شرح الحديث 274 (باب حسن الخلق) من الأدب المفرد

 

274 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:

"مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ _تَعَالَى_، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_ بِهَا."

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

* حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (صدوق: ت 226 هـ):

إسماعيل بْنُ عبدِ اللهِ (أبي أويس) بْنِ عبْدِ اللهِ بْنِ أُويْس بْنِ مَالِك بْنِ أبى عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبى أويس المدني (ابن أخت الإمام مالك)، روى له: خ م د ت ق

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ (إمام دار الهجرة، رأس المتقنين: ت 179 هـ):

مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي الْحِمْيَرِيُّ، أبو عبد الله المدني الفقيه، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (الفقيه الحافظ متفق على جلالته و إتقانه: ت. 125 هـ):

محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشى الزهري، أبو بكر المدني، طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنْ عُرْوَةَ (ثقة: ت. 94 هـ على الصحيح):

عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي، أبو عبد الله المدني، من الوسطى من التابعين، روى له:  خ م د ت س ق 

 

عَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_ (ت. 57 هـ على الصحيح):

عائشة بنت أبى بكر الصديق التَّيْمِيَّةُ، أم المؤمنين، أم عبد الله (وأمها: أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب)، صحابية، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_ أَنَّهَا قَالَتْ:

"مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.

فَإِذَا كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ _تَعَالَى_، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_ بِهَا."

 

وقال سليمان بن خلف التُّجِيْبِيُّ[1] القرطبي، الشهير بـ"أبي الوليد الباجي" الأندلسي (المتوفى: 474 هـ) _رحمه الله_ "المنتقى شرح الموطإ" (7/ 209):

"قَوْلُ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا_: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا»

يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَا خَيَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مِنْ الْأَعْمَالِ مِمَّا يُكَلِّفُهُ أُمَّتَهُ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا وَأَرْفَقَهُمَا بِأُمَّتِهِ،

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ يُنْزِلُهُمَا بِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَهُ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَا خَيَّرَهُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي طَاعَتِهِ وَلَا آمَنَ بِهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا مُوَادَعَةٌ وَمُسَالَمَةٌ وَفِي الْآخَرِ مُحَارَبَةٌ أَوْ مُشَاقَةٌ إلَّا اخْتَارَ مَا فِيهِ الْمُوَادَعَةُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْمُجَاهَدَةِ وَمَنْعِ الْمُوَادَعَةِ،

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْحَرْبِ وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِالْأَيْسَرِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ،

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ أُمَّتَهُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُخَيِّرُوهُ بَيْنَ الْتِزَامِ الشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ الْأَخْذِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اخْتَارَ لَهُمْ أَيْسَرَهُمَا رِفْقًا بِهِمْ وَنَظَرًا لَهُمْ وَخَوْفًا أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ أَشَقُّهُمَا فَيَعْجَزُوا عَنْهَا.

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (12/ 86):

"قَالَ بن بَطَّالٍ:

هَذَا التَّخْيِيرُ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخَيِّرُ رَسُولَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا إِثْمٌ إِلَّا إِنْ كَانَ فِي الدِّينِ وَأَحَدُهُمَا يَئُول إِلَى الْإِثْمِ كَالْغُلُوِّ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا شَاقًّا مِنَ الْعِبَادَةِ فَعَجَزَ عَنْهُ، وَمِنْ ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَنِ التَّرَهُّبِ.

قَالَ بن التِّينِ:

الْمُرَادُ التَّخْيِيرُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَأَمَّا أَمْرُ الْآخِرَةِ فَكُلَّمَا صَعُبَ كَانَ أَعْظَمَ ثَوَابًا كَذَا قَالَ وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بن بَطَّالٍ أَوْلَى وَأَوْلَى مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا لِأَنَّ بَعْضَ أُمُورِهَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْإِثْمِ كَثِيرًا وَالْأَقْرَبُ أَنَّ فَاعِلَ التَّخْيِيرِ الْآدَمِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ وَلَا سِيَّمَا إِذا صدر من الْكَافِر." اهـ

 

وقال محمد بن أبي إسحاق البخاري الحنفي، المعروف بـ"أبي بكر الكلاباذي" (المتوفى: 380 هـ) _رحمه الله_ في "بحر الفوائد" (ص: 43):

" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اخْتَارَ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدِ اخْتَارَ الْيُسْرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ الْيُسْرَ." اهـ

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (16/ 112):

"قَوْله: (مَا خير) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بَين أَمريْن) ، أَي: من أُمُور الدُّنْيَا، يدل عَلَيْهِ قَوْله: (مَا لم يكن إِثْمًا) ، لِأَن أُمُور الدّين لَا إِثْم فِيهَا. قَوْله: (أيسرهما) ، أَي: أسهلهما. قَوْله: (مَا لم يكن إِثْمًا) أَي: مَا لم يكن الأسهل إِثْمًا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يخْتَار الأشق.

قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ يُخَيّر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَمريْن أَحدهمَا إِثْم؟ قلت: التَّخْيِير إِن كَانَ من الْكفَّار فَظَاهر، وَإِن كَانَ من الله وَالْمُسْلِمين فَمَعْنَاه: مَا لم يؤد إِلَى إِثْم، كالتخيير فِي المجاهدة فِي الْعِبَادَة والاقتصاد فِيهَا، فَإِن المجاهدة بِحَيْثُ ينجر إِلَى الْهَلَاك لَا تجوز

 

قال السيوطي _رحمه الله_ في "الأشباه والنظائر" (ص: 82):

"قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: تَخْفِيفَاتُ الشَّرْع سِتَّةُ أَنْوَاعٍ:

الْأَوَّلُ: تَخْفِيفُ إسْقَاطٍ، كَإِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَالْجِهَادِ بِالْأَعْذَارِ.

الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ، كَالْقَصْرِ.

الثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إبْدَالٍ، كَإِبْدَالِ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ، أَوْ الْإِيمَاءِ، وَالصِّيَامِ بِالْإِطْعَامِ.

الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ، كَالْجَمْعِ، وَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ.

الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ، كَالْجَمْعِ، وَتَأْخِير رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ; وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مُشْتَغِلٍ بِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ:

السَّادِسُ: تَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، كَصَلَاةِ الْمُسْتَجْمِرِ، مَعَ بَقِيَّةِ النَّجْوِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْغُصَّةِ، وَأَكْلِ النَّجَاسَةِ لِلتَّدَاوِي[2]، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَاسْتَدْرَكَ الْعَلَائِيُّ سَابِعًا، وَهُوَ: تَخْفِيفُ تَغْيِيرٍ، كَتَغَيُّرِ نُظُمِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ." اهـ

 

قال السيوطي _رحمه الله_ في "الأشباه والنظائر" (ص: 82):

"الرُّخَصُ أَقْسَامٌ:

* مَا يَجِبُ فِعْلُهَا، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالْفِطْرِ لِمَنْ خَافَ الْهَلَاكَ بِغَلَبَةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا صَحِيحًا، وَإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ بِالْخَمْرِ.

* وَمَا يُنْدَبُ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ وَالْفِطْر لِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي سَفَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَالْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ، وَالنَّظَرِ إلَى الْمَخْطُوبَةِ.

* وَمَا يُبَاحُ، كَالسِّلْمِ. وَمَا الْأَوْلَى تَرْكُهَا: كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَالْجَمْعِ وَالْفِطْرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ، وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ.

* وَمَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا، كَالْقَصْرِ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ مَرَاحِلَ." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري (4/ 189 و 8/ 30 و 8/ 160) (رقم: 3560 و 6126 و 6786)، ومسلم (4/ 1813/ 77_78) (رقم: 2327)، وأبو داود (4/ 250) (رقم: 4785)، والترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 288) (رقم: 350)، والنسائي في "السنن الكبرى" (8/ 262) (رقم: 9118)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 119) (رقم: 208)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1618) (رقم: 5817)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (3/ 17) (رقم: 2675)، و"مختصر صحيح الإمام البخاري" (4/ 87) (رقم: 2366)، و"مختصر الشمائل" (ص: 183) (رقم: 300).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (37/ 526_529):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من اختياره أيسر الأمور،

وأسهلها، ومباعدتِه للآثام، وعدمِ انتقامه لحظّ نفسه، إلا إن انتُهكت حرمة الله _تعالى_، فيكون أشدّ الناس غضبًا لذلك.

2 - (ومنها): الحثّ على ترك الأخذ بالشيء العسر، والاقتناع باليسر، وترك الإلحاح فيما لا يَضْطَر إليه الإنسان.

3 - (ومنها): أنه يؤخذ من ذلك الندب إلى الأخذ بالرُّخَص ما لم يَظهر الخطأ.

4 - (ومنها): الحثّ على العفو إلا في حقوق الله تعالى.

5 - (ومنها): الندب إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحل ذلك ما لم يُفض إلى ما هو أشدّ منه.___

6 - (ومنها): أن فيه ترك الحكم للنفس، وإن كان الحاكم متمكنًا من ذلك، بحيث يؤمَن منه الحيف على المحكوم عليه، لكن لحسم المادة، والله أعلم.

7 - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ _رَحمه اللهُ_:

هذا الحديث يدلّ، ويندُب الأمراء، وسائر الحكام، والعلماء، إلى أنه ينبغي لكل واحد منهم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه، تأسّيًا بنبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينسى الفضلَ، والأخذ به في العفو عمن ظلمه.

قال: وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه، وأجمع الجمهور من الفقهاء على أن القاضي لا يقضي لمن لا تجوز له شهادته من بنيه وآبائه، قاله في "الاستذكار".

وقال في "التمهيد":

وفي هذا الحديث دليلٌ على أن على العالِم أن يتجافى عن الانتقام لنفسه، ويعفو، ويأخذ بالفضل إن أحب أن يتأسى بنبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يُطِق كلًّا فبعضًا، وكذلك السلطان. قال الله عزَّ وجلَّ لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]، قال المفسرون: كان خُلُقه ما قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف: 199]

قال: وعلى العالم أن يغضب عند المنكر، ويغيّره إذا لم يكن لنفسه، وفي معنى هذا الحديث أن لا يقضي الإنسان لنفسه، ولا يحكم لها، ولا لمن في ولايته، وهذا ما لا خلاف فيه، والله أعلم. انتهى ["التمهيد" لابن عبد البرّ 8/ 147 – 148].

8 - (ومنها): ما قاله أيضًا: في هذا الحديث دليل على أن الأخذ برخصة الله أَولى لذوي العلم والحجا، من الأخذ بالشدّة، فإن الله يحب أن تؤتى رُخَصه، كما يحب أن يُنتهَى عن محارمه، وتُجتنَب عزائمه. انتهى ["الاستذكار" 8/ 274 – 275].

وقال في "التمهيد": في هذا الحديث دليلٌ على أن المرء ينبغي له ترك ما عَسُر عليه من أمور الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه إذا لم يَضطَرّ إليه، والميل إلى اليسر أبدًا، فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله تعالى، وإلى___رسوله - صلى الله عليه وسلم -،

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} الآية [البقرة: 185]،

وفي معنى هذا الأخذ برُخَص الله تعالى، ورُخَص رسوله - صلى الله عليه وسلم -،

والأخذ برخص العلماء، ما لم يكن القول خطأ بيّنًا. انتهى ["التمهيد" لابن عبد البرّ 8/ 146].

9 - (ومنها): ما قال القرطبيّ رحمه اللهُ: في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصبر على جَهْل مَنْ جَهِل عليه، ويَحْتَمِل جفاءه، ويَصْفَح عمَّن آذاه في خاصة نفسه؛ كصَفْحه عمَّن قال: يا محمد اعْدِل، فإنَّ هذه قسمة ما أُرِيدَ بها وجه الله تعالى، وما عَدَلت منذ اليوم! ، وكصَفْحه عن الذي جَبَذ رداءه عليه حتى شقَّه، وأثَّر في عنقه.

[فإنْ قيل]: فأذاه - صلى الله عليه وسلم - انتهاك حرمة من حُرَم الله تعالى، فكيف يترك الانتقام لله تعالى فيها؟ وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ

أَلِيمٌ} [التوبة: 61].

[فالجواب]: أنه - صلى الله عليه وسلم - ترك الانتقام مِمَّن آذاه استئلافًا، وتَرْكًا لما ينفِّر عن الدخول في دينه، كما قال - صلى الله عليه وسلم - لَمّا طلب عمر - رضي الله عنه - قتل عبد الله بن أُبيّ المنافق لَمّا قال: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} الآية [المنافقون: 8]: "دَعْهُ لا يتحدّث الناسُ أن محمَّدًا يقتل أصحابه"، متّفقٌ عليه ..

وقد قال مالك: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعفو عمَّن شتمه؛ مشيرًا إلى ما ذكرنا.

وإذا تقرّر هذا فمراد عائشة - رضي الله عنها - بقولها: "إلا أن تُنتهك حرمة الله": الحرمة التي لا ترجع لحقّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ كحرمة الله، وحرمة محارمه، فإنَّه كان يقيم حدود الله على من انتهك شيئًا منها، ولا يعفو عنها، كما قال في حديث

السَّارقة: "لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها"، متّفقٌ عليه.

قال القرطبىّ: لكن ينبغي أن يُفْهَم أن صَفْحه - صلى الله عليه وسلم - عمَّن آذاه كان مخصوصًا به، وبزمانه؛ لِمَا ذكرناه، وأما بعد ذلك فلا يُعفَى عنه بوجه.

قال القاضي عياض رَحمه اللهُ: أجمع العلماء على أن من سَبَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كَفَرَ، واختلفوا: هل حُكْمه حُكْم المرتدّ يُستتاب؟ أو حُكم الزنديق لا يُستتاب؟___وهل قَتْله للكفر، أو للحدِّ؟ ، فجمهورهم على أن حكمه حكم الزنديق، لا تُقبل توبته، وهو مشهور مذهب مالك، وقول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، ورأوا أن قَتْله للحدِّ، ولا ترفعه التوبة، لكن تنفعه عند الله تعالى، ولا يسقط حدّ القتل عنه.

وقال أبو حنيفة، والثوريّ: هي كفر، وردَّة، وتُقبل توبته إذا تاب، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.

قال: واختلفوا في الذمِّيّ إذا سبَّه بغير الوجه الذي به كُفِّر؛ فعامَّة العلماء على أنه يُقتل لحقّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبو حنيفة، والثوريّ، والكوفيون: لا يرون قتله، قالوا: ما هو عليه من الكفر أشدّ.

قال: واختَلَف أهل المدينة، وأصحاب مالك في قَتْله إذا سبَّه بالوجه الذي به كُفِّرَ، من تكذيبه، وجَحْد نبوَّته؟ والأصح الأشهر قَتْله، واختلفوا في إسلام الكافر بعد سبِّه: هل يُسقط ذلك القتلَ عنه أم لا؟ والأشهر عندنا سقوطه؛ لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، وحكى أبو محمد بن نصر في درء القتل عنه روايتين.

قال: ويستفاد من حديث عائشة - رضي الله عنها - ترغيب الحكام، وولاة الأمور في

الصفح عمن جَهِل عليهم، وجفاهم، والصبر على أذاهم، كما كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يفعل، وأن الحاكم لا يحكم لنفسه، وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا

يحكم لنفسه، ولا لمن لا تجوز شهادته له؛ على ما حكاه عياض رحمه اللهُ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللهُ ["المفهم" 6/ 118 - 120]، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الْحُرَيْمِلِيُّ النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 417):

"في هذا الحديث: استحباب الأَخذ بالأَيسر في أُمور الدين والدنيا إذا لم يكن فيه معصية.

* وفيه: استحباب ترك الانتقام للنفس كما في الحديث: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا»

* وفيه: ما كان عليه _صلى الله عليه وسلم_ من الحلم والصبر والقيام بالحق، والصلابة في الدين. وهذا هو الخلق الحسن قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: (4)]." اهـ

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (16/ 112):

"وَفِي الحَدِيث: الْأَخْذ بالأسهل والحث على الْعَفو والانتصار للدّين وَأَنه يسْتَحبّ للحكام التخلق بِهَذَا الْخلق الْكَرِيم فَلَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَلَا يهمل حق الله _تَعَالَى_." اهـ

 

وقال عِيَاضُ بْنُ مُوْسَى الْسَّبْتِيُّ، المعروف بـ"القاضي عياض اليَحْصَبِيّ" (المتوفى: 544 هـ) _رَحِمَهُ اللهُ_ في "إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ" (7/ 291):

"وقول عائشة: (ما خير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه):

* فيه الأخذ بالأيسر والأرفق، وترك التكلف وطلب المطاق، إلا فيما لا يحل الأخذ به كيف كان،

ويحتمل أن يكون التخيير هنا من الله تعالى مما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو فيما يخبره فيه المنافقون من المواعدة والمحاربة، أو أمته من الشدة فى العبادة أو القصد. وكان يذهب فى كل هذا إلى الأيسر." اهـ

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (19/ 46):

"كان _صلى الله عليه وسلم_ إذا خيَّره أحد في شيئين يجوز له فعل كل واحد منهما، أو عرضت عليه مصلحتان؛ مال للأيسر منهما، وترك الأثقل؛ أخذًا بالسُّهولة لنفسه، وتعليمًا لأمَّته.

فإذا كان في أحد الشيئين إثم تركه، وأخذ الآخر، وإن كان الأثقل." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن مروان الأنصاري، أبو الْمُطرِّف القَنَازِعي (المتوفى: 413 هـ) _رحمه الله_ في "تفسير الموطأ" (1/ 110_111):

"فقال:

* (فِيهِ مِنَ الفِقْهِ: رِفْقُ الإنْسَانِ بِنَفْسِهِ فِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَدِيمُ بهِ العَمَلُ، وإذا حَمَّلَ نَفْسَهُ المَشَقَّةَ رُبَّمَا انْقَطَعَ فَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئَاً، وفِيهِ: تَرْكُ الإثْمِ، وتَرْكُ الإثْمِ أَيْسَرُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ،

* وفِيهِ: العَفْوُ عَنِ النَّاسِ فِيمَا دُونَ الحُدُودِ، وإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وارْتَفَعَتْ إلى الأئِمَّةِ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهَا، وهَذا كُلُّهُ مِنْ تَحْسِينِ الأَخْلاَقِ)." اهـ

 

وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "الاستذكار" (8/ 274):

"دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، وَالْحَنِيفِيَّةُ سَمْحَةٌ، وَقَالَ اللَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [الْبَقَرَةِ: 185]." اهـ

 

وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "الاستذكار" (8/ 275):

"عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (مَا ضَرْبُ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إلا أن يجاهد في فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا، وَلَا امْرَأَةً قَطُّ، وَلَا خُيِّرَ فِي أَمْرَيْنِ إِلَّا كَانَ أَيْسَرُهُمَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنِ الْإِثْمُ، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَهُمْ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَيَكُونُ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ)،

* وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ وَيَنْدُبُ الْأُمَرَاءَ وَسَائِرَ الْحُكَّامِ وَالْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَجَافَى عَنِ الِانْتِقَامِ لِنَفْسِهِ تَأَسِّيًا بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا ينسى الفضل والأخذ به في العفو عن من ظَلَمَهُ

وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ

وَأَجْمَعَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِمَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ شَهَادَتُهُ مِنْ بَنِيهِ وَآبَائِهِ

* وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ أَوْلَى لِذَوِي الْعِلْمِ وَالْحِجَا مِنَ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُنْتَهَى عَنْ مَحَارِمِهِ وَتُجْتَنَبَ عَزَائِمُهُ." اهـ

 

وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (8/ 146):

فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ مَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتَرْكُ الْإِلْحَاحِ فِيهِ، إِذَا لَمْ يَضْطَرَّ إِلَيْهِ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْيُسْرِ أَبَدًا، فَإِنَّ الْيُسْرَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ.

قَالَ تَعَالَى_: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)

وَفِي مَعْنَى هَذَا: الْأَخْذُ بِرُخَصِ اللَّهِ _تَعَالَى_ وَرُخَصِ رَسُولِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَالْأَخْذُ بِرُخَصِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ خَطَأً بَيِّنًا." اهـ

 

وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (8/ 147_148):

"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَجَافَى عَنِ الِانْتِقَامِ لِنَفْسِهِ وَيَعْفُوَ وَيَأْخُذَ بِالْفَضْلِ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَأَسَّى بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِنْ لَمْ يُطِقْ كُلًّا فَبَعْضًا وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ

قَالَ اللَّهُ عِزَّ__وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ :

"كَانَ خُلُقُهُ مَا قَالَ اللَّهُ : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)."

وَعَلَى الْعَالَمِ أَنْ يَغْضَبَ عِنْدَ الْمُنْكَرِ وَيُغَيِّرَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَقْضِيَ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَحْكُمَ لَهَا وَلَا لِمَنْ فِي وِلَايَتِهِ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

 



[1] وقال ابن الأثير الجزري _رحمه الله_ في "للباب في تهذيب الأنساب" (1/ 207): "التجِيبِي بِضَم التَّاء الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ من فَوْقهَا وَكسر الْجِيم وتسكين الْيَاء تحتهَا نقطتان وَفِي آخرهَا بَاء مُوَحدَة - هَذِه النِّسْبَة إِلَى تجيب وَهُوَ اسْم أم عدي وَسعد ابْني أَشْرَس بن شبيب بن السّكُون نسب والدهما إِلَيْهَا وَإِلَى محلّة بِمصْر فَمن الْقَبِيلَة حَرْمَلَة بن عَمْرو أَبُو حَفْص التجِيبِي صَاحب الشَّافِعِي ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ روى عَن الشَّافِعِي وَعبد الله بن وهب وَغَيرهمَا روى عَنهُ مُسلم بن الْحجَّاج فِي صَحِيحه فَأكْثر.

وَأما الْمحلة، فينسب إِلَيْهَا مُحَمَّد بن رمح بن المُهَاجر التجِيبِي كَانَ يسكن محلّة تجيب بِمصْر سمع اللَّيْث بن سعد وَغَيره روى عَنهُ مُسلم وَغَيره وَتُوفِّي أول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ

[2] فيه نظر!

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 266-267