شرح الحديث 234 (الترغيب في الأذان وما جاء في فضله) من صحيح الترغيب

 

234 - (4) [حسن صحيح] وعن أبي هريرة _رضي الله عنه_:

عن النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قال:

"المؤذنُ يُغفَر له مَدَى صوتِهِ، ويُصَدِّقُه كلُّ رطْبٍ ويابسٍ".

رواه أحمد واللفظ له، وأبو داود، وابن خزيمة في "صحيحه"، وعندهما:

"ويشهد له كلُّ رَطْبٍ ويابسٍ".

[صحيح] والنسائي، وزاد فيه:

"وله مثلُ أجرِ من صلّى معه" (1).

[حسن صحيح] وابن ماجه، وعنده:

"يُغْفَر له مَدَّ صوتِه، ويستغفرُ له كلُّ رَطبٍ ويابس".

[حسن صحيح] وابن حبان في "صحيحه"، ولفظه:

"المؤذِّنُ يُغفَر لَه مدَّ صوتِهِ، ويشهدُ له كلُّ رَطبٍ ويابسٍ، وشاهدُ (2) الصلاةِ يُكتبُ له خمسٌ وعشرون حسنةً، ويُكَفَّرُ عنه ما بينهما" (3).

قال الخطّابي رحمه الله:

"مدى الشيء: غايته، والمعنى أنه يستكمل مغفرةَ الله تعالى إذا استوفى وُسْعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت" (4).

قال الحافظ رحمه الله:

"ويشهد لهذا القول رواية من قال: "يغفر له مدَّ صوته"، بتشديد الدال، أي: بقدر مدِّه صوتَه".

قال الخطّابي رحمه الله:

"وفيه وجه آخر هو أنه كلام تمثيل وتشبيه، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوب تملأ تلك المسافة لَغفرها الله" (5) انتهى.

__________

(1) هذه الزيادة عند النسائي من حديث البَرَاءِ الآتي بعده، وليس من حديث أبي هريرة كما يوهم صنيع المؤلف، فتنبه.

(2) أي: شاهد الجماعة بأذانه يُكتَب له ما في تفضيل صلاة الجماعة على المنفرد. والله أعلم.

(3) هذه الزيادة عند أحمد أيضاً ومن ذُكِر معه.

(4) "معالم السنن" (1/ 281)، والزيادة منه.

(5) "معالم السنن" (1/ 281)، والزيادة منه.

 

ولفظه في "سنن أبي داود" (1/ 142):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

«الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (2/ 266):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«إِنَّ الْمُؤَذِّنَ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ، وَلِلشَّاهِدِ عَلَيْهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً»

 

وقال ناصر الدين عبد الله بن عمر، الشهير بـ"القاضي البيضاوي" (ت 685هـ) _رحمه الله_ في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (1/ 252):

"أي: يستغفر له كل من سمع صوته، فحضر الصلاة، وذلك لأن الصلاة كفارة لما سبق من الخطايا، فمن سمع صوت المؤذن وأسرع إلى الصلاة، غفرت خطاياه للصلاة المسببة من ندائه، فكأنه غفر لأجله،

ويحتمل أن يكون المراد به: أن المؤذن يُغفر له خطاياه، وإن كانت بحيث لو فرضت أجساما، ملأت ما بين الجوانب التي يبلغها مدى صوته." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (10/ 443):

"(ويشهد له) على أذانه أو بصدقه بما يقوله ويتابعه عليه. فالأُوْلَى في الآخرة، والثانِيْ في الدنيا." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عِظم فضل الأذان ورفيع منزلة المؤذنين عند الله تعالى؛ فإن المؤذن إذا نادى للصلاة، وأذَّن لله _تعالى_ مخلصًا له، نال مغفرةً تمتد إلى غاية صوته، أي: إلى الموضع الذي ينتهي إليه صوته ويبلغه نداؤه، كما تشهد له المخلوقات التي تسمع أذانه، من ذوات الرطوبة واليبوسة، بما سمعته من ذكر الله تعالى والدعوة إلى عبادته.

 

وهذه الشهادة من دلائل تشريف المؤذن وإظهار فضله؛ إذ جعل الله _تعالى_ لهذه المخلوقات شهادةً له يوم القيامة، على ما صدر منه من الأذان الذي هو إعلان بتوحيد الله _تعالى_، والشهادة لرسوله _صلى الله عليه وسلم_ بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة والفلاح.

 

ثم بيّن النبي _صلى الله عليه وسلم_ فضْلَ من يشهد الصلاة ويجيب نداء المؤذن، فذكر أن من حضر الصلاة كُتب له من الثواب خمس وعشرون صلاةً كما في رواية أبي داود، وأنه يُكفَّر عنه ما بين الصلاتين من الذنوب التي تكفّرها الصلاة، بفضل الله تعالى ورحمته.

 

وجاء في رواية الإمام أحمد: أنَّ لِمَنْ شهِد الصلاةَ خمسًا وعشرين درجة، وفي ذلك بيان عظيم ثواب شهود الصلاة والإجابة إلى نداء الله تعالى.

 

فالحديث يجمع بين فضل الداعي إلى الصلاة، وهو المؤذن، وفضل المستجيب لهذا النداء، وهو من يشهد الصلاة؛ فالمؤذن ينال فضل الأذان والمغفرة والشهادة له، والمجيب ينال عظيم الأجر ورفعة الدرجات وتكفير السيئات.

 

وفيه أيضًا حثٌّ على المحافظة على الأذان وإقامته على الوجه المشروع، والعناية بشهود الصلاة، وعدم التفريط في هذه الشعيرة العظيمة؛ لما اشتملت عليه من ذكر الله _تعالى_، وإظهار شعائر الإسلام، واجتماع المسلمين على عبادة ربهم.

 

فالحديث يدل على عظيم فضل الأذان والمؤذنين، وأن المخلوقات تشهد للمؤذن بما سمعته من ندائه، وأن إجابة النداء وشهود الصلاة من أسباب مضاعفة الأجر ورفعة الدرجات وتكفير السيئات، وكل ذلك من فضل الله تعالى على عباده، إذ جعل لهم في الدعوة إلى الصلاة والاستجابة لها أبوابًا عظيمة من الثواب والمغفرة، والله تعالى أعلم.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 142) (رقم: 515)، والنسائي في "سننه" (2/ 12) (رقم: 645)، وفي "السنن الكبرى" (2/ 239) (رقم: 1621)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 240) (رقم: 724)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (4/ 274) (رقم: 2665)، مصنف عبد الرزاق الصنعاني (1/ 484) (رقم: 1863)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 204) (رقم: 2349)، مسند إسحاق بن راهويه (1/ 198) (رقم: 152)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (2/ 266 و 2/ 411 و 2/ 429 و 2/ 458 و 2/ 461) (رقم: 7611 و 9328 و 9542 و 9906 و 9935)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 419) (رقم: 1437)، أبو بكر الباغَندي في "الأمالي" (ص: 64) (رقم: 52)، وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 204) (رقم: 390)، وأبو محمد الفاكهي في "الفوائد" (ص: 408) (رقم: 190)، وابن حبان في "صحيحه" (4/ 551) (رقم: 1666)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (1/ 45) (رقم: 121)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 584 و 1/ 633) (رقم: 1861 و 2028_2029)، وفي "شعب الإيمان" (4/ 448) (رقم: 2794)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" – ت. بشار (13/ 525) (رقم: 4012)، والبغوي في "شرح السنة" (2/ 272) (رقم: 411).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (1/ 191) (رقم: 292)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 211) (رقم: 667)، و"صحيح أبي داود" - الأم (2/ 442) (رقم: 528)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 390 و 2/ 1128) (رقم: 1929 و 6644)، "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (3/ 223) (رقم: 1664).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (8/ 121):

"المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو الترغيب في رفع الصوت بالأذان، بحيث لا يتضرر به، لكونه سببًا للمغفرة، وشهادة كل شيء

له، ولأن فيه الأمر بحضور الصلوات، فكلما كان أدعى للإسماع كان أولى، لما يترتب عليه من زيادة الخير.

وقد روى البيهقي بسنده عن أبي محذورة رضي الله عنه، قال: "لما قدم عمر رضي الله عنه مكة أذنت، فقال لي: يا أبا محذورة أما خفت أن ينشق مُرَيْطَاؤُكَ". "السنن الكبرى" جـ 1 ص 397 والمريطاء: بضم الميم، وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية: عرقان في مراقِّ البطن، يعتمد عليهما الصائح، قاله في "اللسان".

ومنها: ثبوت المغفرة للمؤذن بمد صوته.

ومنها: رِفْعَةُ شأن المؤذن يوم القيامة، حيث شهد له كل رطب ويابس، ممن سمع صوته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان." اهـ

 

وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/ 54):

"قوله: (يكتب له خمس وعشرون صلاة)؛ أي: ثواب خمس وعشرون صلاة.

وقد جاء في الأحاديث مقاديرُ من الثواب مثل هذا، وفي صلاة الجماعة: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة)، وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة).

والحكمةُ في هذه المقادير: شيءٌ علمه النبي عليه السلام، كمقادير عدد ركعات الصلاة، ونصاب الإبل وغيرها من الزكاة، ومن قال فيها شيئًا؛ فقد قاله عن التكلف.

قوله: (ما بينهما)؛ أي: ما بين أذان إلى أذان آخر." اهـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين (المتوفى: 734 هـ) _رحمه الله_ في "النفح الشذي شرح جامع الترمذي" – ط. الصميعي (4/ 28)

"فيه: رفع الصوت بالأذان، وينبغي للمؤذن أن يرفع الصوت بالأذان، وأن يبالغ ما لم يجهده لأنه أمر بالمجيء إلى الصلاة،

فكلما كان أدعى لإسماع المأمورين بذلك، كان أولى." اهـ

 

وقال عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد الرَّحْمَانِيُّ الْمُبَارَكْفُوْرِيُّ (المتوفى: 1414 هـ) _رحمه الله_ في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 374):

"والحديث يدل على استحباب مد الصوت بالأذان لكونه سبباً للمغفرة، وشهادة الموجودات، ولأنه أمر المجئ إلى الصلاة، فكل ما كان أدعى لإسماع المأمورين بذلك كان أولى." اهـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين (المتوفى: 734 هـ) _رحمه الله_ في "النفح الشذي شرح جامع الترمذي" – ط. الصميعي (4/ 28):

"وقد قال _عليه السلام_: (إذا نودي بالصلاة، أدبر الشيطان)، الحديثَ. [خ م]

وطرد الشيطان فعل حسن، قال أبو عمر: وفي هذا الحديث فضل عظيم للأذان، ألا ترى أن الشيطان يدبر منه ولا يدبر من تلاوة القرآن في الصلاة بدليل قوله: (فإذا قضى التثويب، أقبل)." اهـ

 

قال شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (743 هـ) _رحمه الله_ في "الكاشف عن حقائق السنن" (3/ 917):

"قوله: (وشاهد الصلاة يكتب له) عطف على قوله: (المؤذن يغفر له)،

وفيه: إشعارٌ بأن الجملة الثانية مسببة عن الأولى، وأن العطف بيان لحصول الجملتين في الوجود، وتفويض ترتب الثانية علي الأولي موكول إلي ذهن السامع الذكي، وإن كانت متأثرة عن الأولي ومسببة عنها بهذا الاعتبار، كذلك الأولى متأثرة عن الثانية باعتبار مضاعفة الثواب،

وإليه أشار من قال: يغفر للمؤذن لأن كل من سمع صوته أسرع إلي الصلاة، ثم غفرت خطاياه للصلاة المسببة لندائه، فكأنه لأجل إسراع الشاهد قد غفر للمؤذن، والله أعلم." اهـ

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "شرح أبي داود" (2/ 463):

"فإن قيل: ما الحكمة في تعبين الخمس والعشرين؟

قلت: الذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأَسرار الربانية، والعنايات المحمديّة: أن كل حسَنة بعشر أمثالها بالنّص، وأنه لو صلى في بَيته كان يَحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سُوقه كان يحصل له ثواب عشر صلوات، كل صلاة بعشرِ، ثم إنه لو صلى بالجماعة يحصل له ما كان يحصل له/من الصلاة في بَيته وفي سوقه، ويُضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاةً. وأما زيادة الخمسة؛ فلكونه أدى فرضا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نطير عدد الفروض الخمسة، زيادة على العشرين، إنعاما وفضلا منه عليه، فيصير الجملة خمسةً وعشرين.

وجواب آخر: أن مراتب الأعداد: آحاد وعشرات ومئات وألوف: والمائة من الأوساط، وخير الأمور: أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المائة، وللربع حكم الكل." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) _رحمه الله_ في "تنوير الحوالك شرح موطأ مالك" (1/ 68):

"قَالَ الزين بن الْمُنِير:

السِّرّ فِي هَذِه الشَّهَادَة مَعَ أَنَّهَا تقع عِنْد عَالِمِ الْغَيْب وَالشَّهَادَة: أَن أَحْكَام الْآخِرَة جرت على نعت أَحْكَام الْخلق فِي الدُّنْيَا من تَوْجِيه الدَّعْوَى وَالْجَوَاب وَالشَّهَادَة وَقَالَ التوربشتي المُرَاد من هَذِه الشَّهَادَة إشهار الْمَشْهُود لَهُ يَوْم الْقِيَامَة بِالْفَضْلِ وعلو الدرجَة،

وكما أَن الله يفضح بِالشَّهَادَةِ قوما، فَكَذَلِك يكرم بِالشَّهَادَةِ آخَرين.

وَقَالَ الْبَاجِيّ: فَائِدَة ذَلِك أَن من يشْهد لَهُ يكون أعظم أجرا فِي الْآخِرَة مِمَّن أذن فَلم يسمعهُ من يشْهد لَه." اهـ

 

وقال علي بن سلطان، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014 هـ) _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 567):

"فَإِذَا كُتِبَ لِشَاهِدِ الْجَمَاعَةِ بِأَذَانِهِ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَتْبِ مِثْلِهِ لِلْمُؤَذِّنِ، وَمِنْ ثَمَّ عُطِفَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ يُغْفَرُ لَهُ لِبَيَانِ أَنَّ لَهُ ثَوَابَيْنِ: الْمَغْفِرَةَ وَكِتَابَةَ مِثْلِ تِلْكَ الْكِتَابَةِ." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله_ في "فيض القدير" (6/ 249):

"قال ابن عربي: والمؤذنون أفضل جماعةٍ دعت إلى الله عن أمر الله ورسوله ولولا رفق المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأمته لأذن فإنه لو أذن وتخلف عن إجابته من سمعه إذا قال حي علي الصلاة عصى {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]." اهـ

 

وقال أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيِّ» (المتوفى: سنة 1176 هـ) _رحمه الله_ في "حجة الله البالغة" (1/ 324):

"قَوْله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (المؤذنون أطول النَّاس أعناقا)،

وَقَوله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (الْمُؤَذّن يغْفر لَهُ مدى صَوته، وَيشْهد لَهُ الْجِنّ وَالْإِنْس).

أَقُول: أَمْرُ المجازاة مَبْنِيّ على مُنَاسبَة الْمعَانِي بالصور وعلاقةِ الْأَرْوَاح وبالأشباح، فَوَجَبَ أَن يظْهر نباهة شَأْن الْمُؤَذّن من جِهَة عُنُقه وصوته، وتتسع رَحْمَة الله عَلَيْهِ اتساعَ دَعوته إِلَى الْحق." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي داود" – تفريغ الشاملة (72/ 3):

"الذي يشهد الصلاة ويستجيب لهذا النداء يحصل أجراً عظيماً، وهو أن له بتلك الصلاة خمساً وعشرين صلاة، ويغفر له ما بين الصلاتين.

ومن المعلوم: أن المؤذن هو شاهد للصلاة وحاضر في المسجد ومحصل أجر صلاة الجماعة، وكذلك أيضاً يكفر له ما بين الصلاتين،

فالذي يحصل للذين استجابوا لندائه هو حاصل له، ومع ذلك يثاب بكونه المتسبب في دعوتهم وفي وصولهم إلى المسجد،

فكل هذه الأمور التي جاءت في الحديث حاصلة له من جهة أنه يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس،

وهو شاهد الصلاة فيحصل بالصلاة خمساً وعشرين صلاة، ويكفر له ما بين الصلاتين، وأيضاً الذين استجابوا لندائه يثاب على كونه دعاهم، وكونه كان سبباً في وصولهم إلى المسجد.

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" (4/ 174):

"(فقه الحديث):

دلّ الحديث على استحباب رفع الصوت بالأذان لكونه سببا للمغفرة وشهادة الموجودات ولأن فيه الأمر بالمجيء للصلاة فكلما كان أدعى للإسماع كان أولى لما يترتب عليه من زيادة الخير. لكن لا يبالغ في رفع الصوت حتى يتضرّر به." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" (4/ 174):

"ودلّ الحديث أيضا على رفعة شأن المؤذن يوم القيامة، وعلى فضل صلاة الجماعة وأنها تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى من الذنوب." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق" (2/ 51)

"وعلى الجملة: فقد صحت أحاديث كثيرة فى بيان فضل الأذان والمؤذنين، وأنه من أجلّ الطاعات التى يتنافس فيها المتنافسون." اهـ

 

وقال محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ) _رحمه الله_ في "الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق" (2/ 61):

"والغرض من الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة، فطُلِبَ فيه رفع الصوت لتتحقق ثمرته." اهـ

 

قال ابن خزيمة _رحمه الله_ في "صحيحه" (1/ 207):

"وَالْأَذَانُ وَإِنْ كَانَ الْأَعَمُّ أَنَّهُ يُؤَذَّنَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ جَمَاعَةً، فَقَدْ يُؤَذَّنُ أَيْضًا طَلَبًا لِفَضِيلَةِ الْأَذَانِ، أَلَا تَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ وَابْنَ عَمِّهِ إِذَا كَانَا فِي السَّفَرِ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَإِمَامَةِ أَكْبَرِهِمَا أَصْغَرَهُمَا، وَلَا جَمَاعَةَ مَعَهُمْ تَجْتَمِعُ لِأَذَانِهِمَا وَإِقَامَتِهِمَا.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَفِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا كُنْتَ فِي الْبَوَادِي، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ»

فَالْمُؤَذِّنُ فِي الْبَوَادِي، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، إِذَا أَذَّنَ طَلَبًا لِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ، كَانَ خَيْرًا وَأَحْسَنَ وَأَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُصَلِّي بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ.

وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ.

وَالْمُؤَذِّنُ فِي الْبَوَادِي وَالْأَسْفَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ، كَانَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ لِأَذَانِهِ بِالصَّلَاةِ،

إِذِ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لَمْ يَخُصَّ مُؤَذِّنًا فِي مَدِينَةٍ وَلَا فِي قَرْيَةٍ دُونَ مُؤَذِّنٍ فِي سَفَرٍ وَبَادِيَةٍ، وَلَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ إِلَيْهِ لِلصَّلَاةِ جَمَاعَةً دُونَ مُؤَذِّنٍ لِصَلَاةٍ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

فهذا الحديث من الأحاديث العظيمة الواردة في بيان فضل الأذان وشرف المؤذنين، وما أعدَّ الله تعالى لهم من جزيل الثواب، وفيه أيضًا بيان فضل شهود الصلاة وإجابة النداء. وقد اشتملت روايتا أبي داود والإمام أحمد _رحمهما الله تعالى_ على معانٍ جليلة، وفوائد نافعة، وأصول مهمة في الترغيب في الطاعات والحث على تعظيم شعائر الإسلام.

 

وفيما يلي جملة من فوائده، مع بيان كل فائدة بعبارة عربية فصيحة على طريقة أهل العلم المتقدمين.

 

أولًا: الفوائد المتعلقة بفضل الأذان والمؤذنين

١- فيه: عظم فضل الأذان ورفيع منزلته في الإسلام،

فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ خصَّ المؤذن بذكر المغفرة والشهادة له، وهذا يدل على شرف هذه الشعيرة، وعلو منزلتها عند الله تعالى؛ إذ يعلن بها ذكر الله، وتُدعى بها الأمة إلى الصلاة والفلاح.

 

٢- فيه: أن الأذان من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة،

فإن الأذان إعلان بتوحيد الله _تعالى_، والشهادة لرسوله _صلى الله عليه وسلم_ بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة والفلاح؛ فهو شعار ظاهر من شعائر الدين، وبه يُعرف دخول أوقات الصلوات في البلاد والأمصار.

 

٣- إثبات فضل المؤذن وعظيم أجره عند الله _تعالى_،

فإن قوله _صلى الله عليه وسلم_: «المؤذن يُغفر له مدى صوته» يدل على أن المؤذن ينال فضلًا عظيمًا بسبب قيامه بهذه الشعيرة، وفي ذلك ترغيب للمسلمين في الأذان والقيام به على الوجه المشروع.

 

٤- أن فضل الله _تعالى_ واسع، وأنه يجزي على الأعمال بأضعافها،

فإن المغفرة المذكورة في الحديث تدل على عظيم فضل الله تعالى على عباده، وأنه سبحانه يثيب على الطاعة ثوابًا كريمًا، ويتفضل على العاملين بما شاء من رحمته وإحسانه.

 

٥- فيه: الترغيب في احتساب الأجر عند الأذان،

فإن المؤذن إذا قصد بأذانه وجه الله تعالى، وابتغى به إقامة شعيرة الإسلام ودعوة المسلمين إلى الصلاة، كان ذلك من أسباب حصول الثواب. وفيه تنبيه على أهمية إخلاص النية لله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة.

 

٦- أن المؤذن قائم على عمل يتكرر نفعه كلَّ يوم،

فإن الأذان يتكرر بتكرر الصلوات، وفيه تذكير للغافل، وتنبيه للنائم، ودعوة للمشغول إلى إجابة نداء الله تعالى. وهذا مما يبيِّن عظم شأن هذه الوظيفة، وكثرة ما يترتب عليها من المصالح الدينية.

 

٧- أن الدعوة إلى الصلاة من أعظم وجوه الدلالة على الخير،

فإن المؤذن يدعو الناس إلى عبادة هي من أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ومن دلَّ على الخير وأعان عليه كان له من الأجر بحسب ما دلَّ عليه من الخير، على ما جاءت به النصوص الشرعية.

 

٨- أن القيام بشعائر الإسلام الظاهرة من أسباب إظهار الدين وتعظيمه،

فإن الأذان يُظهر ذكر الله تعالى في المساجد والبلدان، ويعلن دخول أوقات الصلاة، ويذكّر الناس بغاية خلقهم، وهي عبادة الله وحده. وفي المحافظة عليه حفظ لشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام.

 

ثانيًا: الفوائد المتعلقة بقوله _صلى الله عليه وسلم_: «يُغفر له مدى صوته»

٩- بيان فضل امتداد صوت المؤذن وبلوغِه أمكنةً بعيدةً،

فإن قوله _صلى الله عليه وسلم_: «مدى صوته» يدل على تعلق الفضل بغاية ما يبلغ إليه صوت المؤذن، على المعنى الذي ذكره أهل العلم في تفسير هذه العبارة. وفي ذلك ترغيب في أداء الأذان أداءً حسنًا واضحًا يبلغ به النداء من يحتاج إلى سماعه.

 

١٠- أن الأذان ليس مجرد ألفاظ تُقال، بل عبادة عظيمة،

فإن ترتب المغفرة على الأذان يدل على أنه عمل تعبدي له منزلته الشرعية، وليس مجرد إعلان عادي عن دخول وقت الصلاة. ولذلك ينبغي للمؤذن أن يؤديه على الصفة المشروعة، مع تعظيم ما يتضمنه من ذكر الله تعالى.

 

١١- أن فضل الله تعالى لا يختص بما يبذله العبد من مال،

فإن المؤذن قد لا ينفق مالًا في أذانه، ومع ذلك ينال فضلًا عظيمًا من الله تعالى. وفي هذا دليل على تنوع أبواب الطاعة، وأن بذل الجهد والقيام بالشعائر المشروعة من أسباب الثواب، كما أن الإنفاق في وجوه البر من أسباب الأجر.

 

١٢- أن المغفرة من أجلِّ ما يرجوه المؤمن من ربه،

فإن العبد مهما اجتهد في الطاعة فهو محتاج إلى عفو الله ومغفرته، وليس له أن يغتر بعمله أو يأمن من التقصير. وفي ذكر المغفرة للمؤذن تذكير بعظيم نعمة الله تعالى على عباده.

 

١٣- أن النصوص المرغِّبة في الطاعات تبعث على علو الهمة.

فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ذكر للمؤذن هذا الفضل العظيم ترغيبًا في الأذان، وحثًّا على المحافظة عليه. وفي ذلك أصل في أن تُذكر فضائل الأعمال الثابتة شرعًا؛ لما فيها من تحريك النفوس إلى الخير.

 

ثالثًا: الفوائد المتعلقة بقوله صلى الله عليه وسلم: «ويشهد له كل رطب ويابس»

١٤- إثبات شهادة المخلوقات للمؤذن،

فإن الحديث دل على أن كل رطب ويابس يشهد للمؤذن، على الوجه الذي أراده الله تعالى. وهذه الشهادة من الأمور التي أخبر بها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان بها على ما يليق بقدرة الله تعالى وحكمته.

 

١٥- أن المخلوقات كلها تحت سلطان الله تعالى وتدبيره،

فإن الذي جعل لهذه المخلوقات شهادةً يوم القيامة هو الله سبحانه، وهو القادر على أن يُنطقها بما شاء، كما قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس: ٦٥].

 

١٦- أن علم الله _تعالى_ محيط بأعمال العباد،

فإن شهادة المخلوقات للمؤذن تذكِّر العبد بأن أعماله ليست خافية على الله تعالى، وأن ما يصدر منه من قول أو فعل محفوظ عليه، وسيجد أثره يوم القيامة. وفي ذلك حث على مراقبة الله تعالى في السر والعلن.

 

١٧- أن عموم الرطب واليابس يدل على سعة الشهادة،

فإن ذكر الرطب واليابس من أساليب التعبير الدالة على الشمول والعموم، وفيه تصوير لعظيم فضل المؤذن، وأن الشهادة له لا تقتصر على جنس معين من المخلوقات، بل تشمل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

 

١٨- أن ما يُسمع من ذكر الله تعالى ليس بالأمر الهيِّن،

فإن الأذان مشتمل على التكبير والشهادتين والدعوة إلى الصلاة والفلاح، وهي كلمات عظيمة المعنى، ظاهرة الدلالة على توحيد الله وتعظيمه. وفي الحديث تنبيه على شرف هذا الذكر، وعظيم أثره في شعائر الإسلام.

 

١٩- أن للمؤمن أن يستبشر بما جاء في النصوص من فضل الأعمال،

فإن الحديث يبشِّر المؤذن بفضل عظيم، ويحثه على القيام بعمله محتسبًا أجره عند الله تعالى، من غير عجب ولا اغترار، بل مع دوام الإخلاص والخوف من التقصير.

 

رابعًا: الفوائد المتعلقة برواية الإمام أحمد: «ويصدقه كل رطب ويابس سمعه»

٢٠- أن التصديق في هذه الرواية بمعنى الشهادة والإقرار بما سمع.

فإن قوله _صلى الله عليه وسلم_: «ويصدقه كل رطب ويابس سمعه» يدل على شهادة ما سمع الأذان للمؤذن، وأنه أدى هذه الشعيرة ودعا إلى الصلاة. وليس المراد مجرد التصديق اللفظي المعتاد بين الناس، بل المعنى الذي يليق بالسياق.

 

٢١- أن سماع الأذان متعلق بفضل هذه الشهادة في الرواية الثانية،

فإن قوله: «سمعه» قيدٌ مذكور في هذه الرواية، فيُراعى عند بيان لفظها ومعناها. وقد جاءت الرواية الأولى بلفظ أعم، وهو: «ويشهد له كل رطب ويابس»، والروايتان تتفقان في أصل بيان فضل المؤذن وشهادة المخلوقات له.

 

٢٢- أهمية ضبط ألفاظ الأحاديث وفَهْمِ الفروق بين الروايات،

فإن اختلاف اللفظ بين «يشهد له» و«يصدقه» يعلِّم طالب العلم أن يعتني بألفاظ السنة، وأن يبيِّن معانيها بحسب ما وردت به الرواية، وألا يجعل اختلاف الألفاظ تعارضًا من غير نظر في السياق وطرق الحديث.

 

خامسًا: الفوائد المتعلقة بفضل شهود الصلاة

٢٣- فضل شهود الصلاة وإجابة نداء المؤذن،

فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لمن شهد الصلاة ثوابًا عظيمًا، فقال في رواية أبي داود: «يُكتب له خمس وعشرون صلاة»، وفي رواية أحمد: «وللشاهد عليه خمس وعشرون درجة». وهذا من أعظم ما يرغِّب المسلم في إجابة النداء والمحافظة على الصلاة.

 

٢٤- أن حضور الصلاة باب من أبواب مضاعفة الأجر،

فإن ذكر خمس وعشرين صلاة في الرواية الأولى يدل على عظيم الثواب الذي يناله المصلي بفضل الله تعالى. وليس المراد أن صلاة واحدة تقوم مقام خمس وعشرين فريضة، بل المراد ما ذكره الحديث من الثواب.

 

٢٥- أن الصلاة سبب لرفعة الدرجات،

فإن قوله _صلى الله عليه وسلم_: «وللشاهد عليه خمس وعشرون درجة» يدل على أن شهود الصلاة سبب لرفعة منزلة العبد عند الله تعالى، وأن الطاعات ترفع صاحبها في درجات الفضل والثواب.

 

٢٦- أن الأجر قد يُعبَّر عنه بمضاعفة العمل، وقد يُعبَّر عنه برفعة الدرجات،

فقد جاءت الرواية الأولى بلفظ «خمس وعشرون صلاة»، وجاءت الثانية بلفظ «خمس وعشرون درجة».

وهذا يلفت النظر إلى تنوع التعبير عن الثواب في النصوص، مع وجوب الرجوع إلى أهل الحديث في دراسة الألفاظ وطرق الرواية قبل الجزم بكيفية الجمع بينها.

 

٢٧- أن الصلاة لا تُترك اعتمادًا على مضاعفة الأجر،

فإن المراد بذكر خمس وعشرين صلاة ليس إسقاط الفرائض المتعددة بأداء صلاة واحدة، وإنما هو بيان الثواب. فمن صلى الفجر، بقيت عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء في أوقاتها، ولا يغني بعضها عن بعض.

 

٢٨- أن شهود الصلاة يشتمل على الاستجابة العملية لنداء الله تعالى.

فإن المؤذن يدعو الناس إلى الصلاة، وشهودها هو الاستجابة لهذا النداء. وفي ذلك دلالة على أن كمال الانتفاع بالشعيرة يكون بالإقبال على الصلاة وأدائها، لا بمجرد سماع الأذان من غير عذر ولا استجابة.

 

سادسًا: الفوائد المتعلقة بقوله صلى الله عليه وسلم: «ويكفَّر عنه ما بينهما»

٢٩- أن الصلاة من أسباب تكفير السيئات،

فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «ويكفَّر عنه ما بينهما» يدل على فضل الصلاة، وأنها من أسباب محو الذنوب التي تكفِّرها، إذا أُديت على الوجه المشروع، واجتنب العبد ما يمنع قبول العمل أو كمال ثوابه.

 

٣٠- أن فضل الله تعالى يجمع للعبد أنواعًا من الثواب.

ففي رواية أبي داود، اجتمع ذكر الثواب المضاعف مع تكفير ما بين الصلاتين. وهذا يدل على عظيم فضل الله تعالى، إذ يجعل للطاعة الواحدة وجوهًا متعددة من الخير، من زيادة الأجر ومحو السيئات.

 

٣١- أن تكفير السيئات لا يسوِّغ الإصرار على المعاصي،

فإن المؤمن لا يتخذ ما ورد في فضائل الصلاة ذريعةً إلى التهاون بالذنوب، بل يجمع بين المحافظة على الصلاة والتوبة من المعاصي، ورد المظالم إلى أهلها.

وما تعلق بحقوق العباد لا يُستهان به، بل لا بد من أداء الحقوق أو استحلال أصحابها حيث يلزم.

 

٣٢- أن العبد محتاج إلى تجديد التوبة والاستغفار،

فإن ذكر تكفير السيئات يذكِّر المؤمن بأن الخطأ والتقصير يقعان من بني آدم، وأن من رحمة الله تعالى أن شرع لهم من الطاعات ما يكون سببًا للمغفرة. فينبغي للعبد أن يكثر من التوبة والاستغفار، ولا يغتر بما يرجوه من فضل الأعمال.

 

سابعًا: الفوائد المتعلقة بالجمع بين الروايتين

٣٣- أن الروايتين تتفقان في أصل الترغيب في الأذان وشهود الصلاة.

فكلتاهما تدلان على فضل المؤذن، وشهادة المخلوقات له، وفضل من يشهد الصلاة. وهذه المعاني هي الأصل المشترك الذي ينبغي إبرازُه عند شرح الحديثين.

 

٣٤- أن اختلاف الألفاظ لا يوجب التعارض بمجرده.

فإن الرواية الأولى ذكرت كتابة خمس وعشرين صلاة وتكفير ما بينهما، والرواية الثانية ذكرت خمسًا وعشرين درجة. ولا يصح الحكم بالتناقض لمجرد اختلاف اللفظ، بل ينبغي جمع طرق الحديث والنظر في ثبوت ألفاظها ومعانيها.

 

٣٥- أن طالب العلم ينبغي له أن ينسب كل لفظ إلى روايته،

فمن الأمانة العلمية أن يقال: «في رواية أبي داود كذا»، و«في رواية أحمد كذا»، وألا تُدمج ألفاظ الروايتين في سياق واحد ثم تُنسب إلى مصدر واحد من غير تمييز.

 

٣٦- أن دراسة الحديث تجمع بين فهم المعنى والعناية بالإسناد واللفظ.

فلا يكفي أن يعرف طالب العلم المعنى العام، بل يحسن به أن يعرف اختلاف الروايات، وما يترتب على ذلك من فروق في الدلالة، مع الرجوع إلى أحكام أهل الحديث على الأسانيد والألفاظ عند الحاجة.

 

٣٧- أن الترغيب في الطاعة من مقاصد السنة النبوية،

فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فضائل الأذان وشهود الصلاة ليبعث الهمم على المحافظة عليهما، ويبيِّن ما فيهما من الخير. وفي هذا أصل في تعليم الناس فضائل الأعمال الثابتة، بأسلوب يبعث في نفوسهم الرغبة في الطاعة.

 

٣٨- أن تعظيم الأذان يقتضي تعظيم الصلاة التي يدعو إليها،

فإن الأذان وسيلة إلى الدعوة إلى الصلاة، فلا يليق بالمسلم أن يعظِّم الأذان بلسانه ثم يفرِّط في الصلاة بلا عذر. بل من تعظيم هذه الشعيرة أن يستجيب لندائها، ويحافظ على الصلاة، ويؤديها على الوجه المشروع.

 

٣٩- أن فضائل الأعمال تُفهم في ضوء سائر النصوص الشرعية.

فإن ما ورد في فضل الأذان وشهود الصلاة يُفهم مع النصوص الآمرة بالإخلاص، والمحافظة على الفرائض، واجتناب المحرمات، والتوبة من الذنوب. فلا يُؤخذ نص في الترغيب بمعزل عن بقية أحكام الشريعة وأصولها.

 

٤٠- أن المؤمن يجمع بين رجاء الثواب والخوف من التقصير.

فهو يرجو ما وعد الله به المؤذنين والمصلين من المغفرة والأجر ورفعة الدرجات، ولا يغتر بعمله، بل يستعين بالله على الإخلاص والمتابعة، ويسأله القبول والمغفرة.

 

ومن أعظم ما يُنتفع به من هذا الحديث أن المسلم لا يكتفي بمعرفة فضائل الأذان والصلاة، بل يجعل تلك الفضائل باعثًا له على العمل؛ فيحافظ على الصلاة، ويجيب النداء، ويعظِّم شعائر الله، ويخلص في عبادته، ويرجو رحمة ربه، ويحذر من الغفلة والتفريط.

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المحافظين على الصلاة، المعظِّمين لشعائر الدين، وأن يغفر لنا ذنوبنا، ويتقبل منا صالح أعمالنا، إنه سميع مجيب، والله تعالى أعلم.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام