شرح الحديث 273 (باب حسن الخلق) من الأدب المفرد

 

273 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ (صدوق: ت 226 هـ):

إسماعيل بْنُ عبدِ اللهِ (أبي أويس) بْنِ عبْدِ اللهِ بْنِ أُويْس بْنِ مَالِك بْنِ أبى عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبى أويس المدني (ابن أخت الإمام مالك)، روى له: خ م د ت ق

 

قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ (صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطىء: ت. 186 أو 187 هـ بـ المدينة):

عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوَرْدِيّ، أبو محمد الجهنى مولاهم المدني، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ (صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة: 148 هـ بـ المدينة):

محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني (مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة)، من صغار التابعين، روى له: خت م د ت س ق

 

* عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ (ثقة: ت: 101 - 110 ه):

القَعْقَاعُ بْنُ حَكِيْمٍ الكِنَانِيُّ الْمَدَنِيُّ، من طبقة تَلِيْ الوسطى من التابعين، روى له: بخ م د ت س ق 

 

 

* عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ (ثقة ثبت: 101 هـ):

ذكوان أبو صالح السمان الزيّات المدني، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني (والد سهيل بن أبى صالح)، من الوسطى من التابعين، روى له:  خ م د ت س ق

 

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت 57 هـ):

أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له:  خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

قال البخاري _رحمه الله_ في باب حسن الخلق من كتابه "الأدب المفرد":

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»

 

وفي "فوائد تَمَّام" (1/ 122):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»

 

شرح مشكل الآثار (11/ 263)

فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا بَعَثَهُ لِيُكْمِلَ لِلنَّاسِ دِينَهُمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ مِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]،

فَكَانَتْ بِعْثَتُهُ إِيَّاهُ _عَزَّ وَجَلَّ_ لِيُكْمِلَ لِلنَّاسِ أَدْيَانَهُمُ الَّتِي قَدْ كَانَ تَعَبَّدَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِمَا تَعَبَّدَهُ بِهِ مِنْهَا،

ثُمَّ كَمَّلَهَا عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]

وَالْإِكْمَالُ: هُوَ الْإِتْمَامُ، فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ "، أَيْ: صَالِحَ الْأَدْيَانِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ." اهـ

 

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (24/ 334)

وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الصَّلَاحُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ والدين وَالْفَضْلُ وَالْمُرُوءَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالْعَدْلُ فَبِذَلِكَ بُعِثَ لِيُتَمِّمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَقَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ لِلْبِرِّ وَالْفَضْلِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

وَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا قَالَتْ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَصِدْقُ النَّاسِ وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ وَالْمُكَافَأَةُ وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَالتَّدَمُّمُ لِلصَّاحِبِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالْحَيَاءُ رَأْسُهَا قَالَتْ وَقَدْ تَكُونُ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ فِي الرَّجُلِ وَلَا تَكُونُ فِي ابْنِهِ وَتَكُونُ فِي ابْنِهِ وَلَا تَكُونُ فِيهِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الْعَبْدِ وَلَا تَكُونُ فِي سَيِّدِهِ يَقْسِمُهَا اللَّهُ لِمَنْ أَحَبَّ

وَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ[1] فِي قَوْلِهِ:

لَيْسَ دُنْيَا، إِلَّا بِدِينٍ، وَلَيْسَ الدِّينُ، إِلَّا مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ، إِنَّمَا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ هُمَا مِنْ فُرُوعِ أَهْلِ النِّفَاقِ." اهـ

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3692):

"وَرَوَى الْحَكِيمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_:

(مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ عَشَرَةٌ، تَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَلَا تَكُونُ فِي ابْنِهِ، وَتَكُونُ فِي الِابْنِ وَلَا تَكُونُ فِي الْأَبِ، وَتَكُونُ فِي الْعَبْدِ وَلَا تَكُونُ فِي سَيِّدِهِ، يَقْسِمُهَا اللَّهُ لِمَنْ أَرَادَ لَهُ السَّعَادَةَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَصِدْقُ الْيَأْسِ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ، وَالْمُكَافَأَةُ بِالصَّنَائِعِ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَالتَّذَمُّمِ لِلْجَارِ، وَالتَّذَمُّمِ لِلصَّاحِبِ، وَإِقْرَاءُ الضَّيْفِ، وَرَأْسُهُنَّ الْحَيَاءُ. وَالتَّذَمُّمُ: أَنْ يَرْعَى ذِمَامَهُ، أَيْ حُرْمَتَهُ)." اهـ

 

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3691)

وَحَاصِلُهُ أَنَّ شَرِيعَتَهُ أَفْضَلُ الْأَفْعَالِ، وَطَرِيقَتَهُ أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: أَرْسَلَنِي إِلَى الْعَالَمِ لِيُتَمِّمَ بِوُجُودِي مَكَارِمَ أَخْلَاقِ عِبَادِهِ، وَلِيُكْمِلَ مَحَاسِنَ أَفْعَالِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِضَافَةُ فِيهِمَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ. قَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ شَيْءٍ يَشْرُفُ فِي بَابِهِ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْكَرَمِ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [ق: 7]، {وَمَقَامٍ كَرِيٍمٍ} [الشعراء: 58] وَ {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77] وَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَهُوَ اسْمٌ لِإِحْسَانِهِ وَإِنْعَامِهِ الْمُتَظَاهِرِ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْإِنْسَانُ اسْمٌ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ كَرِيمٌ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ اهـ." اهـ

 

قَالَ الطِّيبِيُّ شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3652):

وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ) إِلَى قَوْلِهِ: (أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ) يَلْتَقِيَانِ فِي مَعْنَى إِتْمَامِ النَّاقِصِ اه.

 

ففي "صحيح البخاري" (4/ 186) (رقم: 3535)، و"صحيح مسلم" (4/ 1790/ 20) (رقم: 2:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

"إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ."

 

وفي "الشريعة" للآجري (3/ 1471_1472) (رقم: 992):

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

«مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ، وَتُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ، فَيَطُوفُ النَّاظِرُونَ، وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ، إِلَّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، لَا يَعِيبُونَ غَيْرَهَا، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَتَمَّ الْبُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ»

 

التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 190):

"(إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)، أي: التي جبل الله عباده عليها من الوفاء والمروءة والحياء والعفة ولما قد علمهم رسل الله من قبل.

قيل: الأخلاق هي صلاح الدين والدنيا والمعاد التي جمعها في قوله: (اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)." اهـ

 

قال محمد عبد العزيز بن علي الشاذلي الخَوْلي (المتوفى: 1349 هـ) _رحمه الله_ في "الأدب النبوي" (ص: 127):

"ومن محاسن الأخلاق:

الصدق، والشهامة؛ والنجدة وعزة النفس والتواضع؛ والتثبت، وعلو الهمة، والعفو، والبشر، والرحمة والحكمة، والشجاعة، والوقار، والصيانة، والدماثة، والدعة، والصبر، والورع، والحياء، والسخاء، والنزاهة، وحفظ السر، والقناعة والعفة، والإيثار.

ومن مساويها:

السفه، والرياء، والغيبة، والنميمة، والتبذل، والغدر، والخرق، والحمق، والكذب، والجهل، والمكر، والخبث، والطيش، والحقد، والقحة، والحسد، والشراسة، والعجب، والجبن، وضعف الهمة، والكبر، والعبوس، والغضب، والذعر، والكسل، والهزء، والزهو، والحرص، والشماتة، والمجون؛ وإفشاء السر، والشره والفجور.

فاحرص أخي على مكارم الأخلاق واتخذها حليتك؛ وتجنب سفسافها لتكون من الخيار الذين يألفون ويؤلفون." اهـ

 

التَّحسينيَّات: وهيَ الأخذُ بمحاسنِ العادَاتِ والأخلاقِ، وتجنُّبُ مساوئِها.

وهذا بابٌ جاءتِ الشَّريعةُ فيه بأكملِ المعاني وأتمِّهَا، ولمَّا كانت العقُولُ الرَّاجِحةُ تُجبلُ على كثيرٍ من تلكَ الخِصالِ بطَبْعِها جاء قَانُونُ شريعةِ الإسلامِ فيها بإقرارِ ما كانَ عليها النَّاسُ منها قبلَ الإسلامِ، غيرَ أنَّه أجرَى عليها التَّعديلَ والتَّحسينَ والتَّهذيبَ بما جعلَتْها تندرجُ تحتَ موادِّ هذا القانونِ العظيمِ على أتمِّ ما يجبُ أن تكونَ عليهِ.

وفي هذا يقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّما بُعثتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ أحمدُ وغيرُه] ، كما قال الله عزَّوجلَّ: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] .

ومن أمثلةِ ماجاءتْ بهِ الشَّريعَةُ لتَّحقيقِ هذا النَّوعِ من المصالحِ:

[1] في العبادَاتِ: شرَعَتْ إزَالَةَ النَّجاسَةِ عن الثَّوبِ والبَدنِ، وسترَ العورَةِ، وأخذ الزِّينةِ، والتَّطوُّعاتِ في الصَّلاة والصِّيامِ والصَّدقةِ، وسُننَ الطَّهاراتِ والصَّلواتِ وآدابِها، ونحوَ ذلكَ ممَّا يحسُنُ ويجمُلُ.

[2] في العادَاتِ: شرَعتْ أدَبَ الأكلِ والشُّربِ والملبسِ، وتركَ أكلِ النَّجاساتِ وشُربها، وتوقيرَ الكبيرِ، ومُلاطفَةَ الأطفالِ، وتركَ اختِلاطِ الرِّجالِ والنِّساءِ لغيرِ حاجةٍ، وتركَ الخَلوَةِ بالأجنبيَّاتِ، والتَّحيَّة وآدابها، وطلاقَةَ الوجهِ عندَ اللِّقاءِ، وإماطَةِ الأذى عنِ الطَّريقِ.

[3] في المُعاملاتِ: شَرعَتْ منعَ بيعِ الميتَةِ والخِنزيرِ، ونهَتِ المرأةَ أنْ تُزوِّج نفسَهَا، ومنعَتْ بيع َ الرَّجلِ على بيعِ أخيهِ، وخُطبتَهُ على خِطبَةِ أخيهِ، ومنعتِ الغِشَّ والخديعَةَ في البيعِ وسائرِ المُعاملاَتِ.

[4] في العُقوباتِ: شرَعتْ منعَ قتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ في الجهادِ، كما حرَّمتِ المُثْلَةَ والغَدْرَ.

 

"ففى هذا الحديث إشارة إلى أنه أتى بجميع المصالح والأخلاق الحسنة التي جاء بها الرسل قبله - عليهم الصلاة والسلام -، وأنه كمّل هذا النقص كما جاء في الحديث "لأتمم مكارم الأخلاق"، وأنه جاء آمراً بما جاءت به تلك الرسالات من الخير والإحسان والعدل وجاء ليتم ذلك." اهـ من "شرح القواعد السعديّة" (ص: 24)

 

### المعنى الإجمالي للحديث

 

ذكر الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، في باب حسن الخلق، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»، وفي رواية: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ».

 

ومعنى الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يُبيِّن جانبًا عظيمًا من الغايات التي بعثه الله تعالى من أجلها، وهو إتمام محاسن الأخلاق ومكارمها، وترسيخ أصولها، والدعوة إلى التحلِّي بها، وتهذيب ما قد يكون عند الناس من أخلاقٍ حسنةٍ يشوبها نقصٌ أو خلل، حتى تبلغ غايتها من الكمال الذي يحبُّه الله ويرضاه. فالشريعة الإسلامية لم تأتِ لتقتصر على تنظيم علاقة العبد بربِّه من جهة العبادات الظاهرة فحسب، بل جاءت كذلك لإصلاح النفوس، وتزكية القلوب، وتقويم السلوك، وإقامة المعاملة بين الناس على الصدق والأمانة والوفاء والرحمة والعدل والعفو والإحسان.

 

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ» يدلُّ على أنَّ بعثته صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، وأنَّ ما جاء به من الهدى والتشريع ليس مجرَّد تجربةٍ بشرية أو نظرية أخلاقية، بل هو وحيٌ من الله تعالى، يهدي الناس إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.

 

وقوله: «لِأُتَمِّمَ» يدلُّ على إكمال الأخلاق الحسنة وبلوغها غايتها، ويشمل تقرير ما كان صحيحًا منها، والدعوة إلى ما يكملها، وتصحيح ما طرأ عليها من انحرافٍ أو نقص. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ ليهدم كلَّ ما عُرف من الأخلاق الحسنة قبل بعثته، وإنما جاء بوحي الله تعالى ليقرَّ الحقَّ منها، ويهذِّبها، ويكمِّلها، ويبيِّن للناس ميزان الأخلاق المرضية عند الله عز وجل.

 

وأمَّا قوله: «صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»، وفي الرواية الأخرى: «مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»، فالمراد بها الخصال الحميدة والصفات الفاضلة التي تصلح بها أحوال العباد، وتستقيم بها معاملاتهم، وتظهر بها آثار الإيمان في أقوالهم وأفعالهم؛ كالحلم والصدق والحياء والتواضع والصبر والرحمة وحسن العشرة وكفِّ الأذى عن الناس. وليس المقصود بالأخلاق مجرَّد اللطف في الكلام أو حسن المظهر، بل يدخل فيها صلاح الباطن والظاهر، واستقامة القصد والعمل، والقيام بحقوق الله وحقوق عباده.

 

ومن هنا يظهر أنَّ حسن الخلق ليس أمرًا ثانويًّا في حياة المسلم، ولا زينةً اجتماعيةً منفصلةً عن الدين، بل هو من محاسن هذا الدين العظيم، ومن ثمرات الإيمان الصادق. فكلَّما ازداد العبد فقهًا في دين الله، واتباعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وجب أن يظهر أثر ذلك في أخلاقه ومعاملاته؛ فيكون صادق اللسان، أمينًا في تعامله، رحيمًا بالضعيف، حليمًا عند الغضب، منصفًا عند الخصومة، بعيدًا عن الظلم والكذب والغش وسوء المعاملة.

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى لهداية الخلق وإصلاحهم، وكان من الغايات العظيمة لرسالته إتمام مكارم الأخلاق وصالحها، حتى يجتمع للإنسان صلاح العقيدة والعبادة والسلوك والمعاملة.

 

فالخلق الحسن الذي يرضاه الله ليس ما استحسنه الناس بأهوائهم فحسب، وإنما ما وافق هدي الوحي، وجاءت الشريعة بمدحه والأمر به.

 

وبذلك يكون المسلم متبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته وأخلاقه، ويظهر جمال الإسلام في حياته، ويكون سببًا في تأليف القلوب ونشر الخير ودفع الشر، والله تعالى أعلم.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 104) (رقم: 273)، و"التاريخ الكبير" (7/ 188) (رقم: 835)، والبُرْجُلاَنِيُّ (ص: 29) (رقم: 1)، الطبقات الكبرى ط دار صادر (1/ 192)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 381) (رقم: 8952)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (ص: 21) (رقم: 13)، والبزار في "مسنده" = "البحر الزخار" (15/ 364) (رقم: 8949)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (11/ 262) (رقم: 4432)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص: 27) (رقم: 1_2)، وأبو محمد الفاكهي في "الفوائد" (ص: 527) (رقم: 277)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 670) (رقم: 4221)، وتَمَّام الرازيُّ في "الفوائد" (1/ 121) (رقم: 276)، وابنُ بِشْرَانَ في "الأمالي" - الجزء الأول (ص: 326) (رقم: 754)، والقُضاعِيّ في "مسند الشهاب" (2/ 192) (رقم: 1165)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 323) (رقم: 20782)، وفي "شعب الإيمان" (10/ 352) (رقم: 7609)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/ 92) (رقم: 40)، وابن عبد البر في "التمهيد" (24/ 333) (رقم: 228)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (19/ 252)، وأبو سعد السمعاني في "أدب الإملاء" (ص: 25): عن أبي هريرة _رضي الله عنه_.[2]

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الأدب المفرد" (ص: 118) (رقم: 207)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 464) (رقم: 2349)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (1/ 112) (رقم: 45)

 

وصححه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (14/ 512) (رقم: 8952)، وحسّنه الشيخ مقبل الوادعي _رحمه الله_ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (2/ 374) (رقم: 1373).

 

وقال أبو سليمان جاسم بن سليمان حمد الفهيد الدوسري _حفظه الله_ في "الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام" (3/ 293_294):

"وإسناده حسن، ابن عجلان فيه كلام يسيرٌ.

قال الهيثمي (9/ 15) والسخاوي في "المقاصد" (ص 105): "رجاله رجال الصحيح".

والحديث ذكره مالك في "الموطأ" (2/ 904) بلاغًا، وقال ابن عبد البر -كما في "المقاصد" (ص 105) -: "هو متّصلٌ من وجوه صحاحٍ عن أبي هريرة وغيره مرفوعًا".

وله شاهد من حديث معاذ:

أخرجه ابن منيع والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما -كما في___"المطالب" (ق 87/ أ) - والبزّار (كشف- 1973) والطبراني في "الكبير" (20/ 65 - 66) والبيهقي في "الشعب" (6/ 231) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن مكحول عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم عنه مرفوعًا: "إنما بُعثت على تمام محاسن الأخلاق" ولفظ البزار: "بعثت بمحاسن .. ".

قال الهيثمي (8/ 23): "وفيه عبد الرحمن بن أبي بكر الجُدْعاني، وهو ضعيف". أهـ. قلت: وشهر ليّن." اهـ

 

قلت: وله شاهد من حديث جابر أخرجه البغوي في "شرح السنة" (13/ 202) (رقم: 3622_3623)

 

من فوائد الحديث:

 

قال زيد المدخلي _رحمه الله_ في عون الأحد الصمد (1/ 299):

"وهذا الحديث كمثل ما سبقه من أحاديث الباب،

فيه: بيان لأهمية حسن الخلق في الإسلام وأنه من الأصول التي اهتم ببيانها النبي _صلى الله عليه وسلم_، ودعا إليها الناس،

فلا يمكن أن تطيب الحياة، إلا لمن كان خلقه حسنا، فهو دعوة لكل مسلم ومسلمة أن يتخلقوا بالخلق الحسن الذي دل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة، والله أعلم." اهـ

 

الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (19/ 75):

“قال الباجي:

(كانت العرب أحسن الناس أخلاقا مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلوا بالكفر عن كثير منها، فبعث _صلى الله عليه وسلم_ ليتمم محاسن الأخلاق ببيان ما ضلوا عنه، وبما خص به في شرعه).

قال ابن عبد البر:

(ويدخل فيه الصلاح والخير كله والدين والفضل والمروءة والاحسان والعدل فبذلك بعث ليتممه)." اهـ

 

مجموع فتاوى ابن باز (7/ 152)

وهذه الأخلاق بينها الله في كتابه العظيم وبينها الرسول عليه الصلاة والسلام، بينها في القرآن الكريم في غالب سور القرآن بينها آمرا بها وداعيا إليها ومثنيا على أهلها ومحذرا من أضرارها من الإشراك بالله وسائر المعاصي.

والله سبحانه بعث رسوله عليه الصلاة والسلام يدعو إلى ذلك كما في الحديث الصحيح وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق (3) » ، وفي اللفظ الآخر: «لأتمم مكارم الأخلاق» ، فبعثه الله ليدعو الناس لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.

وأساسها توحيد الله والإخلاص له هذا هو أصل الأخلاق الكريمة وأساسها وأعظمها وأوجبها وهو توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به، ثم يلي ذلك الصلوات الخمس___

مجموع فتاوى ابن باز (7/ 153)

فهي أعظم الأخلاق وأهمها بعد التوحيد وترك الإشراك بالله سبحانه وتعالى، وقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه بأنه على خلق عظيم فقال جل وعلا: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (1) وخلقه صلى الله عليه وسلم هو اتباع القرآن والسير على منهج القرآن فعلا للأوامر وتركا للنواهي، هذا هو خلقه عليه الصلاة والسلام؟ كما قالت أم المؤمنين رضي الله عنها عائشة لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان خلقه القرآن» [حم]،

والمعنى أنه كان يعمل بأوامر القرآن وينتهي عن نواهي القرآن، وَيَسِيْرُ على المنهج الذي رسمه القرآن - عليه الصلاة والسلام -،

فهذا هو الخلق العظيم الذي أعطاه الله نبيه وهو الامتثال لأوامر الله وترك نواهيه والاستقامة على الأخلاق والأعمال التي يحبها ويرضاها سبحانه وتعالى.

ومن تدبر القرآن الكريم واعتنى به وأكثر من تلاوته يريد فهم هذه الأخلاق ويريد العلم بها وجد ذلك.

 

قال محمد لقمان الصديقي السلفي _رحمه الله_ في كتابه "رش البرد شرح الأدب المفرد (ص: ):

"فقه الحديث:

1/ قال ابن عبدِ البر: ويدخل في محاسن الأخلاق الصلاحُ والخيْر كلّه والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل، فبذلك بُعث _صلّى الله عليهِ وسلّم_ ليتمّمه. انتهى. أي: يُبلّغه نهايته، فإن الأخلاق الكريمة بمجموعها لم تُوجد، إلّا في دين الإسلام." اهـ

 

قال الشاطبي _رحمه الله_ في "الموافقات" (2/ 124_126):

"وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ تَخَلُّقٌ بمكارمِ الْأَخْلَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ".

إِلَّا أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

* أَحَدُهُمَا:

مَا كَانَ مَأْلُوفًا وَقَرِيبًا مِنَ الْمَعْقُولِ الْمَقْبُولِ، كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا خُوطِبُوا بِهِ، ثُمَّ لَمَّا رَسَخُوا فِيهِ تَمَّمَ لَهُمْ مَا بَقِيَ، وَهُوَ:

* الضَّرْبُ الثَّانِي:

وَكَانَ مِنْهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فأُخِّرَ، حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِهِ تَحْرِيمُ الرِّبَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ الَّذِي كان معهودا عندهم على الجملة.___

أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِلْعَرَبِ أَحْكَامٌ1 عِنْدِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ، كَمَا قَالُوا فِي الْقِرَاضِ، وَتَقْدِيرِ الدِّيَةِ وَضَرْبِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْقَافَةِ2، وَالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَالْحُكْمِ فِي الْخُنْثَى، وَتَوْرِيثِ الْوَلَدِ لِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْقَسَامَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ.

ثُمَّ نَقُولُ: لَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ حَتَّى خُوطِبُوا3 بِدَلَائِلِ التَّوْحِيدِ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ سَمَاءٍ، وَأَرْضٍ، وَجِبَالٍ، وَسَحَابٍ، وَنَبَاتٍ وَبِدَلَائِلِ الْآخِرَةِ وَالنُّبُوَّةِ كَذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْبَاقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرَائِعِ الأنْبياء شَيْءٌ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبِيهِمْ، خُوطِبُوا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَدُعُوا إِلَيْهَا، وَأَنَّ مَا جاء به محمد صلى الله عليهوسلم هِيَ تِلْكَ بِعَيْنِهَا: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} [الْحَجِّ: 78] .

وَقَوْلِهِ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا} الآية [آل عمران: 67] .

غَيْرَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جُمْلَةً مِنْهُمْ، وَزَادُوا، وَاخْتَلَفُوا، فَجَاءَ تَقْوِيمُهَا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُخْبِرُوا بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا هُوَ لَدَيْهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأُخْبِرُوا عَنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَأَصْنَافِهِ بِمَا هُوَ مَعْهُودٌ فِي تَنَعُّمَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، لَكِنْ مُبَرَّأٌ مِنَ الْغَوَائِلِ والآفات التي تلازم التنعم الدُّنْيَوِيَّ، كَقَوْلِهِ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الْوَاقِعَةِ: 27-30] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.

وبَيَّنَ مَنْ مَأْكُولَاتِ الْجَنَّةِ وَمَشْرُوبَاتِهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، كَالْمَاءِ،___وَاللَّبَنِ، وَالْخَمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالنَّخِيلِ، وَالْأَعْنَابِ، وَسَائِرِ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ مَأْلُوفٌ دُونَ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَوَاكِهِ الْأَرْيَافِ وَبِلَادِ الْعَجَمِ، بَلْ أَجْمَلَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْفَاكِهَةِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النَّحْلِ: 125]

فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ، وَقَدْ كَانُوا عَارِفِينَ بِالْحِكْمَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ حُكَمَاءُ، فَأَتَاهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ بِمَا عَجَزُوا عَنْ مِثْلِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ أَهْلُ وَعْظٍ وَتَذْكِيرٍ، كقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ1 وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُجَادِلْهُمْ إِلَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْجَدَلِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْقُرْآنَ وَتَأَمَّلَ كَلَامَ الْعَرَبِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَجَدَ الْأَمْرَ سَوَاءً إِلَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ مِنَ الْخَوَاصِّ الْمَعْرُوفَةِ.

وَسِرْ فِي جَمِيعِ مُلَابَسَاتِ الْعَرَبِ هَذَا السَّيْرَ، تَجِدِ الْأَمْرَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَضَحَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لَمْ تَخْرُجْ عما ألفته العرب." اهـ

 

مجموع الفتاوى (1/ 195)

فَاَلَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَوْحِيدٌ وَعَدْلٌ وَإِحْسَانٌ وَإِخْلَاصٌ وَصَلَاحٌ لِلْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ فِيهِ شِرْكٌ وَظُلْمٌ وَإِسَاءَةٌ وَفَسَادُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.

فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِعِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَى عِبَادِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} وَهَذَا أَمْرٌ بِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ} رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِه." اهـ

 

مجموع الفتاوى (28/ 121_122):

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي صِفَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} هُوَ بَيَانٌ لِكَمَالِ رِسَالَتِهِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ؛ وَأَحَلَّ كُلَّ طَيِّبٍ وَحَرَّمَ كُلَّ خَبِيثٍ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّمَا بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ}. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: {مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ___رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ؛ فَكَانَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا؛ وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ فَأَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ} .

فَبِهِ كَمُلَ دِينُ اللَّهِ الْمُتَضَمِّنُ لِلْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَإِحْلَالِ كُلِّ طَيِّبٍ وَتَحْرِيمِ كُلِّ خَبِيثٍ.

وَأَمَّا مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرُّسُلِ فَقَدْ كَانَ يُحَرِّمُ عَلَى أُمَمِهِمْ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ كَمَا قَالَ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} .

وَرُبَّمَا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الْخَبَائِثِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} .

وَتَحْرِيمُ الْخَبَائِثِ يَنْدَرِجُ فِي مَعْنَى " النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ " كَمَا أَنَّ إحْلَالَ الطَّيِّبَاتِ يَنْدَرِجُ فِي " الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ " لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّيِّبَاتِ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِجَمِيعِ الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ مِمَّا لَمْ يَتِمَّ إلَّا لِلرَّسُولِ؛ الَّذِي تَمَّمَ اللَّهُ بِهِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ الْمُنْدَرِجَةَ فِي الْمَعْرُوفِ.

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

وفي هذا الحديث العظيم جملةٌ من الفوائد النفيسة، والمعاني الشريفة، والقواعد التربوية التي ينبغي للمسلم أن يتفقَّه فيها، ويجتهد في تحقيقها في نفسه ومعاملته مع الخلق.

 

١- بيان عظيم الغاية التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها.

ففي الحديث بيان أنَّ من أعظم الغايات التي جاءت بها الرسالة المحمدية إتمام صالح الأخلاق ومكارمها، وإرشاد الخلق إلى ما يصلح قلوبهم وأعمالهم ومعاملاتهم. وليس المقصود حصر جميع مقاصد البعثة في هذا الأمر وحده، بل بيان شأن الأخلاق العظيم في رسالة الإسلام.

 

٢- أنَّ الأخلاق الفاضلة من محاسن هذا الدين العظيم.

فالإسلام دينٌ يجمع بين صلاح الاعتقاد، وصحة العبادة، واستقامة السلوك، وحسن المعاملة؛ فلا يكتمل فهم العبد لجمال الشريعة حتى يعرف ما فيها من الدعوة إلى الصدق والأمانة والرحمة والعدل والإحسان.

 

٣- أنَّ الشريعة جاءت بإتمام مكارم الأخلاق وتهذيبها.

فقوله صلى الله عليه وسلم: «لِأُتَمِّمَ» يدلُّ على الإكمال والبلوغ بالشيء إلى غايته. فالشريعة تُقرُّ من الأخلاق ما كان حقًّا وخيرًا، وتدعو إلى استكمال محاسنها، وتنهى عن رذائلها وما يناقض العدل والحق.

 

٤- أنَّ حسن الخلق من دلائل كمال اتباع النبي _صلى الله عليه وسلم_.

فكلَّما ازداد المسلم علمًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم واتباعًا له، وجب أن يظهر أثر ذلك في سلوكه؛ فيصدق في حديثه، ويحفظ أمانته، ويحسن إلى جاره، ويرفق بمن تحت يده، ويكفَّ أذاه عن المسلمين.

 

٥- أنَّ الأخلاق ليست أمرًا هينا في حياة المسلم، بل هي من الأمور التي عظَّمها الإسلام، وحثَّ عليها، ورتَّب على كثيرٍ منها الأجر والثواب. فلا ينبغي للعبد أن يعتني بصور العبادات الظاهرة، ثم يُهمل حقوق الخلق، أو يستبيح أعراضهم، أو يظلمهم في أقواله وأفعاله.

 

٦- أنَّ صلاح الظاهر ينبغي أن يقترن بصلاح الباطن، فليس حسن الخلق مجرَّد التلطُّف في الكلام، أو التبسُّم في وجوه الناس، وإنما يشمل سلامة الصدر من الحقد والحسد، وإخلاص القصد، وصدق النية، وحبَّ الخير للغير، مع ظهور آثار ذلك في القول والعمل.

 

٧- أنَّ الأخلاق الحسنة تشمل حقوق الله وحقوق العباد،

فمِنْ حُسنِ الخلق مع الله تعالى: تعظيم أوامره، والوقوف عند حدوده، وشكره على نعمه. ومن حسن الخلق مع العباد: أداء حقوقهم، والصدق معهم، والرفق بهم، وكفُّ الظلم والأذى عنهم. ولا يستقيم أمر المسلم إلا بمراعاة هذه الحقوق بحسب ما أوجبه الشرع.

 

8 - فهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في بيان مكانة الأخلاق في الإسلام، وأنَّ الرسالة المحمدية جاءت بإتمام صالح الأخلاق ومكارمها، وربطها بالوحي والإيمان والعمل الصالح. ومن أعظم ما ينتفع به المسلم منه أن يجاهد نفسه على الصدق والأمانة والرحمة والحلم والتواضع والعدل، وأن يجعل حسن خلقه شاهدًا على صدق اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم.

 



[1] قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (10/ 195) (رقم: 43):

"أَبُو العَتَاهِيَةِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ قَاسمِ بنِ سُوَيْدٍ العَنَزِيُّ: رَأْسُ الشُّعرَاءِ، الأَدِيْبُ، الصَّالِحُ الأَوْحَدُ، أَبُو إِسْحَاقَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ قَاسمِ بنِ سُوَيْدِ بنِ كَيْسَانَ العَنَزِيُّ مَوْلاَهُمُ، الكُوْفِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ." اهـ

وفيات الأعيان (1/ 222) (رقم: 94):

"وكانت ولادته في سنة ثلاثين ومائة، وتوفي يوم الاثنين لثمان أو ثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة ، وقيل: ثلاث عشرة ومائتين ببغداد، وقبره على نهر عيسى قبالة قنطرة الزياتين، رحمه الله تعالى." اهـ

 

[2] قال ابن عبد البر _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (24/ 333): "وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام