الحديث الثامن والأربعون : ثلاثة حقٌّ على الله عَوْنِهِمْ - من كتاب بهجة قلوب الأبرار
|
قال الشيخ السعدي _رحمه الله_ في كتابه "بهجة قلوب الأبرار"
(ص: 108): الحديث الثامن والأربعون : ثلاثة حقٌّ على الله عَوْنِهِمْ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _رضي الله عنه_ قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم: المُكاتب يُرِيدُ
الْأَدَاءَ، وَالْمُتَزَوِّجُ يُرِيدُ العَفاف، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، إلا النسائي |
تخريج الحديث :
أخرجه الترمذي في "سننه" (4/ 184) (رقم
: 1655)، والنسائي في "سننه" (6/ 15 و 61) (رقم : 3120 و 3218)، وابن
ماجه في "سننه" (2/ 841) (رقم : 2518).
والحديث حسن: حسنه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (2/ 405) (رقم : 1917).
المعنى الإجمالي للحديث:
هذا الحديث الجليل يبيّن سعة فضل الله تعالى،
وعظيم عنايته بمن سلك سبل الخير، وقصد بها مرضاته، وبذل وسعه في تحصيلها؛ فقد أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة أصناف من الناس قد استحقوا معونة الله وتوفيقه،
وهم: المُكاتَب الذي يريد أداء مال الكتابة والتحرر من الرق، والمتزوج الذي يريد
الزواج طلبًا للعفاف وصيانةً لنفسه عن الحرام، والمجاهد في سبيل الله.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حقٌّ على الله
عونهم» ليس معناه أن أحدًا يُوجب على الله شيئًا، فإن الله سبحانه هو الغني
الحميد، لا يجب عليه شيء لأحد، وإنما هو حقٌّ جعله الله على نفسه تفضلًا وكرمًا
ووعدًا صادقًا؛ فمن سلك هذه الطرق المشروعة، وكانت له نية صالحة، فإن الله تعالى
يعينه وييسّر له أمره، ويهيئ له من أسباب النجاح ما يعينه على بلوغ مقصوده.
فأما المُكاتَب الذي يريد الأداء، فهو العبد الذي
كاتب سيده على مال يؤديه في مقابل حريته، فإذا صدقت رغبته في الوفاء وسعى في تحصيل
المال الحلال لأداء ما عليه، فإن الله تعالى يعينه؛ لأن مقصوده الخروج من الرق إلى
الحرية بطريق مشروع.
وأما المتزوج الذي يريد العفاف، فهو الذي يقصد
بزواجه أن يصون فرجه، ويحفظ بصره، ويكف نفسه عن الفواحش والحرام، لا أن يكون
الزواج مجرد اتباع للشهوة دون قصد صالح. فهذا وعده الله بالمعونة؛ لأن الزواج في
حقه وسيلة إلى تحقيق مقصد شرعي عظيم، وهو العفاف وصيانة النفس.
وأما المجاهد في سبيل الله، فهو الذي خرج لإعلاء
كلمة الله، ونصرة دينه، وبذل نفسه وماله في سبيل الله وفق الضوابط الشرعية. فهذا
داخل في وعد الله بالمعونة؛ لأنه بذل وسعه في نصرة الحق وإعلاء كلمة الله، فناسب
أن يتولاه الله بنصره وتأييده.
والجامع بين هؤلاء الثلاثة أنهم أقدموا على أعمال
شاقة، وتحمّلوا تبعاتها، وكان قصدهم فيها مشروعًا صالحًا؛ فجاءت المعونة الإلهية
جزاءً على صدق قصدهم وحسن سعيهم. وفي الحديث فتحٌ عظيم لباب الرجاء، وتعليم للمؤمن
أن من صدق مع الله في طلب الخير، وسلك أسبابه المشروعة، فإن الله لا يضيّع سعيه،
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[العنكبوت: 69].
فليس المراد أن يترك الإنسان الأسباب ثم ينتظر
المعونة، وإنما الحديث يحث على الجمع بين صدق النية وبذل السبب، مع حسن الظن بالله
والتوكل عليه؛ فمن صدق في مقصده، واستعان بربه، وسعى فيما أباحه الله، كان حريًّا
بمعونة الله وتيسيره.
فوائد ودروس:
١. في الحديث إثباتُ فضلِ الله تعالى وسعةِ رحمته
بعباده؛ فإنّه _سبحانه_ لم يقتصر على الأمر بالطاعة، بل وعد أهلَ الصدقِ والسعيِ
في الخير بالعون والتوفيق، وذلك من محض فضله وكرمه.
٢. وفيه أنّ وعْدَ الله
حقٌّ لا يتخلّف؛ فإنّ قوله صلى الله عليه وسلم: «حقٌّ على الله عونُهم» وعدٌ كريمٌ
أخبر به الصادق المصدوق، ووعدُ الله لا يخلف.
٣. وفيه أنّ العبد مأمورٌ
بالأخذ بالأسباب مع التوكّل على ربّ الأرباب؛ فهؤلاء الثلاثة لم يُؤمروا بترك
السعي وانتظار الفرج، بل سَعَوا في مصالحهم، واستعانوا بالله تعالى.
٤. وفيه فضلُ صدقِ النيّة
وصلاحِ القصد؛ فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: «المتزوّج» مطلقًا، وإنما
قال: «المتزوّج يريد العفاف»، فاعتبر القصدَ الذي يحمله على العمل.
٥. وفيه أنّ النيّات
الصالحة ترفع الأعمال المباحة إلى أبواب القربات؛ فالنكاح من أمور العادات، فإذا
قصده العبد للاستعفاف وصيانة النفس عن الحرام صار له به أجرٌ وثواب.
٦. وفيه الحثُّ على
العفاف وصيانة الفروج؛ فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل إرادة العفاف سببًا
لاستحقاق العون الإلهي، وفي ذلك تعظيمٌ لشأن العفة وحراسةِ النفس عن موارد الفتنة.
٧. وفيه أنّ الزواج من
أعظم أسباب العفاف؛ ولذلك رغّب فيه الشرع لمن خاف على نفسه الفتنة، وجعل من مقاصده
حفظَ الفرج وغضَّ البصر وصيانةَ العرض.
٨. وفيه فضلُ طلب الحلال
والاستغناء به عن الحرام؛ فإنّ من قصد النكاح ليكفّ نفسه عن الفواحش فقد جمع بين
قضاء حاجته وسلوك سبيل الطاعة.
٩. وفيه الحثُّ على
الوفاء بالعهود والحقوق؛ فإنّ المكاتب الذي عزم على أداء ما عليه قد مدحه النبي
صلى الله عليه وسلم، لما في إرادته من صدق الوفاء وأداء الحقوق.
١٠. وفيه أنّ العبد إذا
صدق في طلب الخروج من ضيقٍ مشروعٍ إلى سعةٍ مشروعةٍ أعانه الله؛ فالمكاتب يسعى إلى
الحرية بأداء المال، فجعل الله صدق إرادته سببًا للعون.
١١. وفيه فضلُ أداء
الديون والحقوق إلى أهلها؛ فإنّ أداء الحق من محاسن الشريعة ومكارم الأخلاق، وفيه
براءة الذمة وسلامة العاقبة.
١٢. وفيه أنّ مجرّد
التمنّي لا يكفي في نيل المطالب؛ فإنّ المكاتب «يريد الأداء»، والمتزوج «يريد
العفاف»، والمجاهد يبذل نفسه في سبيل الله، فدلّ ذلك على أنّ صدق الإرادة يظهر في
العمل وبذل الوسع.
١٣. وفيه فضلُ الجهاد في
سبيل الله؛ إذ جعله النبي صلى الله عليه وسلم أحدَ الأصناف الذين تكفّل الله
بعونهم، لما فيه من بذل النفس والمال لنصرة الدين.
١٤. وفيه أنّ الاعتبار في
الجهاد بقصد السبيل إلى الله؛ فقوله: «في سبيل الله» يدلّ على أنّ الجهاد الذي
يستحق صاحبه هذا الوعد هو ما كان لله تعالى، وعلى الوجه الذي شرعه سبحانه.
١٥. وفيه أنّ الإخلاص
أساس قبول الأعمال؛ فإنّ الأعمال العظيمة لا تكون سببًا للفضل إلا إذا صلحت النية
واستقام القصد.
١٦. وفيه أنّ الله تعالى
يحبّ من عباده الجدَّ والاجتهاد في تحصيل الخير؛ فإنّ الأصناف الثلاثة لم يكونوا
أهلَ كسلٍ ودعة، بل أصحابَ هممٍ يسعون في مقاصد مشروعة.
١٧. وفيه بشارةٌ لأهل
الهمم الصالحة؛ فمن ابتُلي بضيقٍ وهو يسعى في أمرٍ مشروع، فلا ينبغي أن يستولي
عليه اليأس، بل يحسن به أن يستعين بالله ويستبشر بوعده.
١٨. وفيه أنّ المعونة
الإلهية قد تكون في تيسير الأسباب؛ فقد يفتح الله للعبد بابًا لم يكن يحتسبه، أو
ييسّر له من المال والعمل والناس والأسباب ما يبلغ به مقصوده.
١٩. وفيه فضلُ التوكّل
على الله تعالى مع مباشرة الأسباب؛ فالتوكّل الحق ليس تركَ العمل، وإنما اعتمادُ
القلب على الله مع فعل الأسباب المشروعة.
٢٠. وفيه أنّ مشقّة الطريق
لا تمنع من طلب المعالي؛ فإنّ الحرية والعفاف والجهاد كلّها مقاصد عظيمة قد تحفّ
بها المشاق، فجاء وعد الله بالعون تثبيتًا لأهلها.
٢١. وفيه أنّ العون بقدر
صدق العبد في قصده وسعيه؛ فكلما قوي إخلاصه، وصدق توجّهه، وحسن أخذه بالأسباب، كان
أرجى لنزول معونة الله وتوفيقه.
٢٢. وفيه الحثُّ على حسن
الظن بالله تعالى؛ فإنّ من علم أنّ ربّه وعده بالعون إذا سلك سبيل الطاعة، لم يقطع
رجاءه، ولم يستسلم للقنوط عند نزول المشاق.
٢٣. وفيه أنّ الشريعة
جاءت بحفظ الضروريات ومصالح العباد؛ ففي الحديث حفظُ الدين بالجهاد، وحفظُ العرض والنسل
بالعفاف والنكاح، وحفظُ الحرية والذمة بأداء المكاتب ما عليه.
٢٤. وفيه بيانُ فضل
المبادرة إلى الحلال عند خشية الوقوع في الحرام؛ فالمؤمن لا ينتظر حتى تستحكم
الفتنة في قلبه، بل يسلك سبيل العفاف قبل أن تزلّ قدمه.
٢٥. وفيه أنّ من أعان
نفسه على طاعة الله أعانه الله؛ فمن صدق في طلب الخير، وأقبل على ربه، وسلك السبيل
المشروع، كان جديرًا بأن تداركه عناية الله وتوفيقه.
٢٦. وفيه فتحُ باب الرجاء
للمكروبين وأصحاب الحاجات؛ فإنّ الحديث يعلّم المؤمن أن الشدة إذا اقترنت بقصد
صالح وسعي مشروع ليست سببًا للقنوط، بل قد تكون بابًا لعظيم معونة الله.
٢٧. وفيه أنّ الأعمال
تتفاضل بتفاضل مقاصد أصحابها؛ فقد يتشابه العمل في صورته، ولكن يختلف قدره عند
الله باختلاف ما قام بالقلب من إخلاص وطلبٍ للخير.
٢٨. وفيه أنّ من أعظم
أسباب الظفر أن يستعين العبد بربه؛ فإنّ العبد ضعيفٌ بنفسه، قويٌّ بربه، فلا غنى
له عن سؤال التوفيق والتيسير في جميع أموره.
٢٩. وفيه أنّ الفرج
مقرونٌ بالسعي والصبر؛ فإنّ من لازم طريق الخير، وصبر على مؤنته، ولم يقطع العمل
عند أوّل مشقة، كان أرجى للظفر بحسن العاقبة.
٣٠. وفي الحديث تربيةٌ
عظيمةٌ على علوّ الهمّة؛ إذ جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين من يطلب الحرية، ومن
يطلب العفاف، ومن يبذل نفسه في سبيل الله، وكلّها مقاصد شريفة تستدعي صدق العزم
وقوّة القلب.
٣١. وفيه أنّ فضل الله
أوسع من أعمال العباد؛ فإنّ العبد لا ينال ما يناله من التوفيق والإعانة بقوته
واستحقاقه المجرد، وإنما ذلك من فضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ
مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
٣٢. وفيه أنّ من صدق مع
الله صدق الله معه؛ فالحديث يحثّ المؤمن على تصحيح سريرته، وإرادة الخير، وبذل
الوسع، ثم تفويض الأمر إلى الله، فإنّ من توكّل عليه كفاه، ومن استعان به أعانه،
ومن صدق في طاعته لم يضيّع سعيه.
|
بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الوزارة (ص: 108) وذلك: أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف العاجل، وأطلق النفقة.
وهي تنصرف إلى النفقات التي يحبها الله، لأن وعده بالخلف من باب الثواب الذي لا
يكون إلا على ما يحبه الله. وأما النفقات في الأمور التي لا يحبها الله: إما في المعاصي، وإما
في الإسراف في المباحات، فالله لم يضمن الخلف لأهلها، بل لا تكون إلا مغرما. وهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث من أفضل الأمور التي يحبها
الله. فالجهاد في سبيل الله : هو سنام الدين وذروته وأعلاه. وسواء كان جهادا
بالسلاح، أو جهادا بالعلم والحجة، فالنفقة في هذا السبيل مخلوفة، وسالك هذا السبيلِ مُعَانٌ
من الله، ميسر له أمره. وأما المكاتب، فالكتابة قد أمر الله بها في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ
عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33][1] أي: صلاحا في تقويم دينهم ودنياهم. فالسيد مأمور بذلك. والعبد
المكاتب الذي يريد الأداء ويتعجل الحرية والتفرغ لدينه ودنياه يعينه الله، وييسر
له أموره، ويرزقه من حيث لا يحتسب.____ وعلى السيد: أن يرفق بمكاتبه في تقدير الآجال التي تحل فيها نجوم
الكتابة، ويعطيه من مال الكتابة إذا أداها ربعها. وفي قوله تعالى في حق المكاتبين : {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي
آتَاكُمْ} [النور: 33] أمر للسيد ولغيره من المسلمين. ولذلك جعل الله له نصيبا
من الزكاة في قوله: {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] وهذا من عونه تعالى. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أعم من هذا، فقال: «من
أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه
الله» . رواه البخاري. .................. وأما النكاح : فقد أمر الله به ورسوله. ورتب عليه من الفوائد شيئا
كثيرا : عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله، وأنه من سنن المرسلين. وفيه : تحصين الفرج، وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة
والأولاد. فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجرا، وحسنات
عند الله، سواء كانت مأكولا أو مشروبا أو ملبوسا أو مستعملا في الحوائج كلها. كله خير للعبد، وحسنات جارية. وهو أفضل من نوافل العبادات القاصرة. وفيه: التذكر لنعم الله على العبد، والتفرغ لعبادته، وتعاون الزوجين على
مصالح دينهما ودنياهما، وقد قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ
النِّسَاءِ} [النساء: 3] وقال صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها،
وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يمينك» لما فيها من صلاح الأحوال والبيت
والأولاد، وسكون قلب الزوج وطمأنينته، فإن حصل مع الدين غيره، فذاك، وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة، قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ
قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] وعلى الزوجة : القيام بحق الله، وحق بعلها، وتقديم حق البعل على حقوق الخلق كلهم. وعلى الزوج : السعي في إصلاح زوجته، وفعل جميع الأسباب التي تتم بها الملاءمة
بينهما، فإن الملاءمة هي المقصود الأعظم. ولهذا ندب النبي صلى الله عليه وسلم
إلى النظر إلى المرأة التي يريد خطبتها، ليكون على بصيرة من أمره، والله أعلم. |
شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2262) :
"إنما آثر هذه
الصيغة إيذاناً بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره،
ولولا أن الله تعالي يعينه عليها لا يقوم بها،
وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة
فيها، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله _تعالى_، ترقى
إلي منزلة الملائكة وأعلي عليين." اهـ
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (26/ 157)
في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الروحة في
سبيل اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، ووجه الاستدلال منه : أن من خرج روحة في سبيل اللَّه
تعالى من جملة المجاهدين في سبيله؛ لأن من خرج من بيته قاصدًا الجهاد فهو في سبيل
اللَّه تعالى حتى يرجع إلى بيته، سواء قصر سفره، أم طال.
(ومنها) : فضل
الناكح الذي ينكح ليعف نفسه عن المحرّمات، فإن اللَّه تعالى يعينه على مُؤَن
النكاح الحلال الذي يؤدّي غرضه، وهذا بمعنى قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَأَنْكِحُوا
الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ
يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الآية [النور: 32].
(ومنها): فضل
المكاتب الذي يسعى لأداء بدل الكتابة إلى مولاه، حيث إن اللَّه تعالى يعينه على
أداء ما عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا
الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط
المكتبة الإسلامية (4/ 574)
قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم
الأمم يوم القيامة". فهذا يدل على أن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه
الأمة أن يكثر نسلها, لاشك أن كثرة النسل عز للأمة, وأما قول من قال إن كثرة النسل
سبب لضائقة اقتصادية؛ لأنه بدل من أن يكون أهل البلد مائة يكونون مائتين, والمائة
يكفيهم مثلاً صاع من الرز, وإذا كانوا مائتين يحتاجون إلى مائتي صاع, فهؤلاء مع
سوء ظنهم بالله عز وجل قد يبتلون بأن يضيق الله عليهم الرزق ولكن لو أحسنوا الظن
بالله وعلموا أنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها, فإذا ولد لك ولد انفتح
عليك باب رزق, وقد حدثني شخص أعرفه الآن قبل أن تنفتح عليه الدنيا يقول أنه كان
فقيرًا وأشير عليه بالزواج فقال: ما عندي شيء, فقالوا: تزوج يرزقك الله فإن الله
يقول: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33].
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاثة حق على الله عونهم" وذكر منهم
المتزوج يريد العفاف, المهم: تزوج
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط
المكتبة الإسلامية (6/ 234) للعثيمين :
"هذا فيه حث على
مساعدة هؤلاء الغارمين المعسرين، والمكاتبين العاجزين، والغزاة في سبيل الله،
هؤلاء في حاجة إلى مساعدة، وهكذا الناكح الذي يريد العفاف يستحق العون، لأنه عاجز
عن مؤنة النكاح."
المدخل لابن الحاج (4/ 282) :
"[النِّيَّةُ
النَّافِعَةُ]
اعْلَمْ _رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ_ :
أَنَّ النِّيَّةَ النَّافِعَةَ هِيَ أَنْ يَقْصِدَ
الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَتْ النَّفْسُ تُحِبُّ
ذَلِكَ وَتَشْتَهِيهِ أَوْ تَبْغَضُهُ وَتَقْلِيهِ فَإِنَّ السُّنَّةَ وَالْحَمْدُ
لِلَّهِ لَمْ تَرِدْ بِمُخَالَفَةِ النَّفْسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ
بِاتِّبَاعِهَا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَأَنَّهَا مَحْكُومٌ عَلَيْهَا لَا
حَاكِمَةٌ مَأْمُورَةٌ لَا آمِرَةٌ.
فَإِنْ صَادَفَ الِامْتِثَالُ غَرَضَهَا
وَاخْتِيَارَهَا وَشَهْوَتَهَا لَمْ يَضُرَّ الْعَامِلَ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ
لِلَّهِ. أَلَا تَرَى إلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- فَقَالَ «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ
أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ
بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَإِذَا تَزَوَّجَ الْإِنْسَانُ لِأَجْلِ
هَذَا الْغَرَضِ كَانَ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ وَالْمُمْتَثِلُ فِي أَجَلِّ
الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى
اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي
يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» فَقَدْ سَوَّى
رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ النَّاكِحِ
الْمُتَعَفِّفِ وَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي إعَانَةِ اللَّهِ لَهُمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ - «يُؤْجَرُ أَحَدُكُمْ حَتَّى فِي بُضْعِهِ لِامْرَأَتِهِ. قَالُوا
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ مَأْجُورًا قَالَ
أَرَأَيْتُمْ إنْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ مَأْثُومًا. قَالُوا نَعَمْ.
قَالَ كَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ يَكُونُ مَأْجُورًا» أَوْ كَمَا
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى
أَنَّ الْإِخْلَاصَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا تَكُونَ فِيهِ شَهْوَةٌ
بَاعِثَةٌ عَلَى فِعْلِ___الْعَمَلِ بَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ
أَنْ تَكُونَ حُظُوظُ النَّفْسِ وَشَهَوَاتُهَا تَابِعَةً لِلنِّيَّةِ
الصَّالِحَةِ وَتَكُونَ النِّيَّةُ جَمِيعُهَا مُتَوَجِّهَةً لِمُجَرَّدِ
الْعِبَادَةِ.
وقال الله _تعالى_ :
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ، إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ
الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 32، 33]
تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 568)
الكتابة تحصيل المصلحتين : مصلحة العتق والحرية،
ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه.
وربما جد واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من
المال ما لا يحصل في رقه، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته، مع حصول عظيم المنفعة
للعبد،
فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب،
كما هو الظاهر، أو أمر استحباب على القول الآخر، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم،
لكونهم محتاجين لذلك، بسبب أنهم لا مال لهم، فقال: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ
الَّذِي آتَاكُمْ} يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه، أن يعطيه من كتابته أو يسقط
عنه منها، وأمر الناس بمعونتهم.
ولهذا جعل الله للمكاتبين قسطا من الزكاة، ورغب في
إعطائه بقوله: {مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} أي: فكما أن المال مال الله،
وإنما الذي بأيديكم عطية من الله لكم ومحض منه، فأحسنوا لعباد الله، كما أحسن الله
إليكم.
ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب
الكتابة، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا، بأن علم منه
عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس، ضائعا، وإما أن
يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل
ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور.
المسالك في شرح موطأ مالك (5/ 429) :
"فإن قيل: قد نجدُ
النَّاكحَ لا يَسْتَغْنِي.
قيل: يُغنِيهِ بإيْتَاءِ المال، وقد يوجدُ ذلك.
وقيل: يُغنِيهِ عن الباءَةِ بالعِفَّةِ.
وقيل: يُغْنِيهِ بغِنَى النَّفْس، ولا يَلْزَم أنّ
يكونَ هذا على الدَّوامِ؛ بل لو كان في لحْظَةٍ واحدةٍ لصدَقَ الوعدُ.___
وقال علماؤنا: في هذه الآية دليل على تزويجِ
الفقير، ولا يقولنَّ: كيف أتزوّجُ وليس لي مالٌ؟ فإنَّ رِزْقَهُ ورزقَ عِيَالِه
على الله، وقد زوَّجَ النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - الّتي وهبت نَفسَها لَهُ
من بعضِ أصحابِه وليس له إِلَّا إزارٌ، وليس لها بعد ذلك فسخ النِّكاحِ
بالإعْسَارِ عليه؛ لأنّها عليه دخَلَت، وإنّما يكون ذلك على الحُكم إذا دخَلَت على
اليَسَارِ فخرج مُعْسِرًا، أو ظهر الإعسارُ بعدَ ذلك." اهـ
مجموع الفتاوى (29/ 280)
ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَحْتَاجُ
إلَيْهِ الْمُؤْمِنُ: عِفَّةَ فَرْجِهِ؛ وَتَخْلِيصَ رَقَبَتِهِ وَبَرَاءَةَ
ذِمَّتِهِ. فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ
وَقَضَاءِ الدُّيُونِ؛ وَصِيَانَةِ النَّفْسِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ النَّاسِ.
لَا تُتَمَّمُ إلَّا بِالْمَالِ. وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ
وَاجِبٌ. وَمَنْ لَا يُحِبُّ أَدَاءَ مِثْلِ هَذَا الْوَاجِبِ الْعَظِيمِ الَّذِي
لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. فَهَذِهِ مِلَّةٌ وَلَهَا
تَفَاصِيلُ كَثِيرَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بدائع الفوائد (3/ 159)
ولو لم يكن فيه إلا أنه يخرج من صلبه من يشهد
بالله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فرجه عن
التفاته إلى ما حرم الله تعالى ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأة يعفها الله به
ويثيبه على قضاء وطره ووطرها فهو في لذاته وصحائف حسناته تتزايد ولو لم يكن فيه
إلا ما يثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللقمة إلى فيها ولو
لم يكن فيه إلا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام ولو لم يكن فيه إلا ما
يترتب عليه من العبادات التي لا تحصل للمتخلي للنوافل ولو لم يكن فيه إلا تعديل
قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه فإن تعلق
القلب بالشهوة أو مجاهدته عليها تصده عن تعلقه بما هو أنفع له فإن الهمة متي
انصرفت إلى شيء انصرفت عن غيره ولو لم يكن فيه إلا تعرضه لبنات إذا صبر عليهن
وأحسن إليهن كن له سترا من النار ولو لم يكن فيه إلا أنه إذا قدم له فرطين لم
يبلغا الحنث أدخله الله بهما الجنة ولو لم يكن فيه إلا استجلابه عون الله له
[1] وفي تفسير ابن جزي = التسهيل لعلوم التنزيل (2/ 68) :
"الكتاب هنا مصدر بمعنى الكتابة، وهي مقاطعة العبد على مال منجم فإذا أدّاه
خرج حرّا، وإن عجز بقي رقيقا." اهـ
وفي زاد المسير في علم التفسير (3/ 293) :
"قوله
تعالى : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فيه ستة أقوال «1» : أحدها: إِن علمتم
لهم مالاً، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك. والثاني: إِن
علمتم لهم حيلة، يعني: الكسب، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أن علمتم
فيهم ديناً، قاله الحسن. والرابع: إِن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير، قاله سعيد بن
جبير. والخامس: إِن أقاموا الصلاة، قاله عبيدة السلماني. والسادس: إِن علمتم لهم
صدقاً ووفاءً، قاله إِبراهيم." اهـ
Komentar
Posting Komentar