بِنَاءُ الْبُيُوتِ عَلَى التَّوْحِيدِ 2
«بِنَاءُ الْبُيُوتِ عَلَى
التَّوْحِيدِ»
مَكَانَةُ التَّوْحِيدِ فِي صَلَاحِ
الْأُسْرَةِ وَتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ
|
الْمُقَدِّمَةُ: أَهَمِّيَّةُ بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَى التَّوْحِيدِ (7
دقائق) |
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ
وَالْآخِرِينَ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى
وَحْيِهِ، وَخَيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ
عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى
أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى
اللَّهِ _عَزَّ وَجَلَّ_، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ زَادٍ لِلْعَبْدِ فِي
دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَهِيَ سَبِيلُ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ.
قَالَ اللَّهُ _تَعَالَى_:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلُ
عِمْرَانَ: ١٠٢]
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ
يَرْزُقَهُ زَوْجَةً صَالِحَةً، وَأَوْلَادًا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَبَيْتًا
تَسْكُنُ فِيهِ النُّفُوسُ، وَتَأْتَلِفُ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَتُقَامُ فِيهِ
شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ.
وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَنْبَغِي
أَنْ نَطْرَحَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا هُوَ: عَلَى
أَيِّ أَسَاسٍ نَبْنِي بُيُوتَنَا؟ أَعَلَى أَسَاسِ الْمَالِ وَالْجَاهِ
وَالْمَظَاهِرِ؟ أَمْ عَلَى أَسَاسِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالِاسْتِقَامَةِ
عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؟
إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تَتَوَفَّرُ فِيهِ أَسْبَابُ
الرَّفَاهِيَةِ، وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْإِيمَانِ، قَدْ يَكُونُ وَاسِعًا
فِي مَسَاحَتِهِ، ضَيِّقًا فِي صُدُورِ أَهْلِهِ؛ وَقَدْ تَكُونُ فِيهِ
الْأَمْوَالُ وَالْمَتَاعُ، وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ
وَالْبَرَكَةِ.
أَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى
التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ
يَعْرِفُ أَهْلُهُ لِمَاذَا خُلِقُوا، وَلِمَنْ يَعْمَلُونَ، وَإِلَى مَنْ
يَلْجَؤُونَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَمِنْ أَيْنَ يَطْلُبُونَ الْعَوْنَ
وَالرَّجَاءَ.
إِنَّنَا لَا نَتَحَدَّثُ الْيَوْمَ عَنْ بِنَاءِ
الْجُدْرَانِ، وَلَا عَنْ تَزْيِينِ الْغُرَفِ، وَلَا عَنْ اخْتِيَارِ الْأَثَاثِ،
وَإِنَّمَا نَتَحَدَّثُ عَنْ بِنَاءِ الْقُلُوبِ، وَتَأْسِيسِ الْأُسَرِ عَلَى
أَعْظَمِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، أَلَا وَهُوَ تَوْحِيدُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ.
فَإِذَا صَلَحَ الْأَصْلُ، كَانَ ذَلِكَ عَوْنًا
عَلَى صَلَاحِ الْفَرْعِ؛ وَإِذَا اسْتَقَامَتِ الْعَقِيدَةُ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ
أَعْظَمِ أَسْبَابِ اسْتِقَامَةِ السُّلُوكِ وَالْأَخْلَاقِ.
|
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَمَكَانَتُهُ فِي
الدِّينِ (13 دقائق) |
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَصْلُ
دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَسَاسُ دَعْوَةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ،
وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْرِفَهُ وَيَعْتَقِدَهُ
وَيَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ.
وَمَعْنَى التَّوْحِيدِ فِي
اللُّغَةِ: جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِدًا.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ
إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ
وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّ
التَّوْحِيدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ يَنْطِقُ بِهَا اللِّسَانُ، وَلَا
مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ يَحْفَظُهَا المسلم فِي ذِهْنِهِ، بَلْ هُوَ عِلْمٌ
وَاعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي عِبَادَةِ الْعَبْدِ
وَأَخْلَاقِهِ وَمَعَامَلَاتِهِ وَحَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ.
والتوحيد ثلاثة أنواع على
ما ذكره الشيخ الفوزان في كتابه "إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد" (1/
20_21)[1]:
* أَوَّلًا: تَوْحِيدُ
الرُّبُوبِيَّةِ
وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِهِ،
كَالْخَلْقِ وَالْمُلْكِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْإِحْيَاءِ
وَالْإِمَاتَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٢]
فَاللَّهُ _سُبْحَانَهُ_ هُوَ الْخَالِقُ
وَالرَّازِقُ وَالْمُدَبِّرُ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ
لِحُكْمِهِ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ.
وَإِذَا عَلِمَ الْأَبُ وَالْأُمُّ أَنَّ الرِّزْقَ
بِيَدِ اللَّهِ، لَمْ يَحْمِلْهُمَا الْخَوْفُ مِنَ الْفَقْرِ عَلَى كَسْبِ
الْحَرَامِ، وَإِذَا عَلِمَا أَنَّ النَّفْعَ
وَالضُّرَّ بِيَدِ اللَّهِ، لَمْ يَتَعَلَّقَا بِالْمَخْلُوقِينَ تَعَلُّقًا
يُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ تَرْكَ الْأَسْبَابِ، بَلْ
نَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ
خَالِقُهَا وَمُسَبِّبُهَا وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهَا.
* ثَانِيًا: تَوْحِيدُ
الْأُلُوهِيَّةِ
وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ _تَعَالَى_ بِجَمِيعِ
أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، قولا وفعلا، فَلَا يُصَلِّى
العبد إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يذْبَحُ تَقَرُّبًا إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا يُدْعَو
دُعَاءَ عِبَادَةٍ، إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يتَوَكَّلُ تَوَكُّلَ عِبَادَةٍ إِلَّا
عَلَيْهِ.
قَالَ اللَّهُ _تَعَالَى_: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاءِ: ٣٦]
وَهَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ
النِّزَاعُ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ، فَقَدْ كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ
يُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ يَصْرِفُ
بَعْضَ الْعِبَادَاتِ لِغَيْرِ اللَّهِ _تعالى_.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَرِ: ٣].
فَلَا يَكْفِي أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ أَنَّ
اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ، حَتَّى يُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ وَيَخْلُصَ لَهُ فِي
الْقَصْدِ وَالطَّاعَةِ.
* ثَالِثًا: تَوْحِيدُ
الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
وَهُوَ إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ
فِي كِتَابِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلَى، عَلَى الْوَجْهِ
اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ
تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١]
فَنُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ،
رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَنُثْبِتُ لَهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ،
مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَلِهَذَا أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي تَرْبِيَةِ
الْأَوْلَادِ؛ فَإِذَا عَلِمَ الطِّفْلُ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ،
وَأَنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُ وَنَجْوَاهُ، نَشَأَ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ،
وَلَوْ غَابَتْ عَنْهُ أَعْيُنُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ.
أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، لَا تَجْعَلُوا
أَوْلَادَكُمْ يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَ اللَّاعِبِينَ وَالْمَشَاهِيرِ
وَالشَّخْصِيَّاتِ، وَيَجْهَلُونَ أَسْمَاءَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَعَانِيَهَا.
عَلِّمُوهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ،
وَأَنَّهُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّهُ الْحَكِيمُ، وَأَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ،
وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَنْ يَسْتَقِيمَ
الْعَبْدُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ.
|
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: خَطَرُ الشِّرْكِ وَآثَارُهُ الْمُدَمِّرَةُ (13 دقيقة) |
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِذَا كَانَ التَّوْحِيدُ
أَعْظَمَ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّ ضِدَّهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، أَعْظَمُ
الْمُحَرَّمَاتِ وَأَشَدُّهَا خَطَرًا.
وَالشِّرْكُ هُوَ جَعْلُ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِيمَا هُوَ
مِنْ خَصَائِصِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ ذَلِكَ صَرْفُ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَةِ
لِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣].
وَوَجْهُ كَوْنِهِ ظُلْمًا عَظِيمًا أَنَّ الْعَبْدَ
يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَيَصْرِفُ حَقَّ الْخَالِقِ الْمُسْتَحِقِّ
لِلْعِبَادَةِ إِلَى مَخْلُوقٍ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا
إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ.
ومن خطر الشرك بالله:
أَوَّلًا: الشِّرْكُ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ:
سَأَلْتُ النَّبِيَّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟
قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَهُوَ
خَلَقَكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
مجموع الفتاوى (1/ 88)
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الشِّرْكَ بِاَللَّهِ
أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سُئِلَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ . قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ
لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ}، وَالنِّدُّ الْمِثْلُ.
قَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ
أَصْحَابِ النَّارِ}،
فَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا مِنْ خَلْقِهِ فِيمَا
يَسْتَحِقُّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، فَقَدْ
كَفَرَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ
لِلْعِبَادَةِ لِذَاتِهِ: لِأَنَّهُ الْمَأْلُوهُ الْمَعْبُودُ الَّذِي تَأْلَهُهُ
الْقُلُوبُ وَتَرْغَبُ إلَيْهِ وَتَفْزَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ مَقْهُورٌ بِالْعُبُودِيَّةِ
فَكَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إلَهًا؟
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ
عِبَادِهِ جُزْءًا إنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ}
وَقَالَ تَعَالَى: {إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَنْ
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا
آخَرَ إنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}." اهـ
فَتَأَمَّلُوا _رَحِمَكُمُ
اللَّهُ_ كَيْفَ قَدَّمَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_
الشِّرْكَ عَلَى سَائِرِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ
الْأَعْظَمِ، وَهُوَ إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ.
وَإِذَا كَانَ الْوَالِدُ يَخَافُ عَلَى ابْنِهِ مِنْ
سُوءِ الصُّحْبَةِ، وَمِنْ فَسَادِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ ضَيَاعِ الدِّرَاسَةِ،
فَكَيْفَ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُفْسِدُ دِينَهُ وَيُعَرِّضُهُ
لِسَخَطِ رَبِّهِ؟
إِنَّ حِفْظَ الْعَقِيدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى كَثِيرٍ
مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَهَذَا لَا يَعْنِي إِهْمَالَ الدِّرَاسَةِ أَوِ
الْأَخْلَاقِ، بَلْ يَعْنِي أَنْ نَجْعَلَ الدِّينَ أَصْلًا تَنْبَنِي عَلَيْهِ
سَائِرُ شُؤُونِ الْحَيَاةِ.
ثَانِيًا: الشِّرْكُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥].
قال ابن بطال القرطبي _رحمه الله_ في "شرح صحيح
البخاري" (8/ 569):
"لا إثم أعظم من إثم الإشراك بالله، ولا
عقوبة أعظم من عقوبته فى الدنيا والآخرة؛ لأن الخلود الأبدى فى النار لا يكون فى
ذنب غير الشرك بالله _تعالى_، ولا يُحْبِطُ الإيمانَ غيرُه؛ لقوله تعالى: (إن الله
لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48]." اهـ
فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ، فَإِنَّ
مِنْ أَكْبَرِ الْخُسْرَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ الْإِنْسَانُ فِي أَعْمَالٍ
كَثِيرَةٍ، ثُمَّ يَأْتِيَ بِمَا يُفْسِدُ أَصْلَ دِينِهِ.
وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا
الْإِخْلَاصَ، وَأَنْ نُحَذِّرَهُمْ مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَنْ نُبَيِّنَ لَهُمْ
أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالصَّدَقَةَ وَالدُّعَاءَ وَسَائِرَ
الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُقْصَدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الشِّرْكِ
الْأَكْبَرِ الَّذِي يُنَاقِضُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ، وَبَيْنَ الشِّرْكِ
الْأَصْغَرِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ
أَعْظَمِ الْمَعَاصِي وَأَشَدِّهَا خَطَرًا عَلَى الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ.
ثَالِثًا: الشِّرْكُ سَبَبٌ لِلْحِرْمَانِ
مِنَ الْأَمْنِ التَّامِّ وَالْهِدَايَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[الْأَنْعَامِ: ٨٢].
وَالْمُرَادُ بِـ"الظُّلْمِ" هُنَا: الشِّرْكُ، كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِأَصْحَابِهِ حِينَ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ
بِقَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "كشف المشكل من
حديث الصحيحين" (1/ 267):
"وَالظُّلم يَقع على الشّرك وعَلى
الْمعاصِي دونه، وَقد فسره الرَّسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام هَاهُنَا بالشرك."
اهـ
وَالْأَمْنُ التَّامُّ وَالْهِدَايَةُ التَّامَّةُ
لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَصْلُ التَّوْحِيدِ،
وَشَابَهُ بِمَعَاصٍ، فَلَهُ مِنَ الْأَمْنِ وَالْهِدَايَةِ بِقَدْرِ إِيمَانِهِ
وَتَوْحِيدِهِ، وَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ: إِنْ شَاءَ، غَفَرَ لَهُ. وَإِنْ
شَاءَ، عَذَّبَهُ.
وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ التَّوْحِيدَ مِنْ
أَعْظَمِ أَسْبَابِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَأَنَّ تَعْلِيقَ الْقُلُوبِ
بِغَيْرِ اللَّهِ تَعْلِيقًا فَاسِدًا يَجْلِبُ الْخَوْفَ وَالْقَلَقَ
وَالِاضْطِرَابَ.
رَابِعًا: مِنْ صُوَرِ الشِّرْكِ
وَوَسَائِلِهِ فِي الْبُيُوتِ
يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ
الْخَطَرَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا
الْمُشْرِكُونَ قَدِيمًا، بَلْ قَدْ تَقَعُ فِي بَعْضِ الْبُيُوتِ أَقْوَالٌ
وَأَعْمَالٌ وَمُعْتَقَدَاتٌ تُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ أَوْ تُنْقِصُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ:
1/ دُعَاءُ الْأَمْوَاتِ وَالِاسْتِغَاثَةُ
بِهِمْ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ.
2/ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَقَرُّبًا
وَتَعْظِيمًا لِلْمَذْبُوحِ لَهُ.
3/ تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ وَالْخَرَزَاتِ
وَنَحْوِهَا اعْتِقَادًا أَنَّهَا تَدْفَعُ الْبَلَاءَ أَوْ تَجْلِبُ النَّفْعَ،
فَهَذَا مِنْ أَبْوَابِ الشِّرْكِ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِ
الِاعْتِقَادِ وَحَقِيقَةِ الْعَمَلِ.
4/ تَصْدِيقُ الْعَرَّافِينَ
وَالْمُنَجِّمِينَ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ.
5/ التَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ
بِالْأَيَّامِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَصْوَاتِ وَنَحْوِهَا.
6/ الرِّيَاءُ فِي الْعِبَادَةِ، كَأَنْ
يُحَسِّنَ الْإِنْسَانُ صَلَاتَهُ لِيَمْدَحَهُ النَّاسُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ نُحَذِّرَ مِنَ الْغُلُوِّ فِي
تَصْنِيفِ النَّاسِ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ
الْأَكْبَرِ إِلَّا بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، مَعَ مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ
وَالْمَوَانِعِ وَالرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْبَابِ حِمَايَةُ
الْبُيُوتِ وَتَصْحِيحُ الْمُعْتَقَدَاتِ، لَا إِطْلَاقُ الْأَحْكَامِ عَلَى
النَّاسِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
|
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: وَصِيَّةُ لُقْمَانَ لِابْنِهِ وَأَثَرُهَا
فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ (15 دقيقة) |
عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ الَّتِي
تُبَيِّنُ مَكَانَةَ التَّوْحِيدِ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ قَوْلُهُ _تَعَالَى_:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ
يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: ١٣]
قال ابن عاشور _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير"
(21/ 154):
"وَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ
الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ ابْنَ لُقْمَانَ كَانَ مُشْرِكًا فَلَمْ يَزَلْ لُقْمَانُ
يَعِظُهُ حَتَّى آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّ الْوَعْظَ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ
بِتَخْوِيفٍ.
قَالَ _تَعَالَى_: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا
بَلِيغاً [النِّسَاء: 63]
وَيُعْرَفُ الْمَزْجُورُ عَنْهُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ
الْمَوْعِظَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الزَّجْرَ هُنَا عَنِ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ. وَلَعَلَّ ابْنَ لُقْمَانَ كَانَ يَدِينُ بِدِينِ
قَوْمِهِ مِنَ السُّودَانِ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى لُقْمَانَ بِالْحِكْمَةِ
وَالتَّوْحِيدِ أَبَى ابْنُهُ مُتَابَعَتَهُ فَأَخَذَ يَعِظُهُ حَتَّى دَانَ
بِالتَّوْحِيدِ." اهـ
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَفْتَحُ أَمَامَنَا
بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ التَّرْبِيَةِ، وَتُعَلِّمُنَا كَيْفَ يَبْنِي
الْوَالِدُ عَقِيدَةَ وَلَدِهِ، وَكَيْفَ يُرَتِّبُ أَوْلَوِيَّاتِ النُّصْحِ
وَالْإِرْشَادِ.
أَوَّلًا: الْعِنَايَةُ بِالتَّوْحِيدِ
قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ
تَأَمَّلُوا فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ؛
فَلَمْ يَبْدَأْ بِالْمَالِ، وَلَا بِالْمَنْصِبِ، وَلَا بِمَكَارِمِ الْعَادَاتِ،
بَلْ بَدَأَ بِالتَّوْحِيدِ وَالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوْلَى مَا يَحْرِصُ
عَلَيْهِ الْوَالِدُ فِي تَرْبِيَةِ وَلَدِهِ هُوَ صَلَاحُ عَقِيدَتِهِ وَدِينِهِ؛
فَإِنَّ الْعَقِيدَةَ هِيَ الْأَصْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ
وَالْأَخْلَاقُ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ نُهْمِلَ تَعْلِيمَ
الْأَوْلَادِ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالْعُلُومَ النَّافِعَةَ، وَلَكِنَّ
الْمَقْصُودَ أَلَّا تَطْغَى الْعِنَايَةُ بِالدُّنْيَا عَلَى الْعِنَايَةِ
بِالدِّينِ.
قَدْ يَحْرِصُ الْأَبُ عَلَى أَنْ يَتَفَوَّقَ
ابْنُهُ فِي دِرَاسَتِهِ، وَأَنْ يَحْصُلَ عَلَى أَعْلَى الشَّهَادَاتِ، وَأَنْ
يَبْلُغَ أَرْفَعَ الْمَنَاصِبِ، وَهَذَا مِنَ الْمَبَاحَاتِ وَالْمَطَالِبِ
الْحَسَنَةِ إِذَا صَلَحَتِ النِّيَّةُ؛
وَلَكِنْ هَلْ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ ابْنُهُ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ هَلْ يُعَلِّمُهُ
مَا الْإِخْلَاصُ؟ هَلْ يُحَذِّرُهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي؟
إِنَّ الْمُوَفَّقَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاحِ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَجَعَلَ الْعِلْمَ وَالْمَالَ وَالْمَنْصِبَ وَسَائِرَ
النِّعَمِ عَوْنًا لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
ثَانِيًا: الرِّفْقُ بِالْأَوْلَادِ فِي
النُّصْحِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾.
فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ لُقْمَانَ
كَانَ يَنْصَحُ ابْنَهُ وَيُذَكِّرُهُ، وَأَنَّ تَرْبِيَةَ الْأَوْلَادِ لَا
تَقُومُ عَلَى الْأَوَامِرِ الْمُجَرَّدَةِ فَحَسْبُ، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى
الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيلِ وَالتَّكْرَارِ وَالصَّبْرِ.
وَقَالَ لَهُ: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، وَهِيَ كَلِمَةٌ
تَدُلُّ عَلَى التَّحَبُّبِ وَالشَّفَقَةِ، فَجَمَعَ بَيْنَ عَظَمَةِ الْمَوْضُوعِ
وَرِفْقِ الْخِطَابِ.
فَيَنْبَغِي لِلْأَبِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَزْمِ
وَالرَّحْمَةِ، وَبَيْنَ الْبَيَانِ وَالْحِلْمِ، وَأَلَّا يَجْعَلَ كُلَّ
نَصِيحَةٍ صِيَاحًا وَتَوْبِيخًا، وَلَا كُلَّ خِلَافٍ مَعَ ابْنِهِ خُصُومَةً
وَعِنَادًا.
وَقَدْ يَخْطَأُ الطِّفْلُ، وَيَتَأَثَّرُ بِمَا
يَرَاهُ فِي مُجْتَمَعِهِ وَمَا يَسْمَعُهُ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ،
فَيَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَفْتَحُ لَهُ بَابَ الْحِوَارِ، وَيَشْرَحُ لَهُ الْحَقَّ
بِالدَّلِيلِ، وَيُصَحِّحُ لَهُ الْخَطَأَ بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ.
ثَالِثًا: بَيَانُ عِلَّةِ التَّحْذِيرِ
مِنَ الشِّرْكِ
قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: (لَا تُشْرِكْ
بِاللَّهِ)، بَلْ بَيَّنَ لَهُ سَبَبَ هَذَا النَّهْيِ، وَهُوَ أَنَّ الشِّرْكَ
ظُلْمٌ عَظِيمٌ.
وَهَذَا مِنْ أُصُولِ التَّرْبِيَةِ النَّافِعَةِ؛
فَإِنَّ الطِّفْلَ إِذَا فَهِمَ الْحِكْمَةَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَانَ
ذَلِكَ أَعْوَنَ عَلَى فَهْمِهِ وَقَبُولِهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ.
فَلَا تَقُلْ لِابْنِكَ فحَسْبُ: (لَا تَفْعَلْ)؛
بَلْ بَيِّنْ لَهُ لِمَاذَا لَا يَفْعَلُ. عَلِّمْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ
اللَّهِ، وَأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ، وَأَنَّ الْقَلْبَ لَا يَنْبَغِي أَنْ
يَتَعَلَّقَ تَعَلُّقَ عِبَادَةٍ، إِلَّا بِاللَّهِ.
وَعَلِّمْهُ أَنَّ الْخَوْفَ الطَّبِيعِيَّ مِنَ
الْأَسْبَابِ الْمُؤْذِيَةِ لَيْسَ شِرْكًا، وَأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْحَيِّ
الْقَادِرِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى
اللَّهِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَسْبَابِ
الْمَشْرُوعَةِ.
رَابِعًا: الْأَبُ الْمُوَحِّدُ قُدْوَةٌ
لِأَبْنَائِهِ
أَيُّهَا الْآبَاءُ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ يَنْظُرُونَ
إِلَى أَعْمَالِكُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعُوا أَقْوَالَكُمْ، وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ
تَصَرُّفَاتِكُمْ مَا قَدْ لَا يَتَعَلَّمُونَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاعِظِ.
فَإِذَا أَمَرَ الْأَبُ ابْنَهُ بِالصِّدْقِ، وَهُوَ
يَكْذِبُ، وَنَهَاهُ عَنِ الرِّيَاءِ، وَهُوَ يُرَائِي، وَحَذَّرَهُ مِنَ
التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِالْخُرَافَاتِ
وَالْأَوْهَامِ، فَقَدْ أَضْعَفَ أَثَرَ مَوْعِظَتِهِ.
وَإِذَا رَأَى الْوَلَدُ أَبَاهُ يُحَافِظُ عَلَى
الصَّلَاةِ، وَيَسْتَعِينُ بِاللَّهِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَتُوبُ إِلَيْهِ
عِنْدَ الْخَطَأِ، وَيَتَحَرَّى الْحَلَالَ فِي مَكْسَبِهِ، فَقَدْ رَأَى
نَمُوذَجًا حَيًّا لِلتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صَلَاحِ الْوَالِدَيْنِ أَنْ
يَكُونَ الْأَوْلَادُ صَالِحِينَ لَا مَحَالَةَ؛ فَالْهِدَايَةُ بِيَدِ اللَّهِ،
وَلَكِنَّ صَلَاحَ الْوَالِدَيْنِ وَاجْتِهَادَهُمَا فِي التَّرْبِيَةِ مِنْ
أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يُرْجَى بِهَا صَلَاحُ الْأَوْلَادِ.
|
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: غَايَةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ
وَمَسْؤُولِيَّةُ الْأُسْرَةِ (10 دقائق) |
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٦]
هَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ تُبَيِّنُ الْغَايَةَ
الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهِيَ عِبَادَتُهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
قال السعدي _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن"
(ص: 813):
"هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس
لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة
إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه،
وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة،
متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا
الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم." اهـ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا
أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٧-٥٨]
قال ابن القيم _رحمه الله_ في "طريق الهجرتين
وباب السعادتين" (ص: 135):
"فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة
منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جوداً وإحساناً ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل
الأرباح كقوله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7] ،
{وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44]." اهـ
أَوَّلًا: الْأُسْرَةُ مَيْدَانٌ
لِتَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ
إِذَا كَانَتْ غَايَةُ الْخَلْقِ هِيَ الْعِبَادَةَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ مَكَانًا لِلْأَكْلِ
وَالنَّوْمِ وَالرَّاحَةِ فَقَطْ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَيْدَانًا
لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّوَاصِي
بِالْحَقِّ.
وَمِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ فِي الْبَيْتِ: أَنْ
يُؤَدِّيَ الْأَبُ حَقَّ زَوْجَتِهِ، وَأَنْ تُؤَدِّيَ الزَّوْجَةُ حَقَّ
زَوْجِهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يُرَبِّيَا أَوْلَادَهُمَا عَلَى الطَّاعَةِ
وَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَأَنْ يَطْلُبَا الرِّزْقَ الْحَلَالَ، وَأَنْ
يَجْتَنِبَا الظُّلْمَ وَالْخِيَانَةَ وَسَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ.
فَالْعِبَادَةُ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي الصَّلَاةِ
وَالصِّيَامِ، بَلْ هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ
مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، عَلَى وَفْقِ
شَرْعِهِ.
ثَانِيًا: تَعْلِيمُ الْأَوْلَادِ أَنَّ
الْحَيَاةَ لَهَا غَايَةٌ
مِنْ أَكْبَرِ الْأَخْطَاءِ فِي التَّرْبِيَةِ أَنْ
يَنْشَأَ الْوَلَدُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ غَايَةَ الْحَيَاةِ هِيَ جَمْعُ
الْمَالِ، وَبُلُوغُ الْمَنْصِبِ، وَتَحْصِيلُ اللَّذَّاتِ، وَمُجَارَاةُ النَّاسِ
فِي مَظَاهِرِهِمْ.
عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنَّ الْمَالَ وَالْعِلْمَ
وَالْعَمَلَ وَالزَّوَاجَ وَالذُّرِّيَّةَ نِعَمٌ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَعْمِلُهَا فِي طَاعَتِهِ، وَيَسْتَعِينُ
بِهَا عَلَى تَحْقِيقِ مَرْضَاتِهِ.
وَإِذَا فَهِمَ الْوَلَدُ هَذَا الْمَعْنَى، لَمْ
يَكُنْ نَجَاحُهُ فِي الدِّرَاسَةِ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِلتَّفَاخُرِ، وَلَا
كَانَ مَالُهُ وَجَاهُهُ سَبَبًا لِلْكِبْرِ، بَلْ صَارَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ:
كَيْفَ أَسْتَعْمِلُ مَا أَعْطَانِيَ اللَّهُ فِيمَا يُرْضِيهِ؟
ثَالِثًا: الْعِبَادَةُ تَشْمَلُ الْقَلْبَ
وَاللِّسَانَ وَالْجَوَارِحَ
إِنَّ تَحْقِيقَ الْعُبُودِيَّةِ يَشْمَلُ عَمَلَ
الْقَلْبِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ
وَالْإِنَابَةِ، وَيَشْمَلُ عَمَلَ اللِّسَانِ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ
وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَشْمَلُ عَمَلَ الْجَوَارِحِ مِنَ الصَّلَاةِ
وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ.
وَعَلَى الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَغْرِسَا هَذِهِ
الْمَعَانِيَ فِي نُفُوسِ أَوْلَادِهِمَا بِالتَّعْلِيمِ وَالْقُدْوَةِ
وَالْمُمَارَسَةِ الْيَوْمِيَّةِ.
فَلَا يَكْفِي أَنْ نَأْمُرَ الْوَلَدَ بِالصَّلَاةِ،
بَلْ نُعَلِّمُهُ أَنَّهَا صِلَةٌ بِرَبِّهِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ
الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ. وَلَا يَكْفِي أَنْ نَأْمُرَهُ
بِالصَّدَقَةِ، بَلْ نُعَلِّمُهُ الْإِخْلَاصَ وَالرَّحْمَةَ وَالشُّكْرَ.
|
الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: الْأَبْنَاءُ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ (10 دقائق) |
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[التَّحْرِيمِ: ٦].
قال ابن كثير في "تفسيره" – ت. سلامة (8/
167):
"قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: حَقٌّ
عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَلِّمَ أَهْلَهُ، مِنْ قَرَابَتِهِ وَإِمَائِهِ
وَعَبِيدِهِ، مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: الْحَدِيثُ الَّذِي
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (مُرُوا
الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ
سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا)." اهـ
قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في
علم التفسير" (4/ 310):
"وقاية النفس: بامتثال الأوامر، واجتناب
النواهي، ووقاية الأهل: بأن يُؤْمَروا بالطاعة، وينهوا عن المعصية. وقال عليّ _رضي
الله عنه_: علّموهم وأدّبوهم." اهـ
هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي وُجُوبِ
الْعِنَايَةِ بِالْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي
دِينِهِمْ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يُفْسِدُ عَقِيدَتَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ
أَنَّ وِقَايَةَ الْأَهْلِ تَكُونُ بِتَعْلِيمِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ وَأَمْرِهِمْ
بِطَاعَةِ اللَّهِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
أَوَّلًا: الْوِلَايَةُ لَيْسَتْ مَجَرَّدَ
نَفَقَةٍ
إِنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ يَظُنُّ أَنَّ وَاجِبَهُ
يَنْتَهِي عِنْدَ تَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَلْبَسِ وَالسَّكَنِ
وَالرُّسُومِ الدِّرَاسِيَّةِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا حُقُوقٌ مُهِمَّةٌ، وَلَكِنَّ
الْمَسْؤُولِيَّةَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
فَالْوَلَدُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ
التَّوْحِيدَ، وَيُعَرِّفُهُ بِرَبِّهِ، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهِ الصَّلَاةَ،
وَيُعَوِّدُهُ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، وَيَحْمِيهِ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي
تُفْسِدُ فِكْرَهُ وَدِينَهُ.
وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْأَبَ الَّذِي يُنْفِقُ عَلَى
ابْنِهِ بِسَخَاءٍ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ بِلَا تَوْجِيهٍ دِينِيٍّ وَلَا مُرَاقَبَةٍ
وَلَا تَعْلِيمٍ، قَدْ أَدَّى بَعْضَ وَاجِبِهِ، وَقَصَّرَ فِي جَانِبٍ عَظِيمٍ
مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ.
ثَانِيًا: الْبَدْءُ بِالْأُسْوَةِ قَبْلَ
الْمَوْعِظَةِ
إِنَّ الْقُدْوَةَ مِنْ أَقْوَى وَسَائِلِ
التَّرْبِيَةِ. فَإِذَا أَرَادَ الْوَالِدَانِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَوْلَادُهُمَا
الصَّلَاةَ، فَلْيَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. وَإِذَا أَرَادَا
أَنْ يَتَعَلَّمَ أَوْلَادُهُمَا الصِّدْقَ، فَلْيَحْذَرَا الْكَذِبَ أَمَامَهُمْ.
وَإِذَا أَرَادَا أَنْ يَتَعَلَّمَ أَوْلَادُهُمَا التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ،
فَلْيُرِيَاهُمَا حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.
وَمِنَ الْخَطَأِ أَنْ يَرَى الْوَلَدُ أَبَاهُ
يَتَسَخَّطُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، أَوْ يَسْخَرُ مِنَ الشَّعَائِرِ، أَوْ
يَتَسَاهَلُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ يُطْلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ
مُسْتَقِيمًا دُونَ أَنْ يَرَى مِثَالًا حَيًّا أَمَامَهُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقُدْوَةَ وَحْدَهَا لَا
تَكْفِي دُونَ التَّعْلِيمِ وَالتَّوْجِيهِ، كَمَا أَنَّ الْمَوْعِظَةَ وَحْدَهَا
تَضْعُفُ إِذَا خَالَفَهَا الْعَمَلُ.
ثَالِثًا: التوسط بَيْنَ الْخَوْفِ
وَالرَّجَاءِ
عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ، وَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْخَوْفِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَالرَّجَاءِ فِي رَحْمَتِهِ.
فَلَا تُرَبُّوا أَوْلَادَكُمْ عَلَى الْيَأْسِ مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا عَلَى الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ؛ بَلْ عَلِّمُوهُمْ
أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ تَابَ، وَإِذَا أَخْطَأَ رَجَعَ، وَإِذَا
أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وَسَأَلَهُ الْقَبُولَ.
وَهَكَذَا يَنْشَأُ الْوَلَدُ وَهُوَ يَعْرِفُ
رَبَّهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيَعْبُدُهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ
وَالرَّجَاءِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِمَنْ رَجَعَ إِلَى
اللَّهِ صَادِقًا.
|
الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: خُطُوَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِبِنَاءِ بَيْتٍ
قَائِمٍ عَلَى التَّوْحِيدِ (12 دقيقة) |
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، إِنَّ الْكَلَامَ
عَنِ التَّوْحِيدِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى مَعْلُومَاتٍ نَسْمَعُهَا، ثُمَّ
نَنْصَرِفُ إِلَى حَيَاتِنَا دُونَ أَنْ نُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ وَاقِعِنَا. بَلْ
يَنْبَغِي أَنْ نَنْقُلَ هَذَا الْعِلْمَ إِلَى الْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ
وَأَسَالِيبِ التَّرْبِيَةِ.
* وَمِنْ أَهَمِّ الْخُطُوَاتِ الْعَمَلِيَّةِ:
الْخُطْوَةُ الْأُولَى: تَعْلِيمُ
الْأَوْلَادِ أُصُولَ التَّوْحِيدِ
خَصِّصُوا وَقْتًا مُنَاسِبًا لِتَعْلِيمِ
الْأَوْلَادِ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَمَعْنَى الْإِخْلَاصِ، وَأَنْوَاعِ
الْعِبَادَةِ، وَخَطَرِ الشِّرْكِ.
وَلَا تُعَقِّدُوا الْمَسَائِلَ عَلَى صِغَارِ
السِّنِّ، بَلْ قَرِّبُوا الْمَعَانِيَ بِالْأَمْثِلَةِ الْوَاضِحَةِ، وَكَرِّرُوا
التَّعْلِيمَ بِرِفْقٍ وَتَدَرُّجٍ.
الْخُطْوَةُ الثَّانِيَةُ: تَعْوِيدُ الْأَهْلِ
عَلَى الصَّلَاةِ
اجْعَلُوا الصَّلَاةَ مَحْوَرًا مِنْ مَحَاوِرِ
حَيَاتِكُمُ الْأُسَرِيَّةِ، وَعَوِّدُوا أَوْلَادَكُمْ عَلَيْهَا مِنْ
صِغَرِهِمْ، وَرَغِّبُوهُمْ فِيهَا، وَعَلِّمُوهُمْ أَحْكَامَهَا وَمَعَانِيَهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ
عَلَيْهَا﴾ [طَهَ: ١٣٢].
تَأَمَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾،
فَإِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَهْلِ عَلَى الطَّاعَةِ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ
وَمُدَاوَمَةٍ، وَلَيْسَتْ عَمَلًا يَتِيمًا يُؤَدَّى مَرَّةً وَاحِدَةً.
الْخُطْوَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْلِيقُ
الْقُلُوبِ بِاللَّهِ
عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ
حَاجَاتِهِمْ، وَأَنْ يَسْتَعِينُوا بِهِ، وَأَنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، مَعَ
الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ.
إِذَا مَرِضُوا، فَعَلِّمُوهُمْ أَنَّ الشِّفَاءَ
مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ التَّدَاوِيَ سَبَبٌ مَشْرُوعٌ. وَإِذَا خَافُوا مِنْ
أَمْرٍ، فَذَكِّرُوهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ
الْمُؤْمِنَ يَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ ثُمَّ يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى رَبِّهِ.
الْخُطْوَةُ الرَّابِعَةُ: تَطْهِيرُ
الْبَيْتِ مِنَ الْخُرَافَاتِ
لَا تَسْمَحُوا بِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى
الْخَوْفِ مِنَ الْأَوْهَامِ، وَالتَّعَلُّقِ بِالتَّمَائِمِ، وَتَصْدِيقِ
الْعَرَّافِينَ، وَالِاعْتِقَادِ أَنَّ بَعْضَ الْأَيَّامِ أَوِ الْأَرْقَامِ
تَجْلِبُ النَّحْسَ بِذَاتِهَا.
وَبَيِّنُوا لَهُمْ أَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ
عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْلَالِ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ
الْمُسْتَقْبَلِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِمَا أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ
مِنْ رُسُلِهِ، وَفِي الْحُدُودِ الَّتِي بَيَّنَهَا الْوَحْيُ.
الْخُطْوَةُ الْخَامِسَةُ: مُرَاقَبَةُ مَا
يَدْخُلُ إِلَى الْبَيْتِ
فِي زَمَانِنَا هَذَا، لَمْ تَعُدْ أَبْوَابُ
الْبَيْتِ هِيَ الْمَدَاخِلَ الْوَحِيدَةَ لِمَا يَتَلَقَّاهُ الْأَوْلَادُ؛ بَلْ
صَارَتْ الشَّاشَاتُ وَالْهَوَاتِفُ وَمَنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ أَبْوَابًا
وَاسِعَةً لِأَفْكَارٍ وَمَعْتَقَدَاتٍ وَسُلُوكِيَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ.
فَيَنْبَغِي لِلْوَالِدَيْنِ أَنْ يَتَعَاهَدَا مَا
يُشَاهِدُهُ أَوْلَادُهُمَا، وَأَنْ يَفْتَحَا مَعَهُمْ حِوَارًا عِلْمِيًّا وَتَرْبَوِيًّا،
وَأَنْ يُعَلِّمَاهُمُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَنْ يَكُونَ
ذَلِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَحُسْنِ التَّوْجِيهِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَعِيشَ الْأَوْلَادُ فِي
عُزْلَةٍ عَنِ الْعَالَمِ، بَلْ أَنْ يَنْشَؤُوا وَهُمْ يَمْلِكُونَ أَصْلًا
إِيمَانِيًّا رَاسِخًا يَعْرِفُونَ بِهِ الْحَقَّ، وَيَرُدُّونَ إِلَيْهِ مَا
يَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ شُبُهَاتٍ.
الْخُطْوَةُ السَّادِسَةُ: إِحْيَاءُ
الْبَيْتِ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ
اجْعَلُوا لِلْقُرْآنِ نَصِيبًا مَعْلُومًا فِي
حَيَاتِكُمْ، وَاقْرَؤُوا مَعَ أَوْلَادِكُمْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ،
وَعَلِّمُوهُمْ أَذْكَارَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَأَذْكَارَ النَّوْمِ
وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ.
وَعَلِّمُوهُمْ أَنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ
أَلْفَاظٍ تُرَدَّدُ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ تَزِيدُ الْقَلْبَ صِلَةً بِاللَّهِ،
وَتُذَكِّرُ الْعَبْدَ بِفَقْرِهِ إِلَى رَبِّهِ.
الْخُطْوَةُ السَّابِعَةُ: الدُّعَاءُ
لِلذُّرِّيَّةِ وَالصَّبْرُ عَلَى تَرْبِيَتِهَا
لَا تَنْسَوْا الدُّعَاءَ لِأَوْلَادِكُمْ
بِالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَمِنْ دُعَاءِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا
وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾
[الْفُرْقَانِ: ٧٤].
وَتَذَكَّرُوا أَنَّ التَّرْبِيَةَ تَحْتَاجُ إِلَى
صَبْرٍ وَمُرَاجَعَةٍ وَتَوْبَةٍ وَدُعَاءٍ، وَأَنَّ الْوَالِدَيْنِ لَا
يَمْلِكَانِ قُلُوبَ أَوْلَادِهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا يَمْلِكَانِ بَذْلَ
الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ.
|
الْمَبْحَثُ السَّابِعُ: ثَمَرَاتُ بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَى
التَّوْحِيدِ 5 دقائق |
إِذَا أُسِّسَ الْبَيْتُ عَلَى التَّوْحِيدِ،
وَتَعَاهَدَ أَهْلُهُ الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، رُجِيَتْ
لَهُ ثَمَرَاتٌ عَظِيمَةٌ، مِنْهَا:
الثَّمَرَةُ الْأُولَى: طُمَأْنِينَةُ
الْقُلُوبِ.
فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا تَعَلَّقَ بِاللَّهِ
وَحْدَهُ، وَعَرَفَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، سَكَنَ إِلَى رَبِّهِ،
وَأَحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ، وَرَضِيَ بِقَضَائِهِ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨].
الثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ: تَوْحِيدُ
الْغَايَةِ فِي الْحَيَاةِ.
فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الْبَيْتِ عَلَى طَاعَةِ
اللَّهِ، وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيَعْرِفُونَ أَنَّ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا مَمَرٌّ إِلَى الْآخِرَةِ.
الثَّمَرَةُ الثَّالِثَةُ: نَشْأَةُ
الْأَوْلَادِ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ وَالْأَمَانَةِ.
فَالْوَلَدُ الَّذِي يَتَرَبَّى عَلَى أَنَّ اللَّهَ
يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ، يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ
وَاجْتِنَابِ الْخِيَانَةِ، وَلَوْ غَابَتْ عَنْهُ رَقَابَةُ الْبَشَرِ.
الثَّمَرَةُ الرَّابِعَةُ: تَعَاوُنُ
أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى الطَّاعَةِ.
فَيَكُونُ الْأَبُ وَالْأُمُّ عَوْنًا لِلْأَوْلَادِ
عَلَى الْخَيْرِ، وَيَكُونُ الْأَوْلَادُ سَبَبًا فِي تَذْكِيرِ الْوَالِدَيْنِ
بِالطَّاعَةِ، وَيَتَحَوَّلُ الْبَيْتُ إِلَى بِيئَةٍ تُعِينُ عَلَى الْإِيمَانِ
وَالِاسْتِقَامَةِ.
الثَّمَرَةُ الْخَامِسَةُ: رَجَاءُ
الْجَمْعِ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ
ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورِ: ٢١].
فَهَذِهِ بُشْرَى عَظِيمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ،
وَفِيهَا تَسْلِيَةٌ لِلْقُلُوبِ وَحَثٌّ عَلَى تَرْبِيَةِ الذُّرِّيَّةِ عَلَى
الْإِيمَانِ. وَهِيَ لَا تَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيَكُونُ صَالِحًا لَا
مَحَالَةَ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ.
|
فوائد الدرس وخلاصته |
الفَائِدَةُ الأُولَى: التَّوْحِيدُ
أَصْلُ صَلَاحِ الْبُيُوتِ
إِذَا صَلَحَ أَصْلُ الْعَقِيدَةِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ
أَعْظَمِ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ.
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَوْلَى
الْوَصَايَا لِلْأَبْنَاءِ
لَيْسَتْ أَعْظَمُ وَصَايَا الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ وَالْمَنْصِبِ، بَلْ مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ
تَوْحِيدَهُمْ وَدِينَهُمْ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّوْحِيدُ
قَبْلَ التَّزْيِينِ
زِينَةُ الْبَيْتِ فِي جُدْرَانِهِ وَأَثَاثِهِ،
وَجَمَالُهُ الْحَقِيقِيُّ فِي إِيمَانِ أَهْلِهِ وَاسْتِقَامَةِ أَفْرَادِهِ.
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الْقُدْوَةُ
قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ
إِذَا أَرَادَ الْأَبُ أَنْ يَرَى التَّوْحِيدَ فِي
قَلْبِ ابْنِهِ، فَلْيُرِهِ أَثَرَ التَّوْحِيدِ فِي قَلْبِهِ وَعَمَلِهِ.
الفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: الشِّرْكُ
أَعْظَمُ الْمَخَاوِفِ
مَنْ خَافَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ فَقْدِ الدُّنْيَا،
فَلْيَكُنْ خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنْ فَسَادِ الدِّينِ أَعْظَمَ.
الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الْعِبَادَةُ
غَايَةُ الْحَيَاةِ
الْبَيْتُ الْمُؤْمِنُ لَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا
غَايَتَهُ، بَلْ يَجْعَلُهَا مَطِيَّةً إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ وَجَنَّتِهِ.
الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّرْبِيَةُ
صَبْرٌ وَدُعَاءٌ
لَا تُبْنَى الْقُلُوبُ بِمَوْعِظَةٍ وَاحِدَةٍ،
وَلَا تُصْلَحُ الذُّرِّيَّةُ بِغَيْرِ صَبْرٍ وَتَعْلِيمٍ وَدُعَاءٍ.
الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الْهِدَايَةُ
مِنَ اللَّهِ
وَاجِبُ الْوَالِدَيْنِ بَذْلُ أَسْبَابِ
الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا تَوْفِيقُ الْقُلُوبِ وَهُدَاهَا فَبِيَدِ اللَّهِ
وَحْدَهُ.
[1] قال
شيخنا عبد المحسن العباد _حفظه الله_ في كتابه "قَطْفِ الجني الداني شرح
مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني" (ص: 56):
"وهذا
التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسُّنَّة، ويتَّضح ذلك
بأوَّل سورة في القرآن، وآخر سورة؛ فإنَّ كلاًّ منهما مشتملةٌ على أنواع التوحيد
الثلاثة." اهـ
Komentar
Posting Komentar