شرح الحديث 1 - من الجامع الصغير للسيوطي _رحمه الله_

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

حرف الهمزة[1]

1 - آتِي بَابَ الجَنَّةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: "مَنْ أنْتَ؟" فَأَقُولُ: "مُحمَّدٌ." فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أنْ لاَ أَفْتَحَ لأَحَدٍ قَبْلَكَ."

(حم م) عَن أنس.

 

الحمد لله الذي فتح أبواب الجنان لعباده الصالحين، وجعلها دار مقامة للمتقين، والرجوع الشريف للمرسلين. إن الجنة اشتقت إلى ضيفها الأعظم ورسولها الأكرم الذي زكاه ربه في محكم التنزيل،

فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}.

فكان ﷺ الضيف الذي تترقبه الجنة، وتتشرف الأرض والسماء بمقامه الشريف، ولا يتم دخول المؤمنين إليها، إلا بتقدمه وإمامته.

 

ولقد هيأ الله _سبحانه وتعالى_ لنبيه هذا المقام العظيم ليكون أول الوافدين وأكرم الزائرين لدار السلام يوم القيامة.

ويؤكد هذا الشرف قوله ﷺ في الحديث الآخر: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ» [م].

فهو ليس مجرد عابر، بل هو الضيف الذي ينظر الخلائق كلهم إليه، وهو يخطو الخطوة الأولى نحو النعيم المقيم، ليكون شفيعًا لأمته وقائدًا لركب الأنبياء.

 

ولتقريب هذا المشهد العظيم، فإن مَثَلَ الجنة في انتظارها للنبي ﷺ ومَثَلَ الملائكة الحارسين لها، كـمَثَلِ قصرٍ فاخر، أُقيمت فيه مأدبة كبرى واحتشد فيه الكرماء، وأُغلقت أبوابه إجلالاً، فلا يُفتح الباب ولا تبدأ الحفاوة، إلا بوصول "ضيف الشرف" الذي تُعقد له الرايات.

فإذا وصل ذلك الضيف العزيز، تباشرت الحجب وانفتحت الأبواب تكريمًا له. وهكذا هو الحبيب المصطفى ﷺ، يقف على أعتاب الخلود، حيث يقول في حديثه المهيب: «آتِي بَابَ الجَنَّةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أنْ لاَ أَفْتَحَ لأَحَدٍ قَبْلَكَ».

 

نص الحديث وشرحه:

 

ففي "صحيح مسلم" (1/ 188)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

"آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ."

 

وفي "صحيح مسلم" (1/ 188):

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قالَ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ»

 

وفي "المفاتيح في شرح المصابيح" (6/ 87):

"(الخازن): واحد الخَزَنَة، وهو مَلَكٌ موكَّلٌ بحفظ الجنة، سُمِّيَ خازنًا، لأن الجنةَ خزانةُ الله _سبحانه وتعالى_، أعدَّها للمؤمنين، وهو حافظُها." اهـ

 

في هذا الحديث العظيم بيانٌ لخصوصية النبي صلى الله عليه وسلم، وما أكرمه الله تعالى به من المقام المحمود، ومن ذلك أنه أول من يستفتح باب الجنة، وأول من يُفتح له، فلا يسبقه إلى ذلك أحد من الخلق.

 

قال الله _تعالى_: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]


شرح الجمل الغريبة والألفاظ في الحديث:

«آتِي بَابَ الْجَنَّةِ»

أي: أحضر يوم القيامة عند باب الجنة، وأصل إلى موضع الدخول إليها، وذلك بعد أن يفرغ الله تعالى من القضاء بين عباده، ويأذن لأهل الجنة بدخولها. وفيه إثبات مجيء النبي _صلى الله عليه وسلم_ إلى باب الجنة حقيقةً يوم القيامة.

وفي قوله: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ» إثبات وجود باب للجنة، وأن لها أبوابًا حقيقيةً تليق بالدار الآخرة.

«يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

أي: اليوم الذي يبعث الله فيه الخلائق من قبورهم، ويجمعهم للحساب والجزاء، ويقوم الناس لرب العالمين. وسُمِّي يوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم، وقيامهم بين يدي الله تعالى، وقيام الأشهاد لأداء الشهادة.

«فَأَسْتَفْتِحُ»

أي: أطلب فتح باب الجنة، وأسأل خازنها أن يفتحه لي. والاستفتاح: طلب الفتح، وهو استفعال من الفتح. ومنه قوله تعالى: والمراد هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلب من خازن الجنة أن يفتح له بابها.

وفي قوله: «فَأَسْتَفْتِحُ» إثبات أن دخول الجنة إنما يكون بإذن الله تعالى، وأن الأمر كله راجع إلى مشيئته وحكمته.

«فَيَقُولُ الْخَازِنُ»

أي: فيقول المَلَكُ الْمُوكَّلُ بحفظ الجنة وفتح أبوابها، وهو الملك القائم على خزانتها وشؤونها بإذن الله تعالى. والخازن: هو الحافظ للشيء والقائم عليه، وجَمْعُه: خَزَنَة.

قال الله تعالى:

{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]

وفي قوله: «فَيَقُولُ الْخَازِنُ» إثبات وجود خزنة للجنة من الملائكة، يقومون بما وكَّلهم الله به.

«مَنْ أَنْتَ؟»

أي: يسأل خازن الجنة عن هُوِيَّةِ القادِمِ إليه، فيقول: من أنت الذي تطلب فتح باب الجنة؟

وهذا السؤال ليس لجهل الخازن بشخص النبي _صلى الله عليه وسلم_، وإنما هو سؤالٌ يقع في ذلك المقام، كما دل عليه تمام الحديث.

«فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ»

أي: فأجيبه بأنني محمد بن عبد الله، رسول الله وخاتم النبيين، الذي أرسله الله _تعالى_ رحمةً للعالمين. وفي هذا تعريف النبي _صلى الله عليه وسلم_ بنفسه لخازن الجنة، وبيان اسمه الشريف الذي يعرفه به أهل السماء والأرض.

«فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ»

أي: يقول خازن الجنة للنبي _صلى الله عليه وسلم_: "قد أمرني الله _تعالى_ أن أفتح لك باب الجنة، وأن أخصَّك بهذا الفضل العظيم، فلا أفتح لأحد قبلك.

وقوله: «بِكَ أُمِرْتُ» فيه دلالة على أن فتح باب الجنة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ أولًا، إنما هو بأمر الله _تعالى_ وإذنه، وليس بمجرد اختيار الخازن أو تصرفه من تلقاء نفسه.

ففي قوله: «بِكَ أُمِرْتُ» بيان كمال انقياد الملائكة لأمر الله تعالى، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

«لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ»

أي: لا أفتح باب الجنة لأحد من الخلق قبل أن تفتحه لك؛ إكرامًا لك، وإظهارًا لعلو منزلتك، وتحقيقًا لفضيلتك على سائر الأنبياء والمرسلين.

وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم مظاهر تكريم الله تعالى له يوم القيامة.

وفي رواية أخرى عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ».

وقَرْعُ الباب: ضربه بشيء يُسمع له صوت، والمراد هنا طرق باب الجنة طلبًا لفتحه.

ففي قوله: «لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» إثبات فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أول من يُفتح له باب الجنة، وفي ذلك إظهار لسيادته وعلو منزلته على سائر الخلق.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بَيَّنَ هذا الحديثُ عِظَمَ منزلةِ النبيِّ محمَّدٍ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ عند الله _تعالى_، وما خصَّه الله به من الكرامة والفضيلة يوم القيامة، حيث يكون أوَّلَ من يستفتح باب الجنَّة، وأوَّلَ من يُؤذَن له بدخولها من الأنبياء والمرسلين وسائر الخلق.

 

فأخبر النبيُّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أنَّه يأتي يوم القيامة إلى باب الجنَّة، فيطلب من خازنها أن يفتح له، فيسأله الخازن عن هويَّته، فيقول له: «مُحَمَّدٌ»، أي: أنا محمَّدٌ رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_. فيقول له الخازن: «بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ»، أي: قد أمرني الله _تعالى_ ألَّا أفتح باب الجنَّة لأحدٍ قبلك، وأن يكون افتتاحُه لك دون سائر الأنبياء والمرسلين والخلائق.

 

وهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم له المقام الأوَّل في دخول الجنَّة، وأنَّ الله تعالى أكرمه بهذه المنزلة العظيمة، فكان أوَّلَ من يُفتح له بابها، وأوَّلَ من يدخلها من الخلق، كما ثبت في أحاديث صحيحة أخرى أنَّه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أوَّل شافعٍ وأوَّل مُشفَّع.

 

وفي الحديث أيضًا إثباتُ وجود خزنةٍ للجنَّة، وأنَّ لها أبوابًا تُفتح بأمر الله _تعالى_، وأنَّ دخولها ليس أمرًا يقع استقلالًا عن مشيئته _سبحانه_، بل هو فضلٌ منه وإذنٌ وتكريم.

 

وفي هذا الحديث منقبةٌ عظيمةٌ لرسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، ودلالةٌ على علوِّ منزلته ورِفْعة قدْره عند ربِّ العالمين، وفيه تذكيرٌ للمؤمنين بفضل اتِّباعه والتمسُّك بسنَّته، رجاءَ أن يكونوا من أهل جنَّته، وأن يحظوا بشفاعته بإذن الله _تعالى_، والله أعلم.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 188/ 333) (رقم: 197)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 136) (رقم: 12397)، وابن عَرَفَةَ العبدي في "الجزء" (ص: 40) (رقم: 1)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 379) (رقم: 1271)، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" – ت. سَلِيْم (ص: 168) (رقم: 225)، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (ص: 62) (رقم: 10)، والآجُرِّيُّ في "الشريعة" (4/ 1595) (رقم: 1081)، وأبو عَوانةَ في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (2/ 174) (رقم: 486)، وابن منده في "الإيمان" (2/ 838) (رقم: 867)، وأبو نعيم الأصبهاني في "صفة الجنة" (1/ 109 و 2/ 33) (رقم: 83 و 186)، وابن بِشْرَان في "الأمالي" - الجزء الأول (ص: 180) (رقم: 414)، والبيهقي في "البعث والنشور" (ص: 239) (رقم: 404)، والبيهقي في "دلائل النبوة" – ت. قلعجي (5/ 480)، والبغوي في "شرح السنة" (15/ 167) (رقم: 4339)، وابن عساكر في "معجمه" (2/ 764) (رقم: 955).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (2/ 405) (رقم: 774)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 63) (رقم: 1)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1600) (رقم: 5743).

انظر: "مختصر صحيح مسلم" للمنذري – ت. الألباني (1/ 34) (رقم: 94).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (5/ 391):

"فيه: ما ينبه على معنى مَنْعِ موسى في الرؤية، لأنه _صلى الله عليه وسلم_. إذا كان لا يُفْتح بابُ الجنة لأحدٍ قبل محمد _صلى الله عليه وسلم_، فإنه يُعْرَفُ مِنْ هَذَا أنَّ نَظَرَ اللهِ _عز وجل_ أولى أن لا يُبْدَأَ بِهِ لأحَدٍ قبلَ رسولِ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_؛ إذ النَّظَرُ إلى اللهِ _عز وجل_ لَحْظَةً واحِدةً أفضلُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلِّهَا وأشْرَفُ." اهـ

 

وقال الحسين بن محمد اللاعيّ، المعروف بـ"المَغرِبي" (المتوفى: 1119 هـ) _رحمه الله_ في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (2/ 142):

"الشفاعة الأخروية الثابتة له _صلى الله عليه وسلم_ ستة___أنواع، بعضها مختلف فيه، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختص به، وبعضها غير مختص.

* فالأولى: الشفاعة العظمى في إراحة الناس من طول القيام في المحشر وهذه مختصة به كما ورد التصريح بذلك، ولا خلاف فيها.

* والثانية: الشفاعة في إدخال قومٍ الجنةَ من دون حساب، وهذه أيضًا قد وردت لنبينا _صلى الله عليه وسلم_، ولا أعلم الاختصاص فيها أو عدمه.

* والثالثة: الشفاعة لقومٍ قد استوجبوا النارَ، فيشفع في عدم دخولهم، وفيها الخلاف، والظاهر: أنها غير مختصة عند من أثبتها.

* والرابعة: الشفاعة لقومٍ دخلوا النار، فيشفع في خروجهم، وهي مختلف فيها، والقائلون بها يقولون هي غير مختصة لورودها في حق الملائكة والأنبياء والمؤمنين والأطفال.

* والخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات لمن في الجنة، وهذه متفق عليها، ولعلها غير مختصة.

* والسادسة: ذكرها القرطبي وهي: الشفاعة لعمه أبي طالب في التخفيف عنه كما في حديث مسلم "لعله تنفعه شافعتي، فيجعل في ضحضاح من نار___يبلغ كعبه يغلي منه دماغه" [م]، وفي حديث العباس "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" [م]

والضحضاح: الماء القليل، استعير للنار وشبهت به في القلة، وهذه مختصة به - صلى الله عليه وسلم -.

* والسابعة: الشفاعة لمن مات بالمدينة، أخرجه الترمذي، وصححه.[2]

والثامنة: في التجاوز عن جماعة من صلحاء المؤمنين في تقصيرهم في العبادة، ذكرها القزويني في العروة الوثقى.

والتاسعة: شفاعته لمن صبر على لأواء المدينة.[3]

والعاشرة: شفاعته لفتح باب الجنة، رواه مسلم.[4]

والحادية عشرة: شفاعته لمن زاره[5]، رواه ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عمر.[6]___

والثانية عشرة: شفاعته لمن أجاب المؤذن، وصلى عليه، لما في الصحيحين من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حلت له شفاعتي."

قال ابن دقيق العيد: والظاهر أن المعنى في الحديث هي الشفاعة الأولى، إذ هي مختصة، ولعله قد كان سبق من النبي - صلى الله عليه وسلم - الإِخبار بها، فقصد المعهود فيكون العهد خارجيا، وأقول: لعله يحمل على الاستغراق، ومجموع ذلك مختص به - صلى الله عليه وسلم -، ولا حاجة إلى التكلف المذكور." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (1/ 187):

"فيه: فضيلة واضحة له _صلى الله عليه وسلم_ لما فيه من تعظيمه، وأنه _تعالى_ قد قدَّم الأمْرَ إلى الخازن قبل مجيء محمدٍ _صلى الله عليه وآله وسلم_ أن يفتحَ له، ولا يفتح لأحد قبله، وأنه أول من يفتح له، كما أنه أول من تنشق عنه الأرض، كما أنه أول شافع ومشفّع.

وجزم الشارح أن الخازن رضوان[7]،

فيحتمل أنه لحديث ورد بذلك، ويحتمل: أنه لما كان أعظم الخزنة ومقدمهم. لا ينبغي أن يَتَلَقَّى أعظمَ الرسلِ ومقدمَهم، إلا أعظمُ الْخَزَنَةِ." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الْحَرَّانِيُّ (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (11/ 163):

"وَفَضَائِلُهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ وَفَضَائِلُ أُمَّتِهِ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ حِينِ بَعَثَهُ اللَّهُ جَعَلَهُ اللَّهُ الْفَارِقَ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ،

فَلَا يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ، إلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا. وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَوِلَايَتَهُ، وَهُوَ لَمْ يَتْبَعْهُ، فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ؛ بَلْ مَنْ خَالَفَهُ، كَانَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ.

قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ_: "ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مِحْنَةً لَهُمْ."

وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَّبِعْ الرَّسُولَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي غَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ. فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ." اهـ

 

وقال عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر (المتوفى: 1244 هـ) _رحمه الله_ في "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب" (1/ 306):

"وفضائله وفضائل أمته كثيرة دل عليها خبر صاحب المعجزات الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

ونطقت بها الكتب السالفة، وأخبر بها الأنبياء الأقدمون، ودل عليها استقراء سيرهم وأخبارهم.

وهذه الجملة مجمع عليها بين المسلمين، وهي أن الله فضل بعض الرسل على بعض، وفضل على الجميع محمدا -صلى الله عليه وسلم-، كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} ." اهـ

 

وقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الْحَرَّانِيُّ (المتوفى: 728 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع الفتاوى" (11/ 223_224):

"وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ غالطة أَنَّ (خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ) أَفْضَلُ الْأَوْلِيَاءِ قِيَاسًا عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فَإِنَّهُ صَنَّفَ مُصَنَّفًا غَلِطَ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ،

ثُمَّ صَارَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَزْعُمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاَللَّهِ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ "كِتَابِ الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ" وَ "كِتَابِ الْفُصُوصِ"،

فَخَالَفَ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ مَعَ مُخَالَفَةِ جَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ _تَعَالَى_ وَأَوْلِيَائِهِ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ تَحْتِهِمْ، لَا عَقْلَ وَلَا قُرْآنَ. =

ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ فِي الزَّمَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فَكَيْفَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ؟ وَالْأَوْلِيَاءُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُونَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ وَيَدَّعِي أَنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ وَلَيْسَ آخِرُ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلَهُمْ كَمَا أَنَّ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُهُمْ؛ فَإِنَّ فَضْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ} . وَقَوْلِهِ: " {آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِك أُمِرْت أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدِ قَبْلَك} وَ " لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ " رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ فَوْقَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ فَكَانَ أَحَقَّهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْتِيه الْوَحْيُ مِنْ اللَّهِ لَا سِيَّمَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فِي نُبُوَّتِهِ مُحْتَاجًا إلَى غَيْرِهِ فَلَمْ تَحْتَجْ شَرِيعَتُهُ إلَى سَابِقٍ وَلَا إلَى لَاحِقٍ." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذا حديث عظيم قد اشتمل على فوائد جليلة ودروس مهمة، ومن فوائده:

1- فيه: إثباتُ فضل النبيِّ محمَّدٍ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ وعلوِّ منزلته عند الله _تعالى_، فإنَّ الله _سبحانه_ خصَّه بكرامةٍ عظيمة، وهي أن يكون أوَّلَ من يُفتح له باب الجنَّة، وهذه منقبةٌ جليلة تدلُّ على عظيم قدره ورفيع مقامه بين الأنبياء والمرسلين.

2- فيه: أنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أوَّلُ من يستفتح باب الجنَّة،

ففي قوله: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ» بيانٌ لسبقه إلى طلب فتح بابها، وأنَّ هذه الفضيلة من خصائصه التي أكرمه الله بها.

3- فيه: أنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أوَّلُ من يدخل الجنَّة من هذه الأمَّة وسائر الأمم، فإنَّ فتح الباب له أوَّلًا يستلزم تقدُّمه في الدخول، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنَّه _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أوَّل من يقرع باب الجنَّة.

4- فيه: إثباتُ الجنَّة، وأنَّها دارٌ موجودةٌ أعدَّها الله لعباده المؤمنين،

ففي الحديث ذكرُ باب الجنَّة وخازنها، وهذا من أدلَّة الإيمان بالغيب الذي أخبر الله به في كتابه، وأخبر به رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم.

5- فيه: إثباتُ أنَّ للجنَّة أبوابًا،

فقد أخبر النبيُّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أنَّه يأتي بابها ويستفتح، وهذا موافقٌ لقول الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]

6- فيه: إثباتُ وجود خزنةٍ للجنَّة من الملائكة،

ففي قوله: «فَيَقُولُ الْخَازِنُ» دليلٌ على أنَّ الله _تعالى_ وكَّل بالجنَّة ملائكةً يقومون على شأنها بأمره، وهذا من الإيمان بالملائكة وما أخبر الله به من أعمالهم.

7- فيه: أنَّ الملائكة عبادٌ مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، فإنَّ خازن الجنَّة لا يتصرَّف من تلقاء نفسه، وإنَّما يعمل بأمر الله _تعالى_، كما قال _سبحانه_: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]

8- فيه: أنَّ دخول الجنَّة إنَّما يكون بفضل الله ورحمته وإذنه، فإنَّ الجنَّة ملكٌ لله _تعالى_، لا يدخلها أحدٌ، إلا بإذنه، ولا يُفتح بابها، إلا بأمره، وفي ذلك ردٌّ على من يتوهَّم أنَّ دخولها حقٌّ لازمٌ على الله لأحدٍ من خلقه.

9- فيه: إثباتُ تكلُّم الملائكة ومخاطبتهم لمن أُذِن لهم بمخاطبته،

ففي قوله: «مَنْ أَنْتَ؟» وقوله: «بِكَ أُمِرْتُ» إثباتُ كلام الملائكة حقيقةً، وأنَّهم يتكلَّمون بما يأمرهم الله به.

10- فيه: أنَّ الله _تعالى_ يأمر ملائكته بما يشاء من شؤون خلقه،

ففي قوله: «بِكَ أُمِرْتُ» دليلٌ على أنَّ الملائكة يتلقَّون أوامر ربِّهم وينفِّذونها، وأنَّ تدبير شؤون العالم العلوي والسفلي راجعٌ إلى أمر الله ومشيئته.

11- فيه: أنَّ الملائكة لا يتقدَّمون بين يدي الله _تعالى_،

فإنَّ خازن الجنَّة لم يفتحِ الباب لأحدٍ قبل النبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، امتثالًا لأمر الله وانتظارًا لإذنه، وفي ذلك كمالُ انقياد الملائكة وطاعتهم لربِّ العالمين.

12- فيه: إثباتُ اليوم الآخر وما يكون فيه من الأهوال والمواقف العظيمة،

ففي قوله: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» تذكيرٌ بذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لربِّ العالمين، ويُحاسَبون على أعمالهم، ويصيرون إلى منازلهم من الجنَّة أو النار.

13- فيه: أنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ مُكرَّمٌ عند ربِّه بكراماتٍ عظيمة يوم القيامة،

ومن أعظمها المقام المحمود، والشفاعة العظمى، وفتح باب الجنَّة له، وهذه الفضائل كلُّها من فضل الله عليه وإحسانه إليه.

14- فيه: أنَّ الفضائل والمنازل إنَّما تُنال بفضل الله واختياره،

فإنَّ الله _سبحانه_ يختصُّ من يشاء مِنْ عبادِه بما يشاء من الكرامات، وهو _سبحانه_ أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بمن يستحقُّ الفضل والإكرام.

15- فيه: أنَّ الأنبياء _عليهم الصلاة والسلام_ متفاوتون في الفضل والمنزلة،

فإنَّ الله _تعالى_ فضَّل بعضهم على بعض، وجعل لنبيِّنا محمَّدٍ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ من الخصائص والمناقب ما لم يجعله لغيره، مع وجوب الإيمان بجميع الأنبياء واحترامهم.

16- فيه: أنَّ محبَّة النبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ وتعظيمَه تكون باتِّباعه، لا بالغلوِّ فيه،

فإنَّ معرفة فضائله الشرعيَّة تورث محبَّته وتعظيمه، وتبعث على الاقتداء به، أمَّا الغلوُّ في حقِّه، فليس من تعظيمه المشروع، بل التعظيم الحقُّ هو موافقة أمره واجتناب نهيه.

17- فيه: أنَّ الإيمان بالغيب أصلٌ عظيمٌ من أصول الدِّين،

فإنَّ هذا الحديث يتضمَّن الإخبار عن أمورٍ لا تدركها الحواسُّ في الحياة الدنيا، وإنَّما تُعرف بخبر الرسول الصادق _صلَّى الله عليه وسلَّم_، فيجب تصديقها والإيمان بها على الوجه اللائق بها.

18- فيه: أنَّ السنَّة النبويَّة مصدرٌ من مصادر معرفة أمور الآخرة،

فإنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أخبر عن تفاصيل من أحوال يوم القيامة والجنَّة لا تُدرك بالعقول المجرَّدة، وفي ذلك دليلٌ على وجوب الرجوع إلى السنَّة الصحيحة في أبواب الاعتقاد والغيب.

19- فيه: أنَّ خازن الجنَّة يَعْرِفُ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بأمر الله وتعريفه،

ففي قوله: «مَنْ أَنْتَ؟» ثم قوله: «بِكَ أُمِرْتُ» بيانٌ لوقوع هذا الحوار بأمر الله وتدبيره، وأنَّ الملائكة لا يعلمون من الغيب، إلا ما علَّمهم الله _تعالى_.

20- فيه: أنَّ الله _تعالى_ يُظهر كرامة أوليائه في الدار الآخرة،

فإنَّ فتح باب الجنَّة للنبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ أوَّلًا إظهارٌ لفضله وكرامته، وفي ذلك ما يبعث المؤمن على التنافس في طاعة الله وابتغاء مرضاته.

21- فيه: أنَّ العبد ينبغي له أن يعلِّق رجاءه برحمة الله _تعالى_،

فإنَّ أعظم ما يرجوه المؤمن هو الفوز بالجنَّة والنجاة من النار، ولا يكون ذلك، إلا بفضل الله ورحمته، مع القيام بما أوجب الله من الإيمان والعمل الصالح.

22- فيه: الحثُّ على الاستعداد ليوم القيامة،

فإنَّ ذكر النبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ لمجيئه إلى باب الجنَّة يوم القيامة يوقظ القلوب من غفلتها، ويذكِّرها بأنَّ الدنيا دار عملٍ وابتلاء، وأنَّ الآخرة دار حسابٍ وجزاء.

23- فيه: أنَّ أخبار النبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ عن الغيب من الوحي الذي يجب تصديقه،

فما أخبر به من أحوال الجنَّة والقيامة حقٌّ لا ريب فيه، وقد عصمه الله في تبليغ رسالته، فلا يجوز ردُّ خبره الصحيح لمجرَّد استبعاد العقل أو عدم إدراك الكيفيَّة.

24- فيه: أنَّ كمال العبوديَّة يظهر في الانقياد لأمر الله _تعالى_،

فإنَّ خازن الجنَّة لم يتجاوز ما أُمِر به، وفي ذلك تعليمٌ للخلق أنَّ أشرف أحوال العبد أن يكون مطيعًا لربِّه، واقفًا عند حدوده، غير متقدِّمٍ بين يديه.

25- فيه: أنَّ الفوز بالجنَّة هو الغاية العظمى التي ينبغي أن تتوجَّه إليها همم المؤمنين: فإنَّ الدنيا مهما عظمت زينتها، وطالت مدَّتها، فإنَّها زائلةٌ منقطعة، وأمَّا الجنَّة فهي دار النعيم المقيم، والفوز العظيم الذي لا يعقبه شقاء.

 

فهذا حديثٌ عظيمٌ في بيان شرف النبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ وعلوِّ منزلته، وإثبات ما أخبر الله به من أمور الغيب، وبيان انقياد الملائكة لأمر ربِّهم، وأنَّ دخول الجنَّة فضلٌ من الله _تعالى_ وإذنٌ منه،

فينبغي للمؤمن أن يزداد بهذا العلم محبَّةً لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتمسُّكًا بسنَّته، واستعدادًا للقاء ربِّه، والله تعالى أعلم.

 



[1] قال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (1/ 186): "أي: هذا حرف الهمزة أو حرف الهمزة هذا أو أنه على سبيل التعداد، ولم يقصد به التركيب، فلا إعراب له." اهـ

[2] أخرجه الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 719) (رقم: 3917)، وصححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1040) (رقم: 6014).

[3] ورد من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من صبر على شدتها ولأوائها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة" أخرجه الترمذي (5/ 719) (رقم: 3918). صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (7/ 200) (رقم: 3073)

[4] يعني حديثنا الآن.

[5] الحديث الوارد فيه: أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (1/ 66) (رقم: 65):

حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو الْجَرَّاحِ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي» أَوْ قَالَ: «مَنْ زَارَنِي كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي الْآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فيه: سوّار بن ميمون، قال ابن عبد الهادي: شيخ مجهول، وقال: هذا الحديث ليس بصحيح لانقاطعه وجهالة إسناده واضطرابه،

وبنحوه أخرجه العقيلي من طريق موسى بن هلال إلى ابن عمر قال العقيلي: ولا يصح حديثه ولا يتابع عليه، وقال: الرواية في هذا الباب فيها لين. اهـ من الضعفاء (4/ 170).

وأخرجه الدارقطني بسند العقيلي (2/ 278)، وأخرجه من حديث حاطب، وفي سنده مجهول، ولا يصح في ذلك شيء. والحاصل: أن الحديث ضعيف، قد ضعفه الألباني _رحمه الله_ بِنَوْعٍ من التفصيل في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (4/ 333) (رقم: 1127)، و"ضعيف الجامع الصغير وزيادته" (ص: 808) (رقم: 5607)

[6] قال الذهبي _رحمه الله_ في "ميزان الاعتدال" (4/ 226) (رقم: 8937) تحت ترجمة موسى بن هلال العبدي:

"روى عنه أحمد، والفضل بن سهل الأعرج، وأبو أمية الطرسوسى، وأحمد بن أبي غرزة (2) ، وآخرون. وأنكر ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعاً: من زار قبري وجبت له شفاعتي. رواه ابن خزيمة في مختصر المختصر، عن محمد بن إسماعيل الاحمسي، عنه." اهـ

قال الحافظ ابن حجر _رحمه الله_ في "لسان الميزان" – ت. أبي غدة (8/ 228_229):

"قال ابن خزيمة في "صحيحه" باب: زيارة قبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ إن ثبت الخبر، فإن في القلب منه، ثم رواه عن الأحمسي كما تقدم وعن عُبَيد بن محمد الوراق عن موسى بن هلال عن عُبَيد الله - بالتصغير - بن عمر عن نافع عن ابن عمر به،

وقال بعده: أنا أبرأ من عهدة هذا الخبر، ورواية الأحمسي أشبه لأن عُبَيد الله بن عمر أجل وأحفظ من أن يروي مثل هذا المنكر، فإن كان موسى بن هلال لم يغلط فيمن فوق أحد العمرين، فيشبه أن يكون هذا من حديث عبد الله بن عمر، فأما من حديث عُبَيد الله بن عمر، فإني لا أشك أنه ليس من حديثه. هذه عبارته بحروفها.___

وعبد الله بن عمر العمري المكبَّر ضعيف الحديث، وأخوه عُبَيد الله بن عمر - بالتصغير - ثقة حافظ جليل، ومع ما تقدم من عبارة ابن خزيمة وكشفه عن علة هذا الخبر، لا يحسن أن يقال: أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" إلا مع البيان." هـ

[7] اشتَهَر أنَّ اسمَ خازِنِ الجنَّةِ رِضوانُ، ولم يَرِدْ ذلك في الكِتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ.

سُئِلَت اللجنةُ الدَّائِمةُ للإفتاءِ: هل رِضْوانُ خازِنُ الجنَّةِ، وأين ورد اسمُه؟

فأجابت: (المشهورُ عند العُلَماءِ: أنَّ اسمَ خازِنِ الجَنَّةِ رِضْوانُ، وجاء ذِكْرُه في بعضِ الأحاديثِ التي في ثبوتِها نَظَرٌ. واللهُ أعلَمُ)، انظر: "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الثانية" (2/ 353).

وقال الشيخ العثيمين: (أمَّا رِضْوانُ فمُوَكَّلٌ بالجنَّةِ، واسمُه هذا ليس ثابتًا ثبوتًا واضِحًا كثُبوتِ مالِكٍ خازِنِ النَّارِ، لكِنَّه مشهورٌ عند أهلِ العِلمِ بهذا الاسمِ. واللهُ أعلَمُ)، انظرْ: "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (3/ 161).

والحاصل: أن الثابت في الأحاديث الصحيحة (مثل حديث الشفاعة) هو لقبه ووظيفته كـ"خازن الجنة" أو "الخزنة"، دون تعيين اسم محدد! تخلاف "مالك خازن النار"، فقد ثبت في القرآن والسنة.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 266-267