شرح الحديث 19 (باب ما جاء في خاتم النبوة) من الشمائل المحمدية

 

[19] – (4) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ:

كَانَ عَلِيٌّ، إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ - وَقَالَ: «بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ (ثقة رمى بالنصب: ت. 245 هـ):

أحمد بن عبدة بن موسى الضَّبِّيُّ، أبو عبد الله البَصْرِيُّ، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: م د ت س ق 

 

* وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ (ثقة حافظ: ت. 244 هـ):

على بن حجر بن إياس السَّعْدِيُّ، أبو الحسن الْمَرْوَزِيُّ (نزيل بغداد، ثم مرو)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م ت س 

 

* وَغَيْرُ وَاحِدٍ:

قلت: مثل أَبِيْ جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَلِيمَةَ (صدوق: ت. 261 هـ):

محمد بن الحسين بن إبراهيم العامري، أبو جعفر بن إشكاب البغدادي الحافظ (أخو علي بن إشكاب، أصلهم من خراسان من نسا)، المولود: سنة 181 هـ، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع روى له: خ د س 

 

* قَالُوا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ثقة مأمون: 187 هـ بـ الشام):

عيسى بن يونس بن أبى إسحاق السَّبِيْعِيُّ، أبو عمرو (ويقال: أبو محمد)، الكُوْفي (أخو إسرائيل بن يونس، نزل الشام مرابطا)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ (ضعيف، وكان كثير الإرسال: ت. 145 هـ أو 146 هـ):

عُمَر بْن عَبد اللَّهِ مولى غفرة بنت رباح، (ويقال: مولى غفرة بنت شيبة) أبو حفص المدني (أخت بلال بن رباح مولى أبي بكر)، من صغار التابعين، روى له: د ت

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صدوق)

إبراهيم بن محمد بن علي بن أبى طالب القرشى الهاشمي (وهو إبراهيم بن محمد ابن الحنفية، من صغار التابعين، روى له: ت عس ق  (عس: النسائي في مسند علي).

 

قلت: قال العلائي _رحمه الله_ في "جامع التحصيل" (ص: 141) (رقم: 9): "إبراهيم بن محمد بن الحنيفة عن جدِّهِ عَلِيٍّ _رضي الله عنه_، قال: أبو زرعة: (مرسل)." اهـ

 

* قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ (صحابي من السابقين الأولين، و رجح جمعٌ أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة: ت. 40 هـ):

علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القُرَشِيُّ، أبو الحسن الهاشِمِيُّ (أمير المؤمنين، ابن عم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_) روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث:

 

قَالَ:

كَانَ عَلِيٌّ، إِذَا وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ - وَقَالَ:

«بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

نقل إبراهيم بن محمد – من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه – أن عليًّا _رضي الله عنه_ إذا وصف رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ذكر صفاتٍ كثيرة من شمائله الشريفة،

 

ومنها ما ورد في هذا الموضع: أن بين كتفي النبي _صلى الله عليه وسلم_ علامةً خاصَّةً تُعرَف بـخاتم النبوة، وهي علامة بدنية ثابتة جعلها الله _تعالى_ دليلاً على صدق نبوته.

 

ثم ختم عليٌّ _رضي الله عنه_ وصفه ببيان أعظم فضلٍ للنبي _صلى الله عليه وسلم_، وهو أنه الخاتم الذي اختتم الله به سلسلة الأنبياء، فلا نبيَّ بعده.

 

فالحديث يبين صفة جسدية خاصة بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ تدل على نبوته، ويؤكد منزلته العظمى بأنه خاتم الأنبياء الذي ختم الله به الوحي والرسالات.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 32 و 43) (رقم: 7 و 19)، وفي "سننه" – ت. شاكر (5/ 599) (رقم: 3638)، وابن أبي شيبة في مصنفه" (6/ 328) (رقم: 31805)، وابن شَبَّة في "تاريخ المدينة" (2/ 604)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (3/ 283)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (3/ 13) (رقم: 1350)، والبغوي في "شرح السنة" (13/ 282) (رقم: 3707)، وابن الجوزي في "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" (2/ 254).

 

والحديث ضعيف: ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 16) (رقم: 5)، و"ضعيف سنن الترمذي" – ط. المكتب الإسلامي (ص: 487) (رقم: 3900)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1612) (رقم: 5791) لأجل إبراهيم بن محمد بن الحَنفية عن عليٍّ بن أبي طالب مرسلا، فلم يسمع إبراهيم بن محمد بن الحنفية هذا الحديث من جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أبِيْ طالِبٍ _رضي الله عنه_ مباشرة، فالإسناد منقطع (مرسل)!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[20] – (5) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ:

قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

«يَا أَبَا زَيْدٍ، ادْنُ مِنِّي فَامْسَحْ ظَهْرِي»، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، فَوَقَعَتْ أَصَابِعِي عَلَى الْخَاتَمِ، قُلْتُ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: «شَعَرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (ثقة: ت. 252 هـ بـ البصرة):

محمد بن بشار بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، الملقب "بُنْدَار"، المولود: سنة  167 هـ، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت س ق

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (ثقة ثبت: ت. 212 هـ أو بعدها):

الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري (يقال: إنه مولى بنى شيبان، ويقال: من أنفسهم)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ (ثقة):

عَزْرَة بنُ ثابت بْنِ أبي زيد عمرٍو بْنِ أخطبَ الأنصاريُّ البصريّ (أخو محمد بن ثابت، وعليّ بن ثابت)، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م قد ت س ق  (قد: أبو داود في القدر) 

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ (صدوق):

عِلْبَاءُ بنُ أحمرَ اليَشْكُرِيُّ البصريُّ، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: م ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيُّ (صحابي):

عمرو بنُ أخطب بْنِ رِفاعة، أبو زيد الأنصاري الخَزْرَجِيُّ الأعرج (مشهور بكنيته، نزل البصرة)، روى له: م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ:

قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يَا أَبَا زَيْدٍ، ادْنُ مِنِّي فَامْسَحْ ظَهْرِي»، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، فَوَقَعَتْ أَصَابِعِي عَلَى الْخَاتَمِ، قُلْتُ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: «شَعَرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/ 341) (رقم: 22889):

عن أَبِي زَيْدٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يَا أَبَا زَيْدٍ ادْنُ مِنِّي، وَامْسَحْ ظَهْرِي» .

وَكَشَفَ ظَهْرَهُ، فَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ، وَجَعَلْتُ الْخَاتَمَ بَيْنَ أَصَابِعِي. قَالَ: فَغَمَزْتُهَا. قَالَ فَقِيلَ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: شَعَرٌ مُجْتَمِعٌ عَلَى كَتِفِهِ."

 

وفي "المعجم الكبير" للطبراني (17/ 28)

قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ أَبَا زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: «رَأَيْتُ الْخَاتَمَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا يُظْهِرُهُ كَأَنَّهُ يَخْتِمُ»

 

وفي "المستدرك على الصحيحين" للحاكم (2/ 663)

عَنْ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ:

قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا زَيْدٍ، ادْنُ فَامْسَحْ ظَهْرِي» قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَمَسَحْتُ ظَهْرَهُ وَوَضَعْتُ أَصَابِعِي عَلَى الْخَاتَمِ فَغَمَزْتُهَا فَقِيلَ لَهُ: وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ: «شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ عِنْدَ كَتِفَيْهِ»

 

وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (4/ 2000):

 عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ خَاتَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجْتَمِعًا كَأَنَّ فِيهِ خَيَلَانًا سُودًا»

 

وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (4/ 40_42):

"الْخَاتَمُ: فِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ التَّاءِ وَكَسْرُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحِلَّهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَفِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي صِفَتِهِ، وَقَدْرِهِ:

* فَفِي حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ «أَنَّهُ مِثْلُ ذَرِّ الْحَجَلَةِ» وَهُوَ فِي___الصَّحِيحَيْنِ.

* وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ

* وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «كَأَنَّهُ غُدَّةٌ حَمْرَاءُ مِثْلُ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ» .

* وَفِي حَدِيثِ أَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ أَنَّهُ «قِيلَ لَهُ وَمَا الْخَاتَمُ؟ قَالَ شُعَيْرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "الشَّمَائِلِ"، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ «شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ» وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

* وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ: «فَنَظَرْت إلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ

وَالْمُرَادُ بِـ"الْجُمْعِ" بِضَمِّ الْجِيمِ جُمْعُ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ.

وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ سَبُعٍ فِي "شِفَاءِ الصُّدُورِ": هُوَ شَامَةٌ سَوْدَاءُ تَضْرِبُ إلَى الصُّفْرَةِ حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ، كَأَنَّهَا عُرْفُ فَرَسٍ بِمَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ.

* وَفِي حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ: مِثْلُ الطَّلْعَةِ،

* وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: مِثْلُ التُّفَّاحَةِ،

* وَفِي "الشَّمَائِلِ" لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: بِضْعَةٌ نَاشِزَةٌ.

* وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: مِثْلُ الْبُنْدُقَةِ مِنْ لَحْمٍ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ،

* وَعَنْ ابْنِ هِشَامٍ تَشْبِيهُهُ بِالْمِحْجَمِ وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِرُكْبَةِ الْعَنْزِ وَقِيلَ فِي تَشْبِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ:

وَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى مُفِيدَةٌ أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ كَانَ نُتُوءًا قَائِمًا أَحْمَرَ تَحْتَ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، قَدْرُهُ إذَا قُلِّلَ كَبَيَاضَةِ الْحَمَامَة،ِ وَإِذَا كُبِّرَ جُمْعُ الْيَدِ،

ثُمَّ إنَّ السُّهَيْلِيَّ قَالَ:

لَمْ نَدْرِ هَلْ خُلِقَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ وُضِعَ فِيهِ بَعْدَ مَا وُلِدَ أَوْ حِينَ نُبِّئَ؟ فَبَيَّنَ لَنَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي ذَرٍّ فِي حَدِيثِ الْمَلَكَيْنِ «قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: "اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمُلَاءِ."

ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: "خِطْ بَطْنَهُ." فَخَاطَ بَطْنِي وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْ كَمَا هُوَ الْآنَ»

فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَتَى وُضِعَ وَكَيْفَ وُضِعَ وَمَنْ وَضَعَهُ،

وَذَكَرَ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ السِّيرَةِ رِوَايَةً فِيهَا «وَأَقْبَلَ الثَّالِثُ وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ لَهُ شُعَاعٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَدْيَيْهِ وَوَجَدَ بَرْدَهُ زَمَانًا» .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا:

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: " الْخَاتَمُ هَذَا شَقُّ الْمَلَكَيْنِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ " قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَإِنَّ الشَّقَّ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ وَأَثَرُهُ إنَّمَا كَانَ خَطًّا وَاضِحًا فِي صَدْرِهِ إلَى مَرَاقِّ بَطْنِهِ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَمْ يَثْبُتْ قَطُّ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا حَسَنَةٍ وَلَا غَرِيبَةٍ أَنَّهُ بَلَغَ بِالشَّقِّ حَتَّى نَفَذَ إلَى ظَهْرِهِ.

وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ___يَكُونَ مُسْتَطِيلًا مِنْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إلَى أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُحَاذِي الصَّدْرَ مِنْ مَسْرُبَتِهِ إلَى مَرَاقِّ بَطْنِهِ وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ النَّاسِخِينَ لِكِتَابِهِ انْتَهَى. وَعَنْ جَابِرٍ: قَالَ «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهُ فَالْتَقَمْت خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بِفَمِي فَكَانَ يُتِمُّ عَلَيَّ مَسْكًا» .

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

وصف أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري _رضي الله عنه_ موقفًا لطيفًا مع النبي _صلى الله عليه وسلم_، حيث طلب منه النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن يقترب ويمسح ظهره الشريف.

فلما مسح ظهره، أحسَّ بأصابعه تقع على خاتم النبوة الموجود بين كتفي النبي _صلى الله عليه وسلم_، فسئل عن حقيقته.

 

فبيّن أبو زيد _رضي الله عنه_ أن هذا الخاتم عبارة عن شعرات مجتمعات في ذلك الموضع، وهي من العلامات الجسدية التي جعلها الله دليلاً على نبوته كما جاءت بها الكتب السابقة.

 

فالحديث يبين وجود خاتم النبوة بين كتفي النبي _صلى الله عليه وسلم_، وأنه كان في هيئة شعرات مجموعة،

 

والحديث حكى أيضًا ما كان عليه النبي _صلى الله عليه وسلم_ من التواضع، وحسن المعاملة، وقربه من أصحابه _رضي الله عنهم_.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 44) (رقم: 20)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (2/ 351) (رقم: 857)، أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 77 و 5/ 340 و 5/ 341) (رقم: 20732 و 22882 و 22889)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (12/ 240) (رقم: 6846)، وابن حبان في "صحيحه" (14/ 209) (رقم: 6300)، المعجم الكبير للطبراني (17/ 27) (رقم: 44)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (2/ 663) (رقم: 4198)، الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (2/ 452) (رقم: 422)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (2/ 306) (رقم: 1758)، و"مختصر الشمائل" (ص: 30) (رقم: 17)، "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (9/ 110) (رقم: 6267)

 

وصححه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (37/ 526) (رقم: 22889)، والشيخ مقبل بن هادي الوادعي _رحمه الله_ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (2/ 77) (رقم: 999)

 

من فوائد الحديث:

 

قال محمَّد الخَضِر بن سيد عبد الله بن أحمد الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1354 هـ) _رحمه الله_ في "كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري" (1/ 85):

"ومن أعلام نبوته خاتم النبوة." اهـ


وقال أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري، المعروف بـ"الهيتمي" (المتوفى: 974 هـ) _رحمه الله_ في "أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل" (ص: 87)

"(فامسح ظهرى) فيه حل مس ما عدا العورة من الأجنبى، مع اتحاد الجنس، ثم يحتمل أنه لحاجته إلى مسحه لعارض، أو تشريفه بمس جسده الشريف، والملامسة على خاتم النبوة، قلت: القائل علباء لأبى زيد، لا أبو زيد للنبىّ كما هو واضح." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

هذه الروايات الجليلة التي رواها الصحابي أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري _رضي الله عنه_ عن رؤيته خاتَمَ النبوة على ظهر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ تتضمن فوائد عظيمة، منها ما يلي:

1_ فيه: إثبات خاتم النبوة على ظهر النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهو من علامات النبوة الخاصة التي أخبر بها أهل الكتاب في كتبهم، فكان من دلائل صدقه _صلى الله عليه وسلم_.

2_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ هو خاتم النبيين، فوجود "الخاتم" على جسده الشريف فيه إشارة إلى ختم النبوة به، فلا نبي بعده.

3_ فيه: ازدياد الإيمان بالغيب؛ لأن هذه العلامة من أمارات صدق النبوة التي أخبر بها الوحي وعاينها الصحابة.

4_ فيه: عظيم مكانة النبي _صلى الله عليه وسلم_ عند ربه، إذ جُعل له علامة جسدية تميّزه عن سائر البشر.

5_ فيه: أن دلائل النبوة محسوسة ومعقولة؛ فليست كلها معجزات خارقة، بل منها ما هو ثابت في ذاته _صلى الله عليه وسلم_، كخاتم النبوة، ونور وجهه، وطيب عرقه.

6_ فيه: تحقق ما بشّر به أهل الكتاب في وصف النبي الخاتم ﷺ كما ورد في التوراة والإنجيل بوجود "خاتم بين كتفيه"، مما يدل على صدق نبوته عندهم.

7_ فيه: زيادة المحبة للنبي _صلى الله عليه وسلم_؛ إذ كلما عرف المؤمن صفاته وشمائله، ازداد شوقًا إليه ومحبةً له.

8_ فيه: أن معرفة صفاتِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ من الدين، وقد حرص الصحابة على نقلها بدقة، لأنها جزء من التعريف بالنبي _صلى الله عليه وسلم_  الذي أُمرنا بمعرفته واتباعه.

9_ فيه: أدب الصحابي أبي زيد _رضي الله عنه_، حينما استجاب لأمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ دون تردد أو تساؤل.

10_ فيه: تواضع النبي _صلى الله عليه وسلم_، إذ سمح لأحد أصحابه أن يمس جسده الشريف ويمسح ظهره، مع أنه سيد ولد آدم.

11_ فيه: محبة النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأصحابه، يظهر في قوله: "يا أبا زيد، ادنُ مني..."، خطابٌ مُفْعَمٌ باللطف والقرب.

12_ فيه: قرب النبي _صلى الله عليه وسلم_ من أصحابه جسدًا وروحًا، فهو لا يتعالى عليهم، بل يخالطهم ويمازجهم بالخلُق الرفيع.

13_ فيه: حرص الصحابة على معرفة دقائق صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهذا من تعظيمهم له ورغبتهم في الاقتداء به.

14_ فيه: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يُظهر شيئًا من جسده الشريف أحيانًا لمصلحة شرعية أو تعليمية، كبيان صفة الخاتم هنا.

15_ فيه: تعدد طرق الرواية وتنوع ألفاظها يدل على ثبوت أصل الخبر، وأن الرواة نقلوه من وجوه متعددة متقاربة المعنى.

16. اتفاق الرواة على أن الخاتم كان من شعرات مجتمعات بين كتفيه الشريفين، مما يوضح حقيقته.

17_ فيه: أن تعدد أوصاف الخاتم كقوله: "كأنه يختم"، و"كأن فيه خيلانًا سودًا"، يبيّن أن الصحابة وصفوه بدقة من زوايا مختلفة.

18_ فيه: ما تدل الروايات على أن الصحابة كانوا ينقلون المشاهدة المباشرة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ بأمانة علمية تامة، دون زيادة أو تحريف.

19_ فيه: أن الرواية أصل في باب الشمائل النبوية، فهي تُعد من النصوص الأساسية التي اعتمدها العلماء في تصنيف كتب الشمائل والخصائص.

20_ فيه: دقة المحدثين في جمع الروايات؛ فقد نقلها الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم وغيرهم بأسانيد متعددة لتوثيقها.

21_ فيه: حثّ للمسلم على التثبت في نقل الأخبار كما فعل الصحابي حين وصف ما رآه بدقة.

22_ فيه: تعليم الأدب في التعامل مع الكبار والعلماء؛ فكما أُمر أبو زيد أن يقترب بأدب، كذلك يقتدي طالب العلم في تعامله مع أهل العلم.

23_ فيه: أن معرفة دلائل النبوة تزيد العبد توقيرًا وطاعةً للنبي _صلى الله عليه وسلم_، وتغرس في القلب حب الاتباع، لا مجرد الإعجاب.

24_ فيه: أن الاهتمام بسيرة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وشمائله من أعمال الإيمان، لأن من أحب شيئًا أكثر من ذكره ووصفه.

25_ فيه: أن القدوة في تواضع النبي _صلى الله عليه وسلم_ تُعَلِّمُ المسلم أن الشرف لا يُنافي التواضع، بل يزيده كمالًا.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام