شرح الحديث 163 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من رياض الصالحين

 

[163] الثامن: عن جابر _رضي الله عنه_ قَالَ:

قَالَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_:

«مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَ الجَنَادِبُ والفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأنْتُمْ تَفَلَّتونَ مِنْ يَدَيَّ»، رواه مسلم.

«الجَنَادِبُ»: نَحوُ الجرادِ وَالفَرَاشِ، هَذَا هُوَ المَعْرُوف الَّذِي يَقَعُ في النَّارِ. وَ «الحُجَزُ»: جَمْعُ حُجْزَة وَهِيَ مَعْقدُ الإزَار وَالسَّراويل.

 

ترجمة جابر بن عبد الله السّلِمِيِّ الأنصاري _رضي الله عنهما_ :

 

وفي سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 189) :

"جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ السَّلِمِيُّ * (ع) : ابْنِ ثَعْلَبَةَ بنِ حَرَامِ بنِ كَعْبِ بنِ غَنْمِ بنِ كَعْبِ بنِ سَلِمَةَ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، المُجْتَهِدُ، الحَافِظُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، السَّلِمِيُّ، المَدَنِيُّ، الفَقِيْهُ. مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ شَهِدَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ مَوْتاً.

رَوَى : عِلْماً كَثِيْراً عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَائِفَةٍ." اهـ

 

وفي الأعلام للزركلي (2/ 104)

جابِر بن عبد الله (16 ق هـ - 78 هـ = 607 - 697 م)

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السملي: صحابي، من المكثرين في الرواية عن النبي صلّى الله عليه وسلم وروى عنه جماعة من الصحابة. له ولأبيه صحبة. غزا تسع عشرة غزوة. وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم. روى له البخاري ومسلم___وغيرهما 1540 حديثا." اهـ

 

وفي تاريخ الإسلام، ت. بشار (2/ 801):

"قَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَالْوَاقِدِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ أَرْبَعًا وتسعين سنة." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

(مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ)،

المَثَل: هو الشأن أو الصفة التي يُوضَّح بها حال شيءٍ عن طريق تشبيهه بغيره. أي: إنَّ شأني معكم، في دعوتي إياكم إلى الهدى وتحذيري لكم من أسباب الهلاك، يشبه شأن رجلٍ يحاول إنقاذ الحشرات من النار. ففيه تقريب المعاني المعنوية إلى الأذهان بواسطة صورةٍ محسوسةٍ واضحة، حتى يدرك السامع حقيقة الأمر وعاقبته.

(كَمَثَلِ رَجُلٍ)،

أي: كصفة رجلٍ وحاله، وليس المقصود شخصًا معيَّنًا، وإنما ذُكر الرجل لتصوير المشهد الذي يُضرب به المثل. ففيه أنَّ الأمثال النبوية قد تُبنى على مشاهد مألوفةٍ للناس، ثم تُربط بها معانٍ عظيمة تتعلق بالإيمان والهداية والنجاة.

(أَوْقَدَ نَارًا)،

الإيقاد: إشعال النار وإضرامها. يقال: أوقد النار، إذا أشعلها حتى أضاءت واشتعلت. والمعنى: أنَّ الرجل أشعل نارًا، فظهر ضوؤها، وصارت الحشرات تنجذب إليها وتقع فيها. والمقصود من هذا المشهد التمهيد لتصوير حال النبي _صلى الله عليه وسلم_ مع أمته؛ إذ كان يحذِّرهم من النار، كما يحاول الرجل منع الحشرات من الوقوع في النار التي أوقدها.

(فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا)،

الجنادب: جمع جُندَب، وهو نوعٌ من الحشرات، يُشبه الجراد في بعض صفاته. الفراش: الحشرات التي تطير حول الضوء، ومن أشهر ما يُعرف منها ما ينجذب إلى المصابيح والنيران. فقوله: "فَجَعَلَ ... يَقَعْنَ"، أي: أخذت تلك الحشرات تتساقط في النار. والمعنى: أنَّ الحشرات صارت تنجذب إلى ضوء النار، فتقع فيها، مع أنَّ النار سبب هلاكها. ففي هذا تصويرٌ بليغ لحال من تغلبه شهوته أو يخدعه بَرِيْقُ المعصية، فيندفع إليها مع أنَّ عاقبتها الضرر والعذاب.

(وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا)،

يَذُبُّهُنَّ: أي يدفعهنَّ ويمنعهنَّ، ويصرفهنَّ عن النار. يقال: ذبَّ عن الشيء، إذا دفع عنه ما يؤذيه؛ ومنه الذبُّ عن الحريم، أي حمايته ودفع الاعتداء عنه. والضمير في "يَذُبُّهُنَّ" عائدٌ إلى الجنادب والفراش، و"عنها"، أي: عن النار. والمعنى: أنَّ الرجل كان يحاول دفع الحشرات عن النار، لئلا تحترق فيها، فيردُّها عنها كلما اقتربت منها.

وهذا يُصوِّر شدة حرص النبي _صلى الله عليه وسلم_ على أمته؛ فقد كان يحذِّرها من المعاصي، ويبيِّن لها عاقبتها، ويدعوها إلى ما فيه نجاتها، رحمةً بها وشفقةً عليها.

(وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ)،

الحُجَز: جمع حُجْزة، وهي موضع شدِّ الإزار أو السراويل عند الخصر. "آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ"، أي: ممسكٌ بمواضع أُزُرِكم، كمن يأخذ الإنسان من ثوبه ليردَّه عن السقوط في شيءٍ مهلك. والمعنى: أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ يصوِّر شدة تمسُّكه بأمته وحرصه على منعها من الوقوع في النار، كأنَّه يمسكها من أوساطها ليردَّها عن الهلاك. وليس المقصود: أنَّه يمسك كل فردٍ من أمته إمساكًا حسيًّا، وإنما هو تصويرٌ بليغ لشدة حرصه على هدايتهم وإنقاذهم، وقيامه بواجب البلاغ والإنذار.

(عَنِ النَّارِ)،

أي: يحاول منعكم من الوصول إلى النار، والمراد بها: نار جهنم التي أعدَّها الله للكافرين والعصاة بحسب ما تقتضيه أحكامه وعدله. ويدخل في أسباب النجاة منها الإيمان بالله وتوحيده، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأداء الواجبات، واجتناب المحرمات، والتوبة من الذنوب.

وفي هذا تنبيهٌ إلى أنَّ التحذير من النار ليس أمرًا هيّنا في دعوة الأنبياء، بل هو من صميم تبليغهم؛ إذ يدلُّون الناس على طريق النجاة ويحذِّرونهم من سبيل الهلاك.

(وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدَيَّ)،

تَفَلَّتُونَ: أي تتخلَّصون وتفلتون شيئًا فشيئًا من الإمساك، أو تنفلتون بسرعةٍ من يد من يحاول منعكم. يقال: تَفَلَّتَ من الشيء، إذا تخلَّص منه بعد أن كان ممسوكًا به. والمعنى: أنَّ بعض الناس يُعرضون عن نصيحة الرسول _صلى الله عليه وسلم_، ولا يستجيبون لأوامره ونواهيه، فكأنهم يفلتون من يديه، ثم يمضون إلى ما حذَّرهم منه من أسباب الهلاك. وليس المراد: أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ يملك منع الناس من المعصية قهرًا، وإنما المراد: أنَّه بذل غاية الجهد في البلاغ والنصح والإنذار، وأنَّ بعض الناس يقابلون ذلك بالإعراض والمخالفة.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

هذا الحديث الشريف من الأمثال النبوية البليغة التي تكشف عن عظيم رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، وشدة حرصه على هدايتها ونجاتها من عذاب الله _تعالى_،

 

وتُبيِّن ما يقع من بعض الناس من الإعراض عن النصيحة، واتباع الهوى، والتعرُّض لأسباب الهلاك، مع أنَّ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد بيَّن لهم طريق النجاة، وحذَّرهم من أسباب العذاب.

 

فشبَّه النبي _صلى الله عليه وسلم_ نفسه برجل أوقد نارًا في موضعٍ، فجعلت الجنادب والفراش تتساقط فيها، لما جُبلت عليه من الانجذاب إلى ضوء النار، حتى صارت تُلقي بنفسها في الهلاك، والرجل يحاول دفعها عنها، ويمنعها من الوقوع فيها، رحمةً بها وشفقةً عليها.

 

وهذا مثلٌ محسوسٌ يقرب إلى الأذهان صورةً من صور حرصه _صلى الله عليه وسلم_ على أمته؛ إذ كان يدعوهم إلى الإيمان والطاعة، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحذِّرهم من الشرك والمعاصي وسائر الطرق المفضية إلى النار.

 

ثم بيَّن _صلى الله عليه وسلم_ حاله مع أمته بقوله: «وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ»،

أي: كأنَّه يمسكهم من مواضع أُزُرهم وسراويلهم، ليردَّهم عن السقوط في النار، ويمنعهم من الوصول إلى أسباب الهلاك. والمراد تصوير شدة حرصه على إنقاذهم، وغاية شفقته عليهم، وأنه لا يألو جهدًا في بيان ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم، حتى كأنَّه يأخذهم أخذًا حسيًّا ليحول بينهم وبين النار.

 

وأما قوله _صلى الله عليه وسلم_: «وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدَيَّ»، فمعناه: أنَّ بعض الناس لا يستجيبون لما جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_ من الهدى والبيان، بل يُعْرِضون عن أوامره، ويقعون فيما نهاهم عنه، ويتبعون أهواءهم وشهواتهم، فكأنهم يتخلَّصون من يديه، ويفلتون من قبضته، ثم يمضون إلى ما حذَّرهم منه.

وليس المراد أنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ يملك منعهم من النار منعًا قدريًّا، وإنما المراد بيان حرصِه البالغِ على نجاتهم، وأنَّ طريق السلامة إنما يكون باتباع ما جاء به من الوحي، والاستجابة لأمر الله ورسوله.

 

وفي الحديث كذلك تنبيهٌ إلى أنَّ أسباب الهلاك قد تُزَيَّنُ للنفوس، كما تنجذب الحشرات إلى ضوء النار مع أنَّها لا تدرك عاقبتها؛ فكذلك قد يرى الإنسان في بعض المعاصي لذةً عاجلةً أو منفعةً قريبةً، فيندفع إليها غافلًا عن عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة. ومن هنا كانت الحاجة عظيمةً إلى العلم النافع، والبصيرة، واتباع السنة، ومخالفة الهوى.

 

فرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان بالغ الرحمة بأمته، عظيم الحرص على نجاتها، ولقد دعاها إلى كل خير، وحذّرها من كل شرٍّ، وبيّن لها سبيل الجنة وأنذرها من طريق النار؛ غير أنَّ بعض الناس يأبون، إلا الإعراض عن هديه، فيتركون ما فيه نجاتهم، ويندفعون إلى أسباب هلاكهم.

 

ففيه الحثُّ على المحافظة على السنة النبوية، ولزوم طاعة الرسول _صلى الله عليه وسلم_، والحذر من المعاصي واتباع الهوى، وشكر نعمة بعثته _صلى الله عليه وسلم_، إذ أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأقام به الحجة، وبيَّن به طريق الحق والنجاة.

 

مناسبة الحديث لباب «الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها»

 

وجه المناسبة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم شبَّه حرصه على أمته بمن يحاول دفع الحشرات عن النار؛ ليبيِّن أنَّ أوامره ونواهيه ليست عبئًا على الناس، وإنما هي أسباب هدايتهم ونجاتهم.

 

فالمحافظة على السنة تعني التمسك بهديه صلى الله عليه وسلم، واتباع ما صحَّ عنه، واجتناب مخالفته عن علمٍ وإعراض، مع الحرص على تعلُّم الدين والعمل به.

 

ومن أعرض عن السنة عرَّض نفسه للوقوع في الخطأ والضلال بقدر ما أعرض عنه، وأما من لزمها مسترشدًا بالوحي، فقد سلك سبيل السلامة والهداية.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (4/ 1790/ 19) (رقم: 2285)، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (3/ 333) (رقم: 1893)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 361 و 3/ 392) (رقم: 14887 و 15213)، مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (18/ 89) (رقم: 10115)، وتَمَّامٌ الرازِيُّ في "الفوائد" (2/ 46) (رقم: 1099)، والبيهقي في "دلائل النبوة" – ت. عبد المعطي قلعجي (1/ 367): عن جابر _رضي الله عنه_.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1020) (رقم: 5859)، صحيح الترغيب والترهيب (3/ 469) (رقم: 3661)

 

وأخرجه البخاري في "صحيحه" (8/ 102) (رقم: 6483)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 1789/ 17_18) (رقم: 2284)، والترمذي في "سننه" -ت. شاكر (5/ 154) (رقم: 2874): عن أبي هريرة _رضي الله عنه_.

 

من فوائد الحديث:

 

تطريز رياض الصالحين (ص: 131)

شبَّه - صلى الله عليه وسلم - تساقطَ الجاهلينَ والمخالفينَ بمعاصيهم، وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إيّاهم بتساقط الفَرَاش في نار الدنيا، لهواه وضعف تمييزه، وكلاهما ساع في هلاك نفسه لجهله.

 

فتح الباري- تعليق ابن باز - (6 / 464)

قال النووي: مقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبه المحالفين له بالفراش وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا مع حرصهم على الوقوع في ذلك ومنعه إياهم، والجامع بينهما اتباع الهوى وضعف التمييز وحرص كل من الطائفتين على هلاك نفسه.

 

فتح الباري- تعليق ابن باز - (6 / 464)

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ((هذا مثل كثير المعاني، والمقصود أن الخلق لا يأتون ما يجرهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار لا ليهلك فيها بل لما يعجبه من الضياء)).

وقد قيل: إنها لا تبصر بحال وهو بعيد، وإنما قيل إنها تكون في ظلمة فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوة يظهر منها النور فتقصده لأجل ذلك فتحترق وهي لا تشعر.

وقيل: إن ذلك لضعف بصرها فتظن أنها في بيت مظلم وأن السراج مثلا كوة فترمي بنفسها إليه وهي من شدة طيرانها تجاوزه فتقع في الظلمة فترجع إلى أن تحترق.

وقيل: إنها تتضرر بشدة النور فتقصد إطفاءه فلشدة جهلها تورط نفسها فيما لا قدرة لها عليه، ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطب يقوله." اهـ

 

فتح الباري- تعليق ابن باز - (6 / 464)

وقال الغزالي: التمثيل وقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدمي أشد من جهل الفراش؛ لأنها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقى في النار مدة طويلة أو أبدا والله المستعان.

 

..............................

 

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - (25 / 58)

وهذا المثال مطبق على أهل الدنيا المنهمكين فيها فالرسل تدعوهم الى الاخرة وهم يتقاحمون فى الدنيا تقاحم الفراش

 

تطريز رياض الصالحين - (1 / 135)

شبَّه - صلى الله عليه وسلم - تساقطَ الجاهلينَ والمخالفينَ بمعاصيهم ، وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إيّاهم بتساقط الفَرَاش في نار الدنيا ، لهواه وضعف تمييزه ، وكلاهما ساع في هلاك نفسه لجهله .

 

شرح رياض الصالحين - (1 / 185)

ففي هذا دليل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حماية أمته من النار وأنه يأخذ بحجزها ويشدها حتى لا تقع في هذه النار ولكننا نفلت من ذلك ونأبى إلا الورود نسأل الله أن يعاملنا بعفوه

 

شرح رياض الصالحين - (1 / 185)

فالإنسان ينبغي له أن ينقاد لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لها طوعا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يدل على الخير واتقاء الشر كالذي يأخذ بحجزة غيره يأخذ بها حتى لا يقع في النار لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله في كتابه لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ صلوات الله وسلامه عليه

 

شرح رياض الصالحين - (1 / 185)

ومن فوائد هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان بل يجب أن يتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه وفي كل ما فعله وفي كل ما تركه يلتزم بذلك ويعتقد أنه الإمام المتبوع لكن من المعلوم أن من الشريعة ما هو واجب يأثم الإنسان بتركه وما هو محرم يأثم بفعله ومنها ما هو مستحب إن فعله فهو خير وأجر وإن تركه فلا إثم عليه .

وكذلك من الشريعة ما هو مكروه كراهة تنزيه إن تركه الإنسان فهو خير له وإن فعله فلا حرج عليه لكن المهم أن تلتزم بالسنة عموما وأن تعتقد أن إمامك ومتبوعك هو محمد صلى الله عليه وسلم وأنه ليس هناك سبيل إلى النجاة إلا باتباعه والسير في طريقه والتمسك بهديه

 

شرح رياض الصالحين - (1 / 185)

ومن فوائد هذا الحديث: بيان عظم حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وأنه كان لا يألو جهدا في منعها وصدها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها وبناء على ذلك فإذا رأيت نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فاعلم أن فعله شر ولا تقل هل هو للكراهة أم هو للتحريم اترك ما نهى عنه سواء كان للكراهة أو للتحريم ولا تعرض نفسك للمساءلة لأن الأصل في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه للتحريم إلا إذا قام دليل على أنه للكراهة التنزيهية وكذلك إذا أمر بشيء فلا تقل هذا واجب أو غير واجب افعل ما أمر به فهو خير لك إن كان واجبا فقد أبرأت ذمتك وحصلت على الأجر وإن كان مستحبا فقد حصلت على الأجر وكنت متبعا تمام الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اتباعه ظاهرا وباطنا

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (37/ 281_282):

(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الرأفة، والرحمة، والحرص على نجاة الأمة، كما قال تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].

2 - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن الإنسان إلى النذير أحوج منه إلى البشير؛ لأن جِبِلّته مائلة إلى الحظ العاجل، دون الحظ الأجل.

3 - (ومنها): ما قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللهُ-: هذا مَثَل لاجتهاد نبينا - صلى الله عليه وسلم – في نجاتنا، وحِرْصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظَفَر عدوِّنا اللعين بنا؛ حتى صرنا أحقر من الفراش والجنادب، وأذل من الطين اللَّازب. انتهى ["المفهم" 6/ 87].

4 - (ومنها): ما قال النوويّ -رَحِمَهُ اللهُ-: مقصود الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم – شبّه المخالفين له بالفَراش، وتساقطهم في نار الآخرة بتساقط الفراش في نار الدنيا، مع حرصهم على الوقوع في ذلك، ومَنْعه إياهم، والجامع بينهما اتّباع الهوى، وضعف التمييز، وحِرْص كل من الطائفتين على هلاك نفسه.

وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذا مَثَل كثير المعاني، والمقصودُ أن الخلق لا يأتون ما يجرّهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة، واتباع الشهوة، كما أن الفراش يقتحم النار، لا لِيَهلك فيها، بل لِمَا يُعجبه من الضياء، وقد قيل: إنها لا تُبصر بحال، وهو بعيد، وإنما قيل: إنها___تكون في ظُلمة، فإذا رأت الضياء اعتقدت أنها كوّة يظهر منها النور، فتقصده لأجل ذلك، فتحترق، وهي لا تشعر، وقيل: إن ذلك لِضعف بصرها، فتظنّ أنها في بيت مظلم، وأن السراج مثلاً كوّة، فترمي بنفسها إليه، وهي من شدّة طيرانها تجاوزه، فتقع في الظُّلمة، فترجع إلى أن تحترق،

وقيل: إنها تتضرر بشدة النور، فتقصد إطفاءه، فلشدة جهلها، تورّط نفسها فيما لا قدرة لها عليه، ذكر مغلطاي أنه سمع بعض مشايخ الطبّ يقوله.

وقال الغزاليّ: التمثيل وقع على صورة الإكباب على الشهوات من الإنسان، بإكباب الفراش على التهافت في النار، ولكن جهل الآدميّ أشدّ من جهل الفراش؛ لأنها باغترارها بظواهر الضوء إذا احترقت انتهى عذابها في الحال، والآدمي يبقي في النار مدة طويلة، أو أبداً، والله المستعان ["الفتح" 8/ 43 - 44، كتاب "أحاديث الأنبياء" رقم (3426)]، والله تعالى أعلم.

 

ملحق الفوائد:

 

1 – فيه: كمال شفقة النبي ﷺ بأمته،

ففي هذا الحديث دليلٌ على عظيم رحمة النبي ﷺ بأمته، وحرصه على نجاتهم من النار، كما يحرص الرجل المشفق على إبعاد الفراش والجنادب عن النار التي تهلكها. فلم يكن ﷺ حريصًا على مجرد تبليغ الألفاظ، بل كان حريصًا على أن تنتفع الأمة بما أُنزل إليه، فتنجو من العذاب وتفوز برضوان رب الأرباب.

 

2 – فيه: وجوب الحذر من أسباب الهلاك الأخروي،

فلما كانت النار المحسوسة تحرق الأجساد، فإن نار الآخرة أعظم خطرًا وأشد عذابًا؛ ولهذا وجب على العبد أن يحذر أسبابها من الكفر والشرك والمعاصي، وأن يتخذ من الإيمان والتوحيد والطاعة حصنًا يحميه من عذاب الله تعالى.

 

3 – فيه: أن النجاة من النار تكون باتباع الوحي،

فإن النبي ﷺ إنما كان يذب أمته عن النار بما جاء به من الهدى والبيان، فكلما تمسك العبد بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وحقق التوحيد واتبع السنة، كان ذلك من أعظم أسباب نجاته. وليس لأحدٍ طريقٌ إلى رضوان الله إلا من الطريق الذي شرعه الله على لسان رسوله ﷺ.

 

4 – فيه: أن رحمة الله بعباده تقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب،

فإن الله _سبحانه_ لم يترك الخلق في ظلمات الجهل يتخبطون، بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل الكتب هدايةً ورحمةً، وأقام الحجة على عباده. وفي بعثة محمد ﷺ أعظم نعمةٍ على هذه الأمة؛ إذ بيَّن لها سبيل الحق، وحذَّرها من طرق الضلال، ودلَّها على ما يقربها من الجنة ويباعدها من النار.

 

5 – فيه: أن بيان الحق لا يستلزم انتفاع كل أحد به،

فقد يبلّغ الداعي كلام الله وسنة رسوله ﷺ أتمَّ البلاغ، ويقيم الحجة، ويوضح المحجة، ثم يُعْرِضُ بعض الناس عن الحق، ويؤثرون أهواءهم وشهواتهم. وهذا شأن كثير ممن قامت عليهم البينات، فلم يحملهم ظهور الحق على اتباعه؛ فالعبرة ليست بمجرد سماع الموعظة، وإنما بالقبول والانقياد والعمل.

 

6 – فيه: التحذير من اتباع الهوى والإعراض عن النصيحة،

إن الفَرَاش والجنادب تقصد النار مع أنها سبب هلاكها، فكذلك بعض بني آدم قد يسعى إلى ما يضره، ويُعْرِض عما ينفعه، لما غلب عليه من الشهوة أو الغفلة أو سوء الاختيار. فمن لم يزجره القرآن عن معصية الله، ولم تردعه السنة عن اتباع هواه، خيف عليه أن يسلك مسالك الهالكين وهو لا يشعر.

 

7 – فيه: أن الإنسان قد يكون عدوًّا لنفسه من حيث لا يشعر،

فليس كل ما تميل إليه النفس نافعًا لها، ولا كل ما تستلذه الجوارح محمود العاقبة؛ فقد تكون اللذة العاجلة سببًا في الحسرة الآجلة، ويكون الصبر عن المحرمات سببًا في الفوز والكرامة. والعاقل من وزن أعماله بميزان الشرع، ولم يغتر بزخرف الدنيا ولا بحلاوة الشهوات.

 

8 – فيه: وجوب تعظيم السنة النبوية والتمسك بها،

فالنبي ﷺ هو الناصح الأمين، الذي لا ينطق عن الهوى فيما يبلغه عن ربه، وقد دلَّ أمته على أبواب الخير وحذرها من أبواب الشر. فمن تمام محبته ﷺ أن تُتَّبع سنته، وتُقدَّم هدايته على آراء الرجال وأهواء النفوس، وأن يُحذر من رد شيء من هديه بعد ثبوته وصحة دلالته.

 

9 – فيه: أن وظيفة الداعية النصيحةُ والبيانُ والتحذيرُ،

ففي الحديث تشبيه بليغ لحال الناصح الذي يبذل وسعه في حماية الناس من الهلاك، ولا يألو جهدًا في إرشادهم إلى سبيل النجاة. فعلى الداعي إلى الله أن يكون مشفقًا على المدعوين، حريصًا على هدايتهم، صابرًا على ما يلقاه في سبيل الدعوة، متبعًا في ذلك هدي النبي ﷺ، بعيدًا عن الغلظة المنفرة والهوى المذموم.

 

10 – فيه: أن الداعية لا يملك هداية التوفيق للناس،

فالنبي ﷺ أبلغ البلاغ، وأعظم النصح، ومع ذلك لم يؤمن به كل من دعاه. فدلَّ ذلك على أن هداية الدلالة والإرشاد شيء، وهداية التوفيق والإلهام شيء آخر؛ فالأولى تكون ببيان الحق والدلالة عليه، وأما الثانية فهي إلى الله تعالى، يهدي من يشاء بفضله وحكمته.

 

قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]

 

11 – فيه: إثبات عذاب النار، وأنها دارٌ أعدها الله لمن استحقها،

ففي الحديث: تحذير صريح من النار، وهو دليل على وجوب الإيمان بها، وبما أخبر الله به ورسوله ﷺ من شأنها. وليس ذكر النار في النصوص الشرعية لمجرد التخويف، بل ليأخذ المؤمن أهبته، ويستعد للقاء ربه بالتوبة والإيمان وصالح الأعمال.

 

12 – فيه: أن التوبة من أعظم أسباب الوقاية من النار.

فالعبد مهما قصَّر في جنب الله، فإن باب التوبة مفتوح ما لم يأتِ أجله أو تطلع الشمس من مغربها.

ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم التوبة والاستغفار، ووعد التائبين بالمغفرة، فلا ينبغي للمؤمن أن يقنط من رحمة الله، ولا أن يغتر بسعة حلمه فيتمادى في الذنوب.

 

13 – فيه: ضرورة المبادرة إلى الطاعة قبل فوات الأوان،

فإن الإنسان في هذه الدنيا يمهل ولا يهمل، وأيامه مراحل تقربه من أجله، وكل يوم ينقضي يطوي صفحة من عمره. فمن عقل حقيقة الدنيا لم يؤخر التوبة، ولم يسوِّف في الطاعة، ولم يقل: سوف أتوب غدًا؛ فإن الغد غيب، والعمر قصير، والأجل مستور.

 

14 – فيه: أن كثرة التحذير من الشر من تمام النصح،

فالنبي ﷺ لم يكتفِ بالدلالة على الخير، بل حذَّر من النار وأسبابها، وهذا يدل على أن التربية الشرعية تجمع بين الترغيب والترهيب، وبين البشارة والإنذار. فالمؤمن يسير إلى الله بقلبٍ يجمع محبته ورجاء رحمته والخوف من عقابه، فلا يأمن مكره، ولا يقنط من روحه.

 

15 – فيه: أن سلامة القلب تحتاج إلى مجاهدة مستمرة،

فالإنسان سريع التأثر بالشهوات والشبهات، وقد يعرف الحق ثم تضعف نفسه عن العمل به، أو يستقيم زمنًا ثم تعرض له أسباب الفتنة. ولهذا يحتاج إلى دوام مراقبة الله، ومحاسبة النفس، وملازمة الذكر والطاعة، وصحبة أهل الاستقامة الذين يذكرونه إذا غفل، ويعينونه إذا ضعف.

 

16 – فيه: التحذير من الاغترار بكثرة السالكين إلى الباطل،

فوقوع الفراش والجنادب في النار لا يجعل النار مأمنًا، ولا يجعل الاقتراب منها صوابًا. وكذلك كثرة من يسلك طريقًا مخالفًا للشرع لا تدل على صحة ذلك الطريق؛ فالحق يُعرف بالدليل، لا بكثرة الأتباع، ولا بشهرة الأقوال، ولا بما تألفه النفوس.

 

17 – فيه: أن محبة النبي ﷺ تقتضي امتثال أمره واجتناب نهيه،

فمن زعم محبته ﷺ، ثم أعرض عن سنته، فقد ناقض مقتضى المحبة بقدر إعراضه. وإنما تظهر المحبة الصادقة في تعظيم أمره، واتباع هديه، والوقوف عند حدوده، والدفاع عن سنته بالعلم والعدل، لا بالغلو فيه ولا بمخالفة ما جاء به.

18 – فيه: فضل العلم الشرعي في معرفة طريق النجاة،

فلا يمكن للعبد أن يحذر أسباب النار على الوجه الصحيح إلا بمعرفة ما حرَّمه الله وما أوجبه، وما صح عن رسوله ﷺ وما لم يصح. ومن هنا تظهر منزلة العلم الشرعي؛ إذ به يعرف المرء الحق من الباطل، والسنة من البدعة، والطاعة من المعصية، فيعبد الله على بصيرة.

 

19 – فيه: وجوب الصبر على الدعوة إلى الله _تعالى_،

فإن الداعي قد يرى من بعض الناس إعراضًا عن النصيحة، أو إصرارًا على الخطأ، أو نفورًا من الحق، فلا ينبغي أن يحمله ذلك على اليأس أو ترك البيان. بل يصبر، ويخلص النية لله، ويتحرى الحكمة، ويستعين بربه، مع علمه أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

 

20 – فيه: أن النجاة الحقيقية ليست في لذة الدنيا، بل في السلامة من النار والفوز بالجنة، فكم من إنسانٍ فرِح بما جمع من متاع الدنيا، وغفل عما أمامه من أهوال الآخرة،

وكم من عبدٍ صبر عن المحرمات، وترك ما تهواه نفسه ابتغاء مرضاة الله، فكان عاقبة أمره الفوز والكرامة. فالسعيد حقًّا من جعل الآخرة أكبر همِّه، وأصلح سريرته وعلانيته، وعمل لما بعد الموت.

 

21 – فيه: أن التحذير من النار من أعظم أبواب الرحمة بالخلق،

فقد يظن الجاهل أن الناصح الذي يحذره من المعصية يريد التضييق عليه، وليس الأمر كذلك؛ فإن الطبيب الناصح قد يمنع المريض مما يشتهيه حفظًا لصحته، وكذلك الداعي إلى الله يحذر الناس مما يضرهم في دينهم وآخرتهم، وإن خالف ذلك أهواءهم العاجلة. فالرحمة ليست في ترك الناس لما يضرهم، وإنما في إرشادهم إلى ما يصلحهم.

 

22 – فيه: أن البلاغة النبوية تقوم على ضرب الأمثال لتقريب المعاني،

فقد قرَّب النبي ﷺ المعنى الغيبي، وهو خطر النار وحرصه على نجاة أمته، بمشهد محسوس يدركه الناس: رجل يوقد نارًا، ثم يحاول إبعاد الحشرات عنها. وهذا من كمال بيانه ﷺ، إذ يقرِّب المعاني العظيمة إلى الأذهان بأمثلة واضحة، فتكون أرسخ في الفهم وأبلغ في التأثير.

 

23 – فيه: أن على المسلم أن يقبل النصيحة ممن أراد به الخير،

فمن أعظم أسباب الخذلان أن يرد المرء نصح الناصحين، ويستثقل تذكير المذكرين، ويأنف من الاعتراف بخطئه.

وأما صاحب العقل والدين فإنه يفرح بمن يبصره بعيوبه، ويدله على الصواب، ويحذره من عواقب الانحراف، وإن جاءت النصيحة على خلاف ما تهواه نفسه.

 

24 – فيه: أن الإصرار على المعصية مع العلم بخطرها أشد من الوقوع فيها مع الجهل،

فإذا علم العبد أن طريقًا ما يفضي إلى الهلاك، ثم أصر على سلوكه معرضًا عن التحذير، فقد جمع إلى المخالفة الإعراض عن النصيحة. ولهذا كان من واجب المسلم أن يبادر إلى تصحيح خطئه إذا تبين له الدليل، وألا يجعل الكبر أو العادة أو تقليد الناس حائلًا بينه وبين الرجوع إلى الحق.

25 – فيه: أن العبد محتاج إلى سؤال الله الثباتَ على الدين،

فإن القلوب تتقلب، والفتن تتنوع، والشيطان لا يفتر عن إغواء بني آدم؛ فلا يغتر المؤمن باستقامته الماضية، ولا يأمن على نفسه من الفتنة. بل يلجأ إلى ربه، ويسأله الهداية والثبات، ويأخذ بالأسباب الشرعية التي تعينه على الطاعة وتبعده عن المعصية.

قال الله _تعالى_: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]

 

والحاصل: أن هذا الحديث من جوامع كَلِم النبي ﷺ، جمع فيه تصوير عظيم شفقته بأمته، وبيان خطر النار، والتحذير من الإعراض عن الوحي، والتنبيه على أن النفس قد تسعى إلى هلاكها إذا استرسلت مع هواها. وفيه أن طريق النجاة واضح لمن طلبه، قد بيَّنه رسول الله ﷺ أتمَّ البيان، غير أن الانتفاع به يحتاج إلى قلبٍ يقبل الحق، ونفسٍ تجاهد هواها، وعملٍ يصدق به الإيمان.

 

فحقيقٌ بالمسلم أن يتأمل هذا المثل النبوي البليغ، وأن يسأل نفسه: هل أنا ممن يستجيب لنصيحة الرسول ﷺ، فيبتعد عما حذَّر منه، ويلزم ما دلَّ عليه؟ أم أنني أسمع الموعظة ثم أعود إلى ما يضرني؟ فإن السعيد من اتعظ بغيره، وبادر إلى التوبة قبل أن يحال بينه وبينها، وعلم أن النجاة ليست بالأماني، وإنما بالإيمان الصادق والعمل الصالح، مع رحمة الله وفضله.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 266-267