شرح الحديث 160 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من رياض الصالحين

 

[160] الخامس: عن أَبي عبدِ الله النعمان بن بشير _رَضيَ الله عنهما_، قَالَ:

سمعت رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_، يقول:

«لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم:

كَانَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حتى كأنَّما يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ.

ثُمَّ خَرَجَ يَوماً، فقامَ حَتَّى كَادَ أنْ يُكَبِّرَ، فرأَى رَجلاً بَادياً صَدْرُهُ،

فَقَالَ:

«عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»

 

ترجمة النعمان بن بشير _رضي الله عنه_ :

 

وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 411):

"النُّعْمَانُ بنُ بَشِيْرِ بنِ سَعْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ الأَنْصَارِيُّ * (ع) : الأَمِيْرُ، العَالِمُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ صَاحِبِهِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ (وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ) الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ.

(مُسْنَدُهُ): مائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيْثاً. اتَّفَقَا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ، وَانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِأَرْبَعَةٍ. شَهِدَ أَبُوْهُ بَدْراً. وَوُلِدَ النُّعْمَانُ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ؛ وَسَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ الصِّبْيَانِ بِاتِّفَاقٍ." اهـ

 

وفي "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 87) لابن حبان:

"النعمان بن بشير بن سعد الانصاري أبو عبد الله، سكن الكوفة مدةً، وكان يليها لمعاوية، ثم خرج إلى الشام، فسكنها، ووَلِيَ قضاءَ دمشْقَ، وقُتِلَ بحمص، وكان عاملا لابن الزبير على حمص." اهـ

 

وفي "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 727_728) للذهبي:

"وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَوَلاهُ الْكُوفَةَ مُدَّةً، وَوَلِيَ قَضَاءَ دِمَشْقَ بَعْد فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ حِمْصَ مُدَّةً.___

وَقِيلَ: قُتِلَ بِقَرْيَةِ بِيرِينَ، قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ بَعْدَ وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ." اهـ

 

وفي "الأعلام" للزركلي (8/ 36):

النّعمان بن بَشِير (2 - 65 هـ = 623 - 684 م):

النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الله: أمير، خطيب، شاعر، من أجلاء الصحابة، من أهل المدينة. له 124 حديثا.

وجّهته نائلة (زوجةُ عثمانَ) بقميص عثمان، إلى معاوية، فنزل الشام. وشهد صِفِّيْن مع معاوية. وولي القضاء بدمشق، بعد فضالة بن عبيد سنة 53 هـ، وولي اليمن لمعاوية، ثم استعمله على الكوفة، تسعة أشهر، وعزله وولاه حمص.

واستمر فيها إلى أن مات يزيد بن معاوية، فبايع النعمان لابن الزبير. وتمرد أهل حمص، فخرج هاربا، فاتبعه خالد بْنُ خَلِيٍّ الكَلَاعِيُّ، فقتله.

وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد الهجرة.

قال ابن حزم: افتتح مروان دولته بقتله، وسيق إليه رأسه من حمص. وقيل: قتل يوم مَرْجِ رَاهِطٍ.

قال سماك بن حرب: كان من أخطب من سمعت. له " ديوان شعر - ط "،

وهو الّذي تنسب إليه "مَعَرَّةُ النعمانِ" بلدُ أبي العلاء المعَرِّيِّ: كانت تعرف بالمعرة، ومر بها النعمان صاحب الترجمة، فمات له ولد، فدفنه فيها، فنسبت إليه، وكانت له ذرية في المدينة وبغداد." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

عن أَبي عبدِ الله النعمان بن بشير _رَضيَ الله عنهما_، قَالَ:

سمعت رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_، يقول:

«لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[1]، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم:

كَانَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حتى كأنَّما يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ.[2]

ثُمَّ خَرَجَ يَوماً، فقامَ حَتَّى كَادَ أنْ يُكَبِّرَ، فرأَى رَجلاً بَادياً صَدْرُهُ[3]،

فَقَالَ:

«عِبَادَ الله، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[4]

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (2 / 178):

"قِيلَ: مَعْنَاهُ يَمْسَخهَا وَيُحَوِّلهَا عَنْ صُوَرهَا لِقَوْلِهِ _صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: (يَجْعَل اللَّه تَعَالَى صُورَته صُورَة حِمَار)،

وَقِيلَ: يُغَيِّر صِفَاتهَا.

وَالْأَظْهَر _وَاَللَّه أَعْلَم_: أَنَّ مَعْنَاهُ يُوقِع بَيْنكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء وَاخْتِلَافَ الْقُلُوب، كَمَا يُقَال: (تَغَيَّرَ وَجْه فُلَان عَلَيَّ)، أَيْ: ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهه كَرَاهَةٌ لِي وَ(تَغَيَّرَ قَلْبه عَلَيَّ) لِأَنَّ مُخَالَفَتهمْ فِي الصُّفُوف مُخَالَفَة فِي ظَوَاهِرهمْ. وَاخْتِلَاف الظَّوَاهِر سَبَبٌ لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِن." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 288_289):

واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في معنى مخالفة الوجه.

* فقال بعضهم:

إن المعنى: أن الله يخالف بين وجوههم مخالفة حسية، بحيث يلوي الرقبة، حتى يكون وجه هذا مخالفاً لوجه هذا، والله على كل شيء قدير، فهو _عز وجل_ قلَب بعضَ بني أدم قِردةً، قال لهم: (كونوا قردة)، فكانوا قردة،

فهو قادر على أن يلوي رقبة لإنسان حتى يكون وجهه من عند ظهره، وهذه عقوبة حسية.

* وقال بعض العلماء:

بل المراد بالمخالفة: المخالفة المعنوية،

يعني مخالفة القلوب؛ لأن القلب له اتجاه، فإذا اتفقت القلوب على وجهة واحدة، حصل في هذا الخيرُ الكثيرُ. وإذا اختلفت، تفرقت الأمة.

فالمراد بالمخالفة: مخالفة القلوب، وهذا التفسير أصح؛ لأنه قد ورد في بعض الألفاظ: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) . وفي رواية: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) [م][5].___

وعلى هذا فيكون المراد بقوله: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، أي: بين وجهات نظركم، وذلك باختلاف القلوب." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (10/ 236):

"قال الجامع عفا الله عنه:

"عندي أن حمله على ظاهر الحديث أولى، ولا ينافي ذلك وقوع تخالف قلوبهم الذي دل عليه حديث: "أو ليخالفن الله بن قلوبكم"، وحديث: "لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، ولا بعد في حصول الأمرين, كما دلت النصوص عليه، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان." اهـ

 

قال أبو فائزة: هذا ما أميل إليه، والله أعلم.

 

المعنى الإجمالي للحديث

 

يبين النبي _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الحديث عنايةَ الشريعة العظيمة بإقامة صفوف المصلين وتسويتها؛ فقد كان _صلى الله عليه وسلم_ يتولى تسوية صفوف أصحابه بنفسه، ويأمرهم أن يتراصوا ويستقيموا فيها، حتى تكون الصفوف منتظمةً متساويةً، لا يتقدم فيها أحد على أحد، ولا يكون فيها خلل أو فرج.

 

وشبَّه النعمان _رضي الله عنهما_ شدةَ عناية النبي _صلى الله عليه وسلم_ بتسوية الصفوف بأنها كانت كأنه يسوِّي بها القداح، أي كأنما يقوم بتقويم السهام وتسويتها وإحكام استقامتها.

 

ثم بيَّن أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ظل يعلّم أصحابه هذا الأدبَ، ويكرر عليهم الأمر به، حتى إذا رأى أنهم عقلوا عنه، أي: فهموا أمره وأدركوا مراده واستقر ذلك في نفوسهم، لم يَعُدْ محتاجًا إلى مباشرتهم كل مرة بالتسوية.

 

ثم خرج يومًا ليصلي بهم، وكاد أن يكبر تكبيرة الإحرام، فرأى رجلًا باديًا صدرُه، أي: متقدمًا بصدره عن صف المصلين، أو خارجًا عن سمت الصف، فأنكر ذلك _صلى الله عليه وسلم_ عليه، ونادى أصحابه محذرًا: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».

 

ومعنى قوله: «أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»: أن ترك تسوية الصفوف سبب للوعيد الشديد،

وقد اختلف أهل العلم في تفسير المخالفة بين الوجوه؛

* فقيل: المراد أن الله يوقع بين القلوب والوجوه اختلافًا وتباغضًا وتنافرًا،

* وقيل: المراد تغيير الوجوه والعقوبة،

* وقيل غير ذلك.

 

والمقصود أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ شدد في أمر الصفوف، ونبّه إلى أن الاختلاف الظاهر في صفوف الصلاة قد يكون سببًا لاختلاف القلوب وتفرقها.

 

فدل الحديث على أن تسوية الصفوف ليست من الأمور الشكلية التي لا عناية بها، بل هي من هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ ومن كمال إقامة الصلاة، وفيها إظهارُ وحدة المسلمين وائتلافِهم، وإزالةُ أسباب التنازعِ والتفرقِ، وتعويدُ النفوس على النظام والطاعة والامتثال لأمر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 145) (رقم: 717)، مسلم في "صحيحه" (1/ 324/ 127_128) (رقم: 436)، وأبو داود في "سننه" (1/ 178) (رقم: 662_663)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 438) (رقم: 227)، النسائي (2/ 89) (رقم: 810)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 430) (رقم: 886)، ابن ماجه في "سننه" (1/ 318) (رقم: 994)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 340) (رقم: 1085)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 736) (رقم: 3972).

 

فوائد الحديث:

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (4 / 250):

"واعلم أن الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمةَ وشرَّفها به؛ فإنهم أشبهوا بذلك صفوفَ الملائكةِ في السماء، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا:

{وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} [الصافات: 165]،و

أقسم بالصافات صفا ، وهم الملائكة .

وفي "صحيح مسلم" عن حذيفة، عن النبي _صلى الله عليه وسلم_، قالَ: (فضلنا على الناس بثلاث: جعِلتْ صفوفُنا كصفوف الملائكة)، الحديثَ.

وفيه - أيضا - عن جابر بن سمرة، قالَ:

خرج علينا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فقالَ: (ألا تصُفُّون كما تصُفُّ الملائكةُ عندَ ربها؟)،

فقلنا: "يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟

قالَ: (يُتِمُّوْنَ الصفوف الأولى، ويتراصُّوْنَ في الصفِّ) ." اهـ

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (8 / 453_454):

"وهذا وعيد لمن لم يُقِمِ الصفوفَ بعذاب من جنس ذنبهم لاختلافهم في مقامهم.

وقيل: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب يقال تغير وجه فلان علي أي ظهر لي من وجهه كراهية في وتغير لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في الظاهر واختلاف الظاهر سبب لاختلاف الباطن

وقيل: هو على حقيقته والمراد___تَشْوِيه الْوَجْه بتحويل خلقه عَن وَضعه بجعله مَوضِع الْقَفَا، وَهَذَا نَظِير الْوَعيد فِيمَن رفع رَأسه قبل الإِمَام أَنْ يَجْعَل الله رَأسه راس حمَار،

وَيُؤَيّد حمله على ظَاهره مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة بِلَفْظ: (لتسون الصُّفُوف أَو لتطمسن الْوُجُوه)." اهـ

 

[تعليق]:

حديث أبي أمامة: أخرجه أحمد في "المسند" – ط. عالم الكتب (5/ 258) (رقم: 22225). ضعفه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (36/ 559) قائلا: "إسناده ضعيف جداً، عبيد الله بن زَحْر _وهو الإفريقي_، وعلي بن يزيد -وهو الألهاني- ضعيفان." اهـ

وضعفه كذلك الألباني _رحمه الله_ في "ضعيف الترغيب والترهيب" (1/ 144) (رقم: 266)، و"ضعيف الجامع الصغير وزيادته" (ص: 671) (رقم: 4653).

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (8 / 455):

"ذكر ما يستفاد منه:

* فيه: الأمر بتسوية الصفوف، وهي من سنة الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك. وزعم ابن حزم أنه فرض، لأن إقامة الصلاة فرضٌ، وما كان من الفرض فهو فرض.

قال: فإن تسوية الصف من تمام الصلاة.

فإن قلت: الأصل في الأمر الوجوب، ولا سيما فيه الوعيد على ترك تسوية الصفوف، فدل على أنها واجبةٌ.

قلت: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدا وتحريضا على فعلها كذا قاله الكرماني.

وليس بسديد، لأن الأمر المقرونَ بالوعيد يدل على الوجوب، بل الصواب: أن يقول: فلتكن التسوية واجبةً بمقتضى الأمر." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (4 / 248):

"وظاهر هذا الوعيد: يدل على تحريم ما توعد عليهِ .

وقد خرج البيهقي حديث سماك، عن النعمان الذي خرَّجه مسلم بزيادة في آخره، وهي: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم يوم القيامة) .

وهذه الزيادة تدل على الوعيد على ذَلِكَ في الآخرة، لا في الدنيا." اهـ

 

وقال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353هـ) _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (2/ 15):

"وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى وُجُوبِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 289):

"وعلى كل حال، ففي هذا: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وأنه يجب على المأمومين أن تسوى صفوفهم، وأنهم إن لم يفعلوا ذلك، فقد عرضوا أنفسهم لعقوبة الله والعياذ بالله.

وهذا القول ـ أعني وجوب تسوية الصف ـ هو الصحيح، والواجب على الأئمة أن ينظروا في الصف، فإذا وجدوا فيه اعوجاجاً أو تقدماً أو تأخراً، نبهوا على ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ـ أحياناً -يمشي على الصفوف يسويها بيده الكريمة ـ عليه الصلاة والسلام ـ، من أول الصف لآخره،

ولما كثر الناس في زمن الخلفاء، أمر عمر بين الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رجلاً يسوي الصفوف إذا أقيمت الصلاة، فإذا جاء وقال إنها قد سويت كبر للصلاة،

وكذلك فعل عثمان ـ رضي الله عنه ـ، وكل رجلاً يسوي صفوف الناس، فإذا جاء وقال قد استوت كبر.

وهذا يدل على اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بتسوية الصف.

ولكن مع الأسف الآن نجد أن المأمومين لا يبالون بالتسوية، يتقدم إنسان ويتأخر إنسان ولا يبالي، وربما يكون مستوياً مع أخيه في أول الركعة، ثم عند السجود يحصل من الاندفاع تقدم أو تأخر، ولا يساوون الصف في الركعة الثانية، بل يبقون على ما هو عليه، وهذا خطأٌ،

فالمهم أنه يجب تسوية الصف.

فإذا قال قائل: إذا كان هناك إمام ومأموم فقط، فهل يتقدم الإمام___قليلاً، أو يسوي المأموم؟

فالجواب: أنه يساوي المأموم؛ لأنه إذا كان إمام ومأموم، فالصف واحد، لا يمكن أن يكون المأموم خلف الإمام وحده، بل هم صف واحد، والصف الواحد يسوى فيه خلافاً لما قال بعض أهل العلم إنه يتقدم الإمام قليلاً؛ لأن هذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وهو أن يسوي بين الإمام والمأموم إذا كانا اثنين." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 290):

"فدل ذلك على أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتفقد الصف، وأنه يتوعد من تقدم على الصف بهذا الوعيد: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) .

فعلينا أن نبين هذه المسألة لأئمة المساجد، وكذلك للمأمومين حتى ينتبهوا لهذا الأمر، ويعتنوا بشأن تسوية الصف، ولا يحصل تهاون بين الناس. والله الموفق." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (5/ 114_115):

"ومعلوم: أن الاختلاف الظاهر يؤدي إلى اختلاف الباطن، فإذا اختلف الناس فيما بينهم ظاهرا أدى ذلك إلى اختلاف القلوب. وإذا اختلفت القلوب، صار الشر والفسادُ _والعياذ بالله_.

وخلاصة هذا الباب كله أننا مأمورون بتسوية الصفوف على النحو التالي:

1/ تسوية الصف بالمحاذاة بحيث لا يتقدم أحد على أحد، ولهذا كان الصحابة يلصق أحدهم قدمه بقدم صاحبه ومنكبه بمنكبه.

وفي هذا الوصف: دليل على فساد فهم هؤلاء الذين إذا وقفوا في الصف فتحوا بين أرجلهم حتى تكون القدم لاصقة بالقدم، لكن المناكب متباعدة.

وهذا بدعة، ليس من السنة. السنة أننا نتراض جميعا بحيث يلصق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب،

2/ تسوية الصف بإكمال الأول، فالأول، بحيث لا يصُفُّ أحدٌ في الصف الثاني، والأولُ لَمْ يَتِمَّ، أو في الثالث والثاني لم يتم ...إلخ

3/ أن الأَوْلى" إذا اجتمع رجال ونساء أن تبتعد النساء عن الرجال، فإن خيْرَ صفوفِ النساء آخرُها، وشرُّها أوَّلُهَا،

4/ سد الفُرج، ألا ندع للشياطين فرجا يدخلون من بينها لأن___الشياطين تسلط على بني آدم ابتلاءً من الله وامتحانا،

فإذا وجدوا فرجة في الصف، تخللوا المصلين حتى يشوِّشوا عليهم صلواتهم،

ومن تمام الصفوف:

5/ إذا كانوا ثلاثة، فإنه يتقدم أحدهم إماما، ويكون الباقيان خلفه، وإن كان بالغين أو صغيرين أو بالغٌ وصغيرٌ، كلهم يكونون خلفه، لأن ذلك ثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ في صلاة النفل. وصلاة الفرض مِثْلُ صلاةِ النفل، إلا إذا قام دليلٌ على الفرق بينهما، والله الموفق." اهـ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "فيض القدير" (4 / 300):

"قال ابن الملقن:

وفيه: الاهتمام بآداب ثمانية:

* تسوية الصفوف، سيما للإمام،

* وأمر المتهاونين فيها به،

* وترك المواجهة بالموعظة،

* وتحسين القول بقوله: "عباد الله"، ولم يقل: "أيها المسيئون"،

* والاحتفال بالإرشاد وتكريره حتى يرى أنه قد عقل،

* وإنذار المتعرض للهلاك بجهله وإيضاحُه له،

* وأخذ الحذر من الشِقَاقِ، وتخالُفِ الوجوهِ،

* وترك احتقار شيء من السنن." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 130):

"في هذا الحديث: وعيدٌ شديد على من لم يسوَّ الصفوف، والحثّ على تسويتها، وجواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (4/ 157):

"وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ،

وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَمَنَعَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ لمصلحة الصلاة أو لغيرها أولا لِمَصْلَحَةٍ." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 631):

"وفي الحديث: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.

وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة. " اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (10/ 264_265):

"في فوائده:

1 - (منها): حرص النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على تسوية الصفوف، وشدّة اهتمامه بها، حتى يقوم بنفسه حقّ القيام.

2 - (ومنها): أن فيه الحثَّ على تسويتها.

3 - (ومنها): جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة،

قال___النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وهذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، ومنعه بعض العلماء، والصواب الجواز، وسواء كان الكلام لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة. انتهى ["شرح النوويّ" 4/ 157].

4 - (ومنها): أنه دليلٌ على أن تسوية الصفُوف واجبة، وأن التفريط فيها حرام؛ لأن هذا الأمر المقرون بالوعيد، وأمثاله لا يكون إلا على ترك واجب، وهذا هو القول الصحيح المختار، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ

 

وقال شرف الحق العظيم آبادي (المتوفى: 1329 هـ) _رحمه الله_ في "عون المعبود" (2/ 256)

قَالَ [شمس الحق العظيم آبادي] فِي "التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي":

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى اهْتِمَامِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَأَنَّهَا مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ بَعْضُ عَلَى بَعْضٍ وَلَا يَتَقَدَّمُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَعَلَى أَنَّهُ يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ لَكِنِ الْيَوْمَ تُرِكَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ وَلَوْ فُعِلَتِ الْيَوْمَ لَنَفَرَ النَّاسُ كَالْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ." اهـ

 

قال الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (المتوفى: 806 هـ) _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 326):

ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى إقَامَةِ الصَّفِّ أُمُورًا:

(أَحَدُهَا) حُصُولُ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ ظَاهِرٌ كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بَاطِنًا.

(ثَانِيهَا) لِئَلَّا يَتَخَلَّلَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيُفْسِدَ صَلَاتَهُمْ بِالْوَسْوَسَةِ كَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ.

(ثَالِثُهَا) مَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ.

(رَابِعُهَا) أَنَّ فِي ذَلِكَ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ مَعَ كَثْرَةِ جَمْعِهِمْ فَإِذَا تَرَاصُّوا وَسِعَ جَمِيعَهُمْ الْمَسْجِدُ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ضَاقَ عَنْهُمْ.

(خَامِسُهَا) أَنْ لَا يَشْغَلَ بَعْضُهُمَا بَعْضًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَشْغَلُهُ مِنْهُ إذَا كَانُوا مُخْتَلِفِينَ وَإِذَا اصْطَفُّوا غَابَتْ وُجُوهُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَكَثِيرٌ مِنْ حَرَكَاتِهِمْ وَإِنَّمَا يَلِي بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ظُهُورَهُمْ." اهـ

 

وقال شهاب الدين أبو عبد الله فضل الله بن حسن، الشهير بـ"التُّورِبِشْتِي" (المتوفى: 661 هـ) _رحمه الله_ في "الميسر في شرح مصابيح السنة" (1/ 290):

"والتأويل الأحسن والوجه الأسدُّ:

أن نقول: نهاهم عن التسامح في اختلاف الأبدان دون القيام في صف الصلاة بين يدي الله تعالى فإنهم إذا فعلوا ذلك عوقبوا باختلاف القلوب، ويفضي بهم اختلاف القلوب إلى اختلاف الوجوه بإعراض يعضهم عن بعض." اهـ

 

وقال تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي المصري الشافعي ، المعروف بـ"ابن دقيق العيد القُشيري" (المتوفى: 702 هـ) _رحمه الله_ في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/ 219):

"وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ يُوَكِّلُ بِالنَّاسِ مَنْ يُسَوِّي صُفُوفَهُمْ." اهـ

 

وقال علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن الدمشقي الشافعي، الشهير بـ"علاء الدين ابن العطار" (المتوفى: 724 هـ) _رحمه الله_ في "العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار" (1/ 411_422):

"وفي الحديث فوائد:

* منها: أنه ينبغي للإمام والراعي: أمرُ أتباعِه بالخير، ومراقبتهُ لهم في ذلك، ظاهرًا وباطنًا، والشفقةُ عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يهمل واحدًا منهم، وألَّا يخصه بالمخاطبة؛ بل يعمهم جميعَهم بالخطاب، وإن وقعت المخالفة من واحد منهم.

* ومنها: الحثُّ على تسوية الصفوف، وتسويتها بنصَّ الإمام؛ ولهذا كان عمر - رضي الله عنه - يوكل بتسويتها رجالًا؛ فلو تركه الإمام، فعله المصلون، وأمرَ بعضُهم بعضًا بها، وشرع لكل أحد الأمرُ بها، وتسويتها.

والسر في تسويتها: موافقةُ الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم -، وقد ورد في حديث: "صُفُّوا كما تَصُفُّ الملائكةُ" [م]، والمطلوب منها: محبةُ الله تعالى لعباده.

* ومنها: التحذيرُ من المخالفة؛ في الظاهر والباطن، والحثُّ على الموافقة، في الظاهر والباطن.

* ومنها: أنه لا تُهمل مخالفةٌ، حتى لو حصل الامتثالُ من الجميع، وتخلَّفَ واحد، خُشي من شؤمه عليهم.

* ومنها: شرعيةُ الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة؛ إذا كان لمصلحة الصلاة، ويقاس عليه: ما كان مصلحةً شرعية، وخُشي فواتُها.

واختار جماهير العلماء؛ من الشافعية، وغيرهم: الكلامَ مطلقًا، ومنعه بعضُهم.___

والصواب: الجوازُ؛ سواء كان لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة؛ لكنه إذا كان لا لمصلحة، كان مكروهًا.

* ومنها: كراهةُ التقدم على المأمومين في الصف؛ سواء كان التقدم بقدميه، أو بمنكبيه، أو بجميع بدنه؛ فإنه إذا كان - صلى الله عليه وسلم - منعَ باديَ الصدرِ، الذي لا يظهر فيه كبيرُ مخالفة في التسوية، وهدَّد من فعله، فما ظنك بغيره؛ من البدن، والقدم، والمنكب!!

 * ومنها: جوازُ التمثيل للأمور المأمور بها، بعضِها ببعض؛ فإن تسوية الصف مأمور بها، وتسوية القداح مأمورٌ بها؛ ومثل تسوية الصف بتسوية القداح.

ومنها: اختبار الإمام أو المعلم أتباعَه، بعدَ فهمهم عنه.

* ومنها: التهديدُ على المخالفة، والتوكيدُ للتحذير، والله أعلم." اهـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن سيد الناس، اليَعْمَرِي الرَّبْعِيُّ[6]، أبو الفتح، فتح الدين (المتوفى: 734 هـ) _رحمه الله_ في "النفْح الشَّذِيْ شرْحِ جامِعِ الترمذي – ط. الصميعي (4/ 210):

"فيه التنبيه على كيفية التسوية، وأن القدر اليسير من الاختلاف بها غير محتمل وتسوية الصفوف عندهم اعتدال القائمين بها على سمت واحد،

وقد تدل تسويتها أيضًا على سد الفرج وكلاهما مطلوب،

وقد تقدم في حديث عائشة. "ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة"، وفي حديث ابن عمر: "وسدوا الخلل"، وقد روي عن ابن عمر من قوله: لأن تخر ثنيتاي أحب إليّ من أن أرى في الصف خللًا فلا أسده.

 

وقال أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيِّ» (المتوفى: سنة 1176 هـ) _رحمه الله_ في "حجة الله البالغة" (2/ 43):

"كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمرهم بالتسوية والاتباع، ففرطوا، وسجل عَلَيْهِم، فَلم ينزجروا، فغلظ التهديد، وأخافهم إِن أصروا على الْمُخَالفَة أَن يلعنهم الْحق؛ إِذْ منابذة التدليات الإلهية جالبة للعن، واللعن إِذا أحَاط بِأحد يُورث المسخ،

أَو وُقُوع الْخلاف بَينهم، والنكتة فِي خُصُوص الْحمار أَنه بَهِيمَة يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْحمق والإهانة، كَذَلِك هَذَا العَاصِي غلب عَلَيْهِ البهيمية والحمق،

وَفِي خُصُوص مُخَالفَة الْوُجُوه أَنهم أساءوا الْأَدَب فِي إِسْلَام الْوَجْه لله، فجوزوا فِي الْعُضْو الَّذِي أساءوا بِهِ، كَمَا فِي كي الْوُجُوه، أَو اخْتلفُوا صُورَة بالتقدم والتأخر، فجوزوا بالاختلاف معنى والمناقشة.

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في "سبل السلام" (1/ 374):

"وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَالْوَعِيدُ الَّذِي فِيهَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا تَسَاهَلَ فِيهِ النَّاسُ كَمَا تَسَاهَلُوا." اهـ

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (ص: 129):

"الأحكام المأخوذة:

1- ظاهر الحديث، وجوب تعديل الصفوف، وتحريم تعويجها، للوعيد الشديد.

ولكن يوجد في بعض الأحاديث الصحيحة ما يخفف من حدة هذا التأكيد فيصرفْ إلى استحباب تعديلها، والكراهة الشديدة لاعوجاجها، وذلك مأخوذ من الحديث السابق وهو " إن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ".

2- شدة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بإقامة الصفوف، فقد كان يتولى تعديلها بيده الكريمة وهذا يدل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام.

3- أن الجزاء من جنس العمل، فقد توعد بمخالفة وجوههم مقابل مخالفة صفوفهم.

4- غضب النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف الصف، فيقتضي الحذر من ذلك.

5- فيه جوازَ كلامَ الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.

 

ملحق الفوائد:

 

هذا الحديث من الأحديث المهمة في بيان كيفية الصفوف في الصلاة، وقد اشتمل على جملة من الفوائد العظيمة والدروس المفيدة، منها:

١. في الحديث: بيان عناية النبي _صلى الله عليه وسلم_ بتسوية صفوف الصلاة، فقد كان _صلى الله عليه وسلم_ يتعاهد الصفوف بنفسه، ولا يرضى أن يرى فيها خللًا أو اعوجاجًا، مما يدل على أهمية هذا الأمر في الصلاة.

٢. فيه: مشروعية تسوية الصفوف قبل الدخول في الصلاة، فينبغي للإمام أن يتفقد صفوف المصلين قبل تكبيرة الإحرام، وأن ينبههم إلى سد الخلل واستقامة الصفوف.

٣. فيه: أن تسوية الصفوف من هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وسنته، فقد كان _صلى الله عليه وسلم_ يفعل ذلك بنفسه، ويعلّم أصحابه كيفية القيام في الصفوف، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على هذه السنة وألا يتركها بلا مبالاة.

٤. فيه: الحث على التراص في الصفوف وسد الفُرَج، فلا ينبغي للمصلين أن يتركوا فراغات واسعة بينهم، بل يسدون ما يظهر من خلل في الصف بحسب السنة.

٥. فيه: أهمية انتظام المسلمين عند اجتماعهم للعبادة، فوقوفهم في صفوف مستقيمة متراصة يظهر اجتماعهم واتحادهم، ويزيل مظاهر الفوضى والاختلاف بينهم.

٦. فيه: أن الإمام مسؤول عن تعليم المصلين وإرشادهم إلى ما يصلح صلاتهم، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن يكتفي بالصلاة بالناس، بل كان يعلمهم آداب الصلاة وأحكامها، ومن ذلك تسوية الصفوف.

٧. فيه: جواز تنبيه المصلين قبل الصلاة إذا ظهر منهم خلل، فالإمام إذا رأى اعوجاجًا في الصف أو تقدم بعض المصلين وتأخر بعضهم، شرع له أن ينبههم حتى يستقيموا.

٨. فيه شدة اهتمام النبي _صلى الله عليه وسلم_ بإصلاح الأمور الصغيرة التي تتعلق بالعبادة، فمع أن الخلل في الصف قد يبدو لبعض الناس أمرًا يسيرًا، كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يهتم بإصلاحه، مما يدل على أن المسلم لا ينبغي أن يستهين بشيء من هدي الشريعة.

٩. فيه: أن انتظام الظاهر يعين على اجتماع القلوب، فوقوف الناس على هيئة واحدة يربيهم على معنى الاجتماع والائتلاف، ويذكرهم بأنهم إخوة يجمعهم دين واحد وقبلة واحدة وعبادة واحدة.

١٠. فيه: التحذير من الاختلاف والتنازع، فقوله _صلى الله عليه وسلم_: «أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»، ففيه وعيد شديد، وفيه تنبيه إلى خطورة أسباب التفرق والاختلاف.

١١. فيه: أن الطاعة تكون بالامتثال، لا بمجرد سماع الأمر، فالصحابة رضي الله عنهم لما أمرهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ بتسوية الصفوف، امتثلوا وتعلموا حتى قال أنس رضي الله عنه: «حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ»، أي فهمنا عنه وأدركنا مراده.

١٢. فيه: فضل الصحابة _رضي الله عنهم_ في سرعة الاستجابة لأمر النبي _صلى الله عليه وسلم_، فكانوا يتعلمون منه، ثم يطبقون ما تعلموه، ولم يكونوا يتعاملون مع سنته على أنها مجرد معلومات، بل كانوا يحولونها إلى عمل.

١٣. فيه أن التعليم يحتاج إلى التكرار والمتابعة، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يسوي صفوفهم مرارًا حتى استقر ذلك في نفوسهم، وفي هذا درس للمعلّم والداعي في عدم الملل من تكرار التعليم عند الحاجة.

١٤. فيه: استعمال النبي _صلى الله عليه وسلم_ الأسلوب القوي في الوعظ عند الحاجة، فقد كان _صلى الله عليه وسلم_ رحيمًا بأصحابه، ومع ذلك استعمل الوعيد عندما رأى خللًا يحتاج إلى تنبيه شديد، مما يدل على أن الحكمة ليست دائمًا في اللين، بل يوضع لكل مقام ما يناسبه.

١٥. فيه: أن حسن النظام من محاسن الشريعة، فالشريعة جاءت بتنظيم صفوف الصلاة، واجتماع الناس على هيئة واحدة، وهذا يربي المسلم على الانضباط وحسن الترتيب.

١٦. فيه: فضل المحافظة على السنن العملية، فتسوية الصفوف من السنن التي تتكرر في كل صلاة جماعة، والمحافظة عليها تجعل المسلم أكثر اتباعًا لهدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ في عبادته.

١٧. فيه: أن مخالفة السنة قد تبدأ بأمور صغيرة، ثم تتسع، ولهذا كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يعالج الخلل من بدايته، ولا يترك الأمر حتى يتعود الناس عليه ويصبح جزءًا من عاداتهم.

١٨. فيه: أن الإمام ينبغي أن يكون قدوةً في تطبيق السنة، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يأمر أصحابه بتسوية الصفوف، وكان هو نفسه يتفقدها ويباشر تسويتها، وهذا أكمل في التعليم وأبلغ في التأثير.

١٩. فيه: أن العبادة الجماعية تحتاج إلى مراعاة حقوق الآخرين، فالمصلي لا يقف في مكانه بالطريقة التي يريدها دون مراعاةِ مَنْ بِجَانبه، بل يقف في الصف بصورة لا تؤذي غيره ولا تخل بنظام الجماعة.

٢٠. فيه: أن السنة تجمع بين صلاح الظاهر وصلاح الباطن، فتسوية الصفوف أمر ظاهر، لكنه يربي على معنى باطن عظيم، وهو الاجتماع على الحق، وترك التفرق والتنازع.

٢١. فيه: فضل الاقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ في تفاصيل الصلاة، فالمؤمن لا يقتصر على أداء أصل الصلاة، بل يحرص على معرفة كيفية صلاة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وما كان يفعله قبلها وأثناءها.

٢٢. فيه: أن المسلم ينبغي أن يعظم أوامر النبي _صلى الله عليه وسلم_، فإذا ثبتت السنة عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فالموقف الصحيح هو القبول والانقياد، لا الاستهانة بها أو تركها لمجرد اعتياد الناس خلافها.

٢٣. فيه: أن وحدة الصف ليست مجرد شعار، بل تبدأ من أفعال عملية ظاهرة، ومن أعظمها اجتماع المسلمين في الصلاة واستقامتهم في صف واحد، مع اجتماع القلوب على الإيمان والطاعة.

٢٤. فيه: أن صلاح الجماعة يبدأ من إصلاح الأفراد، فإذا استقام كل واحد في موضعه، واستقام الصف كله، ظهر النظام في الجماعة؛ وفي ذلك إشارة إلى أن اجتماع الأمة يبدأ من قيام كل فرد بما عليه من واجب.

٢٥. فيه: الحث على تعظيم شعائر الصلاة وآدابها، فالصلاة ليست مجرد حركات تؤدى، بل لها آداب وهيئات ينبغي للمسلم أن يتعلمها ويحافظ عليها، ومن ذلك تسوية الصفوف وإقامتها.



[1] (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ)، أي: لتجعلنَّ صفوفكم مستقيمةً متراصّةً متساويةً، بحيث لا يتقدم بعض المصلين على بعض، ولا يتأخر أحد عن سمت الصف، ولا تكون بين المصلين فُرَجٌ تؤدي إلى اضطراب الصف. والمقصود بتسوية الصفوف أن يقف المصلون على هيئة واحدة، بحيث تكون مناكبهم وأقدامهم في صف منتظم، ولا يظهر فيه اعوجاج أو خلل. (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ)، هذه جملةُ وعيدٍ شديدةٌ، أي: إن لم تسووا صفوفكم وقع بكم ما حذركم منه النبي _صلى الله عليه وسلم_ من مخالفة الله بينكم.

وقد فُسرت المخالفة بين الوجوه بعدة معانٍ، فقيل: المراد اختلاف القلوب والتباغض والتنافر، وقيل: المراد أن يجعل الله بعض الوجوه في جهة وبعضها في جهة، فلا تكون متفقةً على سمت واحد، وقيل غير ذلك. والمعنى الجامع: التحذير الشديد من ترك تسوية الصفوف وما قد يترتب عليه من أسباب الاختلاف والتنافر.

[2] (كَانَ رَسُولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ يُسَوِّي صُفُوفَنَا)، أي: كان _صلى الله عليه وسلم_ يتولى تسوية صفوف أصحابه بنفسه، فيأمرهم بالاستقامة، وينظر إلى الصفوف، ويزيل ما فيها من خلل. وهذا يدل على شدة عنايته _صلى الله عليه وسلم_ بإقامة الصفوف واستقامتها. (حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ)، القِداح: جمع قِدْح، وهو السهم الذي يُستعمل في الرمي. ومعنى الكلام: كان _صلى الله عليه وسلم_ يبالغ في تسوية الصفوف مبالغةً شديدةً، حتى كأن المصلين صاروا في استقامتهم وانتظامهم كالسهام المصطفة التي تحتاج إلى تسوية وتقويم. والتشبيه يدل على دقة التسوية وشدة العناية بها، لا على مجرد الوقوف المتقارب فحسب. (حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ)، عَقَلْنَا عنه: أي فهمنا عنه أمره، ووعينا توجيهه، وأدركنا مقصوده، واستقر ذلك في نفوسنا. فالمعنى: كان _صلى الله عليه وسلم_ يستمر في تعليمهم وتسوية صفوفهم حتى رأى أنهم فهموا سنته في ذلك، وأصبحوا يعرفون كيفية تسوية الصفوف من غير حاجة إلى أن يباشر تسويتهم في كل مرة.

[3] (ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا)، أي: خرج النبي _صلى الله عليه وسلم_ من حجرته أو من بيته إلى الصلاة، وكان من عادته _صلى الله عليه وسلم_ أن يخرج إلى أصحابه ليصلي بهم. (فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ)، أي: وقف _صلى الله عليه وسلم_ في موضعه إمامًا، واستعد للدخول في الصلاة، وقارب أن يقول تكبيرة الإحرام: «الله أكبر». فهذا يدل على أن تنبيه المصلين إلى تسوية الصفوف كان قبل الشروع في الصلاة. (فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ)، باديًا: أي ظاهرًا بارزًا. والمعنى: رأى رجلًا قد برز صدره عن سمت الصف، فلم يكن واقفًا مستويًا مع بقية المصلين، بل كان صدره متقدمًا أو خارجًا عن استقامة الصف. وهذا هو الخلل الذي أنكره النبي _صلى الله عليه وسلم_ قبل أن يبدأ الصلاة.

[4] (عِبَادَ اللهِ)، هذه مناداة من النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأصحابه، وفيها تنبيهٌ لهم ورِفْقٌ بهم؛ فناداهم بوصف العبودية لله، تذكيرًا لهم بأنهم عباد الله، وأن من مقتضى عبوديتهم لله امتثال أمره وأمر رسوله _صلى الله عليه وسلم_. (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ...): تكراره لهذا الأمر عند رؤية الخلل يدل على شدة الاهتمام بتسوية الصفوف، وأن الأمر ليس من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يتهاون فيها. فالرسول _صلى الله عليه وسلم_ لم يكتف بتعليمهم ذلك مرةً واحدة، بل كان يتعاهد الصفوف ويصحح ما يظهر فيها من خلل.

[5] أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 323/ 122) (رقم: 432):

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: «فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا»

[6] قال ابن الأثير _رحمه الله_ في "اللباب في تهذيب الأنساب" (3/ 414):

"الْيَعْمرِي (بِفَتْح الْيَاء وَسُكُون الْعين وَفتح الْمِيم وَبعدهَا رَاء): هَذِه النِّسْبَة إِلَى يعمر، وَهُوَ بطن من كنَانَة وينسب إِلَيْهِ معدان بن أبي طَلْحَة وَيُقَال طَلْحَة الْيَعْمرِي." اهـ

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام