شرح الحديث 232 (الترغيب في الأذان، وما جاء في فضله). من صحيح الترغيب
|
232 - (2) [صحيح] وعن عبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي صعصعة (2): أنّ أبا سعيد الخُدري _رضي الله
عنه_، قال له: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ
الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ،
فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: «لاَ
يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؛ إِلَّا
شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»." قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "سَمِعْتُهُ
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." رواه مالك والبخاري
والنسائي وابن ماجه، وزاد: "ولا حَجَرٌ ولا شَجَرٌ، إلا شهِدَ
له". [صحيح] وابن
خُزيمة في "صحيحه"، ولفظه: قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "لا يسمعُ صوتَهُ شجرٌ، ولا مَدَرٌ،
ولا حَجَرٌ، ولا جِنٌ، ولا إنسٌ، إلا شهد له". __________ (2) في الأصل وغيره كمطبوعة الثلاثة
والمخطوطة وغيرها زيادة: "عن أبيه"، وهي وهم وردت عند غير البخاري؛
ولذلك حذفتها انظر "فتح الباري" (2/ 88). |
ترجمة أبي سعيد الخدري -رضي
الله عنه- :
قال المزي في "تهذيب الكمال":
(خ م د ت س ق): سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة
بن عبيد بن الأبجر (وهو: خدرة) بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أبو سعيد
الخدري، صاحب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/
168) (رقم : 28) :
"أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ: سَعْدُ بنُ
مَالِكِ بنِ سِنَانٍ (ع): الإِمَامُ، المُجَاهِدُ، مُفْتِي المَدِيْنَةِ."
اهـ
وفي "سير أعلام النبلاء" - ط الرسالة (3/
169):
"وَكَانَ أَحَدَ الفُقَهَاءِ المُجْتَهِدِيْنَ."
اهـ
و أمه: أنيسة بنت أبي حارثة ، من بنى عدى بن النجار.
سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 169)
وَأَخُو أَبِي سَعِيْدٍ لأُمِّهِ: هُوَ
قَتَادَةُ بنُ النُّعْمَانِ الظَّفَرِيُّ، أَحَدُ البَدْرِيِّيْنَ.
اسْتُشْهِدَ أَبُوْهُ مَالِكٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشَهِدَ
أَبُو سَعِيْدٍ الخَنْدَقَ، وَبَيْعَةَ الرُّضْوَانِ.
استصغر يوم أحد[1]،
و استشهد أبوه يومئذ ،
و غزا بعد ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى
عشرة غزوة . اهـ .
و قال حنظلة بن أبى سفيان عن أشياخه: لم يكن أحد من
أحداث أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفقهَ من أبى
سعيد الخدرى، و فى رواية: أعلم .
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة
الأصحاب" (2/ 602) :
"أول مشاهده الخندق، وغزا مع رَسُول اللَّهِ _صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ اثنتي عشرة غزوة، وكان ممن حفظ عن رَسُول اللَّهِ _صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ سننا كثيرة، وروى عنه علما جما، وكان من نجباء
الأنصار وعلمائهم وفضلائهم." اهـ
وفي "إكمال تهذيب الكمال" (5/ 247):
"قال: وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق، وكانت في شعبان قبل الخندق بثلاثة
أشهر."
وفي "تاريخ بغداد وذيوله" – ط. العلمية (1/
192):
وورد المدائن في حياة حذيفة بْن اليمان، وبعد ذلك مع
عَلِيّ بْن أَبِي طالب لما حارب الخوارج بالنهروان.
وفي "مختصر تاريخ دمشق" (9/ 272):
"شهد خطبة عمر بالجابية وقدم دمشق على معاوية."
اهـ
وفي "إكمال تهذيب الكمال" (5/ 247):
"وذكره المرادي في كتاب «الزمنى» أنه عَمِيَ."
اهـ
قال الحافظ في تهذيب التهذيب 3 / 481 :
و قال أبو الحسن المدائنى : مات سنة ثلاث و ستين .
و قال العسكرى : مات سنة خمس و ستين . اهـ .
وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (3/ 1260):
كَانَ يَسْكُنُ الْمَدِينَةَ، وَبِهَا
تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَلَهُ عَقِبٌ،
وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، كَانَ يُحْفِي
شَارِبَهُ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ.
زاد بعضهم: بالمدينة. روى له الجماعة . اهـ .
وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/
172):
مُسْنَدُ أَبِي سَعِيْدٍ: أَلْفٌ
وَمائَةٌ وَسَبْعُوْنَ حَدِيْثاً، فَفِي (البُخَارِيِّ) وَ (مُسْلِمٍ) :
ثَلاَثَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ.
وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ: بِسِتَّةَ عَشَرَ
حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ: بِاثْنَيْنِ وَخَمْسِيْنَ.
نص الحديث وشرحه:
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة:
أنّ أبا سعيد الخُدري _رضي الله عنه_، قال له:
"إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ
وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ
بِالصَّلاَةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ[2]،
فَإِنَّهُ: «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ
جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ[3]؛
إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»[4]."
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ
اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_."[5]
رواه مالك والبخاري والنسائي وابن ماجه، وزاد:
"ولا حَجَرٌ ولا شَجَرٌ، إلا شهِدَ
له".
[صحيح] وابن خُزيمة في
"صحيحه"، ولفظه: قال:
سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يقول:
"لا يسمعُ صوتَهُ شجرٌ، ولا مَدَرٌ، ولا
حَجَرٌ، ولا جِنٌ، ولا إنسٌ، إلا شهد له"[6].
وقال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير
بـ"ابن قدامة" المقدسي (المتوفى: 620 هـ) _رحمه الله_ في
"المغني" (1/ 292):
"وَالْأَذَانُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ
اللَّفْظُ الْمَعْلُومُ الْمَشْرُوعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِلْإِعْلَامِ
بِوَقْتِهَا. وَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ." اهـ
وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن،
السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه
"فتح الباري" (5/ 226):
"وقوله: (لا يسمع مَدَى صوت المؤذن)، الْمَدَى:
الغايةُ حيث ينتهي الصوت." اهـ
وقال أحمد بن محمد القتيبي المصري، المعروف بـ"القَسْطَلاَّنِيِّ"[7]
(المتوفى: 923 هـ) _رحمه الله_ في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" (2/
6):
"(البادية): الصحراء التي لا عمارة فيها لأجل
إصلاح الغنم بالرعي وهو في الغالب يكون فيها." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (8/ 107)
(فإِذا كنت في غنمك) كلمة "في"
تأتي بمعنى "بين"، كما في قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}
[الفجر: 29]. قاله العيني." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى"
(8/ 108)
قال الجامع: ما ذكره من وجود نسخة "مَدّ"
-بفتح ميم، فتشديد دال- بدل "مَدَى" بالقصر يحتاج إلى تثبت، فإني لم
أرها لغيره. والله أعلم.
وقال التوربشتي _رحمه الله_:
(إنما ورد البيان على الغاية مع حصول الكفاية بقوله:
"لا يسمع صوت المؤذن" تنبيهًا على أن آخر ما ينتهي إليه صوته يشهد له،
كما يشهد له الأولون).
وقال القاضي البيضاوي رحمه الله:
غاية الصوت تكون أخفى، لا محالة، فإذا شهد له مَنْ
بَعُدَ عنه، ووصل إليه هَمْسُ صوته، فلأنْ يشهد له من هو أدنى منه، وسمع مبادئ
صوته أولى. انتهى ذكره العيني.
وقال محمد
بن عبد الباقي بن يوسف المصري الأزهري
المعروف بـ"أبي عبد الله الزُّرْقَانِيُّ المالكي" (المتوفى 1122 ه) _رحمه الله_ في "شرح موطأ الإمام مالك"
(1/ 271)
"(وَلَا إِنْسٌ) قِيلَ خَاصٌّ
بِالْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا شَهَادَةَ لَهُ، قَالَ عِيَاضٌ:
وَهَذَا لَا يُسَلَّمُ لِقَائِلِهِ لِمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ مِنْ خِلَافِهِ.
(وَلَا شَيْءٌ) ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ
الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنُ خُزَيْمَةِ «لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا
مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ»،
وَلَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ
طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ
لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ»." اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
أخبر أبو سعيد الخدري _رضي الله عنه_ عبدَ الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنَّه يراه محبًّا للغنم والإقامة في البادية، ثم أرشده
إلى اغتنام هذه الحال في تحصيل الأجر العظيم، فيأمره إذا كان في غنمه أو في
البادية، وأذَّن للصلاة، أن يرفع صوته بالأذان، ولا يقتصر على صوتٍ خافتٍ مع قدرته
على رفعه؛ لما في ذلك من عظيم الفضل وكثرة الشهود له يوم القيامة.
ثم بيّن أبو سعيد _رضي الله عنه_ سبب هذا الإرشاد، فذكَر
أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ أخبر أنَّ كلَّ ما يبلغ إليه صوْتُ المؤذِّن من
الجنِّ والإنس وغيرهم من المخلوقات يشهد له يوم القيامة، ويشهد كذلك الحجر والشجر
والمدر، كما جاء في رواية ابن خزيمة.
وهذا من فضل الله _تعالى_ على المؤذِّن؛ إذ جعل نداءه
إلى الصلاة سببًا في حصول الشهادة له يوم القيامة، وهي شهادةٌ على عملٍ صالحٍ
أدَّاه ابتغاء مرضاة الله _تعالى_، ودعا به الناس إلى عبادة ربِّهم وإقامة الصلاة.
ففي الحديث: تنبيهٌ إلى أنَّ المؤذِّن لا
ينبغي له أن يستصغر أذانه، ولا أن يظنَّ أنَّ
أذانه في موضعٍ خالٍ من الناس لا فائدة فيه؛ فإنَّ المخلوقات التي يبلغها صوته
تكون من الشهود له يوم القيامة،
وهذا فضلٌ عظيمٌ يستدعي الحرص على الأذان، والعناية
بإقامته على الوجه المشروع، ورفع الصوت به بحسب الاستطاعة ومن غير تكلُّفٍ أو ضرر.
وكذلك دلّ الحديث على أنَّ الإسلام لم يجعل الأذان
مجرَّد إعلامٍ بدخول وقت الصلاة، بل جعله شعيرةً ظاهرةً من شعائر الدين، يُعلَن
بها التوحيد، وتُدعى بها الخلائق إلى عبادة الله _تعالى_، ويترتَّب على أدائها
أجرٌ عظيمٌ وفضلٌ جزيل.
مناسبة الحديث للباب ظاهرةٌ جدًّا؛ فإنَّ
الحافظ المنذري _رحمه الله_ أورده لبيان فضل الأذان، والترغيب في القيام به، ورفع
الصوت بندائه؛ لما يترتَّب على ذلك من الأجر العظيم والشهادة للمؤذِّن يوم
القيامة.
فقد اشتمل الحديث على أمر النبي صلى الله عليه وسلم
برفع الصوت بالأذان، وعلى بيان العلَّة التي من أجلها يُرغَّب في ذلك، وهي أنَّ ما
يسمع صوت المؤذِّن من الجنِّ والإنس وسائر المخلوقات يشهد له يوم القيامة. وهذه
الشهادة من أعظم ما يُرغِّب المسلم في الحرص على هذه الشعيرة، ويُبيِّن شرف
المؤذِّن وعلوَّ منزلته في هذا الباب.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 125 و 4/ 127
و 9/ 159) (رقم: 609 و 3296 و 7548) والنسائي
في "سننه" (2/ 12) (رقم: 644)، وفي "السنن الكبرى" (2/ 239)، (رقم:
1620)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 239) (رقم: 723)، ومالك في "الموطأ"
– ت. الأعظمي (2/ 93) (رقم: 222)، وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (1/
485) (رقم: 1865)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في
"الصلاة" (ص: 153) (رقم: 182)، والْحُميدي في "مسنده" (2/ 5)
(رقم: 749)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 6 و 3/ 35 و 3/ 43) (رقم:
11031 و 11305 و 11393)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي
(ص: 307) (رقم: 997)، وأبو إبراهيم الْمُزَنِيُّ في "السنن المأثورة للشافعي"
(ص: 207) (رقم: 143_145)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (2/ 270) (رقم: 982)،
وابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 203) (رقم: 389)، وأبو العباس السَّرَّاجُ في
"مسنده" (ص: 54) (رقم: 65_66)، وابن المنذر في "الأوسط في السنن
والإجماع والاختلاف" (3/ 39) (رقم: 1197)، وابن حبان في "صحيحه" (4/
546) (رقم: 1661)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (3/ 275) (رقم: 3131)، وأبو
القاسم الجُرْجَانيُّ في "تاريخ جُرجان" (ص: 298) (رقم: 504)، وأَبُو
الحَسَنِ العَتِيْقِيُّ في "التخريج لصحيح الحديث" (ص: 50) (رقم: 27)، والبيهقي
في "السنن الكبرى" (1/ 583 و 1/ 628) (رقم: 1860 و 2007)، وفي "السنن
الصغير" (1/ 121) (رقم: 293)، و"شعب الإيمان" (4/ 448) (رقم: 2793)،
و"معرفة السنن والآثار" (2/ 231_232) (رقم: 2504_2506)، تاريخ بغداد ت
بشار (14/ 346) (رقم: 4233)، والبغوي في "شرح السنة" (2/ 271) (رقم: 410)،
وابن عساكر في "معجمه" (2/ 985) (رقم: 1260)، وأبو القاسم الرافعي في
"التدوين في أخبار قزوين" (3/ 15).
والحديث صحيح: "تخريج
مشكاة المصابيح" (1/ 207) (رقم: 656)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته"
(1/ 481) (رقم: 2450)، و"تخريج الكلم الطيّب" (ص: 93) (رقم: 69)، و"التعليقات
الحسان على صحيح ابن حبان" (3/ 220) (رقم: 1659)، و"الثَّمَرِ المستطاب
في فقه السنة والكتاب" (1/ 162)، مختصر صحيح الإمام البخاري (1/ 201) (رقم: 324).
من فوائد الحديث:
المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 314)
الأذانُ شعارُ المسلمين، وكلمةُ الدِّين، والفرقُ بين
المؤمنين والكافرين. يُسَكَّنُ الدَّهْمَاء وَيَحْقِنُ الدِّماءَ.
الاستذكار (1/ 385_386):
فِيهِ الْأَذَانُ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُسَافِرِ
وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الْأَذَانَ عِنْدَهُ فِي مَسَاجِدِ
الْجَمَاعَاتِ وَحَيْثُ يَجْتَمِعُ النَّاسُ
فَقَدْ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ الْأَذَانِ
لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُعْتَزِلِ آثَارٌ حِسَانٌ سَنَذْكُرُهَا بَعْدُ فِي أَوْلَى
الْمَوَاضِعِ بِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا
وَفِيهِ إِبَاحَةُ لُزُومِ الْبَادِيَةِ وَاكْتِسَابِ
الْغَنَمِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُحِبَّ الغنم والبادية___اقْتِدَاءً
بِالسَّلَفِ وَفِرَارًا مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَاعْتِزَالًا عَنْهُمْ وَلَكِنْ فِي
الْبُعْدِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْبُعْدِ عَنِ الْفَضَائِلِ
إِلَّا أَنَّ الزَّمَانَ إِذَا كَثُرَ فِيهِ الشَّرُّ وَتَعَذَّرَتْ فِيهِ
السَّلَامَةُ طَابَتِ الْعُزْلَةُ وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ - إِذَا وُجِدَ -
خَيْرٌ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالْوَحْدَةِ
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ
النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ
الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ
يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ))
وَأَمَّا قَوْلُهُ ((فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى
صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)) فَالْمَدَى الْغَايَةُ حَيْثُ يَنْتَهِي الصَّوْتُ
فَأَمَّا فَهْمُ الْجَمَادِ وَالْمَوَاتِ فَلَا
يُدْرِكُ كَيْفِيَّتَهُ ذَلِكَ إِلَّا الله وفي قوله تعالى (يا جبال أَوِّبِي
مَعَهُ) سَبَأٍ 10 أَيْ سَبِّحِي مَعَهُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) الْإِسْرَاءِ 44 وَقَوْلِهِ (فَمَا بَكَتْ
عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) الدُّخَانِ 25 - مَا يَشْهَدُ لِهَذَا
الْمَعْنَى
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِيمَا مَضَى وَجْهَ قَوْلِ مَنْ
قَالَ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ وَالْحَمْدُ
لِلَّهِ
وَسَنَذْكُرُ فِي الْعُزْلَةِ وَفَضْلِهَا مَا
حَضَرَنَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا
وَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ
فِي السَّفَرِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ." اهـ
تطريز رياض الصالحين (ص: 606_607):
"في هذا الحديث: دليل على استحباب أذان
المنفرد ورفع الصوت بالنداء، وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: «المؤذن يغفر له
مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس» ، والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم
الغيب والشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلوّ الدرجة، وكما أن الله
يفضح بالشهادة قومًا فكذلك يكرم بالشهادة آخرين.___
وفيه: أن حب الغنم والبادية ولا سيما عند نزول
الفتنة، من عمل السلف الصالح." اهـ
شرح رياض الصالحين (5/ 32)
وهذا أيضا من فضائل الأذان أن صاحبه يشهد له يوم
القيامة بأنه من المؤذنين تنويها لفضله بيانا لثوابه فالحاصل أن الأذان له فضل
عظيم وأنه ينبغي للإنسان أن يكون مؤذنا إلا أنه إذا كان هناك مؤذن راتب فإنه لا
يحل لأحد أن يتجاوزه ويؤذن___عنه إلا إذا كان قد وكله أو ما أشبه ذلك يعني لا
تظنوا أن الإنسان ينبغي له أن يبادر للمسجد ويؤذن قبل المؤذن الراتب لأن هذا عدوان
عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه
والله الموفق." اهـ
فتح الباري لابن حجر (2/ 89)
وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ
بِالْأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ أَوْ يَتَأَذَّى
بِهِ،
* وَفِيهِ: أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ
وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ،
* وَفِيهِ: جَوَازُ التَّبَدِّي وَمُسَاكَنَةِ الْأَعْرَابِ
وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي الْأَسْبَاب بِشَرْط حَظّ من الْعلم وَأمن غَلَبَةِ
الْجَفَاءِ
* وَفِيهِ: أَنَّ أَذَانَ الْفَذِّ مَنْدُوبٌ
إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِي قَفْرٍ، وَلَوْ لَمْ يُرْتَجَ حُضُورُ مَنْ يُصَلِّي
مَعَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ الْمُصَلِّينَ، فَلَمْ يَفُتْهُ
اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمعه من غَيرهم." اهـ
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (5/ 115):
"ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ:
* فِيهِ: اسْتِحْبَاب رفع الصَّوْت بِالْأَذَانِ
ليكْثر من يشْهد لَهُ وَلَو أذن على مَكَان مُرْتَفع ليَكُون أبعد لذهاب الصَّوْت،
وَكَانَ بِلَال _رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ_ يُؤذن على بَيت امْرَأَة من بني
النجار، بَيتُهَا أطول بَيت حول الْمَسْجِد.
* وَفِيه: الْعُزْلَة عَن النَّاس خُصُوصا فِي
أَيَّام الْفِتَن.
* وَفِيه: اتِّخَاذ الْغنم وَالْمقَام بالبادية،
وَهُوَ من فعل السّلف.
وَفِيه: أَن أَذَان الْمُنْفَرد مَنْدُوب، وَلَو
كَانَ فِي بَريَّة، لِأَنَّهُ إِن لم يحضر من يُصَلِّي مَعَه يحصل لَهُ شَهَادَة
من سَمعه من الْحَيَوَانَات والجمادات.
وَللشَّافِعِيّ فِي أَذَان الْمُنْفَرد ثَلَاثَة
أَقْوَال:
أَصَحهَا: نعم،
لحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ هَذَا، وَالثَّانِي: وَهُوَ
الْقَدِيم: لَا ينْدب لَهُ، لِأَن الْمَقْصُود من الْأَذَان والإبلاغ والإعلام،
وَهَذَا لَا يَنْتَظِم فِي الْمُنْفَرد. وَالثَّالِث: أَن
رجى حُضُور جمَاعَة أذن لإعلامهم، وإلاَّ فَلَا، وَحمل حَدِيث أبي سعيد على أَنه
كَانَ يَرْجُو حُضُور غلمانه.
* وَفِيه: أَن الْجِنّ يسمعُونَ أصوات بني آدم.
* وَفِيه: أَن بعض الْخلق يشْهد لبَعض." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (9/ 38):
"قال ابن المنذر - رَحِمَهُ اللهُ - بعد
ذكر هذه الأقوال:
(أحبّ إليّ أن يؤذّن ويقيم إذا صلّى وحده، ويجزيه إن
أقام، وإن لم يؤذّن، ولو صلّى بغير أذان ولا إقامة لم يجب عليه إعادة، وإنما أحببت
الأذان والإقامة للمصلّي وحده؛ لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن عبد
الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة الأنصاريّ، ثم المازنيّ، عن
أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تُحب الغنم والبادية، فإذا
كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يَسْمَع
مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شَهِد له يوم القيامة، قال أبو
سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فقد دلّ الحديث على أن الأذان ليس لاجتماع الناس فقط،
بل لفضيلة الأذان أيضًا، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - مالك بن الحويرث وابن
عمّه - رضي الله عنهما - بالأذان والإقامة، ولا جماعة معهما) [راجع:
"الأوسط" (3/ 58 – 60)].
قال الجامع عفا الله عنه: عندي
الأرجح أن يؤذّن ويقيم من يصلّي وحده في بيته؛ لأن أدلّة مشروعيّة الأذان لم تشترط
الجماعة، بدليل حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - المذكور؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (9/ 39)
قال ابن المنذر - رَحِمَهُ اللهُ - بعد ذكر هذه
الأقوال: أذانه وإقامته أحبّ إليّ، وإن اقتصر على أذان أهل المسجد فصلّى، فلا
إعادة عليه، ولا أحبّ أن يفوته فضل الأذان. انتهى ["الأوسط" (3/ 60 – 62)].
قال الجامع عفا الله عنه: هذا
الذي يظهر لي أن من أتى مسجدًا قد صلى فيه أهله، وتفرّقوا أن يؤذّن ويقيم، ولا
يقتصر على الأذان الأول؛ لأنه لم يحضره؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (9/ 40):
"قال ابن المنذر بعد ذكر هذه الأقوال:
لا يجوز للمؤذّن أخذ الأجر على أذانه؛ لحديث عثمان بن
أبي العاص - رضي الله عنه -، حيث أمره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يتّخذ
مؤذّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا[8]،
قال: فإن أخذ مؤذن على أذانه أجرًا لم يسعه ذلك؛ لأن السنّة منعت منه، فإن صلّوا
بأذان من أخذ على أذانه أجرًا فصلاتهم مجزئة؛ لأن الصلاة غير الأذان، وليست
الإمامة كذلك، أخشى أن لا تجزئ صلاة من أمّ بجُعْل، كما رُوي عن الحسن أنه قال: أخشى
أن لا تكون صلاته خالصة لله. انتهى ["الأوسط" 3/ 62 - 64].
قال الجامع عفا الله عنه: هذا
الذي قاله ابن المنذر - رَحِمَهُ اللهُ - من عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان هو
الأرجح عندي، لكن لو رُزق المؤذن من بيت المال دون المشارطة؛ لئلا تتعطّل المساجد،
فالظاهر أنه لا مانع منه؛ لأنه ليس استئجارًا، وقد مال إلى هذا الشوكانيّ -
رَحِمَهُ اللهُ -، وقد ذكرت المسألة بأتمّ مما هنا في "شرح النسائيّ"،
فراجعه تستفد[9]،
والله تعالى أعلم بالصوِاب، وإليه المرجع والمآب.
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا
اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ}." اهـ
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (12/ 176)
قال ابن المنذر: فقد رغّب في رفع الصوت بالأذان؛
لفضيلة الأذان؛ لئلا يظنّ ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير.
وقال الترمذيّ بعد إخراج حديث مالك بن الحويرث
المذكور ما نصّه: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، اختاروا الأذان في السفر، وقال
بعضهم: تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأول أصحّ،
وبه يقول أحمد وإسحاق. انتهى.
والحاصل أن الأذان والإقامة لا يشترط لها الجماعة، بل
يشرعان لكلّ مصلّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (8/ 107)
(فارفع صوتك) زاد في رواية البخاري
"بالنداء"، أي الأذان.
قال في الفتح: وفيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة
كان مقررًا عندهم، لاقتصاره على الأمر بالرفع، دون أصل التأذين. قال:
واستَدَلَّ به الرافعيُّ للقول الصائر إلى استحباب
أذان المنفرد، وهو الراجح عند الشافعية، بناءً على أن الأذان حق الوقت. وقيل: لا
يستحب، بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة، ومنهم من فصَّل بين من يرجو
جماعة، أو لا. انتهى فتح جـ 2 ص 105.
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (8/ 109_111):
قال ابن بزيزة: تقرر في العادة أن السماع، والشهادة،
والتسبيح لا يكون إلا من حي، فهل ذلك حكايته عن لسان الحال، لأن الموجودات ناطقة
بلسان حالها بجلال باريها، أو هو على ظاهره، وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها
الحياة، والكلام. وقد تقدم البحث في ذلك في قول النار "أكل بعضي بعضًا"،
وسيأتي في الحديث الذي فيه: "إن البقرة قالت: إنما خلقت للحرث". انتهى.
قال الجامع: قد ذكر في "الفتح" في حديث
"اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا" ما نصه: وقد اختلف
في هذه___الشكوى، هل هي بلسان المقال، أو بلسان الحال؟ واختار كُلًا طائفةٌ. وقال
ابن عبد البر: لِكِلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح. وقال عياض: إنه الأظهر.
وقال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمرٍ
جائزٍ لم يُحْتَجْ إلى تأويله، فحمله على حقيقته. وقال النووي: نحو ذلك، ثم قال:
حملُهُ على حقيقته هو الصواب. وقال نحو ذلك التوربشتي. إلى آخر ما كتبه الحافظ
هناك. جـ 2 ص 24.
وفي "صحيح مسلم" من حدث جابر بن سمرة
مرفوعًا "إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ". ونقل ابن التين عن أبي عبد
الملك: إن قوله هنا: "ولا شيء" نظير قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44]. وتعقبه بأن الآية مختلف فيها.
قال الحافظ: وما عرفت وجه هذا التعقب، فإنها سواء في
الاحتمال، ونقل الاختلاف، إلا أن يقول: إن الآية لم يختلف في كونها على عمومها،
وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء، هل هو على الحقيقة، أو المجاز، بخلاف الحديث.
والله أعلم. انتهى "فتح" جـ 2 ص 10.
قال الجامع: الحاصل أن الصواب في هذه الشهادة،
ومثلُها التسبيحُ المذكورُ، أنه على ظاهر النص، وأن التأويل غير صحيح؛ لما ثبت من
النصوص في هذا المعنى، كحديث مسلم المذكور آنفًا،___
وحديث حنِينِ الجِذْعِ لَمَّا تركه النبي - صلى الله
عليه وسلم - وخطب على المنبر، وحديثِ تسبيحِ الحصى، وحديث تسبيح الطعام، إلى غير
ذلك من النصوص الصريحة الصحيحة في كون الله تعالى يفعل ما يشاء، فلا يختص الإدراكُ
والنطقُ ونحوُهما بالعقلاء. ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله بصيرته، فلا يصدق إلا
ما يدركه عقله السخيف. نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم ويجنبنا الزيغ
المؤدي إلى العذاب الأليم، إنه بعباده رؤوف رحيم." اهـ
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (8/ 111)
(إِلا شهد له يوم القيامة) وللبخاري في رواية
الكشميهني "إلا يشهد له".
قيل: السر في هذه الشهادة، مع أنها تقع عند عالم
الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه
الدعوى، والجواب، والشهادة. قاله الزين بن المُنَيِّر.
وقال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار
المشهود له يوم القيامة بالفضل، وعلو الدرجة، وكما أن الله يفضح بالشهادة قومًا،
فكذلك يكرم بالشهادة آخرين. أفاده في الفتح جـ 2 ص 106.
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (8/ 113_114):
"الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو استحباب رفع الصوت
بالأذان، ليكثر من يشهد له، ولو كان أذانه على مكان مرتفع، وكان بلال رضي الله عنه
يؤذن على بيت امرأة من بني النَّجَّارِ بيتُهَا أطول بيت___حول المسجد.
ومنها: استحباب العُزْلَة عن الناس خصوصًا في أيام
الفِتَنِ، وأن حب الغنم، والبادية، ولا سيما عند وقوع الفتن، من عمل السلف الصالح.
ومنها: أن فيه جواز التَّبَدِّي، ومُسَاكَنَةُ
الأعراب، ومشاركتهم في الأسباب، لكن بشرط أن يكون معه حَظّ من العلم، وأمْن من
غلبة الجَفَاء.
ومنها: أن أذان المنفرد مندوب إليه، ولو كان في
بَرّية، لأنه إن لم يحضر من يصلي معه، يحصل له شهادة من سمعه، من الحيوانات،
والجمادات.
وللشافعي في أذان المنفرد ثلاثة أقوال: أصحها: نعم،
لحديث أبي سعيد الخدري هذا، والثاني: وهو القديم، لا يندب له، لأن
المقصود من الأذان الإعلام، وهذا لا ينتظم في
المنفرد، والثالث: إن رَجَى حضور جماعة أذن، لإعلامهم، وإلا فلا، وحمل حديث أبي
سعيد على أنه كان يرجو حضور غلمانه.
ومنها: أن الجن يسمعون أصوات بني آدم.
ومنها: أن بعض الخلق يشهد لبعض. انظر فتح جـ 2 ص 106
- 107، وعمدة القاري 5 جـ ص 115. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل."
اهـ
شرح صحيح البخارى لابن بطال (2/ 237_238):
وفيه: أن الشغل بالبادية واتخاذ الغنم من فعل السلف
الصالح الذى ينبغى لنا الاقتداء بهم، وإن كان فى ذلك ترك للجماعات ففيه عزلة عن
الناس، وبُعد عن فتن الدنيا وزخرفها، وقد جاء أن الاعتزال___للناس عند تغير الزمان
وفساد الأحوال مرغب فيه، وروى عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (يوشك أن
يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن)
. قال المهلب: وفيه فضل الإعلان بالسنن وإظهار أمور الدين، وإنما أمره برفع صوته
بالنداء ليسمعه من بعد منه فيكثر الشهداء له يوم القيامة، وقد اختلف فى قوله عليه
السلام: (ولا شىء إلا شهد له يوم القيامة) ، فقالت طائفة: الحديث على العموم فى كل
شىء، وجعلوا الجمادات وغيرها سامعة وداخلة فى معنى هذا الحديث. وقالت طائفة: لا
يراد بالحديث إلا من يجوز سماعه من الجن والإنس والملائكة وسائر الحيوان، قالوا:
والدليل على ذلك أنه لم يذكر إلا الجن والإنس ثم قال: (ولا شىء) ، يريد من صنف
الحيوان السامع والملائكة والحشرات والدواب. ولا يمتنع أن الله، تعالى، يقدر يسمع
الجمادات، لكنا لا نقول ذلك مع جوازه إلا بخبر لا يحتمل التأويل، وليس فى هذا الحديث
ما يقطع به على هذا المعنى، وقول عمر لمؤذنه: (أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا) ،
إنما نهاه عن التطريب فى أذانه والخروج عن الخشوع، وروى ابن أبى شيبة قال: حدثنا
وكيع، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد:
أَنَّ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَطَرَّبَ فِي أَذَانِهِ،
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا، وَإِلَّا
فَاعْتَزِلْنَا»[10].
وفيه: أن الأذان للمنفرد مرغب فيه مندوب إليه، وقد رُوِيَ
عن الرسول أنه قال: (مَنْ أَذَّنَ فِيْ أَرْضِ فَلاَةٍ، وَأَقَامَ وَحْدَهُ، صَلَّى
وَرَاءَهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ أمْثَالُ الْجِبَالِ)[11]."
اهـ
شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (2/ 6)
"وغاية الصوت - بلا ريب - أخفى من
ابتدائه، فإذا شهِد له مَنْ بَعُدَ عَنْهُ، ووصل إليه مُنتهى صوْتِه، فلأن يَشْهَدَ
له مَنْ دَنَا مِنْهُ، وسَمِعَ مَبَادِيَ صَوْتِهِ أَوْلَى، نبّه عليه القاضي
البيضاوي.
والسر في هذه الشهادة {وكفى بالله شهيدًا} اشتهارُ
المشهود له بالفضل وعلوّ الدرجة، وكما أن الله _تعالى_ يفضح بالشهادة قومًا، يُكْرِمُ
بِهَا آخَرِيْنَ." اهـ
التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 174):
وقال ابن المنير: إن أحكامه لآخرة جرت على نحو أحكام
الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، انتهى.
منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 326)
وفي الحديث: نَدْبُ الأذان للمنفرد، وأن يؤذِّنَ على
مكان مرتفع؛ ليكون أبعد لذهاب الصوت، وأنَّ اتخاذ الغنم والمقام بالبادية من فعل
السلفِ الصالح، وأنَّ الجنَ يسمعون أصوات بني آدم، وأن بعض الخلق يشهد لبعض يوم
القيامة.
نيل الأوطار (2/ 42)
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْأَذَانِ
لِلْمُنْفَرِدِ فَيَكُونُ صَالِحًا لِرَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ شَرْعِيَّةَ
الْأَذَانِ تَخْتَصُّ بِالْجَمَاعَةِ.
نيل الأوطار (2/ 54)
وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ لَا
سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (2/ 108)
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب رفع الصوت
بالأذان، وأن يكون المؤذن جهوري الصوت ليصل صوته إلى أقصى مكان، فيكثر من يشهد له
يوم القيامة،
ولو أذن في مكان عال، كان أفضل، ومن ثم اتخذت المآذن
في الإِسلام، وكان بلال يؤذن على بيت امرأة من بني النجار، أعلى بيوت المدينة
المحيطة بالمسجد، والله أعلم." اهـ
فتاوى نور على الدرب للعثيمين (8/ 2، بترقيم الشاملة
آليا)
هذا الحديث صحيح وهو في البخاري وعمومه يتناول الصوت
المسموع بواسطة وبغير واسطة فإن المسموع بواسطة المكرفون هو نفس صوت المؤذن، ولهذا
يعرف الناس إذا سمعوا صوت المكرفون أن هذا فلان بن فلان
وعلى هذا: فظاهر الحديث العموم وأنه – أي: المؤذن -
إذا سُمِع صوته بواسطة أو بغير واسطة، فإنه يُشهد له، وفَضْلُ الله _تعالى_ واسع،
وأما في الراديو، فنقول أيضاً مِثْلَما قلنا في مكبر
الصوت بشرط أن يكون النقل مباشراً، أما إذا كان
مسجلاً، فإن الظاهر أن ذلك لا يشمله." اهـ
ملحق الفوائد:
1 – فيه: عِظَمُ شأن الأذان في الإسلام،
فإنّ الأذان ليس مجرّد ألفاظٍ تُتلى، ولا نداءً يُعلن
به دخول وقت الصلاة فحسب، بل هو شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، يُعلن بها توحيد
الله تعالى، وتُدعى بها الخليقة إلى عبادة ربّها، وتظهر بها معالم الدين في
الأمصار والقرى والبوادي.
2 – فيه: فضل المؤذّن وعلوّ منزلته عند الله
تعالى،
فقد رتّب النبي صلى الله عليه وسلم على الأذان هذا
الفضل العظيم، وهو أن يشهد للمؤذّن يوم القيامة من سمع صوته من الجنّ والإنس وسائر
ما شاء الله من المخلوقات؛ وذلك دليل على شرف هذه العبادة، وعظيم ثواب القائم بها.
3 – فيه: مشروعية رفع الصوت بالأذان، لقوله
صلى الله عليه وسلم: «فارفع صوتك بالنداء»، ففيه: الحثّ على أن يبلغ المؤذّن بصوته
غاية ما يستطيع على الوجه المعتاد، من غير تكلّفٍ يضرّ به، ولا اعتداءٍ يخرج به عن
حدّ الاعتدال.
4 – فيه: أنّ رفع الصوت بالأذان سببٌ لكثرة
الشهود يوم القيامة،
فكلّما بلغ النداء مدى أوسع، سمعه من الخلق من شاء
الله أن يسمعه، فيكون ذلك من أسباب كثرة من يشهد للمؤذّن يوم القيامة؛ وفي هذا
ترغيبٌ في إبلاغ النداء وإظهاره، لا في خفضه وإخفائه من غير موجب.
5 – فيه: إثبات شهادة المخلوقات يوم القيامة،
فدلّ الحديث على أنّ الله تعالى يجعل لبعض مخلوقاته
شهادةً يوم القيامة، فتشهد بما أسمعها الله وأطلعها عليه؛ وهذا من أمور الغيب التي
يجب الإيمان بها على الوجه اللائق بكمال الله تعالى، من غير تكييفٍ ولا خوضٍ فيما
لم يأت به الدليل.
6 – فيه: أنّ شهادة المخلوقات للمؤذّن منقبةٌ
عظيمة له،
فليس المراد مجرّد سماع الصوت في الدنيا، بل إنّ هذا
السماع يكون سببًا لشهادةٍ تُذكر يوم القيامة، يوم يحتاج العبد إلى الحسنات، ويظهر
فيه فضل الطاعات، وتنكشف فيه حقائق الأعمال.
7 – فيه: عموم فضل الله تعالى وسعة رحمته،
فإنّ الله سبحانه يفتح لعباده أبوابًا من الخير،
ويجعل للعمل اليسير في صورته أجرًا عظيمًا بفضله وكرمه. ومن ذلك أن يقف المرء
مناديًا للصلاة، فيكون نداؤه سببًا لشهادة خلقٍ كثير له يوم القيامة.
8 – فيه: أنّ الأذان عبادةٌ يتعدّى نفعها
صاحبها،
فإنّ المؤذّن لا يقتصر نفعه على نفسه، بل ينتفع
بندائه المصلّون، ويُذكّر الغافلين، ويوقظ النائمين، ويُظهر شعيرة الإسلام، ويكون
سببًا في اجتماع الناس على الصلاة؛ فاجتمع له بذلك نفعٌ متعدٍّ وفضلٌ عظيم.
9 – فيه: فضل ذكر الله وإظهار شعائره في
الأماكن النائية،
فقد أرشد أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة إلى رفع صوته بالأذان إذا كان في غنمه أو باديته. ففيه
بيان أنّ البعد عن العمران لا يمنع من إظهار شعائر الدين، بل يُشرع للمسلم أن
يُقيمها حيث كان، بحسب ما شُرع له.
10 – فيه: أنّ المسلم مأمورٌ بإظهار شعائر
الإسلام حيث كان،
فلا يختصّ إظهار الأذان بالمساجد العامرة والمدن
المكتظّة بالسكان، بل يُشرع في مواضعه المشروعة، في الحضر والسفر والقرى والبوادي،
على وفق أحكام الشريعة وأحوال المصلّين.
11 – فيه: فضل الأذان في الخلوات والبوادي،
ففي الحديث تنبيهٌ على أنّ العبد قد يكون في موضعٍ لا
يراه فيه أحدٌ من الناس، ومع ذلك لا يفوته فضل هذه العبادة؛ فإنّ الله تعالى لا
يضيع عمل عاملٍ أحسن عمله، وقد جعل لهذا النداء شهودًا من خلقه، وإن خلا الموضع من
المارّة والرفقاء.
12 – فيه: أنّ الجنّ داخلون في عموم من يسمع
الأذان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إنسٌ»،
ففيه إثبات سماع الجنّ للأذان إذا بلغهم، وأنّهم
داخلون في عموم هذا الخبر، على الوجه الذي دلّ عليه النصّ، من غير تجاوزٍ إلى ما
لا دليل عليه.
13 – فيه: إثبات يوم القيامة والجزاء على
الأعمال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا شهد له يوم القيامة»، ففيه: تذكيرٌ
بالمعاد، وأنّ الأعمال لا تنقضي آثارها بانقضاء زمنها، بل يظهر جزاؤها يوم يبعث
الله الخلائق للحساب، ويجزي كلّ عاملٍ بما يستحقّ بعدله وفضله.
14 – فيه: أنّ شهادة الخلق للمؤذّن من أمور
الغيب، والواجب في ذلك التصديق بما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير
ردٍّ للنصّ بالعقل المجرّد، ولا تكييفٍ لكيفية هذه الشهادة، ولا خوضٍ في تفاصيل لم
يأت بها الوحي؛ فإنّ أمور الآخرة تُتلقّى من الخبر الصادق.
15 – فيه: حرص الصحابة _رضي الله عنهم_ على
الدلالة على أبواب الخير،
فإنّ أبا سعيد الخدري رضي الله عنه لمّا رأى عبد الله
بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة يحبّ الغنم والبادية، أرشده إلى عملٍ يناسب حاله،
وبيّن له فضله. ففيه فقه الصحابة في تعليم الناس الخير، واختيار ما يلائم أحوالهم
من أبواب الطاعات.
16 – فيه: أنّ الناصح الحكيم يراعي حال
المنصوح،
فأبو سعيد _رضي الله عنه_ بدأ بذكر ما رآه من حال
صاحبه، ثم بنى عليه توجيهه، فقال: «إني أراك تحبّ الغنم والبادية». وهذا يدلّ على
حسن التعليم، وأنّ من الحكمة أن يُخاطَب المرء بما يناسب حاله، وأن يُدلّ على وجوه
الخير التي يمكنه القيام بها.
17 – فيه: مشروعية النصح والتوجيه في أبواب
الفضائل،
فالحديث شاهدٌ على أنّ تعليم الناس فضائل الأعمال من
النصيحة المحمودة، ولا سيّما إذا اقترن ببيان الدليل والثواب؛ فإنّ النفوس تنشط
إلى الطاعة إذا عرفت فضلها، واستبان لها ما أعدّ الله لأهلها.
18 – فيه: أنّ معرفة الثواب من أسباب النشاط
في العبادة،
فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر برفع الصوت
فحسب، بل ذكر الحكمة من ذلك، وهي شهادة من يسمع النداء يوم القيامة. وفيه أنّ بيان
فضائل الأعمال وثمراتها يعين على الإقبال عليها، ويبعث الهمم إلى إحسانها.
19 – فيه: أنّ الفضل الوارد في الحديث لا
يختصّ بالمؤذّن في البادية،
فذكر البادية والغنم إنما جاء باعتبار حال المخاطَب،
وبيان ما يُشرع له إذا كان في تلك المواضع؛ فلا يدلّ ذلك على اختصاص أصل فضيلة
الأذان بأهل البوادي، بل الحديث في فضله عامٌّ بحسب ما دلّ عليه لفظه، مع مراعاة
الأحكام الشرعية المتعلّقة بالأذان.
20 – فيه: أنّ الأذان من شعائر الدين الظاهرة،
إذ شُرع فيه رفع الصوت بالنداء، ليبلغ الناس ويظهر في
الآفاق، بخلاف العبادات التي يُطلب فيها الإسرار. فلكلّ عبادةٍ ما يناسبها من
أحكام الإظهار والإخفاء، والواجب اتباع هدي الشريعة في ذلك.
21 – فيه: أنّ العبادة ينبغي أن تُؤدّى على
الوجه المشروع،
فالأمر برفع الصوت لا يعني التكلّف المفضي إلى الضرر،
ولا رفعه على وجه التشويش والأذى، بل يُؤدّي المؤذّن الأذان بصوتٍ مرتفعٍ حسنٍ
يبلغ به النداء ما استطاع، مع مراعاة أحكام الشريعة وحقوق الناس.
22 – فيه: أنّ الأعمال الفاضلة قد تجتمع فيها
منافع متعددة،
فالأذان عبادةٌ وذكرٌ لله، ودعوةٌ إلى الصلاة،
وإظهارٌ لشعيرة الإسلام، وإعلامٌ بدخول الوقت، وسببٌ لاجتماع المسلمين على طاعة
ربّهم؛ ثمّ جاءت هذه البشارة النبوية بزيادة الشهادة للمؤذّن يوم القيامة، فاجتمع
له من وجوه الفضل ما ينبغي أن تتشوّف إليه النفوس.
23 – فيه: استحباب الحرص على الأعمال التي
يكثر نفعها وشهود فضلها،
فالمؤمن الفطن لا ينظر إلى العمل من جهة صورته
الظاهرة وحدها، بل ينظر إلى ما رتّبه الشارع عليه من الثواب والآثار. وهذا الحديث
يفتح باب الرغبة في الأذان، ويُرغّب في إحسانه ورفع الصوت به على الوجه المشروع.
24 – فيه: أنّ الألفاظ النبوية الجامعة تحمل
معاني عظيمة،
فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع مدى صوت المؤذّن
... إلا شهد له» كلماتٌ قليلة، لكنها جمعت الحثّ على الأذان، ورفع الصوت به، وبيان
سعة من يسمعه، وإثبات الشهادة يوم القيامة، والتنبيه على عظيم الثواب. وهذا من
جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم.
25 – فيه: أنّ العمل الصالح قد يبقى أثره بعد
انقضاء فعله،
فصوت المؤذّن ينقطع بانتهاء النداء، ولكنّ ما رتّبه
الله عليه من الفضل لا ينقطع بانقطاع الصوت؛ إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ
من سمعه يشهد له يوم القيامة. وفي ذلك بعثٌ للهمّة على اغتنام الطاعات، وعدم
استصغار الأعمال التي قد يعظم أثرها في الآخرة.
26 – فيه: تعظيم ما عظّمه رسول الله صلى الله
عليه وسلم،
فإذا ثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ فضل عملٍ،
كان من شأن المؤمن أن يعرف قدره، ويحرص عليه بحسب استطاعته، ويُعظّم ما عظّمته
الشريعة، من غير غلوٍّ ولا جفاء، ولا تقديمٍ للهوى على النصّ.
27 – فيه: أنّ صلاح العبد لا يتوقّف على وجود
الناس حوله،
فقد يكون المرء منفردًا في باديته، بعيدًا عن مجالس
الناس وأعينهم، ومع ذلك يستطيع أن يأتي بطاعةٍ عظيمة الأجر. وهذا يعلّم المسلم
ألّا يحصر أبواب الخير في المجالس العامرة والأماكن المشهورة، بل يلتمس ما شرعه
الله له حيث كان.
28 – فيه: الترغيب في الأذان من خلال بيان
فضله لا مجرّد الأمر به،
فإنّ الشريعة تجمع في مواضع كثيرة بين الأمر بالعبادة
وبيان ثوابها؛ ليكون العبد أقبل عليها، وأشدّ حرصًا على أدائها. وهذا الحديث من
أوضح ما يُستدلّ به في باب الترغيب في الأذان وذكر فضله.
29 – فيه: أنّ الفضل المذكور للمؤذّن بشارةٌ
تستوجب الرجاء والعمل،
فينبغي للمسلم أن يستبشر بما أخبر به النبي صلى الله
عليه وسلم، وأن يجعل هذه البشارة باعثًا على الإخلاص وحسن الأداء، لا مدعاةً للعجب
أو طلب المحمدة من الناس؛ فإنّ كمال الأجر مرتبطٌ بما دلّت عليه نصوص الشريعة من
الإخلاص والمتابعة.
[1] وفي سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 169):
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي سَعِيْدٍ، عَنْ
أَبِيْهِ، قَالَ:
عُرِضْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، فَجَعَلَ أَبِي
يَأْخُذُ بِيَدِي، وَيَقُوْلُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! إِنَّهُ عَبْلُ العِظَامِ.
وَجَعَلَ نَبِيُّ اللهِ يُصَعِّدُ فِيَّ النَّظَرَ،
وَيُصَوِّبُهُ، ثُمَّ قَالَ: (رُدَّهُ) . فَرَدَّنِي." اهـ
[2] (إِنِّي أَرَاكَ)، أي:
إنِّي أظنُّ بك، وألاحظ من حالك، أنَّك تحبُّ كذا وكذا. وهذه عبارةٌ تدلُّ على
معرفة أحوال المخاطَب، ومراعاة ما يناسبه من النصيحة والإرشاد. (تُحِبُّ الْغَنَمَ)،
أي: تميل إلى اقتناء الغنم ورعيها والعناية بها. والغنم اسمٌ يُطلق على الضأن
والمعز، وهي من الأنعام التي ينتفع الناس بألبانها وأصوافها وأوبارها ولحومها. وقد
كان رعي الغنم من الأعمال المعروفة عند العرب، وفيه تربيةٌ على الصبر والرفق وتحمل
المسؤولية. (وَالْبَادِيَةَ)، البادية: الأرض الواسعة التي يخرج إليها أهلها للرعي
والسكنى، بعيدًا عن المدن والقرى العامرة. والمقصود هنا: الإقامة في الصحراء
والمواضع التي ترعى فيها الغنم، حيث يكون الإنسان بعيدًا عن المساجد والجماعات
المعتادة في الحواضر. (فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ)، أي: إذا
كنت بين أغنامك ترعاها، أو كنت مقيمًا في البادية، سواء أكنت مع غنمك أم كنت في
غير ذلك من أحوال الإقامة في البادية. والمقصود بيان الحال التي قد يكون فيها
الرجل منفردًا عن الناس، ومع ذلك يستطيع أن يُقيم شعيرة الأذان ويغتنم فضلها. (فَأَذَّنْتَ
بِالصَّلَاةِ)، أي: إذا ناديت للصلاة بالأذان المعروف شرعًا، معلنًا دخول وقتها
وداعيًا إلى أدائها. والأذان في أصله إعلامٌ بدخول وقت الصلاة بألفاظٍ مخصوصةٍ
مشروعة، وهو كذلك شعارٌ ظاهرٌ من شعائر الإسلام. (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ)،
أي: ارفع صوتك بالأذان، واجهر به بقدر استطاعتك، حتى يبلغ صوتك أبعد مدىً يمكنك
إيصاله من غير تكلُّفٍ أو ضرر. والنداء هنا: هو الأذان، وسُمِّي نداءً، لأنَّ
المؤذِّن يدعو الناس إلى الصلاة بصوتٍ مسموع.
[3] (فَإِنَّهُ)، أي:
فإنَّ الأمر برفع الصوت له سببٌ وفضلٌ عظيمٌ، وهو ما يأتي بيانه في الجملة التالية.
(لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ)، مَدَى الصوت: غايته ومنتهاه، أي: أبعد
موضعٍ يصل إليه صوت المؤذِّن. فالمعنى: أنَّ كلَّ ما يسمع صوت المؤذِّن في المسافة
التي يبلغها صوته يدخل في الشهادة له يوم القيامة، بإذن الله _تعالى_. (جِنٌّ
وَلَا إِنْسٌ)، أي: لا يسمع صوتَ المؤذِّن أحدٌ من الجنِّ ولا أحدٌ من الإنس، إلا
شهد له يوم القيامة. الجنُّ: عالمٌ من خلق الله تعالى، خلقهم من نار، وهم مكلَّفون
بالعبادة. والإنس: بنو آدم، وهم البشر. وخصَّ هذين الصنفين بالذكر، لأنَّهما من
المكلَّفين، ثم عمَّم الحكم بقوله: «ولا شيء»، ليشمل سائر ما يدخل في عموم اللفظ.
(وَلَا شَيْءٌ)، أي: ولا شيءٌ آخر يسمع صوت المؤذِّن إلا شهد له، ويدخل في ذلك سائر
المخلوقات التي دلَّت الروايات الأخرى على ذكرها، كالشجر والحجر والمدر، وكذلك ما
يدخل في عموم اللفظ من المخلوقات بإذن الله _تعالى_. وهذه الجملة من باب ذكر
الخاصِّ ثم إتباعه بالعامِّ؛ فقد ذُكر الجنُّ والإنس أولًا، ثم جاء لفظ «شيء»
ليعمَّ ما سواهما.
[4] (إِلَّا شَهِدَ
لَهُ)، أي: إلا شهد له تلك المخلوقات يوم القيامة، بأنَّه أذَّن لله _تعالى_ ودعا
إلى الصلاة. والشهادة هنا شهادةٌ حقيقيةٌ تليق بما أخبر به النبي صلى الله عليه
وسلم، فنؤمن بها كما جاءت، ولا نتكلَّف معرفة كيفيتها؛ فإنَّ الله تعالى قادرٌ على
أن يُنطق المخلوقات ويجعلها تشهد بما شاء. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: يوم البعث
والحساب، حين يقوم الناس لربِّ العالمين، وتظهر حقائق الأعمال، ويشهد الله تعالى
على عباده بما شاء من الشهود. وفي تخصيص ذلك اليوم بالذكر تنبيهٌ إلى عظم هذا
الفضل؛ إذ إنَّ شهادة المخلوقات للمؤذِّن تكون في يومٍ يحتاج فيه العبد إلى ما
يشهد له بالطاعة والخير.
[5] (قَالَ أَبُو
سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أي:
صرَّح أبو سعيد الخدري _رضي الله عنه_ بأنَّه تلقَّى هذا الخبر من النبي _صلى الله
عليه وسلم_ مباشرةً، وليس مجرَّد رأيٍ اجتهد فيه أو معنى استنبطه من عند نفسه. وفي
ذلك تأكيدٌ لمصدر الحديث، وبيانٌ أنَّ ما ذكره أبو سعيد في فضل الأذان مستندٌ إلى
خبر النبي صلى الله عليه وسلم.
[6] (لَا يَسْمَعُ
صَوْتَهُ)، أي: لا يسمع صوت المؤذِّن، والضمير في «صوته» يعود إلى المؤذِّن
المذكور في الحديث. والفرق بين هذه العبارة والعبارة الأولى أنَّ الرواية الأولى
قالت: «لا يسمع مدى صوت المؤذِّن»، فصرَّحت بمدى الصوت وغايته، بينما جاءت هذه
الرواية بلفظ «صوته» من غير ذكر المدى، والمعنى متقاربٌ في بيان فضل المؤذِّن وما
يترتَّب على سماع أذانه. (شَجَرٌ)، أي: الأشجار، وهي النباتات ذات الساق والجذع
التي تنبت في الأرض. (ولا مَدَرٌ)، المَدَر: قطع الطين اليابس المتماسك، ولا سيَّما
ما يكون منه قطعًا صلبةً من ترابٍ أو طين. والمراد به هنا: ما كان من جنس الطين
والقطع الأرضية المتماسكة، وهو من الألفاظ التي تُذكر في اللغة لتمييز هذا النوع
من التراب عن غيره. وقد جاءت هذه اللفظة في رواية ابن خزيمة، فبيَّنت أنَّ الشهادة
لا تختصُّ بالمخلوقات الحيَّة وحدها، بل ورد ذكر بعض الجمادات كذلك. (ولا حَجَرٌ)،
أي: الصخر والحصى وما كان من جنس الحجارة. وذكر الحجر مع الشجر والمدر فيه مزيد
إيضاحٍ لعموم الشهادة، وأنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يجعل الجمادات تشهد بما شاء،
على الوجه الذي يليق بحكمته وقدرته.
[7] وقال أحمد بن أحمد العَجَمِيُّ الشافعيّ الوفائي
المصري الأزهري (المتوفى: 1086هـ) في "ذيل لب
اللباب في تحرير الأنساب" (ص: 199_200) :
"القسطلاني:
إلى قسطيلية من إقليم إفريقية غرب قَفْصَة. ذكره ابن فَرْحُون في «طبقات
المالكية».
وعبارة «القاموس» : "والقَسْطَلَانية
قَوسُ____قُزَح، وحُمْرَة الشَّفَق، وثوب منسوب إلى عامل أو إلى قَسْطَلَة بلد
بالأندلس، وقَسْطِيلية بلد بها، انتهى.
وعن القطب الحلبي في «تاريخ مصر» : "كأنه منسوب
إلى قُسْطِيْلَة بضم القاف من أعمال إفريقية بالمغرب." انتهى.
ورأيت بخط القسطلاني في ترجمته من «مختصر الضوء
اللامع» عن خط السخاوي : "فُرِّيانه إحدى مدائن إفريقية فيما بين قَفْصَة
وسَبْتَة بالقرب من بلاد قسطيلينية ببلاد اليمن التي نسب إليها القسطلاني"
انتهى.
هذا ما رأيته بخطه، ثم رأيت في نسخة قديمة من شرح أبي
شامة للشقراطيسية، ضبط بالقلم لفظ القَسْطَلَّاني : "فتحة على القاف، وشدة
على اللام"،
وكتب بالهامش : "قال لي بعض من عَرَفَ هذه
البلاد : "نَفْطَة وقَسْطِيْلية، وتَوزر، وقَفْصَة بلاد بإفريقية بالناحية
التي تُسَمَّى بلاد الجريد، وشِقْرَاطِس بلدة فيما هنالك .. الخ." اهـ
[8] حديث صحيح أخرجه أحمد، وأصحاب السنن.
[9] راجع: "ذخيرة العقبى" (8/ 273 – 276).
[10] أخرجه البخاري في بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ
من "صحيحه" (1/ 125)، وابن أبي
شيبة في "مصنفه" (1/ 207) (رقم: 2375): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ:
نا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ
الْمَكِّيِّ، أَنَّ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَطَرَّبَ فِي أَذَانِهِ، فَقَالَ لَهُ
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا»
[11] ضعيف: أخرجه مالك في "الموطأ" – ت. الأعظمي
(2/ 101) (رقم: 240)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 510) (رقم: 1954)
عن ابن المسيب مرسلا.
Komentar
Posting Komentar