شرح الحديث 21 (باب ما جاء في خاتم النبوة) من الشمائل المحمدية
|
[21] – (6) حَدَّثَنَا
أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِيْ، بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: جَاءَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ،
فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ: «يَا سَلْمَانُ مَا هَذَا؟» فَقَالَ: "صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ"، فَقَالَ: «ارْفَعْهَا، فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» قَالَ: فَرَفَعَهَا، فَجَاءَ الْغَدَ بِمِثْلِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ
رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا
سَلْمَانُ؟» فَقَالَ: "هَدِيَّةٌ لَكَ." فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِأَصْحَابِهِ:
«ابْسُطُوا»." |
رواة
الحديث:
* حَدَّثَنَا أَبُو
عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ (ثقة: ت. 244 هـ بـ قرميسين):
الحسين بن حريث بن الحسن بن
ثابت بن قطبة الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزى (مولى
عمران بن حصين)، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له:
خ م د ت س
* قَالَ: حَدَّثَنَا
عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ (صدوق يهم: ت. 211 هـ):
على بن الحسين بن واقد القرشي،
أبو الحسن (ويقال: أبو الحسين) المروزي، المولود: سنة 130 هـ، من كبار الآخذين عن
تبع الأتباع، روى له: بخ مق د ت س ق (مق: مسلم في مقدمة صحيحه)
* قَالَ حَدَّثَنِي
أَبِي (ثقة له أوهام: ت. 159
هـ):
الحسين بن واقد المروزي، أبو عبد الله (مولى عبد الله بن عامر بن كريز
القرشي) (وهو قاضٍ بِمَرْو)، من كبار أتباع التابعين، روى
له: خت م د ت س ق
* قَالَ: حَدَّثَنِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ (ثقة: ت. 105 هـ):
عبد الله بن بريدة بن الحُصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، (قاضي مرو، أخو سليمان بن
بريدة)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س
ق
* قَالَ: سَمِعْتُ
أَبِيْ، بُرَيْدَةَ (صحابي:
ت. 63 هـ بـ مرو):
بريدة بن الحُصيب بنِ عبدِ الله
بنِ الحارث الأسلمي أبو عبد الله (ويقال: أبو سهل،
ويقال: أبو ساسان، ويقال: أبو الحصيب)، روى له: خ
م د ت س ق
نص
الحديث وشرحه:
قَالَ: سَمِعْتُ أَبِيْ،
بُرَيْدَةَ، يَقُولُ:
(جَاءَ سَلْمَانُ
الْفَارِسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ حِينَ
قَدِمَ الْمَدِينَةَ)، أيْ:
حين أتى المدينة المنوَّرة.
(بِمَائِدَةٍ
عَلَيْهَا رُطَبٌ)،
أي: بطَبَقٍ أو خوانٍ عليه تمرٌ رَطْبٌ ناضج. والمائدة: ما يُوضَع عليه
الطعام، ويُطلق اللفظ أيضًا على الطعام الذي يُقدَّم للأكل. والرُّطَب: جمع
رُطَبة، وهو ثمر النخل حين يَلِين وينضَج، قبل أن يصير تمرًا يابسًا.
(فَوَضَعَهَا
بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أي: فوضع المائدةَ أمام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
قريبًا منه.
(فَقَالَ:
«يَا سَلْمَانُ مَا هَذَا؟»)، أي: ما حقيقة هذا الذي جئتَ به يا سلمان؟
والاستفهام هنا لطلب معرفة نوع ما قُدِّم إليه: أهو صدقةٌ أم هديَّة؟ وفيه
دليلٌ على أهمية التثبُّت من حقيقة الشيء قبل ترتيب الحكم الشرعي عليه.
(فَقَالَ: "صَدَقَةٌ
عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ")،
أيْ: هذا المالُ صدقةٌ مقدَّمةٌ إليك وإلى أصحابك. والصدقة: ما يُبذَل ابتغاءَ
الأجر والثواب، ويُطلَق اللفظ على الصدقة الواجبة والمستحبَّة بحسب السياق. والمقصود
في هذا السياق: أنَّ سلمانَ رضي الله عنه أخبر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
بأنَّ ما جاء به صدقةٌ، لا هديَّة.
(فَقَالَ:
«ارْفَعْهَا، فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»)،
* ارْفَعْهَا، أيْ: أَبْعِدْها
عنَّا، واحملها من أمامنا. والضمير في «ارفعها» يعود إلى المائدة وما عليها من
الرُّطَب، أو إلى الصدقة المقدَّمة. وليس المراد مجرَّد رفعها إلى الأعلى، بل
المراد إبعادها وعدم تناولها.
* فَإِنَّا لَا
نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، أيْ: فإنَّنا لا نتناول الصدقةَ التي حرَّم الله علينا
تناولها.
وهذا بيانٌ لحكمٍ شرعيٍّ؛ فإنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ لا تحلُّ له
الصدقة، وكذلك آلُه الذين تحرم عليهم الصدقة، على التفصيل المعروف عند أهل العلم.
فتُحرم الصدقة على بني هاشم، وبني المطلب، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم،
وهم تحديداً:
• آلُ علي بن
أبي طالب (بما فيهم أولاده من فاطمة الزهراء وغيرها)
• آلُ عقيل بن
أبي طالب
• آلُ جعفر بن
أبي طالب
• آلُ العباس بن
عبد المطلب
• آلُ الحارث بن
عبد المطلب (في بعض الأقوال الفقهية)
• موالي آل
البيت (لأن "مولى القوم من أنفسهم").[1]
وينبغي التنبيه إلى أنَّ هذا الحكم لا يعني تحريم كلِّ ما يُسمَّى صدقةً على
جميع أقارب النبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، بل يتعلَّق بمن ثبت تحريم الصدقة
عليه شرعًا.
(قَالَ: فَرَفَعَهَا)،
أي: فأزال سلمانُ
رضي الله عنه المائدةَ التي عليها الرُّطَب، امتثالًا لأمر رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم. وهذه الجملة تبيِّن استجابةَ سلمانَ رضي الله عنه لأمر النبيِّ صلَّى
الله عليه وسلَّم، وعدم إصراره على تقديم ما لا يجوز له تناوله.
(فَجَاءَ الْغَدَ
بِمِثْلِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_)، أيْ: فجاء في
اليوم التالي بشيءٍ مماثلٍ لما جاء به في اليوم السابق.
(فَقَالَ:
«مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟»، فَقَالَ: "هَدِيَّةٌ لَكَ.")،
أيْ: هذا الذي جئتُ به هديَّةٌ لك، وليس صدقةً. والهديَّة: ما يُقدِّمه
الإنسان إلى غيره تودُّدًا إليه وإكرامًا له، من غير عِوَضٍ مشروط. والفرق بين
الهديَّة والصدقة في هذا المقام: أنَّ الهديَّة تُقدَّم على وجه الإكرام
والتودُّد، أمَّا الصدقة فتُقدَّم على وجه التصدُّق وابتغاء الثواب.
وقد تختلف أحكامهما باختلاف الأشخاص والأحوال؛ ولذلك لمَّا كانت الصدقة لا
تحلُّ للنبيِّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_، كانت الهديَّة جائزةً له.
(فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِأَصْحَابِهِ: «ابْسُطُوا»)، أيْ: قال النبيُّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ لأصحابه:
مُدُّوا أيديكم لتناول الطعام. والمراد هنا: مُدُّوا أيديكم إلى الطعام وخذوا منه.
وليس المراد بسطَ الأرض أو الفراش، بل مدَّ الأيدي لتناول الرُّطَب. وفي هذا دليلٌ
على جواز قبول الهديَّة والأكل منها، وعلى أنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليه وسلَّم_
كان يراعي الأحكام الشرعيَّة في مأكله ومشربه.
روايات الحديث:
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (4/ 445):
عَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ سَلْمَانَ، لَمَّا أَتَى الْمَدِينَةَ أَتَى
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَدِيَّةٍ عَلَى طَبَقٍ فَوَضَعَهَا
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى
أَصْحَابِكَ قَالَ: «إِنِّي لَا آكُلُ الصَّدَقَةَ» فَرَفَعَهَا ثُمَّ أَتَاهُ
مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالَ: هَدِيَّةٌ لَكَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «كُلُوا»
وفي "المعجم الكبير" للطبراني (6/ 228):
عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟»
قَالَ: "هَذِهِ صَدَقَةٌ عَلَيْكَ، وَعَلَى أَصْحَابِكَ."
فَقَالَ: «يَا سَلْمَانُ، إِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»، فَذَهَبَ بِهَا
سَلْمَانُ.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، جَاءَهُ سَلْمَانُ بِمَائِدَةٍ، عَلَيْهَا رُطَبٌ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الْمَائِدَةُ؟»، قَالَ: "هَذِهِ
هَدِيَّةٌ." فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «ادْنُوَا، فَكُلُوا»، فَأَكَلَ." اهـ
وفي "السنن الكبرى" للبيهقي (10/ 541):
"عَنْ
بُرَيْدَةَ:
أَنَّ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَتَى
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَدِيَّةٍ عَلَى طَبَقٍ،
فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟"
قَالَ: "صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ."
قَالَ: "إِنِّي لَا آكُلُ الصَّدَقَةَ."
فَرَفَعَهَا، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، فَوَضَعَهَا بَيْنَ
يَدَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟" قَالَ: "هَدِيَّةٌ لَكَ."
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_
لِأَصْحَابِهِ: "كُلُوا."
قَالَ: "لِمَنْ أَنْتَ؟" قَالَ: "لِقَوْمٍ."
قَالَ: "فَاطْلُبْ إِلَيْهِمْ أَنْ يُكَاتِبُوكَ."
قَالَ: فَكَاتَبُونِي عَلَى كَذَا وَكَذَا نَخْلَةً أَغْرِسُهَا لَهُمْ،
وَيَقُومُ عَلَيْهَا سَلْمَانُ حَتَّى تُطْعِمَ،
قَالَ: "فَفَعَلُوا." قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَرَسَ النَّخْلَ كُلَّهُ إِلَّا نَخْلَةً وَاحِدَةً
غَرَسَهَا عُمَرُ _رَضِيَ اللهُ عَنْهُ_، فَأُطْعِمَ نَخْلُهُ مِنْ سَنَتِهِ،
إِلَّا تِلْكَ النَّخْلَةَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: " مَنْ
غَرَسَهَا "؟
قَالُوا: "عُمَرُ، فَغَرَسَهَا رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_ مِنْ يَدِهِ، فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا."
وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/ 438):
عَنْ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ:
"كُنْتُ مِنْ أَبْنَاءِ أَسَاوِرَةِ فَارِسَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ،
قَالَ: فَانْطَلَقْتُ تَرْفَعُنِي أَرْضٌ، وَتَخْفِضُنِي أُخْرَى، حَتَّى
مَرَرْتُ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَعْرَابِ، فَاسْتَعْبَدُونِي، فَبَاعُونِي حَتَّى اشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ،
فَسَمِعْتُهُمْ يَذْكُرُونَ النَّبِيَّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَكَانَ الْعَيْشُ عَزِيزًا،
فَقُلْتُ لَهَا: "هَبِي لِي يَوْمًا." فَقَالَتْ: "نَعَمْ."
فَانْطَلَقْتُ فَاحْتَطَبْتُ حَطَبًا، فَبِعْتُهُ، فَصَنَعْتُ طَعَامًا،
فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَوَضَعْتُهُ
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟" فَقُلْتُ: "صَدَقَةٌ."
فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: "كُلُوا"، وَلَمْ يَأْكُلْ، قُلْتُ: "هَذِهِ
مِنْ عَلاَمَاتِهِ."
ثُمَّ مَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، فَقُلْتُ لِمَوْلاَتِي: "هَبِي
لِي يَوْمًا." قَالَتْ: "نَعَمْ." فَانْطَلَقْتُ، فَاحْتَطَبْتُ
حَطَبًا، فَبِعْتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَصَنَعْتُ طَعَامًا، فَأَتَيْتُهُ
بِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:
"مَا هَذَا؟" قُلْتُ: "هَدِيَّةٌ."
فَوَضَعَ يَدَهُ، وَقَالَ لأَصْحَابِهِ: "خُذُوا بِسْمِ اللهِ."
وَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، فَإِذَا خَاتَمُ
النُّبُوَّةِ، فَقُلْتُ: "أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ." فَقَالَ: "وَمَا
ذَاكَ؟"
فَحَدَّثْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ، وَقُلْتُ: "أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يَا
رَسُولَ اللهِ ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ؟" فَقَالَ: "لَنْ
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ."
فَقُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ،
أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟" قَالَ: "لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ
نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ." – حديث حسنٌ: حسنه
الأرنؤوط في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (39/ 117) (رقم: 23712).
وفي "المعجم الكبير" للطبراني (6/ 230):
"ثُمَّ
انْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قُلْتُ هُوَ هَدِيَّةٌ،
فَأَكَلَ مِنْهَا، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» ، قَالَ: قُلْتُ: (أَشْهَدُ أَنْ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ)،
فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرِي، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَاشْتَرِ
نَفْسَكَ»، فَانْطَلَقْتُ إِلَى صَاحِبِي، فَقُلْتُ: بِعْنِي نَفْسِي؟
قَالَ: "نَعَمْ، عَلَى أَنْ تُنْبِتَ لِي مِائَةَ نَخْلَةٍ، فَإِذَا
أَنْبَتَتْ جِئْنِي بِوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ."
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ،
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اشْتَرِ نَفْسَكَ بِالَّذِي سَأَلَكَ وَائْتِنِي بِدَلْوٍ مِنْ
مَاءِ الْبِئْرِ الَّذِي كُنْتَ تَسْقِي مِنْهَا ذَلِكَ النَّخْلَ»،
قَالَ: فَدَعَا لِي رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا_،
ثُمَّ سَقَيْتُهَا، فَوَاللهِ لَقَدْ غَرَسْتُ مِائَةَ نَخْلَةٍ، فَمَا غادَرَت
مِنْهَا نَخْلَة، إِلَّا نَبَتَتْ،
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَأَخْبَرْتُهُ
أَنَّ النَّخْلَ قَدْ نَبَتْنَ، فَأَعْطَانِي قِطْعَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَانْطَلَقْتُ
بِهَا فَوَضَعْتُهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوَضَعَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ
نَوَاةً، فَوَاللهِ مَا اسْتَقَلَّتِ الْقِطْعَةُ الذَّهَبُ مِنَ الْأَرْضِ،
قَالَ: وَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأَعْتَقَنِي
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 37):
"قَالَ فِي
الصِّحَاحِ:
مَادَّهُمْ يُمِيدُهُمْ لُغَةٌ فِي مَارَهُمْ مِنْ الْمِيرَةِ، وَمِنْهُ: الْمَائِدَةُ، وَهِيَ خُوَانٌ عَلَيْهِ
طَعَامٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَلَيْسَ بِمَائِدَةٍ، وَإِنَّمَا
هُوَ خُوَانٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
مَائِدَةٌ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، مِثْلُ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ بِمَعْنَى مَرْضِيَّةٍ، وَقَالَ
فِي "الْمُحْكَمِ": الْمَائِدَةُ: الطَّعَامُ نَفْسُهُ، وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ هُنَاكَ خُوَانٌ، وَقِيلَ: هِيَ نَفْسُ الْخُوَانِ.
قَالَ الْفَارِسِيُّ: (لَا تُسَمَّى مَائِدَةً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا
طَعَامٌ، وَإِلَّا فَهِيَ خُوَانٌ) انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ تَفْسِيرَ الْمَائِدَةِ بِالطَّعَامِ نَفْسِهِ."
اهـ
المعنى الإجمالي للحديث:
ذكر الحديث قصة سلمان الفارسي _رضي الله عنه_ عندما قدم إلى المدينة، وكان
يبحث عن علامات النبوة التي سمع أنها توجد في النبي _صلى الله عليه وسلم_.
فجاء أولًا بطعامٍ فيه رُطَب، ووضعه بين يدي النبي _صلى الله عليه وسلم_،
وقال: هذه صدقة لك ولأصحابك.
فبيّن له النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه لا يأكل الصدقة، لأنها محرمة عليه
وعلى آل بيته، فطلب منه أن يرفعها.
ثم جاء سلمان في اليوم التالي بطعامٍ مشابه، لكنه قال: "هدية لك."
فقبل النبي _صلى الله عليه وسلم_ الهدية، وقال لأصحابه: «ابسطوا» أي تفضلوا
بالأكل.
ففي الحديث إظهار إحدى علامات النبوة التي كان سلمان يبحث عنها، وهي: أن النبي
الحديث لا يأكل الصدقة، لكنه يقبل الهدية.
وبيّن الحديث أيضا تواضعه _صلى الله عليه وسلم_، وحسن تعامله، وجواز قبول
الهدايا، وتحريم الصدقة على النبي _صلى الله عليه وسلم_.
تخريج الحديث:
أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 44)
(رقم: 21)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 354) (رقم: 22997)، وابن
أبي شيبة في "مصنفه" (4/ 445) (رقم: 21973)، والبزار في "مسنده"
= "البحر الزخار" (10/ 293) (رقم: 4407)، والطحاوي في "شرح معاني
الآثار" (2/ 10) (رقم: 2986)، والطبراني في "المعجم الكبير" (6/
228) (رقم: 6073)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 20) (رقم 2183)،
والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/ 541) (رقم: 21625)، وفي "دلائل
النبوة" – ط. دار الكتب (6/ 97)، وابن عبد البر في "التمهيد لما في
الموطأ من المعاني والأسانيد" (3/ 98).
والحديث صحيح: صححه الشيخ مقبل الوادعي _رحمه الله_ في "الصحيح المسند مما ليس في
الصحيحين" (1/ 140) (رقم: 169)، والأرنوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند
أحمد" – ط. الرسالة (38/ 102) (رقم: 22997)، وحسنه الألباني
_رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 31) (رقم: 18)
من فوائد الحديث:
قال الطحاوي _رحمه الله عنه_ في "شرح معاني الآثار" (2/ 10)
"فَهَذِهِ
الْآثَارُ كُلُّهَا قَدْ جَاءَتْ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ،
وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَهَا وَلَا عَارَضَهَا إِلَّا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ
فِي هَذَا الْبَابِ، مِمَّا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَتِهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: تِلْكَ الصَّدَقَةُ، إِنَّمَا هِيَ الزَّكَاةُ خَاصَّةً، فَأَمَّا مَا سِوَى
ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قِيلَ لَهُ: فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا قَدْ دَفَعَ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ،
وَذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِالشَّيْءِ، سَأَلَ أَهَدِيَّةٌ
أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا صَدَقَةٌ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا»
وَاسْتَغْنَى بِقَوْلِ الْمَسْئُولِ إِنَّهُ صَدَقَةٌ عَنْ أَنْ يَسْأَلَهُ
صَدَقَةٌ مِنْ زَكَاةٍ، أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ
سَائِرِ الصَّدَقَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.___
وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: فَجِئْتُ فَقَالَ:
«أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ»، فَقُلْتُ: "بَلْ صَدَقَةٌ، لِأَنَّهُ بَلَغَنِي
أَنَّكُمْ قَوْمٌ فُقَرَاءُ " فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا لِذَلِكَ.
وَإِنَّمَا كَانَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ عَبْدًا مِمَّنْ
لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ الصَّدَقَاتِ مِنَ
التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ قَدْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى سَائِرِ بَنِي هَاشِمٍ.
وَالنَّظَرُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِ الْفَرَائِضِ
وَالتَّطَوُّعِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا غَيْرَ بَنِي هَاشِمٍ مِنَ
الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، فِي الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالتَّطَوُّعِ،
سَوَاءٌ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُ صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ، حَرُمَ عَلَيْهِ
أَخْذُ صَدَقَةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ.
فَلَمَّا حَرُمَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَخْذُ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ،
حَرُمَ عَلَيْهِمْ أَخْذُ الصَّدَقَاتِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَاتِ.
فَهَذَا هُوَ النَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ،
وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ _رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى_.
وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ
عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (لَا بَأْسَ بِالصَّدَقَاتِ كُلِّهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ)."
اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 38):
فِيهِ تَحْرِيمُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ
الْمَنْصُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ،
وَمَنْ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهَا لَهُ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِهِ
مِنْ أَكْلِهَا تَحْرِيمٌ وَكَذَا قَوْلُهُ «إنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»،
لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ يَتْرُكُ ذَلِكَ
تَنَزُّهًا عَنْهُ مَعَ إبَاحَتِهِ لَهُ،
وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَفِيهِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ -
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الِامْتِنَاعَ عَنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ إمَّا
وُجُوبًا وَإِمَّا تَنَزُّهًا." اهـ
وقال
أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن
عاصم النَّمَرِيُّ القرطبيُّ، المعروف بـ"ابن عبد
البر الأَنْدَلُسِيُّ" (المتوفى: 463 هـ) _رحمه الله_ في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني
والأسانيد" (3/ 99):
"وَإِنَّمَا
لَمْ تَجُزْ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِلنَّبِيِّ _عَلَيْهِ السَّلَامُ_، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، لِأَنَّهُ لَا
يَبْتَغِي بِهَا، إِلَّا الْآخِرَةَ وَأُبِيحَتْ لَهُ الْهَدِيَّةُ، لِأَنَّهُ
يُثِيبُ عَلَيْهَا، وَلَا تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مِنَّةٌ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 38_39):
فِيهِ:
* الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ، وَأَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ
مُتَغَايِرَتَانِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الْفَرْقِ
بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْهَدِيَّةِ حَمْلُهَا إلَى مَكَانِ
الْمُهْدَاةِ لَهُ إعْظَامًا لَهُ وَإِكْرَامًا، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي
الصَّدَقَةِ تَمْلِيكُ الْمُحْتَاجِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا
لِثَوَابِ الْآخِرَةِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ
بِلَا عِوَضٍ،
وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا تَقْيِيدَ الصَّدَقَةِ بِالِاحْتِيَاجِ،
وَقَالَ: إنَّ الْإِعْطَاءَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ صَدَقَةٌ سَوَاءٌ كَانَ
لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَصَرَّحَ
النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ الْمُهَذَّبِ" بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ
وَبِحُصُولِ الثَّوَابِ فِي إعْطَاءِ الْغَنِيِّ،
وَلَك أَنْ تَقُولَ كَيْفَ تَتَحَقَّقُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا مَعَ
إمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي حَمْلَهَا إلَى مَكَانِ الْمُهْدَاةِ
لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ وَالْإِكْرَامِ، وَكَوْنُ الْإِعْطَاءِ
بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا لِاسْتِمَالَةِ ذَلِكَ
الْمُعْطَى، بَلْ هَذَا___أَبْلغُ فِي التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَهْيِئَةُ
الْعَطِيَّةِ لِلْفَقِيرِ وَإِرَاحَتُهُ مِنْ التَّعَبِ وَالْحَمْلِ وَأَبْعَدُ
عَنْ كَسْرِ نَفْسِهِ بِمَجِيئِهِ إلَى بَابِ الْمُتَصَدِّقِ، فَيَتَهَنَّأُ
وَيَنْحَفِظُ عَلَيْهِ صَوْتُهُ،
وَقَدْ يُقَالُ هُمَا أَمْرَانِ مُتَنَافِيَانِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ
الْقَصْدُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ _تَعَالَى_، فَلَا نَظَرَ إلَى خُصُوصِيَّةِ
شَخْصٍ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُعَظَّمَ وَيُكَرَّمَ، بَلْ الْقَصْدُ إرْفَاقُ
الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَفِي تَعْظِيمِ الْمُهْدَى لَهُ مَا يُنَافِي قَصْدَ التَّقَرُّبِ
بِإِعْطَائِهِ وَهُوَ النَّظَرُ إلَى خُصُوصِيَّتِهِ فَلَا يَجْتَمِعُ قَصْدُ
التَّقَرُّبِ مَعَ النَّظَرِ إلَى شَخْصٍ بِخُصُوصِهِ،
فَإِنْ اجْتَمَعَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَةِ وَيَبْقَى
النَّظَرُ وَالْحُكْمُ لِلدَّاعِيَةِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِحَيْثُ لَوْ
فُقِدَتْ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الْعَطِيَّةُ،
فَإِنْ قُلْت فَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ،
وَهَذَا يَقْتَضِي صِدْقَ اسْمِ الصَّدَقَةِ عَلَى مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ،
قُلْت: لَمْ يُرِدْ بِالصَّدَقَةِ هُنَا مَدْلُولَهَا الْأَصْلِيَّ الَّذِي
هُوَ الْإِعْطَاءُ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ _تَعَالَى_، وَإِنَّمَا
اسْتَعْمَلَ الصَّدَقَةَ فِي مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ،
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 39):
"فِيهِ
حُجَّةٌ لِمَا يَقُولُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعَطَاءِ بِنِيَّةِ الدَّافِعِ.
* فَمَنْ عَلَيْهِ
دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ، فَدَفَعَ مَا يُؤَدِّي أَحَدَهُمَا، وَقَالَ: "أَرَدْت
الدَّفْعَ عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ، لِيَنْفَكَّ."
وَقَالَ الْآخِذُ: "إنَّمَا أَخَذْته عَنْ الَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ"،
فَالْقَوْلُ: قَوْلُ الدَّافِعِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ:
"أَرَدْت الدَّفْعَ عَنْ دَيْنِك عَلَيَّ."
وَقَالَ الْآخِذُ: "إنَّمَا أَخَذْتُه تَبَرُّعًا."
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَأَلَ
سَلْمَانَ عَنْ نِيَّتِهِ فِيمَا أَحْضَرَهُ وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ
مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْآخِذِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 39_40):
"فِيهِ:
أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ الْإِيجَابُ
وَالْقَبُولُ بِاللَّفْظِ، بَلْ يَكْفِي الْقَبْضُ وَتُمْلَكُ بِهِ،
فَإِنَّ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ
وَضْعِهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا سَأَلَهُ
لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْهَدِيَّةُ الْمُبَاحَةُ عَنْ الصَّدَقَةِ الْمُحَرَّمَةِ
عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
لَفْظٌ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ،
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ،
وَقَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ،
وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي
فِيهَا حَمْلُ الْهَدَايَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - فَيَقْبَلُهَا وَلَا لَفْظَ هُنَاكَ،
قَالُوا: وَعَلَى هَذَا جَرَى النَّاسُ فِي الْأَعْصَارِ، وَلِذَلِكَ كَانُوا
يَبْعَثُونَ بِهَا عَلَى أَيْدِي الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا عِبَارَةَ___لَهُمْ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا
الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ
كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمُتَلَقِّينَ عَنْهُ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 40):
"فِيهِ
أَنَّهُ لَا يُشْرَطْ فِي صِدْقِ اسْمِ الْهَدِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ
الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ رَسُولٌ وَمُتَوَسِّطٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ
أَصْحَابِنَا.
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا
حَلَفَ لَا يُهْدِي إلَيْهِ، فَوَهَبَ لَهُ خَاتَمًا أَوْ نَحْوَهُ يَدًا بِيَدٍ
هَلْ يَحْنَثُ - وَجْهَيْنِ وَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 40):
"فِيهِ
قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهَا مِلْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى
مُجَرَّدِ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيبٍ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ وَلَا
تَحَقُّقِ مِلْكِهِ لَهَا." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 40):
"وَكَانَتْ
هَذِهِ الْهَدِيَّةُ خَاصَّةً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
فَإِنَّهُ خَصَّهُ بِهَا، وَقَالَ: "هَدِيَّةٌ لَك" بِخِلَافِ
الصَّدَقَةِ الَّتِي أَحْضَرَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَإِنَّهُ
قَالَ فِيهَا: "صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك."
فَفِيهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدَى لَهُ أَنْ يُطْعِمَ الْحَاضِرِينَ
مِمَّا أُهْدِيَ لَهُ وَذَلِكَ حَسَنٌ مَعْدُودٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ."
اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 40):
"وَفِيهِ:
قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكَافِرِ فَإِنَّ سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ
يَكُنْ أَسْلَمَ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ الْعَلَامَاتِ
الثَّلَاثِ الَّتِي كَانَ عَلِمَهَا مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَهِيَ
امْتِنَاعُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَأَكْلُهُ لِلْهَدِيَّةِ وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ
وَإِنَّمَا رَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَعْدَ قَبُولِ هَدِيَّتِهِ." اهـ
وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 43):
"فِيهِ:
مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -."
اهـ
ملحق الفوائد:
هذا الحديث الشريف عن إسلام سلمان الفارسي _رضي الله عنه_ وما جرى له من رحلة
البحث عن الحق، حديث عظيم القدر، مليء بالعبر وفيه من الفوائد ما لا يُحصى، وسأذكر
فوائد كثيرة مرتبة ومفصّلة بإذن الله تعالى:
1_ فيه: ما يدل
على أن من صدق الله في طلب الهداية، فإن الله يهديه وإن طال الطريق.
2_ فيه: أن
الهداية ليست بالتوارث أو النسب، بل هي توفيق من الله لمن أخلص النية.
3_ فيه: بيان
حرص سلمان _رضي الله عنه_ على طلب الدين الحق رغم كونه في بلاد فارس وحوله بيئة
مجوسية.
4_ فيه: أنه ترك
ملك أبيه ونعيم الدنيا طلبًا للحق، فدلّ على أن من عرف قدر الآخرة، هان عليه نعيم
الدنيا.
5_ فيه: أن صبره
على الأَسر والعبودية والرحلات الطويلة لأجل معرفة النبي _صلى الله عليه وسلم_، ففيه
مثال عظيم على التضحية في سبيل العلم والإيمان.
6_ فيه: أن الله
_تعالى_ يسوق عباده المؤمنين إلى الخير بما يكرهونه من الأقدار، فسبي سلمان كان
سببًا في وصوله إلى المدينة ولقائه بالنبي _صلى الله عليه وسلم_.
7_ فيه: أن من
صدق في طلب الحق فإن الله يجعل له علامات يهتدي بها، كما هي علامات النبوة التي
أخبره بها الراهب.
8_ من دلائل
النبوة أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا يأكل الصدقة ويقبل الهدية.
9_ فيه: أن ظهور
خاتم النبوة بين كتفي النبي _صلى الله عليه وسلم_ علامة حسية باقية شاهدة على صدق
نبوته.
10. اجتماع هذه
العلامات الثلاث عند سلمان رضي الله عنه (وهي رده الصدقة، وقبوله الهدية، ووجود الخاتم
بين كتفيه _صلى الله عليه وسلم_) هو تأكيد لمعجزة صدق الراهب الذي أخبره.
11_ فيه: أن من
أعظم دلائل النبوة ما ظهر من الكرامات على يد النبي _صلى الله عليه وسلم_ في غرس
النخل.
12_ فيه: أن
دعاء النبي _صلى الله عليه وسلم_ سبب في البركة والنماء العجيب، إذ نبتت المئة
نخلة دفعة واحدة.
13_ فيه: أن
معجزة النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم تكن قاصرة على البشر، بل تأثرت بها الجمادات
والنباتات.
14_ فيه: تصديق
الراهب للنبي _صلى الله عليه وسلم_ قبل البعثة ووصيته لسلمان تدل على أن بشارات
الأنبياء كانت متواترة معروفة عند أهل العلم من النصارى.
15_ فيه: تواضع
النبي _صلى الله عليه وسلم_ حيث قبل هدية سلمان العبد المملوك ولم يترفع عنه.
16_ فيه: رحمة
النبي _صلى الله عليه وسلم_ وتلطفه بسلمان، حيث أرشده إلى كيفية فكاك رقبته بطريقة
عملية.
17_ فيه: حكمته _صلى
الله عليه وسلم_ في تربية أصحابه على العمل والاعتماد على الله، إذ لم يعطه المال
مباشرة بل وجّهه للعمل وغرس النخل.
18_ فيه: عنايته
_صلى الله عليه وسلم_ بأمر المستضعفين والعبيد، وهو ما ظهر في متابعته لقضية سلمان
حتى أُعتق.
19_ فيه: أن
النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يستغل مكانته ليفرض على مولى سلمان عتقه، بل سعى
بوسائل مشروعة وببركة الدعاء.
20_ فيه: حسن
تعامله _صلى الله عليه وسلم_ مع هدية سلمان، إذ بدأ بنفسه بالأكل منها تأليفًا
لقلبه وإشعارًا بالمودة.
21_ فيه: أن
الإسلام هو السبيل الوحيد إلى الجنة، كما في قوله _صلى الله عليه وسلم_: «لن يدخل
الجنة إلا نفس مسلمة».
22_ فيه: رد على
من يزعم أن غير المسلمين يدخلون الجنة إذا كانوا صالحين في دينهم.
23_ فيه: أن
الإيمان شرط النجاة، فلا تنفع الأعمال بلا توحيد ولا شهادة أن لا إله إلا الله.
24_ فيه: بيان
أن المعرفة النظرية بوجود نبي لا تكفي ما لم يُؤمن به ويُتبَع.
25_ فيه: أن على
المؤمن أن يكون صبورًا مثابرًا، كما كان سلمان في طلبه.
26_ فيه: أن من
أعظم وسائل الدعوة القدوة الحسنة والأفعال الصادقة التي تُظهر صدق الرسالة.
27_ فيه: جواز
التثبت في معرفة العلامات والدلائل قبل التصديق، كما فعل سلمان رضي الله عنه.
28_ فيه: ما يدل
على أن العمل اليدوي الشريف لا يقدح في الكرامة، فقد كان سلمان يحتطب بيديه.
29_ فيه: أن
الاحتطاب وبيع الحطب من المكاسب المباحة والمشروعة.
30_ فيه: فضل
الاجتهاد في الكسب الحلال ولو كان العبد مملوكًا.
31_ فيه: أن
المال إذا استُعمل في طاعة الله (كالهدية للنبي _صلى الله عليه وسلم_) صار وسيلة
قربى.
32_ فيه: أن بركة
دعاء النبي _صلى الله عليه وسلم_ في النخل دليل على أن الدعاء سبب حقيقي مؤثر بإذن
الله.
33_ فيه: أن إيمان
سلمان ببركة النبي _صلى الله عليه وسلم_ دليل على يقينه العميق بنبوته.
34_ فيه: أن نجاته
من الرقّ بهذه الكرامة تظهر لطف الله بعباده المؤمنين.
35_ فيه: أن وزن
الذهب بالنواة وعدم تحركها معجزة ظاهرة تشير إلى تمام الصدق فيما وعد الله نبيه من
التأييد والمعجزات.
36_ فيه: أن سلمان
من أئمة العلماء الزهّاد، وحديثه هذا أصل في فضيلة طلب العلم ولو مع المشقة.
37_ فيه: فضل
العلماء الصادقين الذين يرشدون الناس إلى الحق قبل موتهم، كالرهبان الذين دلّوا
سلمان على النبي المنتظر.
38_ فيه: أن
المسلم لا يأنف من التعلم من أي مصدر ما دام الحق ظاهرًا، ولو كان من غير قومه أو لسانه.
39_ فيه: وجوب
التحقق من صدق المبلِّغين عن الله قبل الاتباع، كما فعل سلمان.
40_ فيه: أن قصة
سلمان درس للدعاة في الصبر على طلب العلم والدعوة، وأن الثبات يؤدي إلى النور
واليقين.
41_ فيه: بيان
أن الهداية من الله وحده، لا يملكها نبي ولا ولي.
42_ فيه: أن الصدق
مع الله سبب في النجاة في الدنيا والآخرة.
43_ فيه: فضل
الصحابة الذين آمنوا من غير إكراه ولا دنيا، بل عن يقين.
44_ فيه: أن
الله يرفع من يشاء بالإيمان والعمل الصالح، ولو كان عبدًا مملوكًا، كما رفع سلمان.
45_ فيه: أن
الإيمان الصادق يجعل العبد يزهد في الدنيا ويُقْبِلُ على الآخرة بصدق.
46_ فيه: أن قصة
سلمان مثال ظاهر لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69].
47_ فيه: أن
الإسلام جمع بين الفارس والعربي والحبشي والرومي على كلمة التوحيد، فزال التفاخر
بالأنساب.
48_ فيه: أن من
تواضع لله رفعه، فسلمان كان عبدًا مملوكًا فأكرمه الله بالعلم والجنة.
49_ فيه: أن
علامات النبوة ومعجزاتها كانت ظاهرة بين الصحابة لا يشك فيها أحد.
[1] قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر
المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (20/ 301_302):
"وقال
في "الفتح": المراد بالآل هنا: بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح من
أقوال العلماء، قال الشافعيّ: أشركهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في سهم ذوي
القربى، ولم___يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عِوَض عُوِّضُوه بدلاً
عما حُرِموه من الصدقة،
وعن أبي حنيفة، ومالك: بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني
المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم، وغالب بن فهر قولان، فعن أصبغ منهم
هم بنو قُصَيّ، وعن غيره بنو غالب بن فهر. [فتح الباري لابن حجر (3/ 354)] =
وقال الأمير الصنعانيّ - رحمه الله -: الأقرب في
المراد بالآل ما فسّرهم زيد بن أرقم عند مسلم في "المناقب" في قصّة
طويلة بأنهم آل عليّ، وآل العبّاس، وآل جعفر، وآل عَقِيل، قال: ويُزاد آل الحارث
بن عبد المطّلب؛ لحديث عبد المطّلب بن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير
الراوي، وهو مقدّم على تفسير غيره، فالرجوع إليه في تفسير آل محمد - صلى الله عليه
وسلم - هنا هو الظاهر؛ لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير راويه دليل على المراد منه،
وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطّلب بن عبد مناف، كما يدخلون معهم في قسمة
الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفّان إلى النبيّ -
صلى الله عليه وسلم -، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر،
وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد"، أخرجه البخاريّ، قال الأمير:
هذا الحديث دليلٌ على أن بني المطّلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربى، وتحريم
الزكاة أيضاً دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواءً، وعلّله - صلى الله عليه
وسلم - باستمرارهم على الموالاة، "فإنهم لم يفارقونا في جاهليّة، ولا
إسلام"، فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليلٌ واضح، وإليه ذهب
الشافعيّ - رحمه الله -.
وخالفه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، فقالوا:
إنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى بني المطّلب على جهة التفضيل، لا الاستحقاف، وهو
خلاف الظاهر، بل قوله: "شيء واحد" دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق
الخمس، وتحريم الزكاة. انتهى. [سبل السلام (1/ 554) (رقم: 605) – ط. دار الحديث]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق
الأقوال وأدلتها أن ما ذهب إليه الشافعيّ - رحمه الله - من أن المراد بالآل الذين
تحرم عليهم الزكاة هم بنو هاشم، وبنو المطّلب هو
الراجح؛ لقوة حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ
Komentar
Posting Komentar