شرح المسألة الثالثة من مسائل الجاهلية
|
ثم قال المؤلف
الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله_ في "مسائل الجاهلية" (ص: 7) "الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر وعدم
الانقيادِ له فضيلةٌ، والسمع والطاعة ذل ومهانة، فخالفهم رسول
الله _صلى الله عليه
وسلم_، وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع
والطاعة لهم والنصيحة، وغلّظ في ذلك، وأبدى وأعاد. وهذه الثلاث
التي جمع بينها فيما ذكر عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: «إن الله
يرضى لكم ثلاثاً: ألا تعبدوا إلا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل
الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه أمركم» [خ م] ولم يقع خلل
في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها. |
بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذه المسألة أصلًا من أصول أهل الجاهلية، وهو اعتقادهم أن مخالفة ولي الأمر والخروج عن طاعته من وجوه الفضل والعزة، وأن السمع والطاعة له من الذل والهوان. فكانوا ينظرون إلى الانقياد للسلطان على أنه نقص في الكرامة، وإلى مخالفته على أنها شجاعة ورفعة.
ثم بيّن رحمه الله أن هذا التصور مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصبر على ما يقع من الولاة من الجور، وأمر بالسمع والطاعة في المعروف، وأمر بالنصيحة لهم، وشدّد في شأن ذلك، وكرّر بيانه والتحذير من مخالفته؛ لما يترتب على اضطراب أمر الولاية من فساد عظيم في الدين والدنيا.
ثم استدل المؤلف بالحديث الصحيح الذي جمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمور عظيمة ترجع إليها صلاحية الدين واجتماع أمر المسلمين: إخلاص العبادة لله وحده وترك الشرك، والاعتصام بحبل الله والاجتماع ونبذ التفرق، ومناصحة من ولاه الله أمر المسلمين. وهذه الأصول متلازمة؛ فالتوحيد يصلح علاقة العبد بربه، والاجتماع والاعتصام بالحق يصلح علاقة المسلمين بعضهم ببعض، والنصيحة لولاة الأمور تحفظ جانبًا مهمًّا من انتظام شؤون الأمة.
ومراد المؤلف بقوله: «ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها» أن فساد أحوال الناس كثيرًا ما يرجع إلى التفريط في واحد من هذه الأصول: فالشرك يفسد أصل الدين، والتفرق يورث الضعف والنزاع، وترك النصيحة الشرعية وإفساد العلاقة بين الرعية وولاة الأمور يفضي إلى اضطراب شؤون الجماعة.
فمن خصائص الجاهلية قلبُ الموازين في باب الولاية، فجعلوا المخالفة فضيلة والطاعة ذلًّا؛ بينما جاءت الشريعة بضبط هذا الباب بالسمع والطاعة في المعروف، والصبر، والنصيحة، مع الاجتماع على الحق، وأن صلاح الدين والدنيا مرتبط بتحقيق هذه الأصول وعدم الإخلال بها.
يَجِبُ على الرَّعيةِ طاعةُ الإمامِ في المَعروفِ؛
قال اللَّهُ تعالى: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] .
قال ابنُ عُيَينةَ: (سَألْتُ زَيدَ بنَ أسلمَ عنها
أي: عن أُولي الأمرِ في هذه الآيةِ ولم يَكُن بالمَدينةِ أحَدٌ يُفَسِّرُ القُرآنَ
بَعدَ مُحَمَّدِ بنِ كَعبٍ مِثلُه، فقال: (اقرَأ ما قَبلَها تَعرِفُ، فقَرَأتُ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ الآية. فقال: هذه في
الوُلاةِ) .
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: (أُولو الأمرِ أصحابُه وذَووه،
وهمُ الَّذينَ يَأمُرونَ النَّاسَ، وذلك يَشتَرِكُ فيه أهلُ اليَدِ والقُدرةِ،
وأهلُ العِلمِ والكَلامِ؛ فلِهذا كان أولو الأمرِ صِنفَينِ: العُلماءُ والأُمراءُ،
فإذا صَلَحوا صَلحَ النَّاسُ، وإذا فسَدوا فسَدَ النَّاسُ!) . يُنظر: ((مجموع
الفتاوى)) (28/170).
وقال الشَّوكانيُّ: (وَأُولِي الْأَمْرِ هم:
الأئِمَّةُ والسَّلاطِينُ والقُضاةُ وكُلُّ مَن كانت لَهُ وِلايةٌ شَرعيَّةٌ لا
وِلايةٌ طاغوتيَّةٌ، والمُرادُ طاعَتُهم فيما يَأمُرونَ به ويَنهَونَ عنه ما لم
تَكُنْ مَعْصِيةً) . يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (1/481).
* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
«مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ،
فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» خ م
فتح الباري لابن حجر (13/ 7):
قَالَ بن أَبِي جَمْرَةَ الْمُرَادُ بِالْمُفَارَقَةِ
السَّعْيُ فِي حَلِّ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذَلِكَ الْأَمِيرِ
وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْءٍ فَكُنِّيَ عَنْهَا بِمِقْدَارِ الشِّبْرِ لِأَنَّ
الْأَخْذ فِي ذَلِك يؤول إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ قَوْلُهُ مَاتَ
مِيتَةً جَاهِلِيَّةً فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً
جَاهِلِيَّةً وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَمِيتَتُهُ ميتَة جَاهِلِيَّة وَعِنْده
فِي حَدِيث بن عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ
وَلَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً
جَاهِلِيَّةً...
وَالْمُرَادُ بِـ(الْمِيتَةِ الْجَاهِلِيَّةِ) وَهِيَ
بِكَسْرِ الْمِيمِ: حَالَةُ الْمَوْتِ، كَمَوْتِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى
ضَلَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مُطَاعٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ
ذَلِكَ،
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا، بَلْ
يَمُوتُ عَاصِيًا،
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ عَلَى
ظَاهِرِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِثْلَ مَوْتِ الْجَاهِلِيِّ وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ هُوَ جَاهِلِيًّا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ
وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ،
وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَاهِلِيَّةِ التَّشْبِيهُ." اهـ
وفي "فتح الباري" لابن حجر (13/ 7):
"قَالَ بن بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ
حُجَّةٌ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ وَلَوْ جَارَ وَقَدْ أَجْمَعَ
الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ الْمُتَغَلِّبِ وَالْجِهَادِ
مَعَهُ وَأَنَّ طَاعَتَهُ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ
حَقْنِ الدِّمَاءِ وَتَسْكِينِ الدَّهْمَاءِ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْخَبَرُ
وَغَيْرُهُ مِمَّا يُسَاعِدُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا
وَقَعَ مِنَ السُّلْطَانِ الْكُفْرُ الصَّرِيحُ فَلَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ فِي
ذَلِكَ بَلْ تَجِبُ مُجَاهَدَتُهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا
* وعن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ _رَضيَ
اللهُ عنهما_:
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
(ومَن بايَعَ إمامًا فأعطاهُ صَفقةَ يَدِه، وثَمَرةَ
قَلبِه، فليُطِعْهُ إنِ استَطاعَ، فإنْ جاءَ آخَرُ يُنازِعُه فاضرِبوا عُنُقَ
الآخَرِ).
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (قَولُه: ((ومن
بايَعَ إمامًا فأعطاهُ صَفقةَ يَدِه، وثَمَرةَ فؤادِه)) يَدُلُّ على أنَّ البيعةَ
لا يُكتَفَى فيها بمُجَرَّدِ عَقدِ اللِّسانِ فقَط، بَل لا بُدَّ من الضَّربِ
باليَدِ، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ولَكِنَّ ذلك للرَّجالِ فقَط على ما
يَأتي، ولا بُدَّ من التِزامِ البيعةِ بالقَلبِ وتَركِ الغِشِّ والخَديعةِ؛
فإنَّها من أعظَمِ العِباداتِ، فلا بُدَّ فيها من النِّيَّةِ والنَّصيحةِ، والصَّفقةُ
أصلُها الضَّربُ بالكَفِّ على الكَفِّ أو بأصبُعَين على الكَفِّ، وهو التصفيقُ) . يُنظر:
((المفهم)) (4/52).
وقال عَلِي القاري: ( ((من بايَعَ إمامًا فأعطاه))
أيِ الإمامُ إيَّاهُ أو بالعَكسِ ((صَفقةَ يَدِه)) في النِّهايةِ: الصَّفقةُ:
المَرَّةُ من التصفيقِ باليَدِ؛ لأنَّ المُتَبايِعَينِ يَضَعُ أحَدُهما يَدَهُ في
يَدِ الآخَرِ عِندَ يَمينِه وبيعَتِه، كما يَفعَلُ المُتَبايِعانِ ((وثَمَرةَ
قَلبِه)) أي: إخلاصَه أو خالِصَ عَهدِه أو مالَهُ، وقيلَ: صَفقةُ يَدِه كِنايةٌ
عنِ المالِ، وثَمَرةُ قَلبِه كِنايةٌ عن مَبايَعَتِه مَعَ ولَدِه ((فليُطِعْه إنِ
استطاعَ، فإنْ جاءَ آخَرُ)) أي: إمامٌ آخَرُ ((يُنازِعُه)) أيِ: الإمامَ الأوَّلَ
أوِ المَبايِعَ ((فاضرِبوا)) خِطابٌ عامٌّ يَشمَلُ المَبايِعَ وغَيرَهُ، وقال
الطِّيبيُّ: جَمعَ الضَّميرَ فيه بَعدَ ما أفرَدَ في ((فلْيُطِعْهُ)) نَظَرًا إلى
لَفظِ مَنْ تارةً، ومَعناها أُخرَى، وقَولُه: ((عُنُقَ الآخَرِ)) وُضعَ مَوضِعَ
عُنُقِه؛ إيذانًا بأنَّه كونُه آخَرَ يَستَحِقُّ ضَربَ العُنُقِ تَقريرًا للمُرادِ
وتَحقيقًا لَهُ اه. وهو ظاهِرٌ في أنَّ لَفظَ الآخَرِ بفَتحِ الخاءِ، وفي
نُسخةٍ بكَسرِها، وهو الأظهرُ مَعنًى) . يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) (6/2400).
* وعن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه:
عنِ
النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثَلاثٌ لا يُكلِّمُهمُ اللَّهُ يَومَ
القيامةِ ولا يَنظُرُ إليهم ولا يُزكِّيهم ولَهم عَذابٌ أليمٌ: رَجُلٌ على فضلِ
ماءٍ بالفَلاةِ يَمنَعُه من ابنِ السَّبيلِ، ورَجُلٌ بايَعَ رَجُلًا بسِلعةٍ بَعدَ
العَصرِ فحَلفَ لَهُ باللهِ لأَخَذَها بكَذا وكَذا فصَدَّقَه، وهو على غَيرِ ذلك، ورَجُلٌ بايَع إمامًا لا يُبايِعُه، إلَّا لدُنيا فإنْ
أعطاهُ منها وفَى، وإن لم يُعطِه منها لم يَفِ )) . رواه البخاري (2672)، ومسلم
(108) واللَّفظُ له.
قال ابنُ هُبَيرةَ: (قَولُه: ((بايَع إمامًا لدُنيا))
يَعني: لأجلِ دُنيا، فهو يَنْوي وقتَ بَيعِه أنَّه إنْ أعطاهُ من الدُّنيا، وفى
لَهُ، وإن لم يُعطِه منها، لم يَفِ له؛ فذلك الَّذي لا يَنظُرُ اللَّهُ إليه،
فأمَّا إذا بايعَهُ قاصِدًا بذلك الحَقَّ، وجَمعَ كلِمةِ الإسلامِ؛ فإنَّه لم
يَبقَ لَهُ خيارٌ أعطاهُ أو مَنَعَه.
في هذا الحَديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ مُبايَعةَ
الإمامِ يَنبَغي ألَّا تَكونَ راجِعةً إلى الدُّنيا، بَل إلى مَصلَحةِ الدِّينِ.
وفيه أيضًا: أنَّه لا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يَغدِرَ بمَن يُبايِعُه؛ لأنَّ
المُبايَعةَ مُفاعَلةٌ لا تَكونُ إلَّا بَينَ الاثنَين؛ فإذا بايعَ الإنسانُ فقد
بايَعَ طاعَتَهُ ونَصْرَه بثَوابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُبايَعةُ كحَبلٍ لَهُ
طَرَفانِ: أحَدُهما في الدُّنيا، والآخَرُ في الآخِرةِ. فالإمامُ نائِبٌ عن رَسولِ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا بايعَهُ النَّاسُ فقد باعوهُ أنفُسَهم،
يُجاهِدونَ بها في سَبيلِ اللهِ بَينَ يَدَيه، وأعَطوهُ مَقادَتَهم، ووَلَّوهُ
أمرَهم، وكان ثَمنُ ذلك الجَنَّةَ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى، فعُلِّقَ
الرَّهْنُ، وانعَقدَ العَقدُ، ولم يَبقَ لعاقِدِه فَكاكٌ منه في هذه الحَياةِ
الدُّنيا) . يُنظر: ((الإفصاح)) (6/347).
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: (طاعةُ اللَّهِ ورَسولِه
واجِبةٌ على كُلِّ أحَدٍ، وطاعةُ ولاةِ الأمورِ واجِبةٌ؛ لأمرِ اللهِ بطاعَتِهم،
فمن أطاعَ اللهَ ورَسولَه بطاعةِ ولاةِ الأمرِ للهِ فأجرُه على اللَّهِ، ومَن كان
لا يُطيعُهم إلَّا لما يَأخُذُه من الوِلايةِ والمالِ، فإنْ أعطَوه أطاعَهم وإنْ
مَنعوهُ عَصاهم؛ فما لَهُ في الآخِرةِ مِن خَلاقٍ) . يُنظر: ((مجموع الفتاوى))
(35/16).
وفي "السنة" لابن أبي عاصم (2/ 488) (رقم: 1015):
حَدَّثَنَا هَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثنا
الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ
وَهْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نَهَانَا
كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ:
«لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغِشُّوهُمْ،
وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ»
حسن: ظلال الجنة للألباني (2/ 488) (رقم: 1015).
وفي "السنن الواردة في الفتن" للداني (2/
396) (رقم: 139):
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ:
لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ
مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ
النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ،
وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى
بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ
يُبَايِعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يَنْصِبَ لَهُ
الْقِتَالَ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي
هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ "
* وعن أبي هُرَيرةَ رَضيِّ اللَّهُ تعالى
عنه قال:
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من
أطاعَني فقد أطاعَ اللَّهَ، ومن عَصاني فقد عَصَى اللَّهَ، ومن أطاعَ أميري فقد
أطاعَني، ومن عَصَى أميري فقد عَصاني )) . رواه البخاري (7137)، ومسلم (1835).
قال ابنُ هُبَيرةَ:
(في هذا الحَديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ طاعةَ اللهِ
عَزَّ وجَلَّ في طاعةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعِصيانَ اللهِ في
عِصيانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ طاعةَ الأميرِ من جانِبِ رَسولِ
اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكُلُّ أميرٍ وِلايَتُه من شَرعِ رَسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنَّه من جانِبِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم،
فطاعَتُه طاعةٌ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .
* وعن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضيَ
اللهُ عنه:
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
((اسمَعوا وأطيعوا وإنِ استُعمِلَ عليكم عَبدٌ حَبشيٌّ كأنَّ رَأسَه زَبيبةٌ )) .
وفي رِوايةٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لأبي ذَرٍّ: ((اسمَعْ
وأطِعْ ولَو لحَبَشيٍّ كأنَّ رَأسَهُ زَبيبةٌ)) . [خ]
قال المظهريُّ: (قَولُه: ((وإنِ
استُعمِلَ عليكم)) أي: وإن جُعِلَ عليكم أميرًا وحاكِمًا، ((كأنَّ رَأسَهُ
زَبيبةٌ)) يَعني: وإن كان صَغيرَ الجُثَّةِ حَتَّى كأنَّ رَأسَهُ زَبيبةٌ في
الصِّغَرِ، هذا مُبالَغةٌ في تَركِ حَقَارةِ الحاكِمِ، وإن كان حَقيرَ الصُّورةِ)
.
* وعن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضي
اللَّهُ تعالى عنه قال:
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّها
سَتَكونُ بَعدِي أثَرةٌ وأُمورٌ تُنكِرونَها))، قالوا: يا رَسولَ اللهِ كيفَ
تَأمُرُ من أدرَكَ منَّا ذلك؟ قال: ((تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذي عليكم، وتَسألونَ
اللَّهَ الَّذي لكم )) رواه البخاري (3603)، ومسلم (1843) واللَّفظُ له.
قال النَّوَويُّ: (هذا من مُعْجِزاتِ النُّبُوةِ، وقد
وقَعَ هذا الإخبارُ مُتَكَرِّرًا ووُجِدَ مَخبَرُه مُتَكَرِّرًا، وفيه الحَثُّ على
السَّمعِ والطَّاعةِ وإن كان المُتَوَلِّي ظالِمًا عَسوفًا، فيُعطَى حَقَّه من
الطَّاعةِ، ولا يُخرَجُ عليه ولا يُخلَعُ، بَل يُتَضَرَّعُ إلى اللهِ تعالى في
كشفِ أذاهُ ودَفْعِ شَرِّه وإصلاحِه) .
وطاعةُ أُولي الأمرِ مُقَيَّدةٌ بألَّا تَكونَ في
مَعصيةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فلا سَمعَ ولا طاعةَ في مَعصيةٍ.
قال اللَّهُ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا
جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ
شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا
يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا
يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة: 12] .
* عن ابنِ زَيدٍ في قَولِه: وَلَا
يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: (إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
نَبيُّه وخِيرَتُهُ من خَلقِه، ثُمَّ لم يَستَحِلَّ لَهُ أمورَ أَمْرٍ إلَّا
بشَرطٍ، لم يَقُلْ: لَا يَعْصِينَكَ ويَترُكْ، حَتَّى قال: فِي مَعْرُوفٍ، فكَيفَ
يَنبَغي لأحَدٍ أن يُطاعَ في غَيرِ مَعروفٍ، وقدِ اشتَرَطَ اللَّهُ هذا على
نَبيِّه؟!) . يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (22/600).
وقال الكِيا الهَراسيُّ: (هو عُمومٌ في جَميعِ طاعاتِ
اللهِ تعالى، وقد عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاةَ والسَّلامَ
لا يَأمُرُ إلَّا بمَعروفٍ، إلَّا أنَّه شَرَطَ في النَّهيِ عن عِصيانِه إذا
أمرَهنَّ بالمَعروفِ؛ لئَلَّا يَتَرَخَّصَ أحَدٌ في طاعةِ السَّلاطِينِ إذا لم
تَكُن طاعةً للهِ تعالى؛ إذ شَرَطَ في طاعةِ خَيرِ العالَمينِ أن يَأمُرَ
بالمَعروفِ، وهو مَعنى قَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لا طاعةَ لِمَخلوقٍ في
مَعصيةِ الخالِقِ )) .
* وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ _رَضيَ اللهُ
عنهما_:
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
((على المَرءِ المُسلِمِ السَّمعُ والطَّاعةُ فيما أحَبَّ وكَرِهَ، إلَّا أن
يُؤمَرَ بمَعصيةٍ، فلا سَمْعَ ولا طاعةَ )) . رواه البخاري (2955)، ومسلم (1839)
واللَّفظُ له.
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: ( ((قَولُه: على
المَرءِ المُسلِمِ السَّمعُ والطَّاعةُ)) ظاهِرٌ في وُجوبِ السَّمعِ والطَّاعةِ
للأئِمَّةِ والأُمَراءِ والقُضاةِ، ولا خِلافَ فيه إذا لم يَأمُر بمَعصيةٍ، فإنْ
أمرَ بمَعصيةٍ فلا تَجوزُ طاعَتُه في تِلكَ المَعصيةِ قَولًا واحِدًا، ثُمَّ إن
كانت تِلكَ المَعصيةُ كُفرًا وجَبَ خَلعُه على المُسلِمينَ كُلِّهم، وكَذلك لَو تَرَكَ
إقامةَ قاعِدةٍ من قَواعِدِ الدِّينِ؛ كإقامِ الصَّلاةِ، وصومِ رَمضانَ، وإقامةِ
الحُدودِ، ومَنعَ من ذلك، وكَذلك لَو أباحَ شُربَ الخَمرِ والزِّنا ولم يَمنَع
منها لا يُختَلَفُ في وُجوبِ خَلعِه) . يُنظر: ((المفهم)) (4/38).
وقال ابنُ القَيِّمِ: (في الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ
من أطاعَ وُلاةَ الأمرِ في مَعصيةِ اللهِ كان عاصيًا، وأنَّ ذلك لا يُمهِّدُ لَهُ
عُذرًا عِندَ اللَّهِ، بَل إثمُ المَعصيَةِ لاحِقٌ به) . يُنظر: ((تهذيب سنن أبي
داود)) (7/208).
* وعن أمِّ الحُصَينِ الأحمسيَّةِ رَضيَ
اللهُ عنها قالت:
حَجَجْتُ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
حَجَّةَ الوَداعِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولًا كَثيرا:
ثُمَّ سَمِعتُه يَقولُ: ((إنْ أُمِّرَ عليكم عَبدٌ مُجَدَّعٌ، -حَسِبْتُها قالت:
أسوَدُ-، يَقودُكُم بكِتابِ اللهِ تعالى؛ فاسمَعوا لَهُ وأطيعوا )) . رواه مسلم
(1838).
قال عياضٌ: (فيه ما يَلزَمُ من طاعةِ الأئِمةِ إذا
كانوا مُتَمَسِّكينَ بالإسلامِ والدَّعوةِ لكِتابِ اللهِ كيفَما كانوا هم في
أنفُسِهم وأنسابِهم وأخلاقِهم) . يُنظر: ((إكمال المعلم)) (4/375).
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: (إنَّهم أي أهلَ السُّنَّةِ
والجَماعةِ لا يُجوِّزونَ طاعةَ الإمامِ في كُلِّ ما يَأمُرُ به، بَل لا يُوجِبونَ
طاعَتَهُ إلَّا فيما تَسوغُ طاعَتُه فيه في الشَّريعةِ، فلا يُجَوِّزونَ طاعَتَهُ
في مَعصيةِ اللهِ وإن كان إمامًا عادِلًا، فإذا أمرَهم بطاعةِ اللهِ أطاعوهُ،
مِثلُ أن يَأمُرَهم بإقامةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والصِّدقِ، والعَدْلِ،
والحَجِّ، والجِهادِ في سَبيلِ اللَّهِ، فهم في الحَقيقةِ إنَّما أطاعوا اللَّهَ،
والكافِرُ والفاسِقُ إذا أَمَرَ بما هو طاعةٌ للهِ لم تَحرُمْ طاعةُ اللَّهِ، ولا
يَسقُطُ وُجوبُها لأجلِ أمرِ ذلك الفاسِقِ بها، كما أنَّه إذا تَكَلَّمَ بحَقٍّ لم
يَجُز تَكذيبُه، ولا يَسقُطُ وُجوبُ اتِّباعِ الحَقِّ لكَونِه قد قالهُ فاسِقٌ.
فأهلُ السُّنَّة لا يُطيعونَ وُلاةَ الأمورِ
مُطلَقًا، إنَّهم يُطيعونَهم في ضِمنِ طاعةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم،
كما قال تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ) [النِّساء: 59]،
فأمرَ بطاعةِ اللَّهِ مُطلَقًا وأمرَ بطاعةِ
الرَّسولِ؛ لأنَّه لا يَأمُرُ إلَّا بطاعةِ اللَّهِ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهَ [النِّساء: 80]، وجَعَل طاعةَ أُولي الأمرِ داخِلةً في ذلك، فقال:
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ولم يَذكُر لَهم طاعةً ثالِثةً؛ لأنَّ وَلِيَّ الأمرِ
لا يُطاعُ طاعةً مُطلَقةً، إنَّما يُطاعُ في المَعروفِ) . يُنظر: ((منهاج السنة
النبوية)) (3/387).
وقال ابنُ جُزَيٍّ: (تَجِبُ طاعَتُهم فيما أحَبَّ
الإنسانُ وكَرِهَ، إلَّا إن أَمَروا بمَعصيةٍ، فلا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ
الخالِقِ) .
ومن أقوالِ أهلِ العِلمِ في
مسألةِ وجوبِ طاعةِ الإمامِ في المعروفِ:
1- قال الشَّافِعيُّ في وصيَّتِه المَشهورةِ:
(والسَّمعُ والطَّاعةُ لأُولي الأمرِ ما داموا يُصَلُّونَ، والولاةُ لا يُخرَجُ
عليهم بالسَّيفِ، والخِلافةُ في قُرَيشٍ) . يُنظر: ((اعتقاد الشافعي)) للهكاري (ص:
16).
2- قال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: (والسَّمعُ
والطَّاعةُ للأئِمَّةِ وأميرِ المُؤمنين البَرِّ والفاجِرِ، ومَن وَلِيَ الخِلافةَ
واجتَمَعَ النَّاسُ عليه ورَضُوا به، ومَنْ خرج عليهم بالسَّيفِ حَتَّى صارَ
خَليفةً، وسُمِّي أميرَ المُؤمنينَ) . يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 42).
3- قال المُزَنيُّ: (الطَّاعةُ لأُولي الأمرِ
فيما كان عِندَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مَرضِيًّا، واجتِنابُ ما كان عِندَ اللهِ
مُسْخِطًا، وتَركُ الخُروجِ عِندَ تَعدِّيهم وجَورِهم، والتَّوبةُ إلى اللهِ عَزَّ
وجَلَّ كيما يعطِفُ بهم على رَعِيَّتِهم) . يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 84).
4- قال حَربُ بنُ إسماعيلَ الكَرْمانيُّ:
(الانقيادُ لمَن ولَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمرَكَ، لا تَنزِعْ يَدَكَ من
طاعَتِه، ولا تَخرُجْ عليه بسَيفِك، حَتَّى يَجعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا
ومَخرَجًا، وأنْ لا تَخرُجَ على السُّلْطانِ، وتَسمَعُ وتُطيعُ، لا تَنكُثْ
بَيعَتَه، فمن فعلَ ذلك فهو مُبتَدِعٌ مُخالِفٌ، مُفارِقٌ للجَماعةِ، وإنْ أمرَكَ
السُّلطانُ بأمرٍ هو للهِ مَعصيَةٌ، فلَيسَ لَكَ أن تُطيعَهُ البَتَّةَ، ولَيسَ
لَكَ أن تَخرُجَ عليه، ولا تَمنَعَه حَقَّه) . يُنظر: ((إجماع السلف في الاعتقاد))
(ص: 46-48).
5- قال الطَّحاويُّ: (لا نَرَى الخُروجَ على
أئِمَّتِنا وولاةِ أُمورِنا وإن جارُوا، ولا نَدعو عليهم ولا نَنزِعُ يَدًا من
طاعَتِهم، ونَرَى طاعَتَهم من طاعةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فريضةً ما لم يَأمُروا
بمَعصيةٍ، ونَدعو لَهم بالصَّلاحِ والمُعافاةِ) . يُنظر: ((متن الطحاوية)) (ص:
68).
6- قال أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ: (أجمَعوا
على السَّمعِ والطَّاعةِ لأئِمَّةِ المُسلِمينَ، وعلى أنَّ كُلَّ من وليَ شَيئًا
من أمورِهم عن رِضًا أو غَلَبةٍ وامتَدَّت طاعَتُهُ من بَرٍّ وفاجِرٍ، لا يَلزَمُ
الخُروجُ عليهم بالسَّيفِ جارَ أو عَدَلَ، وعلى أن يَغْزوا مَعَهمُ العَدُوَّ،
ويُحَجَّ مَعَهمُ البَيتُ، وتُدفَعُ إليهمُ الصَّدَقاتُ إذا طَلَبوها، ويُصلَّى
خَلفَهمُ الجُمَعُ والأعيادُ) . يُنظر: ((رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب)) (ص:
168).
7- قال البَربَهاريُّ: (والسَّمعُ والطَّاعةُ
للأئِمَّةِ فيما يُحِبُّ اللَّهُ ويَرضَى، ومن وَلِيَ الخِلافةَ بإجْماعِ النَّاسِ
عليه ورِضاهم به فهو أميرُ المُؤمنين، ولا يَحِلُّ لأحَدٍ أن يَبِيتَ لَيلةً ولا
يَرَى أنَّ عليه إمامًا، برًّا كان أو فاجِرًا) . يُنظر: ((شرح السنة)) (ص: 56).
8- قال الآجُريُّ: (بابٌ في السَّمعِ
والطَّاعةِ لِمَن وَلِيَ أمرَ المُسلِمينَ والصَّبرِ عليهم وإن جاروا، وتَركِ
الخُروجِ عليهم ما أقاموا الصَّلاةَ)، يُنظر: ((الشريعة)) (1/373). وساقَ جُملةً
من الأدِلَّةِ.
9- قال ابنُ أبي زَمنين: (السَّمعُ
والطَّاعةُ لوُلاةِ الأمرِ أمرٌ واجِبٌ، ومَهما قَصَّروا في ذاتِهم فلم يَبلُغوا
الواجِبَ عليهم، غَيرَ أنَّهم يُدعَونَ إلى الحَقِّ، ويُؤْمَرونَ به، ويُدَلُّونَ
عليه، فعليهم ما حَمَلوا، وعلى رَعاياهم ما حُمِّلوا من السَّمعِ والطَّاعةِ لَهم)
. يُنظر: ((أصول السنة)) (ص: 276).
10- قال أبو الوَليدِ الباجي في وصيَّتِه
لابْنَيه: (عليكما بطاعةِ مَن ولَّاه اللهُ أمرَكُما فيما لا مَعصيةَ فيه للهِ
تعالى؛ فإنَّ طاعَتَه من أفضَلِ ما تَتَمَسَّكانِ به وتَعتَصِمانِ به مِمَّن
عاداكما.
وإيَّاكُما والتعريضَ للخِلافِ لَهم والقيامَ عليهم؛
فإنَّ هذا فيه العَطبُ العاجِلُ والخِزْيُ الآجِلُ، ولَو ظَفِرْتُما في خِلافِكُما
ونَفَذْتُما فيما حاوَلتُما لَكان ذلك سَبَبَ هَلاكِكما لِما تَكسِبانِه من
المَآثِمِ وتُحدِثانِ على النَّاسِ من الحَوادِثِ والعَظائِمِ.
ثُمَّ منَ سَعَيتُما لَهُ ووَثِقْتُما به لا يُقدِّمُ
شَيئًا على إهلاكِكَما والرَّاحةِ منكُما؛ فإنَّه لا يَأمَنُ أن تُحدِثا عليه ما
أحدَثْتما لَهُ وتَنهضانِ بغَيرِه كما نَهضتُمَا به، فالتَزِما الطَّاعةَ
ومُلازَمةَ الجَماعةِ؛ فإنَّ السُّلطانَ الجائِرَ الظَّالِمَ أرفَقُ بالنَّاسِ من
الفِتنةِ وانطِلاقِ الأيدي والألسِنةِ) . يُنظر: ((النصيحة الولدية)) (ص: 30).
11- قال الأصبَهانيُّ: (من السُّنَّةِ
السَّمعُ والطَّاعةُ لوُلاةِ الأمرِ أبرارًا كانوا أو فجَّارًا، والصَّلاةُ
خَلفَهم في الجُمُعاتِ والأعيادِ، والجِهادُ مَعَهم والدُّعاءُ لَهم بالصَّلاحِ) .
يُنظر: ((الحجة في بيان المحجة)) (2/572).
12- قال عِياضٌ: (لا خِلافَ في وُجوبِ طاعةِ
الأمراءِ فيما لا يُخالِفُ أمرَ اللَّهِ، وما لم يَأمُرْ بمَعصيةٍ) . يُنظر:
((إكمال المعلم)) (6/240).
13- قال جمالُ الدِّين الغَزنَويُّ: (طاعةُ
الأئِمةِ واجِبةٌ، وهيَ فرضُ عَينٍ من فُروضِ الشَّرعِ؛ لأنَّ الإمامَ إذا لم
يَكُن مُطاعًا يُؤَدِّي ذلك إلى: إخلالِ نِظامِ الدِّينِ والدُّنيا من الفَسادِ ما
لا يُحصَى، وكَذا طاعةُ السَّلاطِينِ والأُمَراءِ والوُلاةِ واجِبةٌ؛ لقَولِه
تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
إلَّا فيما يَأمُرونَ من المُعاصي فحينَئِذٍ لا إثمَ على الآبِي...
ولا يَحِلُّ الخُروجُ عليهم وإن جارُوا، ولا
يَنعَزِلونَ عنِ الإمامةِ والوِلايةِ وإنْ ظَلموا أوِ ارتَكَبوا كبيرةً، ولا نَدعو
عليهم إذا ظَلَموا، بَل نَدعو لَهم بالصَّلاحِ والعَدْلِ) . يُنظر: ((أصول الدين))
(ص: 281-283).
14- قال ابنُ قُدامةَ: (من السُّنَّةِ:
السَّمعُ والطَّاعةُ لأئِمَّةِ المُسلِمينَ وأُمَراءِ المُؤمنينَ بَرِّهم
وفاجِرِهم، ما لم يَأمُروا بمَعصيةِ اللهِ؛ فإنَّه لا طاعةَ لأحَدٍ في مَعصيةِ
اللهِ، ومن وَلِيَ الخِلافةَ واجتَمَعَ عليه النَّاسُ ورَضُوا به، أو غَلبَهم
بسَيفِه حَتَّى صارَ خَليفةً، وسُمِّيَ أميرَ المُؤمنين؛ وجَبَت طاعَتُه، وحَرُمَت
مُخالَفَتُه، والخُروجُ عليه، وشَقُّ عَصا المُسلِمينَ) . يُنظر: ((لمعة
الاعتقاد)) (ص: 40).
15- قال ابنُ أبي العِزِّ: (أمَّا لُزومُ
طاعَتِهم وإن جاروا، فلِأنَّه يَتَرَتَّبُ على الخُروجِ من طاعَتِهم من المَفاسِدِ
أضعافُ ما يَحصُلُ من جَورِهم، بَل في الصَّبرِ على جَورِهم تَكفيرُ السِّيئاتِ
ومُضاعَفةُ الأجورِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى ما سَلَّطَهم عَلَينا إلَّا لفَسادِ
أعمالِنا، والجَزاءُ من جِنسِ العَمَلِ، فعَلَينا الاجتِهادُ في الاستِغفارِ
والتَّوبةِ وإصلاحِ العَمَلِ... قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ
الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: 129] . فإذا
أرادَ الرَّعيةُ أن يَتَخَلَّصوا من ظُلمِ الأميرِ الظَّالِمِ، فليَترُكوا
الظُّلمَ) . يُنظر: ((شرح الطحاوية)) (2/543).
16- قال ابنُ حَجَرٍ: (وُجوبُ طاعةِ الإمامِ
الَّذي انعَقدَت لَهُ البيعةُ، والمَنعُ من الخُروجِ عليه ولَو جارَ في حُكمِه) . يُنظر:
((فتح الباري)) (13/71).
17- قال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ:
(وأرَى وُجوبَ السَّمعِ والطَّاعةِ لأئِمَّةِ المُسلِمينَ، بَرِّهم وفاجِرِهم، ما
لم يَأمُروا بمَعصيةِ اللَّهِ) . يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/33).
فوائد ودروس:
فوائد مستنبطة من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه
الله
١. أن من أصول أهل الجاهلية قلبَ الحقائق في
أبواب الدين، فيرون الفضل فيما هو مذموم شرعًا، ويرون الذل فيما هو طاعة وقربة؛
فالعبرة في الفضائل والقبائح بحكم الكتاب والسنة، لا بمجرد أهواء النفوس.
٢. أن مخالفة ولي الأمر ليست فضيلةً في
نفسها، وإنما الواجب ضبط هذا الباب بضوابط الشرع، فإن الطاعة إنما تكون في
المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
٣. أن الشريعة جاءت بحفظ جماعة المسلمين،
وسدِّ أبواب الفتن والنزاع؛ فإن اجتماع الكلمة من أعظم أسباب القوة والتمكين،
والتفرق من أعظم أسباب الوهن والضعف.
٤. أن السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف
من الأمور التي جاءت بها الشريعة، وليس ذلك من جنس الخضوع المذموم، بل هو من حفظ
نظام الجماعة وصيانة بيضة المسلمين.
٥. أن الصبر على جور الولاة لا يعني الرضا
بالظلم، ولا إقرار المنكر من حيث هو منكر، وإنما معناه احتمال ما يقع من الجور مع
مراعاة الأحكام الشرعية في إنكار المنكر والنصيحة.
٦. أن النصيحة لولاة الأمور من جملة الدين،
وليست النصيحة مقصورة على عامة المسلمين، بل يدخل فيها من ولاه الله أمر المسلمين.
٧. أن النصيحة الشرعية مبناها على إرادة
الخير للمُنصَح، لا على التشهير به، ولا على تتبع عثراته، ولا على طلب إسقاط
مكانته بين الناس.
٨. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر
البيان فيما تمس إليه حاجة الأمة؛ لأن المسائل العظيمة لا يكفي فيها مجرد الإشارة،
بل تحتاج إلى البيان والإيضاح والتحذير من أسباب الانحراف.
٩. أن صلاح أمر الناس في دينهم ودنياهم مرتبط
بصلاح أصول عظيمة، وليس الدين عبادات فردية فحسب، بل فيه أيضًا إصلاح ذات البين،
واجتماع الكلمة، وحفظ مصالح الجماعة.
١٠. أن أعظم هذه الأصول وأساسها إفراد الله
تعالى بالعبادة؛ ولهذا بدأ الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا تعبدوا إلا الله
ولا تشركوا به شيئًا».
١١. أن التوحيد هو أصل الصلاح وأساس النجاة،
فما صلح للعبد دين ولا استقام له أمر إلا إذا استقام أصل توحيده وإخلاصه لله
تعالى.
١٢. أن الشرك هو أعظم ما يفسد دين العبد؛
لأنه نقض لأصل التوحيد الذي بُني عليه سائر العمل، ولذلك كان النهي عنه مقدمًا على
سائر ما ذكر في الحديث.
١٣. أن الاجتماع الممدوح إنما يكون على حبل
الله، أي على دينه وكتابه وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس الاجتماع على
مجرد الأهواء والعصبيات والأعراف.
١٤. أن الأمر بالاعتصام بحبل الله دليل على
أن الحق هو الجامع الحقيقي لأهل الإسلام؛ فمتى كان الاجتماع على غير الحق كان
اجتماعًا مؤقتًا معرضًا للانفصام.
١٥. أن التفرق من أسباب ضعف المسلمين وذهاب
قوتهم؛ فإن القلوب إذا تنافرت، والكلمة إذا تشتتت، سهل على أهل الباطل أن ينالوا
من أهل الحق.
١٦. أن قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا
تفرقوا» يتضمن النهي عن أسباب الفرقة، من التعصب للباطل، والتحزب للهوى، والتنازع
الذي يفضي إلى البغضاء والتدابر.
١٧. أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين
التوحيد والاجتماع والنصيحة يدل على عظم شأن هذه الأصول، وأنها ليست مسائل هامشية،
بل مما يترتب عليه صلاح الدين والدنيا.
١٨. أن فساد أحوال الناس قد يكون بسبب ترك
أصل من أصول الإصلاح؛ ففساد العقيدة يفسد الدين، والتفرق يفسد الجماعة، وفساد
العلاقة بين الرعية وولاة الأمور قد يفضي إلى اضطراب مصالح الناس.
١٩. أن الشريعة جاءت بجلب المصالح وتكميلها
ودفع المفاسد وتقليلها؛ ولذلك شرعت من الأحكام ما يحفظ الدين والجماعة والأمن
والمصالح العامة.
٢٠. أن طاعة ولاة الأمور ليست طاعة مطلقة، بل
هي مقيدة بالمعروف؛ فما كان من الطاعة في المعروف وجب أو استحب بحسبه، وما كان
معصية فلا يُطاع فيه أحد.
٢١. أن من الخطأ أن يجعل المرء كل مخالفة
للسلطان من باب الشجاعة والكرامة؛ فقد تكون المخالفة مشروعة في موضع، وقد تكون
محرمة في موضع آخر، والعبرة بما دل عليه الشرع.
٢٢. أن من الخطأ كذلك أن يجعل المرء كل طاعة
ذلًّا ومهانة؛ فإن العبودية لله تعالى هي غاية العز، والطاعة في المعروف من أسباب
انتظام أمر المسلمين.
٢٣. أن العزة الشرعية ليست في مجرد مخالفة
الناس أو مخالفة السلطان، وإنما العزة في لزوم الحق والانقياد لأمر الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم.
٢٤. أن باب الولاية من الأبواب التي تكثر
فيها الأهواء والانفعالات، ولذلك ينبغي للمسلم أن يزن أقواله وأفعاله بميزان الكتاب
والسنة، لا بميزان الغضب والحماسة.
٢٥. أن من تمام النصيحة العدل والإنصاف؛ فلا
يحمل المسلم خطأ الوالي على إسقاط جميع حقوقه، ولا يحمل طاعته له على تبرير جميع
أخطائه.
٢٦. أن الشريعة لا تدعو إلى السكوت عن الحق،
كما لا تدعو إلى الفوضى؛ بل جاءت بالنصيحة والسمع والطاعة والصبر في مواضعها
الشرعية، فلكل باب حكمه وضابطه.
٢٧. أن اجتماع الكلمة لا يعني إلغاء النصيحة
أو تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل المقصود أن يكون ذلك كله على وفق
الشرع، وبما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة.
٢٨. أن من أعظم أسباب استقامة المجتمع أن
يعرف كل فرد ما له وما عليه، فلا يطلب لنفسه من الحقوق ما يمنع غيره من حقوقه، ولا
يتعدى على ما أوجب الله عليه من الواجبات.
٢٩. أن من فقه الشريعة أن ينظر المسلم إلى
مآلات الأقوال والأفعال؛ فليس كل ما يظهر في أوله مصلحة تكون عاقبته كذلك، ولا كل
ما تستثقله النفوس يكون شرًّا في المآل.
٣٠. أن العلماء إذا تكلموا في أبواب الفتن
والولايات فإنما ينبغي أن يكون كلامهم مبنيًّا على النصوص والآثار والعلم بالمصالح
والمفاسد، لا على مجرد العاطفة والانفعال.
٣١. أن المحافظة على جماعة المسلمين من مقاصد
الشريعة العظيمة، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في النهي عن التفرق والخصومة
والتنازع.
٣٢. أن فساد الدين والدنيا قد يبدأ بأمر يراه
الناس صغيرًا، ثم يتسع حتى يصير فتنة عامة وبلاءً مستطيرًا؛ فكان من الحكمة
الشرعية سد أبواب الفتن من أولها.
٣٣. أن المسلم ينبغي له أن يتعلم فقه
النصيحة، فلا تكون نصيحته سببًا لشر أعظم، ولا تتحول النصيحة إلى فضيحة، ولا
الإصلاح إلى إفساد.
٣٤. أن من تمام محبة المسلمين محبة اجتماعهم
وائتلاف قلوبهم، والسعي في إزالة أسباب الشحناء والتباغض والتدابر بينهم.
٣٥. أن صلاح الأمة لا يكون بإصلاح جانب واحد
وإهمال سائر الجوانب؛ فلا يكفي صلاح العقيدة مع فساد الأخلاق والمعاملات، ولا يكفي
الاجتماع مع فساد التوحيد، بل لا بد من القيام بأصول الدين جملةً.
٣٦. أن المؤمن إذا أشكل عليه أمر من أمور
الفتن والولايات رجع إلى الوحي وكلام أهل العلم الراسخين، ولم يجعل أهواء الناس
ومشاعر العامة ميزانًا للحكم.
٣٧. أن من أعظم أبواب الحكمة الصبر عند نزول
المكاره؛ فإن العجلة قد تفتح من أبواب الشر ما يعجز الناس عن إغلاقه، وأما الصبر
مع لزوم الحق فإنه من أسباب السلامة.
٣٨. أن المقصود من هذه الأحكام ليس تعظيم
الأشخاص لذواتهم، وإنما حفظ المصالح التي جعل الله الولاية سببًا لها، كالقيام
بشؤون الناس، وحفظ الأمن، وإقامة المصالح العامة بحسب الاستطاعة.
٣٩. أن الواجب على المسلم أن يجمع بين الغيرة
على الدين والحكمة في التصرف؛ فلا تكون الغيرة ذريعة إلى تجاوز حدود الشرع، ولا
تكون الحكمة ذريعة إلى ترك الحق.
٤٠. أن هذه النصوص تعلم المسلم أن الميزان هو
الشرع لا العرف الجاهلي؛ فما جعله أهل الجاهلية عزًّا قد يكون ذلًّا، وما عدوه
ذلًّا قد يكون طاعةً وقربةً، وإنما العزة فيما أعز الله به عباده من الإيمان
والتقوى والاستقامة.
Komentar
Posting Komentar