شرح الحديث 231 (الترغيب في الأذان، وما جاء في فضله) من صحيح الترغيب
|
5 - كتاب الصلاة 1 - (الترغيب في الأذان (1)، وما جاء في
فضله) 231 - (1) [صحيح] عن أبي هريرة _رضي الله
عنه_، قال: قال رسول الله _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي
النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا، إِلَّا أَنْ
يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
التَّهْجِيرِ، لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» رواه البخاري ومسلم. قوله: (لاستهموا) أي: لاقترعوا. و (التهجير): هو التبكير إلى
الصلاة. __________ (1) قال أهل اللغة: " (الأذان) معناه:
الإعلام، قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وقال تعالى:
{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}، ويقال: الأذان والتأذين والأذين". وفي الشرع: "الإعلام بالصلاة
بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة، مصدره النقل عن صاحب الشريعة، وقد اختلف
العلماء في حكمه". قلت: والصواب أنه فرض كالإقامة:
لأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهما في غير ما حديث، كحديث الْمُسِيْءِ
صلاتَهُ، ولذلك فلا تجوز الزيادة فيه، كما لا تجوز الزيادة في أوله أو في آخره،
فإنها بدعة، وقد سبق أنّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. |
ترجمة أبي هريرة الدوسي _رضي
الله عنه_:
اختلف فِي اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن
هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله
بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن
الأزد.
وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/
366_367) للمزي:
"ويُقال: كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس
وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد
هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟ فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو
هُرَيْرة."
وذكر أَبُو القاسم الطبراني أن اسم أمه ميمونة بنت
صبيح." اهـ
وفي تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 377) :
"وَقَال عَمْرو بْن علي: نزل المدينة، وكان
مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي المحرم سنة سبع."اهـ
وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/
378):
قال سفيان بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات
أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.
وَقَال أَبُو الحسن المدائني، وعلي ابن المديني،
ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط، وعَمْرو بْن علي: مات
أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين.
وفي "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 561)
للذهبي:
"قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة
رَجُلٌ أَوْ أكثر.
قلت: روي لَهُ نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة
وسبعين حديثًا (5370). في الصحيحين منها ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)،
وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين
(190)." اهـ
نص الحديث وشرحه:
عن أبي هريرة _رضي الله عنه_، قال:
قال رسول الله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
«لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا، إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ
لاَسْتَهَمُوا،
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ،
لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ،
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ،
لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»
رواه البخاري ومسلم.
مسند أحمد - عالم الكتب (2/ 533) (رقم: 10898)
«لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا
لَهُمْ فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا، إِلَّا
أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي
التَّهْجِيرِ، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمُوا مَا فِي الْعَتَمَةِ
وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»
المعنى الإجمالي للحديث:
بيّن النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث: عِظَمَ
فضْل الأذان، وشَرَفَ الصَّفِّ الأول في الصلاة، وفَضْلَ التبكيرِ إلى صلاة
الجماعة، وعِظَمَ أجْرِ المحافظةِ على صَلاَتَيِ العِشاءِ والفجْرِ،
وذلك أن هذه الأعمال من أجلِّ القُرُبات التي يتقرب
بها العبد إلى ربه _سبحانه وتعالى_، وقد اشتملت على فضائلَ عظيمةٍ وأجورٍ جزيلة،
لو علم الناسُ حقيقتَها ومقدارَ ثوابها عند الله _تعالى_، لتنافسوا فيها تنافسًا
شديدًا، ولحرصوا على تحصيلها حرصًا بالغًا.
* فأخبر _صلى الله عليه وسلم_ أن الناس لو
علموا ما في الأذان من الفضل والثواب، وما في الصف
الأول من المنزلة الرفيعة، ثم لم يجدوا سبيلًا إلى الظفر بهما، إلا بالاقتراع،
لاقترعوا عليهما؛ لشدة رغبتهم في تحصيل ما أعد الله _تعالى_ لأهلِهما من الأجر
العظيم.
وفي هذا تصوير بليغ لشدة التنافس المحمود في أبواب
الطاعة، وأن المؤمن ينبغي له أن يحرص على الفضائل الشرعية، وألا يرضى لنفسه
بالتفريط فيما تيسر له منها.
* ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن الناس لو
علموا ما في التهجير من الأجر، لتسابقوا إليه.
والتهجير هو التبكير إلى الصلاة،
والمراد به في هذا الحديث: المبادرةُ إلى صلاة
الجماعة في أول وقت الحضور إليها، حتى يدرك المسلم الصلاةَ من أولها، ويظفر بفضيلةِ
الانتظار، والذكرِ، والصفوفِ المتقدمةِ، وغير ذلك من وجوه الخير.
* ثم ذكر _صلى الله عليه وسلم_ فضل صلاتي العشاء والصبح، فقال: إن الناس لو علموا ما
فيهما من الثواب العظيم، لأتوهما ولو حبوًا؛ أي: لو لم يستطيعوا المشي على
أقدامهم، لشدة حرصهم على تحصيل أجرهما، لأتوهما زحفًا على أيديهم وأرجلهم.
وليس المراد: الأمر بالمشي على هذه الهيئة مع القدرة
على المشي، وإنما المقصود المبالغة في بيان عظيم فضلهما، وشدة ما ينبغي أن يكون
عليه المؤمن من الحرص على أدائهما مع الجماعة.
وإنما خُصَّت العشاء والفجر
بالذكر لما فيهما من المشقة على كثير من الناس؛ فالعشاء
تأتي في وقت الراحة والسكون، والفجرُ تأتي
في وقت النوم ولذة الفراش، فلا يحافظ عليهما مع الجماعة إلا مَنْ قَوِيَ إيمانُه،
وصدَقَتْ رغبتُه فيما عند الله _تعالى_، وغلب محبةُ الطاعة على داعي الكسل
والراحة.
فالحديث كله دعوةٌ إلى تعظيمِ شعائر الصلاة، والتنافسِ
في فضائلها، والمسارعةِ إلى بيوت الله، واغتنامِ الأوقات الفاضلة، وعدمِ التفريط
في صلاة الجماعة، ولا سيما في العشاء والفجر.
فإن المؤمن إذا استحضر عظيم الأجر المترتب على هذه
الأعمال، هانت عليه المشقة، وخفَّت عليه مؤونة القيام، وأقبل على الطاعة بنفس
مطمئنة، يرجو ثواب الله _تعالى_ ويخشى عقابه.
فرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد أرشد أمته إلى أن
الأذان، والصف الأول، والتبكير إلى الصلاة، والمحافظة على العشاء والفجر مع
الجماعة، من الأعمال العظيمة التي تستحق التنافس والحرص؛ وأن معرفة قدر الثواب
المترتب عليها تحمل المؤمن على المبادرة إليها، والصبر على مشقتها، وتقديم مرضاة
الله على راحة النفس ولذائذها.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 126 و 1/ 132
و 1/ 145 و 3/ 182) (رقم: 615 و 653_654 و 721 و 2689)، ومسلم في "صحيحه"
(1/ 325/ 129) (رقم: 437)، والنسائي في "سننه" (1/ 269 و 2/ 23) (رقم: 540
و 671)، وفي "السنن الكبرى" (2/ 205 و 2/ 249) (رقم: 1533 و 1647).
وأخرج الترمذي الشطر الأول منه في "سننه" –
ت. شاكر (1/ 437) (رقم: 225).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 198) (رقم: 628)، و"صحيح
الجامع الصغير وزيادته" (2/ 943) (رقم: 5339)، و"تخريج الكلم الطيب"
(ص: 93) (رقم: 67)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (3/ 219 و 4/
43) (رقم: 1657 و 2150)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 329) (رقم: 488)،
و"مختصر صحيح الإمام البخاري" (1/ 202) (رقم: 327).
من فوائد الحديث:
قال فيصل بن عبد العزيز بن
فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 605_606):
"قال العلماء: فيه الحض على الصف الأول،
المسارعة إلى خلاص الذمة___والسبق لدخول المسجد والقرب من الإمام، واستماع قراءته،
والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه،
وسلامة البال من رؤية من يكن قدَّامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين، والصف
الأول عند الكعبة هو الذي يلي الإمام على الصحيح، وإن كان أبعد من الكعبة."
اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن
فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 629):
"في هذا الحديث: عِظَمُ ثواب الأذان،
وثواب الصف الأول." اهـ
شرح رياض الصالحين (5/ 32)
فالحاصل: أن الأذان له فضل عظيم، وأنه ينبغي للإنسان
أن يكون مؤذنا، إلا أنه إذا كان هناك مؤذنٌ راتِبٌ فإنه، لا يحل لأحد أن يتجاوزه،
ويؤذن عنه، إلا إذا كان قد وكله أو ما أشبه ذلك، يعني: لا تظنوا أن الإنسان ينبغي
له أن يبادر للمسجد ويؤذن قبل المؤذن الراتب، لأن هذا عدوان عليه، وقد قال النبي _صلى
الله عليه وسلم_: (لا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانِهِ، إلا بإذنه)[1]،
والله الموفق." اهـ
وقال عبد الرحمن بن أحمد بن
رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى:
795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (5/ 286_287):
"وهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند
التنافس في الاذان بالقرعة، كما سبق.
وقد قيل: ان الضمير في قوله: ((لا ستهموا عليه)) يعود
إلى الصف الاول؛ لانه اقرب المذكورين، ولم يقل: ((عليهما))[2].
والاظهر: انه
يعود إلى___النداء والصف الاول، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ
يُرْضُوهُ} [التوبة:62] .
وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الاول
إذا استبق اليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه، فانه يقرع بينهما.
وهذا مع تساويهما في الصفات، فإن كان احدهما افضل من
الاخر توجه ان يقدم الافضل بغير قرعة، عملا بقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: ((ليليني منكم اولوا الاحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)) .
خرجه مسلم من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي مسعود
الانصاري، كلاهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. اهـ
وقال عبد الرحمن بن أحمد بن
رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى:
795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (5/ 289):
"وفي قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: (لو يعلمون ما في النداء والصف الاول، ولم يجدوا الا ان يستهموا عليه
لاستهموا عليه): دليل على ان الاذان لا يشرع اعادته مرة بعد مرة، الا في اذان
الفجر، كما جاءت السنة به، والا فلو شرعت اعادته لما استهموا، ولاذن واحد بعد
واحد.
وقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا، وقال: مع التزاحم يؤذن
واحد بعد واحد. وهو مخالف للسنة." اهـ
وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين
العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح
البخاري" (5/ 172):
"فِيهِ: فَضِيلَة السَّبق إِلَى الصَّفّ
الأول والاستهام عَلَيْهِ.
فِيهِ: فَضِيلَة التهجير إِلَى الظّهْر، وَعَلِيهِ
ترْجم البُخَارِيّ، وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين حَدِيث الْإِبْرَاد لِأَنَّهُ
عِنْد اشتداد الْحر والتهجير هُوَ الأَصْل، وَهُوَ عَزِيمَة وَذَاكَ رخصَة.
فِيهِ: فَضِيلَة الْعشَاء وَالصُّبْح لِأَنَّهُمَا
ثقيلان على الْمُنَافِقين." اهـ
وقال أبو عبد الله محمد
بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي
(المتوفى: 536 هـ) _رحمه الله_ في "المعلم بفوائد مسلم" (1/ 400):
"في هذا الحديث: إثبات القرعة مع تساوي الحقوق،
وأما تشاحهم في الصف الأول، فَبَيِّنٌ وَجْهُهُ، إذ قد لا يحْملهم أجمعين."
اهـ
وقال عِيَاضُ بْنُ مُوْسَى الْسَّبْتِيُّ، المعروف بـ"القاضي عياض اليَحْصَبِيّ" (المتوفى: 544 هـ)
_رَحِمَهُ اللهُ_ في "إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ" (2/
348_349):
"السابق إلى الصف أحق به، وإنما يصح
الاستهام إذا قدرناه إذا كان وصولهم إليه فى حالةٍ، وهو لا يَسَع___جميعهم، وهم
متساوون فى حالهم، ومنهم أهل العلم والأحلام والنهى، فهم
أحق بالقرب من الإمام بمن سبق إليه منهم دون استهام.
وذهب أبو عمر الحافظ إلى أن المراد بذلك الصف الأول
وحده، وقال: هذا وجه الكلام، ورد الضمير إلى أقرب مذكور، وقال: بذلك جاءت الآثار
له مخصصة بالقرعة." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (10/ 275_276):
"في فوائده:
1 - (منها): بيان فضيلة الأذان، وقد تقدّم
البحث فيه مستوفًى في أبوابه.
2 - (ومنها): بيان فضيلة الصفّ الأول، والقرب
من الإمام؛ لاستماع القرآن إذا جهر، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقب
تكبيره، وأيضًا يَحْتَمِل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحاجة، فيكون هو
خليفته، فحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة، وينقلها ويعلمها الناس،
وسيأتي في الباب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خير صفوف الرجال أولها،
وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها".
وأخرج الدارميّ بسند صحيح، عن عرباض بن سارية -رضي
اللَّه عنه- "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يستغفر للصف الأول
ثلاثًا، وللصف الثاني مرةً".
وأخرج أبو داود بسند صحيح، عن عائشة -رضي اللَّه
عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يزال قوم يتأخرون
عن الصف الأول، حتى يؤخرهم اللَّه في النار".
وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب -رضي
اللَّه عنهما- قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتخلل الصفوف من ناحية
إلى ناحية، يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، وكان يقول:
"إن اللَّه وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة".
وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن عوف
-رضي اللَّه عنه-: "إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول".
وعند ابن حبان عن البراء عن عازب -رضي اللَّه عنهما-:
"إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول"، واللَّه تعالى أعلم.
3 - (ومنها): بيان جواز تسمية العشاء
عَتَمَةً، وقد ورد النهي عن تسميتها بها، فقد أخرج المصنّف عن ابن عمر -رضي اللَّه
عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تَغْلِبَنَّكم
الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب اللَّه العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب
الإبل".
وقد جمع العلماء بينهما بوجهين:
(أحدهما): أن النهي للتنزيه، لا للتحريم.
(والثاني): وهو الأظهر، أن استعمال العتمة
هنا لمصلحة، ونفي مفسدة؛____لأن العرب كانت تستعمل لفظة العشاء في المغرب، فلو
قال: "لو يعلمون ما في العشاء والصبح" لحملوها على المغرب، ففسد المعنى،
وفات المطلوب، فاستَعْمَل العتمة التي يعرفونها، ولا يَشُكُّون فيها، وقواعد الشرع
متظاهرة على احتمال أخفّ المفسدتين لدفع أعظمهما. [راجع: "شرح النوويّ"
4/ 158، و"عمدة القاري" 5/ 184.]
وسيأتي تمام البحث في هذا عند شرح الحديث المذكور
برقم (644)، إن شاء اللَّه _تعالى_.
4 - (ومنها): بيان فضيلة التبكير إلى الصلاة
في أول وقتها المستحبّ.
5 - (ومنها): الحثّ على حضور صلاتي العشاء
والصبح في المساجد، وبيان ما في ذلك من الفضل الكثير؛ وذلك لما فيهما من المشقّة
على النفس بتنقيص أول النوم وآخره، ولهذا كانتا أثقل الصلاة على المنافقين، فقد
أخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه بسند صحيح، عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال:
قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أثقل الصلاة على المنافقين
صلاةُ العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا".
6 - (ومنها): مشروعيّة الاقتراع في الحقوق
التي يُزدَحم عليها، ويُتنازع فيها.[3]
7 - (ومنها): أن الصف الثاني أفضل من الثالث،
والثالث أفضل من الرابع، وهلُمّ جَرًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى"
(7/ 191_192):
"المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف، وهو جواز تسمية العشاء عتمة
وهو لبيان الجواز، والنهي الآتي في الباب التالي ليس للتحريم، ويأتي تمام البحث
فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان فضيلة الأذان، وتمام البحث فيه سيأتي في
بابه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان فضيلة الصف الأول والقرب من الإمام
لاستماع القرآن إذا جهر، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من
اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، والمسارعة إلى خلاص
الذمة، والسبق لدخول المسجد.
ومنها: بيان فضيلة التبكير إلى الصلاة في أول وقتها.
ومنها: الحث على حضور صلاتي العشاء والصبح، وبيان ما
فيه من الفضل الكثير، لما فيهما من المشقة على النفس بتنقيص أول النوم___وآخره.
ومنها: مشروعية الاقتراع فيما فيه التساوي من الأمور
الجائزة. وبالله التوفيق، وعليه التكلان." اهـ
وقال محمد بن علي اليمني،
المعروف بـ"الشوكاني" (المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل
الأوطار" (2/ 21):
"الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ
الْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ الْأَذَانِ وَالْمُلَازَمَةِ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْمُسَارَعَةِ
إلَى جَمَاعَةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ." اهـ
وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي
الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ)
_رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (6/ 413_414):
"في هذا الحديث: ندب إلى الأذان، وإنه
لكذلك؛ لأنه إعلان بتوحيد الله سبحانه، والمؤذن يبلغ جهده برفع صوته، فيذكر
الغافلين، ويعود قدوة للذاكرين، فكل من يقول مثل ما يقول؛ فإنه يجدد إسلامه ليدخل
في الصلاة بإسلام جديد غير منثلم بما عارضه في نفسه أو خالجه في قلبه من خاطر سيئ،
فيكون أجره وأجر شهادته لمن سن هذه السنة وبدأ بها، وهو المؤذن؛ لأن من سن سنة
خير، فله أجرها، وأجر من عمل بها، فكيف بما في الأذان من الفضائل.___
* وأما الصف الأول، فللقرب من الإمام، واستماع
القراءة، وسلامة من دخل الصف الأول من تخطي الناس، وتمكنه من الجلوس، ولا يخفى
عليه شيء من أحوال الإمام، ويكون هو مقتديًا بالإمام، ومن وراءه يقتدي به، فيكون
له ثوابه، وثواب من يصلي وراءه؛ لأنه هو الوصلة بينه وبين الإمام، وكذلك له ثواب
من يصلي وراء من يصلي وراءه هكذا، ما اتصلت الصفوف؛ لأنهم به يقتدون، وعلى فعله
يبنون.
* وأما الصبح والعتمة فإنهما يخلوان في
الأكثر من رؤية أكثر الناس، فالمنافق والمرائي الذي لا يصلي إلا لأجل الناس، لا
يمكنه في العصر والظهر ما يمكنه في الفجر، فإنه يغلظ في الفجر والعتمة.
* وأما التهجير، فهو التقدم في الوقت، كما أن
التبكير كذلك." اهـ
الاستذكار (1/ 375)
فَفِيهِ فَضْلُ الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ___وَالْأَذَانُ
إِنَّمَا هُوَ النِّدَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ)
الْجُمُعَةِ 9 وَقَالَ (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الْمَائِدَةِ 58
وَفِي فَضَائِلِ الْأَذَانِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ
جَمَعَهَا جَمَاعَةٌ
وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ
السَّلَامُ - ((لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ
إِلَّا شَهِدَ له يوم القيامة))[4]
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ((اللَّهُمَّ أَرْشِدِ
الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ))[5]
وَقَالَتْ عَائِشَةُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي
الْمُؤَذِّنِينَ قَوْلُهُ _تَعَالَى_: {وَمَنْ
أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي
مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]
وَرَوَى بَيَانٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ
عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (لَوْ كُنْتُ أُطِيقُ
الْأَذَانَ مَعَ الْخِلَافَةِ، لَأَذَّنْتُ).
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: (لَأَنْ أَقْوَى
عَلَى الْأَذَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ من أن أحج أو أعتمر)،
وقال ابن مَسْعُودٍ: (لَوْ كُنْتُ مُؤَذِّنًا، لَمْ
أُبَالِ أَلَّا أَحُجَّ أَوْ أَعْتَمِرَ).
وَقَالَ عُمَرُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (مَنْ
مُؤَذِّنُوكُمْ فَقَالُوا عَبِيدُنَا وَمَوَالِينَا فَقَالَ إن ذلك لنقص بكم).
وقال ابن عُمَرَ لِرَجُلٍ مَا عَمَلُهُ، قَالَ: "الْأَذَانُ"
قَالَ: (نِعْمَ الْعَمَلُ يَشْهَدُ لَكَ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ يسعك).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ
وَرَوَى السُّكَّرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي
صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ___ _ عَلَيْهِ
السَّلَامُ_: (الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ اللَّهُمَّ أَرْشِدِ
الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) [6]
قَالُوا "يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ تَرَكْتَنَا
بَعْدَكَ نُنَافِسُ فِي الْأَذَانِ"، فَقَالَ: (إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا
سَفِلَتُهُمْ مُؤَذِّنُوهُمْ).[7]
وَهَذَا الْحَدِيثُ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ
فِيهِ أَبُو حَمْزَةَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ." اهـ
"ويستفاد منه ما يأتي:
أولاً: بيان فضل الأذان وثوابه، لأن الناس لا يقترعون
إلا على أنفس الأشياء وأعظمها قدراً، وهو ما ترجم له البخاري.
ثانياً: فضل الصف الأول، لأن النبي - صلى الله عليه
وسلم - أخبرنا في هذا الحديث أن الناس لو علموا قدر الصلاة في الصف الأول لتنافسوا
عليه، حتى لا يصل إليه أحدهم إلّا بالقرعة.
ثالثاً: فضل المبادرة إلى الصلاة في وقتها وأنه من
الأمور التي ينبغي الحرص عليها.
رابعاً: أنه ينبغي الحرص على حضور العشاء والصبح مع
الجماعة ولو في أسوأ الأحوال." اهـ
وقال
شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد
الحليم بن تيمية الْحَرَّانِيُّ (المتوفى: 728 هـ)
_رحمه الله_ في "مجموع
الفتاوى" (22/ 262):
"وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ
أَنَّهُ قَالَ:
{لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يستهموا عَلَيْهِ
لَاسْتَهَمُّوا عَلَيْهِ}،
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ: {خَيْرُ صُفُوفِ
الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا}
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي يَنْبَغِي
فِيهَا لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يُتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الثَّانِي.
فَمَنْ جَاءَ أَوَّلَ النَّاسِ وَصَفَّ فِي غَيْرِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ خَالَفَ
الشَّرِيعَةَ.
وَإِذَا ضَمَّ إلَى ذَلِكَ إسَاءَةَ الصَّلَاةِ أَوْ
فُضُولَ الْكَلَامِ أَوْ مَكْرُوهَهُ أَوْ مُحَرَّمَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ: مِمَّا
يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهُ فَقَدْ تَرَكَ تَعْظِيمَ الشَّرَائِعِ وَخَرَجَ عَنْ
الْحُدُودِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ نَقْصَ مَا فَعَلَهُ
وَيَلْتَزِمْ اتِّبَاعَ أَمْرِ اللَّهِ: اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْبَلِيغَةَ الَّتِي
تَحْمِلُهُ وَأَمْثَالُهُ عَلَى أَدَاءِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكِ مَا
نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
وقال محمد بن أبي بكر
الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيم الجوزية"
(المتوفى: 751 هـ) _رحمه الله_ في "الطُّرُقِ
الحُكْمِيَّةِ" (ص: 245_246):
"وَمِنْ طُرُقِ
الْأَحْكَامِ: الْحُكْمُ بِالْقُرْعَةِ،
قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ
نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ
يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]
قَالَ قَتَادَةُ: "كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ
إمَامِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إسْرَائِيلَ، فَاقْتَرَعُوا
عَلَيْهَا بِسِهَامِهِمْ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا، وَكَانَ
زَوْجَ أُخْتِهَا، فَضَمَّهَا إلَيْهِ ".
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ:
" لَمَّا وُضِعَتْ مَرْيَمُ فِي الْمَسْجِدِ
اقْتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْمُصَلَّى، وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ،
فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا "
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ
التَّفْسِيرِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ
الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] {إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}
[الصافات: 140] {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141]
يَقُولُ تَعَالَى: فَقَارَعَ، فَكَانَ مِنْ
الْمَغْلُوبِينَ.
فَهَذَانِ نَبِيَّانِ كَرِيمَانِ
اسْتَعْمَلَا الْقُرْعَةَ وَقَدْ احْتَجَّ
الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ،
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ
الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ»
.___
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا عَنْ
عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا
أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا
خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» .
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عِمْرَانَ
بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ
مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ
بَيْنَهُمْ: فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا
شَدِيدًا» .
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَسَارَعُوا إلَيْهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ
بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ» ." اهـ
قال النووي: في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى
الإمام، لأنه أولى بالإكرام ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى،
ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو، لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة
ويحفظوها وينقلوها ويعلموها الناس، وليقتدي بأفعالهم من وراءهم.
ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل
الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم، والقضاء، والذكر
والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث
ونحوها، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. اهـ
وقال محمد بن أبي بكر الدمشقي، المشهور بـ"ابن قيم الجوزية" (المتوفى: 751 هـ) _رحمه الله_ في "طريق الهجرتين وباب
السعادتين" (ص: 299):
"والقرعة إنما تكون عند التزاحم
والتنافس لا عند الإيثار فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلاً للإيثار، بل
محلاً للتنافس والمسابقة،
ولهذا قال الفقهاءُ: لا يستحب الإيثار بالقربات والسر
فيه- والله أعلم- أن الإيثار إنما يكون بالشيء الذى يضيق عن الاشتراك فيه، فلا يسع
المؤثر والمؤثر، بل لا يسع إلا أحدهما،
وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها،
فلو اشترك الألوف المؤلفة فى الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم
ووسعتهم كلهم، وإن قدِّر التزاحم فى عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع-
بحيث إذا فعله واحد فات على غيره،
فإن فى العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما
لفاعله كما ثبت عن النبى _صلى الله عليه وسلم_ فى غير حديث، فإذا قدر فوت مباشرته
له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله." اهـ
ملحق الفوائد:
١- فيه: عِظَمُ فضل الأذان ورفعة منزلته، ففي الحديث
بيان عظيم فضل الأذان، وأنه من أجلِّ القربات وأعظم شعائر الإسلام الظاهرة؛ إذ لو
علم الناس ما أعدَّ الله للمؤذنين من الثواب، لتنافسوا في تحصيل هذه الفضيلة، ولما
زهدوا فيها أو استهانوا بشأنها.
٢- فضل الصف الأول في الصلاة، ففيه: دليل على
فضل الصف الأول، والحث على المبادرة إلى إدراكه؛ لما فيه من القرب من الإمام،
وكمال الاقتداء به، والسبق إلى موضع العبادة. وفيه: تنبيه على أن الفضائل الشرعية
ينبغي أن يتنافس فيها أهل الإيمان، لا أن يتكاسلوا عنها أو يزهدوا فيها.
٣- فيه: الحث على التنافس في أبواب الخير، ففيه:
حثٌّ على المسابقة إلى الطاعات، واغتنام الفضائل، وأن التنافس المحمود هو ما كان
في مرضاة الله تعالى، لا في حطام الدنيا الفاني. فكما يتنافس الناس في تحصيل
المناصب والأموال، ينبغي لهم أن يكون تنافسهم في أعمال البر أعظم وأشد.
٤- فيه: أن معرفة فضل العمل تبعث على الاجتهاد
فيه، ففيه إشارة إلى أن العلم بقدر الثواب من أعظم ما يحمل النفوس على العمل؛ فإن
القلب إذا استحضر ما أعد الله تعالى لأهل الطاعة من الأجر، هانت عليه المشقة،
وخفَّت عليه مؤونة العبادة، وانبعث إلى الخير بنشاط ورغبة.
٥- فيه: فضل التبكير إلى الصلاة، ففيه بيان
فضل التهجير، وهو التبكير إلى الصلاة والمبادرة إلى حضورها؛ فإن المبادرة إلى بيوت
الله من دلائل تعظيم شعائر الله، وعلامات صدق الرغبة فيما عنده، وفيها إدراك فضيلة
الانتظار، والتهيؤ للصلاة، والاشتغال بالذكر والدعاء قبل إقامتها.
٦- فيه: استحباب المبادرة إلى المسجد قبل إقامة
الصلاة، ففيه: إرشاد إلى أن المؤمن لا ينبغي له أن يجعل عادته التأخر حتى لا يدرك
إلا الصلاة عند إقامتها، بل يحرص على السبق إليها بحسب استطاعته؛ ليجمع بين أداء
الفريضة وإدراك ما تيسر له من فضائل التقدم والانتظار.
٧- فيه: فضل صلاة العشاء والمحافظة عليها مع
الجماعة، ففيه تنبيه على عظيم شأن صلاة العشاء، وأن ما قد يعرض للنفس من الميل إلى
الراحة والسكون لا ينبغي أن يصرف المسلم عن أداء الصلاة. فالمؤمن الصادق يقدم طاعة
ربه على داعي الكسل، ويرجو بما يتحمله من مشقة الأجر والثواب.
٨- فيه: فضل صلاة الفجر وعظيم منزلتها، ففيه:
الحث على المحافظة على صلاة الفجر، لما يكون في وقتها من غلبة النوم وثقل القيام
على النفوس. فمن جاهد نفسه، واستعان بربه، وحافظ عليها في وقتها، فقد أخذ بسبب
عظيم من أسباب الاستقامة، وأظهر صدق تعظيمه لأمر الله تعالى.
٩- فيه: أن الطاعة تحتاج إلى مجاهدة النفس، ففيه
دلالة على أن تحصيل الفضائل لا يكون دائمًا موافقًا لهوى النفس؛ فقد تحتاج الطاعة
إلى ترك النوم، ومفارقة الراحة، وتحمل شيء من المشقة. فالعاقل من روَّض نفسه على
طاعة الله، ولم يجعل شهواتها وميولها حاكمة على أعماله.
١٠- فيه: ذم الكسل والتثاقل عن العبادات، ففيه
تنبيه على قبح التثاقل عن الطاعات مع القدرة عليها؛ فإن من عرف عظيم الأجر المترتب
على الصلاة، لم يرض لنفسه أن يفوِّت فضائلها لمجرد الكسل أو التهاون. وليس المراد
ذمَّ العاجز والمعذور، وإنما المراد تنبيه القادر إلى ألا يفرط فيما يستطيع أداءه.
١١- فيه: أن العبادات الفاضلة تستحق بذل
الجهد، ففيه: أن الأعمال التي عظَّم الشرع فضلها جديرة بأن يبذل المسلم في تحصيلها
ما يستطيع من الجهد، وأن يحتمل في سبيلها المشقة المعتادة من غير ضرر ولا تنطع؛
فإن نفائس المطالب لا تُدرك غالبًا إلا بالصبر والمثابرة.
١٢- فيه: المبالغة في الترغيب بأسلوب ضرب
المثل والتصوير، ففيه استعمال النبي صلى الله عليه وسلم أسلوبًا بليغًا في
الترغيب، وذلك بذكر اقتراع الناس على الأذان والصف الأول، وإتيانهم العشاء والفجر
ولو حبوًا. وهذا تصوير لشدة فضل هذه الأعمال، وتقريب لمعناها إلى الأفهام، وحمل
للنفوس على إدراك منزلتها.
١٣- فيه: فضل صلاة الجماعة وعظيم شأنها، فيه:
تأكيد العناية بالصلاة مع الجماعة؛ فإن ذكر الصف الأول والتبكير إلى الصلاة
والمحافظة على العشاء والفجر في سياق واحد يدل على اجتماع هذه الفضائل في تعظيم
الصلاة والحرص على شهودها. وفي ذلك حثٌّ للمسلم على ألا يحرم نفسه من هذه الخيرات
بغير عذر.
١٤- فيه: أن فضائل الأعمال تتفاوت، ففيه:
إشارة إلى أن الأعمال الصالحة تتفاوت في فضلها وثوابها، وأن الشارع يرشد الأمة إلى
أعمال لها مزيد اختصاص بالفضل. فعلى المسلم أن يتعلم مراتب الأعمال وفضائلها من
الكتاب والسنة، وأن يعتني بالأعمال التي ثبت فضلها، من غير أن يزهد في سائر أبواب
الخير.
١٥- فيه: فضل المبادرة قبل فوات الفرصة، ففيه
الحث على المسارعة إلى الخير وعدم التسويف؛ فإن تأخير الطاعة قد يفوِّت على المرء
فضيلة التقدم، أو يعرِّضه لفوات الصلاة مع الجماعة. ومن عرف نفاسة الوقت، لم يضيعه
في التردد والتأجيل، بل بادر إلى ما استطاع من القربات.
١٦- فيه: أن الشريعة ترغِّب في علو الهمة، فيه:
تربية للمؤمن على علو الهمة، فلا يرضى من نفسه بالدون مع قدرته على تحصيل الأفضل،
بل يجتهد في بلوغ مراتب الخير، ويتطلع إلى الفضائل المشروعة، ويستعين بالله تعالى
على إدراكها.
١٧- فيه: أن العبرة بما عند الله، لا بمشقة
العمل وحدها، فيه: تنبيه على أن المؤمن ينظر إلى ما يرجوه من ثواب الله، لا إلى
مجرد ما يبذله من جهد؛ فالمشقة ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود امتثال أمر الله
وابتغاء مرضاته، وما يترتب على الطاعة من الأجر والقبول.
١٨- فيه: أن طلب الفضائل لا يكون بإيذاء
المسلمين، ففيه: أن التنافس على الصف الأول وغيره من الفضائل ينبغي أن يكون وفق
أحكام الشرع وآدابه؛ فلا يجوز أن يحمل الحرص على الفضيلة صاحبَه على تخطي رقاب
الناس، أو مزاحمتهم بغير حق، أو إيذائهم، فإن تحصيل السنة لا يكون بارتكاب المحرم.
١٩- فيه: فضل انتظار الصلاة والاشتغال
بالطاعة قبلها، ففيه: إشارة إلى ما في التبكير إلى الصلاة من فرص الخير؛ إذ يستطيع
المسلم أن يشغل وقته بالتلاوة والذكر والدعاء، وأن يجلس منتظرًا للصلاة. وانتظار
الصلاة من أعمال البر التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها، مع مراعاة أحكام المسجد
وآدابه.
٢٠- فيه: أن الأعمال الظاهرة قد تدل على صدق
الإيمان، فيه: أن المحافظة على الصلاة في أوقاتها، والتبكير إليها، والحرص على
الصفوف المتقدمة، من الأعمال التي تشهد بصدق رغبة العبد في الطاعة وتعظيمه لشعائر
الله، وإن كان الحكم على حقيقة إيمان الأشخاص وسرائرهم إلى الله تعالى.
٢١- فيه: أهمية تربية الأهل على المحافظة على
الصلاة، ففيه: ما يعين على تربية الأهل والأولاد على تعظيم الصلاة؛ وذلك بتعليمهم
فضائلها، وتعويدهم التبكير إليها، وحثهم على المحافظة على العشاء والفجر، مع الرفق
بهم، ومراعاة أحوالهم وقدراتهم.
٢٢- فيه: أن معرفة الفضائل الشرعية من أسباب
صلاح العمل، ففيه: الحث على تعلم ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الأعمال؛ فإن
من جهل فضل الطاعة ربما قصَّر فيها، ومن عرف منزلتها عظَّمها وأقبل عليها. ولذلك
كان بيان فضائل العبادات من أنفع أبواب العلم في ترغيب النفوس في الخير.
٢٣- فيه: الجمع بين العلم والعمل، ففيه:
تنبيه على أن المقصود من معرفة فضائل الأعمال أن تتحول المعرفة إلى عمل ومسابقة،
لا أن تبقى معلومات محفوظة لا أثر لها في السلوك. فالعلم النافع ما أورث صاحبه
خشيةً ورغبةً في الطاعة، وحمله على المبادرة إلى مرضاة الله تعالى.
٢٤- فيه: أن المسلم ينبغي أن يسأل الله
الإعانة على الطاعة، ففيه: ما يذكِّر العبد بضعفه وحاجته إلى توفيق الله؛ فإن
النفس تميل إلى الراحة، ولا تثبت على الطاعة إلا بإعانة الله تعالى. فليكثر المسلم
من سؤال ربه العون والتيسير والثبات، وليأخذ بالأسباب التي تعينه على المحافظة على
الصلاة، كالنوم المبكر والاستعداد لها.
٢٥- فيه: أن المحافظة على الصلاة من أعظم
أبواب القرب إلى الله، فتجتمع معاني الحديث في بيان عظيم منزلة الصلاة وما يتصل
بها من الأذان والجماعة والتبكير؛ فهي من أعظم شعائر الإسلام، ومن أجلِّ ما يتقرب
به العبد إلى ربه. فحريٌّ بالمؤمن أن يجعلها من أولوياته، وأن يحفظها من التفريط،
وأن يزداد بها تعلقًا بالله تعالى.
[1] أخرجه
مسلم في "صحيحه" (1/ 465) (رقم: 673):
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
«يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ،
فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ
كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي
الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ
الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ
إِلَّا بِإِذْنِهِ»
[2] وفي "البحر المحيط
الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (10/ 271) للإثيوبي: "ما
قاله القرطبيّ أولى؛ لأنه تؤيّده رواية عبد الرزاق له، عن مالك، بلفظ:
"لاستَهَموا عليهما"، فقد بيّنت المراد بالضمير في هذه الرواية،
فتبصّر." اهـ
[تعليق]: ففي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب
(2/ 278) (رقم: 7738): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ
سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_:
(لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ
الأَوَّلِ، لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا، وَلَوْ
يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ، لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ
مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ ، لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا). وصححه الأرنؤوط
في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (13/ 166) (رقم: 7738).
[3] وفي "نيل
الأوطار" (5/ 303) للشوكاني:
"وَفِي
الْأَمْرِ بِالْقُرْعَةِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ أَوْ الْمُشَاحَّةِ وَقَدْ وَرَدَتْ
الْقُرْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْله تَعَالَى:
{إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ} [آل عمران: 44] وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى:
{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141]
وَجَاءَتْ فِي خَمْسَةِ أَحَادِيثَ مِنْ السُّنَّةِ:
الْأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ،
الثَّانِي: حَدِيثُ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ»
الثَّالِثُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - أَقْرَعَ فِي سِتَّةٍ مَمْلُوكِينَ»
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ
لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ»
الْخَامِسُ: حَدِيثُ الزُّبَيْرِ: «إنَّ صَفِيَّةَ
جَاءَتْ بِثَوْبَيْنِ لِتُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَوَجَدْنَا إلَى جَنْبِهِ
قَتِيلًا، فَقُلْنَا: لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ، فَوَجَدْنَا
أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ أَوْسَعَ مِنْ الْآخَرِ، فَأَقْرَعْنَا عَلَيْهِمَا ثُمَّ
كَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي الثَّوْبِ الَّذِي خَرَجَ لَهُ» وَالظَّاهِرُ أَنَّ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى هَذَا
وَقَرَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا هُنَالِكَ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى
عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ حَمْزَةَ، وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ
تَعْتَمِدُ الْقُرْعَةَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ كَمَا رُوِيَ:، (أَنَّهُ
تَشَاحَّ النَّاسُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ
سَعْدٌ)." اهـ
[تعليق]: الحديث الأول: ما ورد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
قَالَتْ: «جَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دَرَسَتْ لَيْسَ
بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ
بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا
أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ،
فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا أُسْطَامًا فِي
عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا: حَقِّي لِأَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -: إذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ
ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «إنَّمَا أَقْضِي
بَيْنَكُمْ بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ»
[4] رواه
مالك والبخاري والنسائي وابن ماجه. صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح
الترغيب والترهيب" (1/ 212) (رقم: 232).
[5] رواه
أبو داود والترمذي. صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب"
(1/ 215) (رقم: 237)
[6] رواه
أبو داود والترمذي. صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب"
(1/ 215) (رقم: 237).
[7] أخرجه
البزار في "البحر الزخار" (16/ 159) (رقم: 9266)، وضعفه لشذوذه الألباني
_رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة"
(14/ 691) (رقم: 6806).
Komentar
Posting Komentar