْخَارِجَة عَن
الْعِبَادَة قد تفِيد الثَّوَاب، إِذا نوى بهَا فاعلُها الْقرْبَة، كَالْأَكْلِ
وَالشرب إِذا نوى بهما التقوية على الطَّاعَة، وَالنَّوْمِ
إِذا قصد بِهِ ترويح الْبدن لِلْعِبَادَةِ، وَالْوَطْءِ
إِذا أَرَادَ بِهِ التعفف عَن الْفَاحِشَة كَمَا قَالَ _صلى الله عَلَيْهِ وَسلم_:
(فِي بضع أحدكُم صَدَقَةٌ)، الحَدِيثَ." اهـ
قال علي بن سلطان القاري الحنفي _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1 / 45):
"الْأُمُورُ الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّهَا لَا
تُفِيدُ الْمَثُوبَاتِ، إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرُبَاتِ، كَالْمَآكِلِ، وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَنَاكِحِ، وَسَائِرِ
اللَّذَّاتِ، إِذَا نَوَى بِهَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَاتِ لِاسْتِيفَاءِ
الشَّهَوَاتِ، وَكَالتَّطَيُّبِ إِذَا قَصَدَ
إِقَامَةَ السُّنَّةِ، وَدَفْعَ الرَّائِحَةِ الْمُؤْذِيَةِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ
تَعَالَى، فَفِي الْجُمْلَةِ: كُلُّ عَمَلٍ صَدَرَ
عَنْهُ لِدَاعِي الْحَقِّ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَكَذَا الْمَتْرُوكَاتُ لَا
يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَثُوبَاتُ، إِلَّا بِالنِّيَّاتِ." اهـ
وقال عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
سنن النسائي" (7 / 242):
"قال المازري: وإنما نبه
أهل العلم على عظم هذا الحديث، لأن الإنسان إنما يعبد بطهارة قلبه وجسمه. فأكثر
المذامِّ المحظوراتِ إنما تنبعث من القلب،
وأشار _صلى الله عليه و سلم_ لاصلاحه، ونبه على أن اصلاحه هو
إصلاح الجسم، وأنه الأصل.
وهذا صحيح يؤمن به حتى من لا يؤمن بالشرع، وقد نص عليه
الفلاسفة والاطباء." اهـ[3]
وقال أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري، المعروف بـ"سِرَاج الدينِ ابنِ الْمُلَقِّنِ" (المتوفى:
804 هـ) _رحمه الله_ في "البدر المنير"
(1 / 664):
"قَالَ الْخطابِيّ:
وَأفَاد قَوْلُه _صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم_: «وإِنَّمَا
لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى» فَائِدَةً لم تحصل بقوله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنِّيَّاتِ» (وَهِي): أَن تعْيين الْعِبَادَة المنوية شرطٌ لصحتها." اهـ
وقال السندي في "الحاشية على ابن ماجه" (8 / 80):
"إِنَّ الْعَمَل يُحْسَب بِحَسَبِهَا خَيْرًا وَشَرًّا
أَوْ يَجْزِي الْمَرْء بِحَسْبِهَا عَلَى الْعَمَل ثَوَابًا وَعِقَابًا وَإِذَا
تَقَرَّرَ الْمُقَدِّمَتَانِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا."
قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح" (1 / 45)
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّمَا لِامْرِئٍ
مَا نَوَى) دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تُحْسَبُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ إِنْ
كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ، فَهِيَ لَهُ تَعَالَى،
وَإِنْ كَانَتْ لِلدُّنْيَا فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِنَظَرِ الْخَلْقِ
فَهِيَ لِذَلِكَ،
فَالتَّقْدِيرُ إِذَا
تَقَرَّرَ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْوِيَّهُ مِنْ طَاعَةٍ، أَوْ مُبَاحٍ، أَوْ
غَيْرِهِمَا، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ مِنَ الْهَجْرِ، وَهُوَ التَّرْكُ الَّذِي
هُوَ ضِدُّ الْوَصْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا تَرْكُ الْوَطَنِ الَّذِي بِدَارِ
الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَهِجْرَةِ الصَّحَابَةِ لَمَّا اشْتَدَّ
بِهِمْ أَذَى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ
قَبْلَ هِجْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَبَعْدَهَا، وَلَمَّا
احْتَاجُوا إِلَى تَعَلُّمِ الْعُلُومِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ،
وَقَدْ تُطْلَقُ كَمَا فِي أَحَادِيثَ عَلَى هِجْرَةِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ."
اهـ
وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين
العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح
البخاري" (1 / 28):
"مَا قَالَه ابْن بطال عَن ابْن سراج أَنه إِنَّمَا خص
الْمَرْأَة بِالذكر من بَين سَائِر الْأَشْيَاء فِي هَذَا الحَدِيث، لِأَن
الْعَرَب كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة لَا تزوج الْمولى الْعَرَبيَّة وَلَا يزوجون
بناتهم، إِلَّا من الْأَكفاء فِي النّسَب،
فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام سوى بَين الْمُسلمين فِي مناكحهم
وَصَارَ كل وَاحِد من الْمُسلمين كُفؤًا لصَاحبه،
فَهَاجَرَ كثير من النَّاس إِلَى الْمَدِينَة، ليتزوج بهَا حَتَّى سُمِّيَ بَعْضُهم
مهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ." اهـ
وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين
العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح
البخاري" (1 / 28):
"خص ذكر الْمَرْأَة دون سَائِر مَا ينوى بِهِ الْهِجْرَة
من أَفْرَاد الْأَغْرَاض الدُّنْيَوِيَّة لأجل تبين السَّبَب، لِأَنَّهَا كَانَت
أعظم أَسبَاب فتْنَة الدُّنْيَا.
قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم_:
(مَا تركت بعدِي فتْنَةً أضرَّ على الرِّجَال من النِّسَاء) [خ
م]
وَذكر الدُّنْيَا مَعهَا من بَاب زِيَادَة النَّص على السَّبَب
كَمَا أَنه لما سُئِلَ عَن طهورية مَاء الْبَحْر زَاد حل ميتَته." اهـ
وقال شمس الدين محمد
بن عمر السفِيْرِي الشافعي (المتوفى: 956 هـ)
_رحمه الله_ في "المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية" (5
/ 19_20):
"وقد دل هذا الحديث الجليل على فوائد كثيرة فإنه يدخل في
سبعين باباً من الفقه كما قاله الإمام الشافعي:
ففيه
دليل على أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا يصح إلا بالنية، وهو مذهب
إمامنا الشافعي، وعند أبي حنيفة لا تجب النية في الوضوء والغسل، واحتج على ذلك بأن
كل واحد منهما ليس مقصود النفس، لأن المقصود به النظافة فأشبه إزالة النجاسة،
وعموم الحديث يرد عليه.
وفيه
دليل على اشتراط النية لسجود التلاوة، لأنه عبادة.
وفيه
دليل أن المتوضئ إذا نوى عند غسل الوجه يحصل له ثواب السنن السابقة وهو الأصح
عندنا.
وفيه
رد على زفر حيث ذهب إلى أن صيام رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم، لتعين
الزمان.
وفيه:
دليل على أن المطلق إذا أطلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عدداً وقع ما نواه، وهو مذهب
الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقع إلا واحدة_____
وفيه:
دليل وحجة لمالك في إسقاط الحيل كمن باع ماله قبل الحول فراراً من الزكاة، فإنها
لا تسقط عنه عند مالك لهذا الحديث." اهـ
وقال شمس الدين محمد
بن عمر السفِيْرِي الشافعي (المتوفى: 956 هـ)
_رحمه الله_ في "المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية
(5 / 23_24) :
"وفيه: دليل على أن ما ليس بعمل تشترط فيه النية كالتروك،
مثل ترك الزنا والخمر وباقي المعاصي، نعم إذا أراد تحصيل الثواب، ولا بد له من
القصد،
فمن ترك الزنا مثلاً بعد أن خطر على باله خوفاً من الله يثاب
على هذا الترك، أما من لم يقصد ترك المعصية لا يثاب على تركها،
فمن لم تخطر المعصية بباله أصلاً ليس كمن خطر في نفسه عنها
خوفاً من الله.[4]
وفيه: دليل على أن النجاسة لا تجب إزالتها وهو الأصح لأنه من
باب التروك (انتهى).
وفيه: دليل على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من
مكارم الأخلاق حيث لم يصرح بالإنكار على من هاجر لأجل المرأة، بل أورده مورد
الإيهام كقوله في حديث آخر: «ما بال أقوام يفعلون كذا»(1) وهذا من مكارم أخلاقه -
صلى الله عليه وسلم -.
وفيه: دليل
على استحباب التخلق بمكارم الأخلاق، وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطي حيث
قال :____
بمكارم الأخلاق كن متخلقا ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذي
وانفع صديقك إن صدقت صدقه ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
وفيه: دليل على أنه يستحب الستر على من وقع منه منكر.
وفيه: دليل على أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء
الخطبة.
وفيه: دليل على أن الإمام الأعظم يستحب له أن يخطب عند الأمور
المهمة وتعليم الحكم المهمة، لأنه أبلغ في الإشاعة والإشتهار.
واستدل الحديث بعضهم على وجوب النية على غاسل الميت، وهو وجه
عندنا، والأصح في النية لا تجب على الغاسل، بدليل أنه لو غسله كافر عندنا صح، وهو
ليس من أهل النية.
وفيه: دليل
وحث على الإخلاص في النية، والإخلاص من أعمال القلب
والفرق بينه وبين النية: أن
النية تتعلق بفعل العبادة، والإخلاص يتعلق بإضافة العبادة إلى الله تعالى_.
فالنية لابد منها في صحة العمل، وأما الإخلاص فليس يتعين، فمن
صلى ونوى ولم يضف الصلاة إلى الله تعالى صحت صلاته، لأن العبادة لا تكون، إلا لله
سواء أضافها إليه أم لا، نعم الإخلاص مع النية أكمل من النية وحدها." اهـ[5]
وقال عبد الرؤوف بن
تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ"
(المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (1
/ 30):
"ففيه: تلويح بأنه ينبغي
للسالك كونه عاليَ الهمةِ والنيةِ فلا يلتفت إلى غير الْمُكَوِّنِ."
اهـ
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن
نور الدين الملا الهروي القاري
(المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1
/ 42):
"قَالَ الْمُحَقِّقُ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ:
قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ :
"لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ: أُصَلِّي كَذَا، وَلَا
عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، بَلِ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ كَانَ
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ،
وَهَذِهِ بِدْعَةٌ." اهـ.[6]
قال القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"
(1 / 43)
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْقِيَمِ ذَكَرَ فِي زَادِ الْمَعَادَ
فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، وَهَذَا لَفْظُهُ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) » ،
وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَبْلَهَا، وَلَا تَلَفَّظَ
بِالنِّيَّةِ، وَلَا قَالَ: (أُصَلِّي لِلَّهِ صَلَاةَ كَذَا مُسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا) ، وَلَا قَالَ:
أَدَاءً، وَلَا قَضَاءً، وَلَا فَرْضَ الْوَقْتِ، وَهَذِهِ عَشْرُ بِدَعٍ لَمْ
يَنْقُلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَحَدٌ قَطُّ بِإِسْنَادٍ
صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا مُرْسَلٍ لَفْظَةً وَاحِدَةً
مِنْهَا الْبَتَّةَ، بَلْ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا
اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ،
وَإِنَّمَا غَرَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُ
الشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالصِّيَامِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا
أَحَدٌ إِلَّا بِذِكْرٍ فَظَنَّ أَنَّ الذِّكْرَ تَلَفُّظُ الْمُصَلِّي
بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِالذِّكْرِ تَكْبِيرَةُ
الْإِحْرَامِ لَيْسَ إِلَّا.
وَكَيْفَ يَسْتَحِبُّ الشَّافِعِيُّ أَمْرًا لَمْ يَفْعَلْهُ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ،
وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَأَصْحَابِهِ،
وَهَذَا هَدْيُهُمْ، وَسِيرَتُهُمْ، فَإِنْ أَوْجَدَنَا أَحَدٌ
حَرْفًا وَاحِدًا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ، وَقَابَلْنَاهُ بِالْقَبُولِ،
وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا هَدْيَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِمْ، وَلَا سُنَّةَ إِلَّا مَا
تَلَقَّوْهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
وَصَرَّحَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ بِنَفْيِ
رِوَايَةِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ
الْفَيْرُوزُأَبَادِي صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِـ"الصِّرَاطِ
الْمُسْتَقِيمِ". وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ:
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ
أَصْحَابِهِ التَّلَفُّظَ بِهَا[7]،
وَلَا أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي السُّنَنِ أَنَّهُ
قَالَ: ( «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ) . اهـ كلام علي بن سلطان القاري _رحمه الله_[8]
وقال علي بن سلطان، أبو الحسن
نور الدين الملا الهروي القاري
(المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1
/ 47):
"وَفِيهِ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَصَدَ
فِي ضِمْنِ الْهِجْرَةِ سُنَّةً عَظِيمَةً، أَبْطَلَ ثَوَابَ هِجْرَتِهِ، فَكَيْفَ
يَكُونُ غَيْرُهُ[9]،
أَوْ دَلَالَةً عَلَى أَعْظَمِ فِتَنِ الدُّنْيَا،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى
: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14] .
وَلِقَوْلِهِ
عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ
مِنَ النِّسَاءِ»،
لَكِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً تَكُونُ خَيْرَ
مَتَاعِهَا، وَلِقَوْلِهِ _عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ_: «الدُّنْيَا
كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»." اهـ
وقال القاري في
"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1 / 47_48):
"وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى مِنْ مَطَالِبِ
السُّعَدَاءِ، وَهِيَ الْخَلَاصُ عَنِ الدَّرَكَاتِ السُّفْلَى مِنَ الْكُفْرِ،
وَالشِّرْكِ، وَالْجَهْلِ، وَالْمَعَاصِي، وَالسُّمْعَةِ، وَالرِّيَاءِ، وَالْأَخْلَاقِ
الذَّمِيمَةِ، وَحَجْبِ الْأَوْصَافِ، وَالْفَوْزِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَهِيَ
الْمَعْرِفَةُ، وَالتَّوْحِيدُ، وَالْعِلْمُ، وَالطَّاعَاتُ، وَالْأَخْلَاقُ
الْمَحْمُودَةُ، وَجَذَبَاتُ الْحَقِّ، وَالْفَنَاءُ عَنْ
إِنَابَتِهِ، وَالْبَقَاءُ بِهُوِيَّتِهِ[10]،
أَوْ مِنْ مَقَاصِدِ الْأَشْقِيَاءِ، وَهِيَ إِجْمَالًا مَا
يُبْعِدُ____عَنِ الْحَقِّ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ أَيْ: خُرُوجُهُ مِنْ
مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِعْدَادَهُ الَّذِي جُبِلَ
عَلَيْهِ، أَوْ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ النَّفْسِ، أَوْ مَقَامًا مِنْ
مَقَامَاتِ الْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ لِتَحْصِيلِ مِرَاضِيهِ، وَتَحْسِينِ
الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى تَوْحِيدِ الذَّاتِ، وَرَسُولِهِ بِاتِّبَاعِ
أَعْمَالِهِ، وَاقْتِفَاءِ أَخْلَاقِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى طَلَبِ
الِاسْتِقَامَةِ فِي تَوْحِيدِ الصِّفَاتِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن
حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد
البدر _حفظه الله_ في "فتح
القوي المتين في شرح الأربعين" (ص: 14)
"مِمَّا يُستفاد من الحديث:
1_ أنَّه لا عمل إلاَّ بنيَّة.
2_ أنَّ الأعمال معتبرة بنيَّاتها.
3_ أنَّ ثواب العامل على عمله على حسب نيَّته.
4_ ضرب العالم الأمثال للتوضيح والبيان.
5_ فضل الهجرة لتمثيل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها، وقد
جاء في "صحيح مسلم" (192) عن عمرو بن العاص _رضي الله عنه_، عن
النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:
"أمَا علمتَ أنَّ الإسلامَ يهدم ما كان قبله، وأنَّ
الهجرةَ تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يهدم ما كان قبله؟ ".
6_ أنَّ الإنسانَ يُؤجرُ أو يؤزر أو يُحرم بحسب نيَّته.
7_ أنَّ الأعمال بحسب ما تكون وسيلة له، فقد يكون الشيء المباح
في الأصل يكون طاعةً إذا نوى به الإنسان خيراً، كالأكل والشرب إذا نوى به التقوِّي
على العبادة.
8_ أنَّ العمل الواحد يكون لإنسان أجراً، ويكون لإنسان
حرماناً." اهـ
وقال إسماعيل بن محمد بن
ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) _رحمه
الله_ في "التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية" (ص:
6)
يستفاد منه :
1 - الحث على الإخلاص، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان
صوابا وابتغي به وجهه. ولهذا استحب العلماء استفتاح المصنفات بهذا الحديث تنبيها
للطالب على تصحيح النية.
2 - أن الأفعال التي يتقرب بها إلى الله _عز وجل_ إذا فعلها
المكلف على سبيل العادة لم يترتب الثواب على مجرد ذلك الفعل وإن كان صحيحا، حتى
يقصد بها التقرب إلى الله.
3 - فضل الهجرة إلى الله ورسوله. وقد وقعت الهجرة في الإسلام
على وجهين: الأول _ الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة،
وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثاني _ الهجرة من دار الكفر إلى دار
الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من
أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن
فتحت مكة فانقطع الاختصاص. وبقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن
قدر عليه واجبا." اهـ
وقال شيخنا العباد في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين
وتتمة الخمسين" (ص: 13)
وفي قوله: (إلى ما هاجر إليه) تحقيرٌ لِمَا طلبه من أمر الدنيا
واستهانة به، حيث لم يذكره بلفظه، وأيضاً فالهجرةُ إلى الله ورسوله واحدةٌ، فلا
تعدُّدَ فيها، فلذلك أعاد الجوابَ فيها بلفظ الشرط، والهجرةُ لأمور الدنيا لا
تَنحصر، فقد يهاجرُ الإنسانُ لطلب دنيا مباحة تارة ومحرَّمة أخرى، وأفراد ما يُقصد
بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر، فلذلك قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"
يعني كائناً ما كان".
وقال العثيمين في "شرح الأربعين النووية" (ص: 13):
"من فوائد هذا الحديث :
1_ هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، ولهذا
قال العلماء: مدار الإسلام على حديثين: هما هذا الحديث، وحديث عائشة: مَنْ عَمِلَ
عَمَلاً لَيْسَ عَلِيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ (1) فهذا الحديث عمدة أعمال
القلوب، فهو ميزان الأعمال الباطنة، وحديث عائشة: عمدة أعمال الجوارح....
2_ من فوائد الحديث: أنه يجب تمييز العبادات بعضها عن بعض،
والعبادات عن المعاملات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنِّيَّاتِ ولنضرب مثلاً بالصلاة، رجل أراد أن يصلي الظهر، فيجب أن ينوي الظهر
حتى تتميز عن غيرها. وإذا كان عليه ظُهْرَان، فيجب أن يميز ظهر أمس عن ظهر اليوم،
لأن كل صلاة لها نية...
3_ من فوائد الحديث: الحثّ على الإخلاص لله عزّ وجل، لأن النبي
صلى الله عليه وسلم قسّم الناس إلى قسمين:
قسم: أراد بعمله وجه الله والدار الآخرة.
وقسم: بالعكس، وهذا يعني الحث على الإخلاص لله عزّ وجل.
والإخلاص يجب العناية به والحث عليه، لأنه هو الركيزة الأولى
الهامة التي خلق الناس من أجلها، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)
4_ ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك
بتنويع الكلام وتقسيم الكلام، لأنه قال: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وهذا
للعمل وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وهذا للمعمول له.
ثانيهما: تقسيم الهجرة إلى قسمين: شرعية وغير شرعية، وهذا من
حسن التعليم، ولذلك ينبغي للمعلم أن لايسرد المسائل على الطالب سرداً لأن هذا
يُنْسِي، بل يجعل أصولاً، وقواعد وتقييدات، لأن ذلك أقرب لثبوت العلم في قلبه، أما
أن تسرد عليه المسائل فما أسرع أن ينساها..
5_ من فوائد الحديث:
قرن الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى بالواو حيث قال: إلى الله ورسوله ولم
يقل: ثم رسوله، مع أن رجلاً قال للرسول صلى الله عليه وسلم: مَا شَاءَ اللهُ
وَشِئْتَ، فَقَالَ: بَلْ مَاشَاءَ اللهُ وَحْدَه (1) فما الفرق؟
والجواب:
أما ما يتعلّق بالشريعة فيعبر عنه بالواو، لأن
ماصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع كالذي صدر من الله تعالى كما قال:
(مَنْ يُطِعِ الرسول صلى الله عليه وسلم فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء:
الآية80)
وأما الأمور
الكونية: فلا يجوز أن يُقرن مع الله أحدٌ بالواو أبداً، لأن كل شيئ تحت إرادة الله
تعالى ومشيئته." اهـ
[1] (عفت
آثارها): درست وامَّحت علاماتها، فلم تعد ظاهرة واضحة. والمراد
وصف حال الناس قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وما كانوا عليه من الجهل والضلال
والشرك. (وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا)، أي: خمد ضياؤها
وضعف إشراقها. فشبَّه المؤلف الهداية بالنور الذي يكشف للناس طريقهم، فلما أعرضوا
عن الوحي خفت ذلك النور في حياتهم. (وَوَهَنَتْ
أَرْكَانُهَا)، أي: ضعفت دعائم الإيمان وأصول الهداية التي يقوم عليها
الدين في نفوس الناس ومجتمعاتهم. وفيه تصوير لحال الدين عند من ضيعوا معالمه، كما
يضعف البناء إذا ضعفت أركانه. (وَجُهِلَ مَكَانُهَا)، أي:
خفي موضع تلك الطرق ومعالمها على كثير من الناس، فلم يعرفوا سبيل الحق الذي ينبغي
أن يسلكوه. والمراد أن الهداية لم تكن ظاهرة لهم ظهورًا يميزون به الحق من الباطل.
[2] (فَشَيَّدَ
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِهَا مَا عَفَا)، أي:
أقام النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر من معالم الدين ما اندرس وخفي من قبل. فقد
أعاد الله ببعثته ظهور معالم التوحيد، وأوضح للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم. (وَشَفَى مِنَ الْغَلِيلِ فِي تَأْيِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ
مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا): هذه عبارة أدبية تحتاج إلى تفصيل:
* شفى من
الغليل: أزال شدة الظمأ والحرقة، والمراد هنا أنه أزال ما في النفوس من حيرة
واضطراب بما جاء به من الحق.
* تأييد
كلمة التوحيد: تقويتها وإظهار حجتها ونصرتها.
* على شفا:
على طرف وحافة، والمراد من كان قريبًا من الهلاك والضياع.
والمعنى: أن الله تعالى أظهر برسوله صلى الله عليه
وسلم كلمة التوحيد، وأقام حجتها، وأنقذ بها من شاء من عباده ممن كانوا على حافة
الهلاك بسبب الشرك والضلال.
وأصل «الشفا» في اللغة: حرف الشيء وطرفه، ومنه قوله
تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل
عمران: 103].
(وَأَوْضَحَ
سَبِيلَ الْهَادِيَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا)، أي:
بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم طريق الهداية بيانًا واضحًا لمن أراد اتباعه
والسير عليه. وسبيل الهادية: طريق الهداية، والمراد به الطريق الموصل إلى الحق. وفيه
أن طريق الحق قد بُيِّن، وإنما ينتفع ببيانه من صدق في طلبه وأراد سلوكه. (وَأَظْهَرَ
كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا)، أي: أبان النبي صلى الله
عليه وسلم أسباب السعادة الحقيقية، ودلَّ الناس على ما يوصلهم إليها من الإيمان
والعمل الصالح واتباع الوحي. فشبَّه أسباب السعادة بالكنوز النفيسة التي لا ينالها
إلا من قصد الوصول إليها وسعى في تحصيلها.
[3] المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية _صلى الله عليه وسلم_
من صحيح الإمام البخاري (5 / 6) لشمس الدين السفيري :
"قال
البرماوي : إنما صدر البخاري كتابة بحديث «إنما الأعمال» لأمور:
أحدها: أنه
مناسب للآية المذكورة في الترجمة لأنه أوحي لكل الأنبياء الأمر بالنية قال _تعالى_:
(وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:
5]
والإخلاص:
النية.____
ثانيهما: أن
أول واجبات المكلف القصد إلى النظر الموصل إلى معرفة الله، فالقصد سابق دائماً.
ثالثهما: بيان
أن كل أمر ينبغي أن يكون بإخلاص ونية، حتى يكون مقبولاً منتفعاً به، فلذلك لما
أخلص البخاري النية، وصفى الطوية، نفع الله بكتابه البرية.
رابعها: أنه
- صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدنية خطب بهذا الحديث، لأنه مبدأ لكمال ظهوره
ونصره، فناسب الابتداء بذكره في ابتداء الوحي إليه، وافتتاح إخلاص العمل لله
تعالى، المستحق الجامع للمحامد." اهـ
[4] قال القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1
/ 44):
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ عَزْمَ الْكُفْرِ كُفْرٌ،
وَخَطْرَةَ الذُّنُوبِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ مَعْفُوٌّ عَنْهَا، وَعَزْمَ الذَّنْبِ
إِذَا نَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بَلْ يُثَابُ، فَأَمَّا
إِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مُنِعَ
عَنْهُ بِمَانِعٍ لَا بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ
عُقُوبَةَ فِعْلِهِ أَيْ: بِالْعَزْمِ عَلَى الزِّنَا لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ
الزِّنَا، وَهَلْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ عَزْمِ الزِّنَا؟ قِيلَ: لَا، لِقَوْلِهِ -
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «إِنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا
حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ) .
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْخَطْرَةِ دُونَ الْعَزْمِ، وَأَنَّ
الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْعَزْمِ ثَابِتَةٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو
مَنْصُورٍ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ}
[النور: 19] الْآيَةَ." اهـ
وقال في موضع من "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح" (1 / 44)
وَمِنْ جُمْلَةِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا
الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِمُكَفِّرٍ يَدِينُ خِلَافًا لِبَعْضِ
الْمَالِكِيَّةِ إِذْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُنَا خَبَرُ مُسْلِمٍ فِي
«الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ:
اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ -: (أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) » .
[5] المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم من
صحيح الإمام البخاري - (5 / 24) :
وأما
الرياء فقد قال العراقي في «الفروق»: إنه حرام محصل للإثم ومبطل لثواب العبادة.
الرياء
على قسمين: أحدهما: أن يعمل الذي أمره الله ويقصد به وجه الله تعالى وأن تعظمه
الناس أو بعضهم.
ثانيهما:
أن يعمل الذي أمره الله ولا يريد وجه الله تعالى بالنية بل الناس فقط، ويسمى القسم
الأول: رياء الشرك لأنه للخلق وللحق، والثاني: رياء الإخلاص لأنه لا شريك فيه بل
هو خالص للخلق، ومقصود المرائي يعمله ثلاثة أشياء: تعظيم الخلق له، وجلب المنافع
الدنيوية له، ودفع المضار الدنيوية عنه.
وإنما كان حراماً لأنه شرك وتشريك مع الله في طاعته،
وقد صح في صحيح مسلم وغيره: «إن الله تعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن
عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته له، أو تركته لشريكي»
[6] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (1 / 42)
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْمُكَمَّلَ
عَدَمُ النُّطْقِ بِالنِّيَّةِ مَعَ أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ،
فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: بِكَرَاهَتِهِ، وَالْحَنْبَلِيَّةَ نَصُّوا
عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الِاتِّفَاقَ
بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ فَلَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ
مَحَلُّهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ
تَرْكُهُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ بِلَا رَيْبٍ."
والصحيح : أن التلفظ بالنية بدعة تورث الوسوسة، فكيف
يعالج بها الوسوسة
[7] وفي "الاتباع" لابن أبي العز (ص: 62):
"لم يقل أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة لَا
الشَّافِعِي وَلَا غَيره بِاشْتِرَاط التَّلَفُّظ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا
النِّيَّة محلهَا الْقلب باتفاقهم إِلَّا أَن بعض الْمُتَأَخر ين أوجب التَّلَفُّظ
بهَا وَخرج وَجها فِي مَذْهَب الشَّافِعِي قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله وَهُوَ
غلط انْتهى وَهُوَ مَسْبُوق بِالْإِجْمَاع قبله." اهـ
[8] وفي إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/
138_139) لابن القيم :
"قال شيخنا: "ومن هؤلاء من يأتى بعشر بدع
لم يفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها، فيقول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلى صلاة الظهر فريضة الوقت، أداء لله تعالى،
إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحنى جبهته ويقيم
عروق عنقه، ويصرح بالتكبير. كأنه يكبر على العدو. ولو مكث
أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتش: هل فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو
أحد من أصحابه شيئاً من ذلك، لما ظفر به، إلا أن يجاهر بالكذب البحت. فلو
كان____فى هذا خير لسبقونا إليه، ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ضلوا عنه، وإن
كان الذى كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال." اهـ
[9] وفي "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"
(1 / 47):
"قِيلَ: إِنَّمَا ذُمَّ لِأَنَّهُ طَلَبَ
الدُّنْيَا فِي صُورَةِ الْهِجْرَةِ فَأَظْهَرَ الْعِبَادَةَ لِلْعُقْبَى،
وَمَقْصُودُهُ الْحَقِيقِيُّ مَا كَانَ إِلَّا الدُّنْيَا فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ
لِمُشَابَهَتِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ، وَلِذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمَّا
رَأَى بَهْلَوَانًا يَلْعَبُ عَلَى الْحَبْلِ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ أَصْحَابِنَا
فَإِنَّهُ جَمَلَ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا، وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا
بِالدِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَتَى اجْتَمَعَ بَاعِثُ
الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَلَا ثَوَابَ مُطْلَقًا لِلْخَبَرِ، وَفِي الصَّحِيحِ:
( «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ
غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» ) . قَالَ الْغَزَالِيُّ:
يُعْتَبَرُ الْبَاعِثُ فَإِنْ غَلَبَ بَاعِثُ الْآخِرَةِ أُثِيبَ، أَوْ بَاعِثُ
الدُّنْيَا، أَوِ اسْتَوَيَا لَمْ يُثَبْ.
وفي "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"
(1 / 47):
"قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ
الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ مَنْ حَجَّ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ كَانَ ثَوَابُهُ
دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْهَا أَنَّ الْقَصْدَ الْمُصَاحِبَ لِلْعِبَادَةِ
إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالرِّيَاءِ أَسْقَطَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ مَحْمِلُ
الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ لَفْظُهُ، أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ
أُثِيبَ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الْآخِرَةَ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] اهـ.
وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَتَعْلِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ
هَذَا بِلِسَانِ الْعُلَمَاءِ أَرْبَابِ الْعِبَارَةِ،
[10] الملون بالحمرة أخشى أن يكون من مصطلحات الصوفية، فإن علي بن
سلطان القاري -غفر الله له ولنا- تأثر بالصوفية

Komentar
Posting Komentar