شرح الحديث 136 (باب المواقيت) من بلوغ المرام
|
136 - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_: "يَا
بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ
وَصَلَّى، أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ." رَوَاهُ
الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. |
ترجمة
جبير بن مطعم النوفلي _رضي الله عنه_:
قال المزي في
تهذيب الكمال :
(خ م د ت س ق):
جبير بن مطعم بن عدِي بن نوفل بن عبد مناف بن قصى القرشي، النوفلي، أبو محمد و قيل : أبو عدي المدني، له صحبة،
قدم على النبى _صلى
الله عليه وسلم_، المدينة فى فداء أسارى بدر، وهو مشرك، ثم أسلم بعد ذلك، قبل: عام خيبر ، و
قيل: يوم الفتح . اهـ .
قال الزبير بن
بكار: فوَلَدَ مطعِمُ بنْ عَدِيٍّ:
* جبيرا، أسلم، وروى عن رسول الله
صلى الله عليه
وسلم، وكان يؤخد عنه النسب، وهو أحد الذين دفنوا
عثمان بن عفان، وهو صلى عليه-
* وسعيدا الأكبر، وعروة، والوليد، وسعيدا الأصغر، بني مطعم
بن عدي، وأمهم: أم جميل بنت شعبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك
بن حسل بن عامر بن لؤي، وأمها أم حبيب بنت العاص
بن أمية.
و ذكره محمد بن
سعد فى الطبقة الثالثة، قال: وكان أبوه مطعم بن عدي من أشراف قريش، وكان كَافًّا
عن أذى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_،
و قال محمد بن
إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار، من بنى زريق:
"كان جبير
بن مطعم من أنسب قريش لقريش، وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبى بكر
الصديق. و كان أبو بكر الصديق من أنسب العرب.
وقال أحمد بن
عبد الله ابن البرقي: ولد جبير بن مطعم:
محمد الأكبر،
درج، ومحمد الأصغر، وأم كلثوم كانت عند سليمان بن صرد الخزاعى فولدت له.
وتوفى
بالمدينة، سنة تسع وخمسين (59 هـ)
و كذلك قال
خليفة بن خياط، والهيثم بن عدي فى تاريخ وفاته.
و قال المدائنى:
مات سنة ثمان و خمسين .
روى له الجماعة
. اهـ .
قال الحافظ في
تهذيب التهذيب 2 / 64 :
حكى ابن عبد
البر: أنه أول من لبس الطيلسان بالمدينة .
و قال العسكري:
كان جبير بن مطعم أحد من يتحاكم إليه، و قد تحاكم إليه عثمان وطلحة فى قضية، و مات
سنة ست و خمسين . اهـ .
وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى، أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ." رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. |
مسند أحمد - عالم الكتب (4/ 81):
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:
«خَيْرُ عَطَاءٍ هَذَا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ
وَيَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنْ كَانَ إليُكُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ،
فَلَأَعْرِفَنَّ مَا مَنَعْتُمْ أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ أَيَّ سَاعَةٍ
مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»
مسند الحميدي (1/ 478):
"عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدَ
الْمُطَّلِبِ أَوْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ إِنْ
وُلِّيتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ
بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»
وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (7/ 1217)
عن أبي الدرداء:
أنه طاف بعد العصر عند مغارب الشمس، فصلى ركعتين قبل
غروب الشمس، فقيل له: يا أبا الدرداء! أنتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؟! فقال:
إن هذه البلدة بلدة ليست كغيرها.
أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني " (1/396) ،
والبيهقي أيضاً (2/463) ، وإسناده صحيح، ولذلك لم يسعه إلا أن يقول بصحة الاستثناء
المذكور في حديث الترجمة، فقال:
"وهذا القول من أبي الدرداء يوجب تخصيص
المكان بذلك. والله أعلم ".
وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (5/ 165) (رقم:
21462):
عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ أَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ
الْكَعْبَةِ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ_، يَقُولُ:
«لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ
الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، إِلَّا بِمَكَّةَ،
إِلَّا بِمَكَّةَ» صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"
(7/ 1212) (رقم: 3412).
المعنى الإجمالي للحديث:
أوصى النبي _صلى الله عليه وسلم_ بني عبد مناف وبني
عبد المطلب، وهم من بطون قريش، بألَّا يمنعوا أحدًا من الطواف بالبيت الحرام
والصلاة عنده في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار، إذا كان ممن أراد أداء هذه
العبادة المشروعة.
وقد وجَّه النبي _صلى الله عليه وسلم_ هذا الخطابَ
إليهم لِمَا كان لهم من شأنٍ في خدمة البيت الحرام والقيام على بعض مصالحه، ولِمَا
يُرجى أن يكون لهم من ولاية الأمر المتعلق به.
فبيَّن لهم أن شرف المكان وفضل خدمته لا يسوِّغان منع
الناس من العبادة فيه بغير حق، بل الواجب أن يُيسَّر للمسلمين أداء ما شرعه الله
تعالى لهم من الطواف والصلاة.
وتؤكد الروايات الأخرى هذا المعنى؛ ففي رواية الحميدي
قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ وُلِّيتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا»،
أي: إن صارت إليكم ولاية أو سلطة تتعلق بهذا الشأن،
فلا تمنعوا أحدًا من الطواف بالبيت والصلاة عنده في أي وقت من الليل أو النهار.
وفي رواية الإمام أحمد وعيدٌ لمن يتولى هذا الأمر ثم
يمنع الناس من الطواف بغير حق، مما يدل على خطورة التعدي على حقوق العباد في أداء
المناسك.
والحديث وارد في سياق بيان أوقات الصلاة المتعلقة
بالطواف بالبيت الحرام؛ إذ يدل بظاهره على مشروعية الطواف والصلاة المرتبطة به في
أوقات الليل والنهار، حتى في الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها.
وقد استدل به أهل العلم في مسألة صلاة ركعتي الطواف
في أوقات النهي، مع وجود تفصيل وخلاف معروف بينهم في ذلك، من حيث قوة النهي،
وأسباب الصلاة، والجمع بين الأدلة.
ولا يعني الحديث إباحة جميع أنواع الصلاة في كل وقت
بلا قيد، ولا إلغاء أحكام أوقات النهي الواردة في الأحاديث الأخرى؛ وإنما يُفهم في
ضوء مجموع النصوص الشرعية، مع مراعاة الخلاف الفقهي في صلاة الطواف وسائر الصلوات
ذوات الأسباب.
فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ نهى عن منع الناس من
الطواف بالبيت الحرام والصلاةِ فيه في ساعات الليل والنهار بغير حق،
وأوصى من يتولى أمر البيت أو تكون له ولاية عليه
بتيسير العبادة للناس، وبيَّن أن خدمة الحرم شرفٌ تقتضي القيام بحقوقه، لا التضييق
على قاصديه في أداء عباداتهم المشروعة.
وفيه أيضا: أن الحديث أصل مهم في بحث حكم صلاة الطواف
في أوقات النهي، وهي مسألة تحتاج إلى جمع الأدلة والنظر في أقوال أهل العلم، والله
تعالى أعلم.
في اختلاف أهل العلم في حكم
الصلاة في أوقات النهي:
وقال محمد بن علي بن آدم بن
موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى
1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج" (16/ 568)
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في
حكم الصلاة في أوقات النهي:
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أجمعت الأمة على
كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها،
واختلفوا في النوافل التي لها سبب، كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر،
وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة،
جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم
الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى
سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة
المقضية أولى، وكذا الجنازة. انتهى ["شرح مسلم" 6/ 110].
وما ادعاه من الإجماع والاتفاق مُتَعَّقب، فقد حَكَى
غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وقالوا بالنسخ لأحاديث النهي، وهو مذهب
داود، وعن طائفة المنعُ مطلقًا، وحَكَى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في هذه___
الأوقات، ولكنه متعقب بما سيأتي في بابه، أفاده في
"الفتح" [راجع: "الفتح" 2/ 71].
وقال في "الطرح": صح النهي عن الصلاة في
حالتين أُخريين: وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب
الشمس،
ففي "الصحيحين" عن ابن عباس -رضي اللَّه
عنهما-، قال:
"شهِدَ عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر:
أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الصلاة
بعد الصبح حتى تشرق الشمس"، وفي رواية: "حتى تطلع، وبعد العصر حتى
تغرب"، وهو في "الصحيحين" أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد
بلفظ: "حتى تطلع الشمس".
وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور، وهو
مذهب الحنفية أيضًا، إلَّا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أَخَفَّ منه في
الصُّوَرِ المتقدمة -يعني: الطلوع، والاستواء، والغروب- كما سنحكيه عنهم.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن عمر،
وابن مسعود، وخالد بن الوليد، وأبي العالية، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن
سيرين، وغيرهم،
وقال الترمذي: وهو قول أكثر الفقهاء، من الصحابة، فمن
بعدهم، وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وسعد، ومعاذ بن
عفراء، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، قال: وحسبك بضرب عمر -رضي اللَّه عنه- على
ذلك بالدِّرَّة؛ لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه، إلَّا لصحة ذلك عنده.
* وذهب آخرون، إلى أنه لا تكره الصلاة في
هاتين الصورتين -يعني: بعد صلاتي الصبح، والعصر- ومال إليه ابن المنذر بعد ذكره
ثبوت النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر،
فدلّ قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تصلوا
بعد العصر، إلَّا والشمس مرتفعة"، وقوله: "لا تحرّوا بصلاتكم طلوع
الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان"، مع قول عقبة بن عامر:
"ثلاث ساعات، كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهَى أن يُصَلَّى
فيهنّ" الحديث، مع سائر الأخبار المذكورة في غير هذا الكتاب على أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاثة.___
قال: فممن روينا عنه الرخصة في التطوع بعد العصر عليّ
بن أبي طالب، ورَوَينا معنى ذلك عن الزبير، وابن الزبير، وتميم الداريّ، والنعمان
بن بشير، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعائشة أم المؤمنين -رضي اللَّه عنهم-،
وفَعَلَ ذلك الأسودُ بنُ يزيد، وعمرو بن ميمون،
ومسروق، وشُريح، وعبد اللَّه بن أبي الهُذَيل، وأبو بردة، وعبد الرحمن بن الأسود،
وعبد الرحمن بن البيلمانيّ، والأحنف بن قيس.
وقال أحمد: لا نفعله، ولا نعيب فاعله، وبه قال أبو
خيثمة، وأبو أيوب.
وحكى ابن بطال إباحةَ الصلاة بعد الصبح، والعصر عن
ابن مسعود، وأصحابه، وبلال، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-.
قال العراقي:
الذي في "مصنف ابن أبي شيبة" عن أكثر هؤلاء
المذكورين فعلُ الركعتين بعد العصر، ولا يلزم من إباحتهم الركعتين بورود النصّ
فيهما إباحة التطوع بعد العصر مطلقًا، فيكون هذا مذهبًا ثالثًا مفصلًا بين
الركعتين، وما زاد عليهما.
وقال ابن عبد البرّ:
قال قائلون: لا بأس بالتطوع بعد الصبح والعصر؛ لأن
النهي إنما قُصِد به ترك الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها.
واحتجُّوا بقوله -صلى
اللَّه عليه وسلم-: "لا تصلوا بعد العصر، إلَّا أن تصلوا، والشمس
مرتفعة"، وبقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:
"لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها"، وبإجماع
المسلمين على الصلاة على الجنازة بعد الصبح، والعصر، إذا لَمْ يكن عند
الطلوع، والغروب،
قالوا: فالنهي عن الصلاة بعد الصبح، والعصر هذا
معناه، وحقيقته، قالوا: ومخرجه على قطع الذريعة؛ لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح،
والعصر، لَمْ يُؤْمَنْ التمادي فيها إلى الأوقات المنهي عنها، وهي حين طلوع الشمس،
وحين غروبها،
هذا مذهب ابن عمر، قال: أما
أنا فلا أنهى أحدًا يصلي من ليل، أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها،
فإن رسول اللَّه -رضي اللَّه عنهم- عن ذلك، ذكره عبد الرزاق،
قال العراقيّ: وهو في "صحيح البخاريّ".
قال ابن عبد البرّ: هو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن
دينار، وابن جريج، ورُوِيَ عن ابن مسعود مثله، وهو مذهب عائشة، قالت: أوهم عمر،___إنما
نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس، أو
غروبها.
وقال محمد بن سيرين:
تكره الصلاة في ثلاث ساعات: بعد صلاة العصر، وبعد
الصبح، ونصف النهار في شدة الحرّ، وتحرم في ساعتين حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي
طلوعها، وحين تصفر حتى يستوي غروبها. انتهى.
وهو مذهب رابع؛ لأن المذكورين قبله لَمْ يكرهوا
الصلاة بعد الصبح، والعصر، وهذا كرهها.
قال في "الطرح":
فإن قلت: هذا مذهب الحنفية؛ لأنهم اقتصروا في كتبهم
على الكراهة في هاتين الصورتين، وعَبَّرُوا في الصور الأخرى بعدم الجواز.
قلت: هو كذلك، ومع ذلك، فيخالفهم؛ لأنه ضم حالة
الاستواء إلى هاتين الصورتين في الكراهة، وهم ضمّوها إلى طلوع الشمس وغروبها في
عدم الجواز.
وذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى التحريم في حالتي
الطلوع، والغروب، والكراهة فيما بعد العصر، والصبح.
ثم قال ابن عبد البرّ:
وقال آخرون: لا يجوز بعد الصبح؛ أي: ويجوز بعد العصر،
وممن ذهب إليه ابن عمر، ثم روى بإسناده عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال:
ماتت عمتي، وقد أوصت أن يصلي عليها عبد اللَّه بن عمر، فجئته حين صلينا الصبح،
فأعلمته، فقال: اجلس، فجلست حتى طلعت الشمس، وصَفَتْ، ثم قام، فصلى عليها،
قالوا: فهذا ابن عمر، وهو يبيح الصلاة بعد العصر، قد
كرهها بعد الصبح.
فهذه مذهب خامس في المسألة، وبه
قال ابن حزم الظاهري: مَنَعَ الصلاةَ بعد صلاة الصبح، وجوّزها بعد صلاة العصر إلى
الاصفرار؛ لحديث الركعتين، ولحديث عليّ -رضي اللَّه عنه-: "أن النبيّ -صلى
اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الصلاة بعد العصر، إلَّا والشمس مرتفعةٌ"، وهو في
"سنن أبي داود"، وإسناده صحيح، وزاد عليه داود___الظاهريّ، فجوّزها إلى
غروب الشمس، ورأى النهيَ عن ذلك منسوخًا. انتهى ["طرح التثريب" 2/ 185 -
187].
قال الجامع _عفا اللَّه تعالى عنه_:
أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن الصلاة
في هذه الأوقات ممنوعة، مطلقًا، إلَّا ذوات الأسباب، وهذا
مذهب الشافعي، وطائفة من الصحابة، وطائفة من التابعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن
تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ- [انظر: "مجموع الفتاوى" 23/ 19]
والمراد بذوات الأسباب: هي
التي لها سبب متقدّم عليها، مثل الفائتةِ، فريضةً كانت أو نافلةً، وصلاةِ الجنازة،
وسجودِ التلاوة، والشكرِ، وصلاةِ الكسوف، وصلاةِ الاستسقاء، وصلاةِ الطواف، وركعتي
الوضوء، وتحية المسجد، ونحوِ ذلك.
وكذا يستثنى من النهي الصلاةُ بعد العصر،
والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ.
أما استثناء ذوات الأسباب؛ فللأدلة الكثيرة:
* (منها): حديث أنس -رضي اللَّه عنه-:
أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من
نَسِيَ صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يُصَلِيها إذا ذكرها"، متفق عليه،
واللفظ لمسلم، ففيه دلالةٌ على أن من تذكر، أو استيقظ في هذه الأوقات، فعليه أن يصلي
الصلاة.
* (ومنها): حديث أم سلمة -رضي اللَّه عنها-:
أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: صلى ركعتين بعد
العصر، فلما انصرف، قال: "يا بنت أبي أمَيَّةَ سألتِ عن الركعتين بعد العصر،
إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن اللتين بعد الظهر، فهما هاتان الركعتان بعد العصر"، رواه الشيخان.
(ومنها): أن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت:
"صلاتان لَمْ يكن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
يدعهما سرًا، ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان
بعد صلاة العصر"، رواه الشيخان.
* (ومنها): حديث يزيد بن الأسود -رضي اللَّه
عنه- قال:
شهدت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حجته، وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته،
وانحرف، إذا هو برجلين في آخر القوم، لَمْ يصليا معه، قال: "عَلَيَّ
بهما"،___
فجيء بهما، تَرْعَدُ فرائصهما، قال: "ما منعكما
أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول اللَّه إنا قد كنا صلينا في رحالنا، قال:
"فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة"، رواه أبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى [راجع:
"المجموع" 4/ 171 - 172].
أقول: ففي هذا الحديث إباحة النافلة بعد الصبح؛ لما
ذكرنا.
قال الإمام ابن حبان -رَحِمَهُ اللَّهُ- في
"صحيحه":
أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ووصيف بن عبد اللَّه
الحافظ بـ "أنطاكية"، قالا: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن
موسى، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جدّه قيس بن
قهد:
"أنه صلى مع رسول اللَّه _صلى اللَّه عليه وسلم_
الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلّم رسول اللَّه _صلى اللَّه عليه وسلم_، قام يركع ركعتي الفجر، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه
وسلم-، ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه". انتهى ["صحيح ابن حبان" 2/
49]
أقول: هذا إسناد صحيح.
وكذا ما ورد في تحية المسجد يوم الجمعة،
والإمام يخطب، مع أن الوقت وقت
استماع، للخطبة، ففي رواية الشيخين من حديث جابر -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا:
"إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي رواية
مسلم: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز
فيهما".
فأمرُه -صلى اللَّه عليه وسلم- الداخل حال الخطبة
بصلاة ركعتين، والتجوّز فيهما يدل على أن تحية المسجد تجوز، وإن كان الوقت وقت
استماع الخطبة، ومثله الأوقات المذكورة، واللَّه -تعالى- أعلم.
وأما استثناء الصلاة بعد العصر، والشمسُ مرتفعة،
فلحديث عليّ -رضي اللَّه عنه- قال: "نَهَى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه
وسلم- عن الصلاة بعد العصر، إلَّا أن تكون الشمس بيضاءَ نَقِيَّة
مرتفعة"، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح.
والحاصل أن أقوى المذاهب في هذه المسألة مذهب من قال:
إن ذوات___
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (16/ 574)
الأسباب تجوز في هذه الأوقات دون ما سواها؛ للأدلة
التي ذُكِرَتْ وغيرها، وكذا الصلاةُ بعد العصر، والشمس مرتفعة؛ لما ذُكر، واللَّه
تعالى أعلم بالصواب.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة -رَحِمَهُ اللَّهُ-
قد حقّق هذا الموضوع في "الفتاوى الكبرى" أحببت أن أختم البحث به؛
لنفاسته، قال -رَحِمَهُ اللَّهُ-:
ومن هذا الباب فعل الصلاة التي لها سبب، مثل تحية
المسجد بعد الفجر والعصر، فمن العلماء من يستحب ذلك، ومنهم من يكرهه كراهة تحريم،
أو تنزيه، والسنة إما أن تستحبه، وإما أن تكرهه، والصحيح قول من استحب ذلك، وهو
مذهب الشافعيّ، وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها طائفة من أصحابه، فإن أحاديث
النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، مثل قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صلاة
بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"، عموم خصوص
خُصَّ منها صلاة الجنائز باتفاق المسلمين، وخُصّ منها قضاء الفوائت بقوله:
"من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح"، وقد ثبت عن
النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قضى ركعتي الظهر بعد العصر، وقال للرجلين
اللذين رآهما لم يصليا بعد الفجر في مسجد الخيف: "إذا صليتما في رحالكما، ثم
أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة"، وقد قال: "يا بني
عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى فيه أية ساعة شاء، من ليل أو
نهار".
فهذه النصوص تُبَيِّن أن ذلك العموم خرجت منه صُوَرٌ،
وأما قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي
ركعتين"، فهو أمر عامّ لَمْ يُخَصّ منه سورة، فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص،
بل العموم المحفوظ أولى من العموم المخصوص.
وأيضًا فإن الصلاة والإمام على المنبر أشدّ من الصلاة
بعد الفجر والعصر، وقد ثبت عنه في "الصحيح" أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-
قال: "إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"،
فلما أمر بالركعتين في وقت هذا النهي، فكذلك في وقت ذلك النهي وأولى، ولأن أحاديث
النهي في بعضها: "لا تتحرَّوا بصلاتكم"، فنهى عن التحري للصلاة ذلك
الوقت، ولأن___
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجاج (16/ 575)
من العلماء من قال: إن النهي فيها نهي تنزيه لا
تحريم، ومن السلف من جوَّز التطوع بعد العصر مطلقًا، واحتجوا بحديث عائشة -رضي
اللَّه عنها-؛ لأن النهي عن الصلاة إنما كان سدًّا للذريعة إلى التشبه بالكفار،
وما كان منهيًّا عنه للذريعة، فإنه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة، كالصلاة التي لها
سبب، تفوت بفوات السبب إن لَمْ تفعل فيه، وإلا فاتت المصلحة، والتطوع المطلق لا
يحتاج إلى فعله وقت النهي، فإن الإنسان لا يستغرق الليل والنهار بالصلاة، فلم يكن
في النهي تفويت مصلحة، وفي فعله فيه مفسدة، بخلاف التطوع الذي له سبب يفوت كسجدة
التلاوة، وصلاة الكسوف، ثم إنه إذا جاز ركعتا الطواف مع إمكان تأخير الطواف، فما
يفوت أولى أن يجوز.
وطائفة من أصحابنا يجوّزون قضاء السنن الرواتب دون
غيرها؛ لكون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى ركعتي الظهر، ورُوي عنه أنه رَخَّص
في قضاء ركعتي الفجر، فيقال: إذا جاز قضاء السنة الراتبة مع إمكان تأخيرها، فما
يفوت كالكسوف، وسجود التلاوة، وتحية المسجد أولى أن يجوز، بل قد ثبت بالحديث
الصحيح قضاء الفريضة في هذا الوقت، مع أنه قد يُستحب تأخير قضائها، كما أخّر
النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قضاء الفجر لَمّا نام عنها في غزوة خيبر، وقال:
"إن هذا وادٍ حضرنا فيه الشيطان"، فإذا جاز فعل ما يمكن تأخيره، فما لا
يمكن، ولا يستحب تأخيره أولى." انتهى كلام شيخ
الإسلام -رَحِمَهُ اللَّهُ- ["الفتاوى الكبرى" 2/ 494 - 495.]
وهو تحقيقٌ نفيسٌ يؤيّد ما أسلفته من ترجيح القول
بجواز ذوات الأسباب، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه -تعالى- أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (7/ 432_434):
"المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم
في جواز الصلاة في مكة في جميع الأوقات:
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى:
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح
بمكة،
* فقال بعضهم: لا بأس في الصلاة والطواف بعد العصر،
وبعد الصبح، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق،
واحتجوا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني
حديث جبير هذا- وقال بعضهم: إذا طاف بعد العصر لم يصلِّ حتى تغرب الشمس، وكذلك إن
طاف بعد صلاة الصبح أيضًا لم يصل حتى تطلع الشمس.
واحتجوا بحديث عمر أنه طاف بعد الصبح، فلم يصل، وخرج
من مكة حتى نزل بذي طوى، فصلى بعدما طلعت الشمس، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن
أنس. اهـ "جامع الترمذي" جـ 2 ص 178، 179.
وقال الصنعاني رحمه الله: حديث جبير دال على أنه لا
تكره الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه في أي ساعة من ساعات الليل___والنهار، وقد
عارض ما سلف فالجمهور عملوا بأحاديث النهي ترجيحًا لجانب الكراهة، ولأن أحاديثها
في "الصحيحين"، وغيرهما، وهي أرجح من غيرها. وذهب الشافعي وغيره إلى
العمل بحديث جبير، قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة، والنوم
عنها، والنافلة التي تُقْضَى، فضعفوا عمومها، فتخصص أيضًا بهذا الحديث.
ولا تكره الصلاة النافلة بمكة في أي ساعة من الساعات،
وليس هذا خاصًا بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة، لرواية ابن حبان في صحيحه:
"يا بني عبد المطلب إن كان لكم من الأمر شيء، فلا أعرفن أحدًا منكم يمنع من
يصلي عند البيت أى ساعة شاء من ليل، أو نهار".
قال في "النجم الوهاج": وإذا قلنا: بجواز
النفل- يعني في المسجد الحرام في أوقات الكراهة، فهل يختص ذلك المسجدَ الحرامَ، أو
يجوز في جميع حرم مكة؟ فيه وجهان، والصواب أنه يعم الحرم. اهـ "سبل
السلام" جـ 1 ص 235.
قال الجامع: في دعوى الجواز في جميع الحرم نظر، إذ
حديث جبير لا يدل عليه، وأما حديث أبي ذر عند الشافعي، بلفظ: "لا صلاة بعد
العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة"، وكرر
الاستثناء ثلاثًا، ورواه أحمد، وابن عدي، فإنه ضعيف، لضعف عبد الله بن المؤمل،
وذكر ابن عدي هذا الحديث من جملة ما أنكر عليه، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله
ولكن تابعه إبراهيم___ابن طهمان، وهو أيضًا من رواية مجاهد عن أبي ذر، وقد قال أبو
حاتم، وابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري، وغير واحد: إنه لم يسمع منه. وقد رواه
أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر.
قاله في "النيل" جـ 1 ص 386.
فالظاهر التخصيص بالمسجد الحرام فقط. والله أعلم.
قال الجامع: الحاصل أن أرجح المذاهب في هذه المسألة
قول من قال بجواز التنفل في المسجد الحرام مطلقًا، لحديث جبير بن مطعم هذا، فإنه
يخصص عمومات أحاديث النهي لأنها دخلها التخصيص بغيره.
وأما ما قاله الشوكاني- من أن حديث جبير لا يصلح
لتخصيص أحاديث النهي، لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى
بالتخصيص من الآخر- فغير صحيح، لأنا نقول: إن عموماتها أولى بالتخصيص به، حيث إن
التخصيص دخلها بغيره، كحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"،
وحديث قضاء السنن الفائتة، وحديث من أدرك الجماعة في الصبح بعد أن صلى وحده، فإنه
يصلي، وهي نافلة له، وغير ذلك، فكان التخصيص بحديث جبير أولى فتبصر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا
بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه أبو داود في "سننه" (2/ 180) (رقم: 1894)،
الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (3/ 211) (رقم: 868)، والنسائي في
"سننه" (1/ 284 و 5/ 223) (رقم: 585 و 2924)، وفي "السنن الكبرى"
(2/ 220 و 4/ 133) (رقم: 1574 و 3932)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 398)
(رقم: 1254)، وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (5/ 61) (رقم: 9004)، والحميدي
في "مسنده" (1/ 478) (رقم: 571)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/
180 و 7/ 316) (رقم: 13243 و 36442)، والشافعي في "اختلاف الحديث" (8/
615)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 80 و 4/ 81 و 4/ 82 و 4/ 83
و 4/ 84) (رقم: 16736 و 16743 و 16753 و 16769 و 16774)، والأَزْرَقِيُّ في "أخبار
مكة" (2/ 19)، والدارمي في "سننه" (2/ 1227) (رقم: 1967)، وأبو عبد
الله الفاكهي في "أخبار مكة" (1/ 254_255) (رقم: 487_488)، والفسَوي في
"المعرفة والتاريخ" (2/ 206)، والبزّار في "البحر الزخار" (8/
372) (رقم: 3452)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (13/ 390 و 13/ 412)
(رقم: 7396 و 7415)، وابن خزيمة في "صحيحه" (2/ 263 و 4/ 225) (رقم: 1280
و 2747)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 186) (رقم: 3860)، وابن
حبان في "صحيحه" (4/ 420 و 4/ 421) (رقم: 1552_1554)، والطبراني في "المعجم
الكبير" (2/ 134 و 2/ 142_143) (رقم: 1567 و 1599_1603)، والدارقطني في
"سننه" (2/ 299 و 2/ 300 و 2/ 302_303 و 3/ 310_311) (رقم: 1566_1566 و 1570
و 1572_1574 و 2637_2639)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 72)، والحاكم
في "المستدرك على الصحيحين" (1/ 617) (رقم: 1643)، والبيهقي في "السنن
الكبرى" (2/ 646 و 5/ 149 و 5/ 178) (رقم: 4103_4104 و 9329 و 9432)، وفي
"السنن الصغير" (1/ 327_328) (رقم: 934_936)، والخطيب البغدادي في "الفقيه
والمتفقه" (1/ 304)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (11/
237) (رقم: 235).
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 330) (رقم: 1045)، و"إرواء
الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (2/ 238) (رقم: 481)، و"صحيح
الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1308) (رقم: 7900)، و"التعليقات الحسان على
صحيح ابن حبان" (3/ 164) (رقم: 1551)، و"مناسك الحج والعمرة" (ص:
40)، و"صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" (1/ 294) (رقم: 520).
من فوائد الحديث:
وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي
الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح
المصابيح" (2/ 214):
"هذا الحديث يدل على أن صلاةَ التطوع في
أوقات الكراهية غيرُ مكروهة بمكة؛ لشرفها، لينالَ الناسُ فضلَها في جميع الأوقات،
وبه قال الشافعي." اهـ
أَقُول: إِنَّمَا نهى عَنْهُمَا، لِأَن الصَّلَاة
فيهمَا تفتح بَاب الصَّلَاة فِي السَّاعَات الثَّلَاث، وَلذَلِك صلى فيهمَا
النَّبِي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ تَارَة أَنه مَأْمُون أَن يهجم
عَلَيْهِ الْمَكْرُوه، وروى اسْتثِنَاء نصف النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة،
واستنبط جَوَازهَا فِي الْأَوْقَات الثَّلَاث فِي الْمَسْجِد
الْحَرَام من حَدِيث (يَا بني عبد منَاف من ولي مِنْكُم من أَمر النَّاس شَيْئا
فَلَا يمنعن أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت، وَصلى أَي سَاعَة شَاءَ من ليل أَو
نَهَار)،
وعَلى هَذَا، فالسر فِي ذَلِك أَنَّهُمَا وَقت ظُهُور
شَعَائِر الدّين ومكانه فعارضا الْمَانِع فِي الصَّلَاة." اهـ
وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام
من بلوغ المرام" (1/ 494_495):
"ما يؤخذ من الحديث:
1 - عبد مناف هو الأبُ الرَّابع للنَّبي -صلى
الله عليه وسلم-، وكانت ذريته فيهم سقايةُ الحجيج والرفادة، وهم قِمَّةُ الشرف في
قريش، وراوي الحديث جبير بن مطعم من زعماء بني عبد مناف؛ فإنَّ أباه الرَّابع عبدُ
مناف.
2 - تحريمُ منع المتعبِّدين في المسجد الحرام
في أي ساعة من ساعات الليل___والنَّهار، سواءٌ كان وقت نهي أو لا.
وقال بعضهم: إن المراد به ركعتا الطواف؛ بدليل قَرْنِ
الصلاة بالطواف.
وقال بعضهم: إن الحديث لا يعطي شيئًا من هذين
المعنيين، وإنما هو خطابٌ موجَّه إلى ولاة البيت، بأن لا يمنعوا منه أحدًا في أي
وقت، أما مسألة "أن الوقت للصلاة أو عدمه"، فأمرٌ مرجعه إلى نصوصِ
الشرع، وهذا توجيهٌ حسنٌ.
3 - ظاهرُ الحديث: جوازُ الصلاة في المسجدِ
الحرامِ في أية ساعة من الليل والنَّهار.
4 - إقرارُ ولاية البيت في يد مَنْ ولاَّه
اللهُ تعالى أَمْرَ المسلمين، في مكَّة المكرمة وما حولها.
5 - الحديثُ دليلٌ على صِحَّة قول من يرى
أنَّ الصلواتِ ذوات الأسباب تُصلَّى في أوقات النَّهي؛ لأنَّه خصَّص أحاديثَ
النَّهي العامَّة.
6 - فيه فضيلةٌ ومنقبةٌ كبيرة لقريشِ وُلاَةِ
هذا البيت، ولبني عبد مناف منهم خاصَّة، وفضيلةٌ لمن جاء بعدهم ممَّن شرَّفه الله
بخدمة هذا البيت المبارك، الَّذي قال الله فيه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)} [آل
عمران]،
وقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص: 57]."
اهـ
وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح
ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 442_444):
"من فوائد هذا الحديث:
* أولًا: حكمة
النبي _صلى الله عليه وسلم_ في توجيه الخطاب إلى من هو أليق به، وأَخَصُّ به
لقوله: «يا بني عبد مناف»،
وهل يعني ذلك أنه لغير القائمين على المسجد الحرام أن
يمنعوا؟ لا،
لكن الحكم واحد، لكن وجه الخطاب إليهم لكونهم هم
الولاةُ عليه، نظير ذلك - أي: نظير توجيه الخطاب إلى من هم أليق به من غيرهم -:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج».
وهذا الأمر للشباب وغيرهم، كل من يريد الزواج، وفيه
شهوة الزواج، فإنه يؤمر بهذا.
* ومن فوائد هذا الحديث: نهي
من قام على المسجد الحرام أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة الولاية.
انتبهوا لهذا القيد: أن يمنع أحدًا طاف فيه بسلطة
الولاية؛ لأن الرسول عمم, قال: «أية ساعة شاء من ليل أو نهار»؛
وإنما قيدت ذلك لأجل أن نرد قول من يقول: إن المسجد
الحرام___ليس فيه نهي عن الصلوات؛ لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ هنا، خاطبهم
خطاب وليٍّ، يعني: لا تحملنكم الولاية على أن تمنعوا الناس من الصلاة في المسجد أو
الطواف.
يبقى النظر: هل للإنسان أن يطوف أو يصلي، هذا إذا
اشترط عندنا الآن الخطاب للولاة على المسجد الحرام، الخطاب للناس هل يصلون أو لا؟
الحديث في الحقيقة ليس فيه دليل على جواز الصلاة في
المسجد الحرام في أي وقت؛ لأن كون الصلاة تجوز أو لا تجوز، لا يخاطب بها الولاة،
من يخاطب بها؟
عامة الناس، فإذا أراد أحد أن يصلي، فلا تمنعوه؛
ولذلك قلت لكم: لا تمنعوا بسلطة الولاية، لكن لو قام يصلي في وقت النهي، ومنعوه
بحكم الشرع؛ لهم ذلك؛ لأن هذا من باب منع المنكر.
انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض العلماء - رحمهم الله -
قالوا: هذا الحديث يدل على أن الإنسان في المسجد الحرام يصلي في أي ساعة، فيقال: "هذا
غلط, الخطاب موجه لبني عبد مناف بحكم الولاية"، يعني: لا تمنعه، أما كونه
يصلي أو لا يصلي، فهذا يرجع إلى الأدلة الأخرى، إذا كان في وقت يصلي فيه جواز أن
يصلي، وإلا فلا.
* من فوائد هذا الحديث: أن
الطواف ليس بصلاة؛ لأنه قال: «لا تمنعوه أي ساعة»، وقد ذكرت لكم أن الفاعل الذي هو
غير ولاة الأمر يرجع أمره إلى الشرع، هل نهى الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن
الطواف في الأوقات الخمسة أوقات النهي؟ لا.
وهذا مما يؤيد ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أن
الطواف ليس بصلاة، وأن الطهارة فيه ليست بشرط، وسبق الكلام على هذا.
* ومن فوائد هذا الحديث: أنه
لا يجوز لولاة الأمور أن يمنعوا الناس من حقوقهم, لكن إذا اقتضت المصلحة أن
يمنعوهم من حقوقهم، فلهم ذلك.
الدليل: فعل أمير المؤمنين عمر _رضي الله عنه_ وأشياء
كثيرة، لكن نذكر منها: الإنسان إذا طلق زوجته ثلاثًا بفمٍ واحد، من حقه أن يراجعها،
يعني: إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، من حقه أن يراجعها في أي عصر كان؟ في
عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر لما تتايع الناس في
هذا وصاروا يكثرون الطلاق الثلاث، منعهم من الرجوع، وحرم الزوجة عليهم مع أن الحق
لهم، لهم أن يراجعوا، لكن رأى من المصلحة أن يمنعهم من هذا الحق حتى يمتنعوا من
الطلاق الثلاث؛ لأن الطلاق الثلاث محرم, من اللعب بكتاب الله.
أمهات الأولاد تباع في عهد الرسول - عليه الصلاة
والسلام -, وأبي بكر, أم الولد من هي؟ الأمة التي أتت بولد من سيدها كانت تباع في
عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام -, وأبي بكر___وصدر من خلافة عمرو،
ثم تجرأ الناس على التفريق بين الأم وولدها, وهو طفل
صغير ينصهر قلبها والولد يبكي لها, فمنعهم عمر من بيع أمهات الأولاد مع أن لهم أن
يبيعوها؛ إذن نقول: ليس لولي الأمر أن يمنع الناس من حقوقهم إلا لمصلحة, أو حاجة,
أو ضرورة.
ومن فوائد هذا الحديث: الرد
على طائفة مبتدعة: الجبرية يقولون: ليس للإنسان مشيئة ولا إرادة، وفعله مجبور
عليه, ولا شك أننا لو أتينا بواحد منهم وجلدناه أشد الجلد, وقلنا: اعذرني يا أخي
أنا مجبور, لا يوافقون؛
ولهذا احتج سارق كما روي عن عمر أتي بسارق وأمر بقطع
يده, فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين, والله ما سرقت إلا بقدر الله, قال: ونحن ما
نقطع يدك إلا بقدر الله, وأيضًا عمر رضي الله عنه يقطع يده بقدر الله, وشرع الله,
وذاك يسرق بقدر الله دون شرع الله." اهـ
ملحق الفوائد:
وفي هذا الحديث الجليل جملة من الفوائد العلمية
والفقهية والتربوية، نذكر منها ما يأتي:
١- مشروعية الصلاة والطواف بالبيت الحرام،
فدلَّ الحديث على فضل الطواف بالبيت العتيق والصلاة
عنده، فإنهما من أجلِّ القربات التي يتقرَّب بها العبد إلى ربِّ الأرض والسماوات،
وقد خصَّ الله هذا البيت بمزيد من الشرف والتعظيم، وجعله مثابةً للناس وأمنًا.
٢- النهي عن منع الناس من الطواف بالبيت
والصلاة عنده.
ففي قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَمْنَعُوا
أَحَدًا» نهيٌ صريح عن صدِّ الناس عن هذه العبادة بغير حقٍّ، وفيه أنَّ خدمة البيت
الحرام تقتضي تيسير العبادة لقاصديه، لا التضييق عليهم فيما أذن الله فيه.
قال _تعالى_:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ
مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي
خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:
114]
٣- فضل عمارة المسجد الحرام بالطاعة
والعبادة.
إنَّ البيت الحرام إنما شُرِّف ليُذكر فيه اسم الله،
ويُطاف به، ويُصلَّى عنده، وتُقام فيه سائر القربات المشروعة؛ فعمارتُه الحقيقية
ليست بكثرة الأبنية والزينة فحسب، بل بإقامة العبادات فيه وتعظيم حرمات الله.
٤- وجوب تعظيم حرمات الله وشعائره.
ففي الحديث تنبيهٌ إلى أنَّ البيت الحرام ليس كسائر
البقاع، بل هو بيتٌ عظَّمه الله، ورفع قدره، وأمر بتعظيمه؛ فمن حقِّه أن يُصان عن
كل ما يُفضي إلى تعطيل العبادة فيه أو التضييق على أهله وقاصديه بغير مسوِّغ شرعي.
٥- وجوب الرفق بالناس في أبواب الطاعة.
فإنَّ الشريعة جاءت بالتيسير على العباد في حدود ما
أذن الله به، ومنع الناس من عبادة مشروعة بغير دليل ليس من النصح لهم، ولا من حسن
القيام على مصالحهم؛ بل الواجب إرشادهم إلى الحق، وتسهيل سبل الخير لهم.
٦- أنَّ الولاية أمانة ومسؤولية.
تضمَّنت بعض روايات الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:
«إِنْ وَلِيتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا»، وفيه إشعارٌ بأنَّ من تولَّى
أمرًا من أمور المسلمين، أو أُنيطت به مصلحةٌ من مصالح الحرم، فهو مسؤولٌ عما
استُرعي فيه، مطالبٌ بأداء الأمانة والقيام بالحق.
٧- التحذير من استغلال السلطان في منع الخير.
فليس لصاحب الولاية أن يجعل سلطانه سبيلًا إلى
التضييق على عباد الله في عباداتهم بغير حقٍّ، وإنما الولاية الشرعية وسيلةٌ
لإقامة العدل، وحفظ الحقوق، وتيسير المصالح، ودفع المفاسد.
٨- أنَّ شرف النسب لا يُغني عن لزوم الشرع.
فخصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد مناف بالخطاب،
وهم من ذوي الشرف والمكانة في قريش، وفي ذلك دلالةٌ على أنَّ شرف النسب يقتضي
مزيدًا من تحمُّل المسؤولية، ولا يُبيح لصاحبه أن يتجاوز حدود الله أو يمنع عباده
من حقٍّ مشروع.
٩- مشروعية مخاطبة أهل الشأن بما يليق
بمقامهم.
فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وجَّه خطابه إلى من
كان لهم شأنٌ في أمر البيت وخدمته، وفي ذلك أنَّ من الحكمة أن يُخاطَب المسؤول بما
يتعلَّق بمسؤوليته، وأن يُبيَّن له ما يجب عليه من الحقوق والواجبات.
١٠- جواز تخصيص بعض الناس بالخطاب لمصلحة
شرعية.
فإنَّ تخصيص بني عبد مناف بالنداء لا يقتضي أنَّ
الحكم مقصورٌ عليهم، بل المقصود تنبيههم إلى ما يتعلَّق بمكانتهم ومسؤوليتهم،
والحكم في معناه متوجِّهٌ إلى كل من تولَّى أمرًا يقدر به على منع الناس من
العبادة المشروعة.
١١- أنَّ الأصل في العبادات التزام ما شرعه
الله ورسوله.
فليس المراد من الحديث إباحة كل صلاة في كل وقت على
الإطلاق، بل يُفهم في ضوء سائر الأدلة الواردة في أوقات النهي وأحكام الصلاة؛
فالنصوص الشرعية يُجمع بينها، ولا يُضرب بعضها ببعض، وإنما يُعمل بها جميعًا بحسب
ما تدل عليه.
١٢- أنَّ الحديث من أدلة المسألة المتعلقة
بالصلاة بعد الطواف في أوقات النهي.
فاستدلَّ به طائفةٌ من أهل العلم على مشروعية صلاة
ركعتي الطواف في أوقات النهي؛ لأنَّ لفظه يتناول الطواف والصلاة، ولأنَّ الصلاة
المتعلِّقة بسببٍ مخصوصٍ لها بحثٌ فقهيٌّ يختلف عن الصلاة المطلقة. وقد اختلف
العلماء في هذه المسألة، فينبغي عرض أقوالهم وأدلتهم وجمع النصوص الواردة في
الباب.
١٣- أنَّ عموم الألفاظ النبوية معتبرٌ ما لم
يقم دليلٌ على تخصيصه.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ،
مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» يدلُّ بظاهره على سعة الوقت في الطواف والصلاة
المذكورين، غير أنَّ هذا العموم يُفهم على وفق سائر النصوص والقواعد الشرعية، فلا
يُترك دليلٌ خاصٌّ ثابتٌ بدعوى التمسك بعموم دليل آخر.
١٤- فضل قصد المسجد الحرام للعبادة.
ففي الحديث حثٌّ على إبقاء أبواب الطاعة مفتوحةً
لقاصدي البيت، وفيه تذكيرٌ بفضل من شدَّ رحله إلى الحرم يريد الطواف والصلاة
والذكر والدعاء، وأنَّ من حقِّ هؤلاء أن يُعانوا على مقصودهم المشروع.
١٥- أنَّ منع العبادة بغير حقٍّ اعتداءٌ على
مصالح المسلمين.
فالمسجد الحرام مقصدٌ عامٌّ للمسلمين، وليس حقًّا
خاصًّا لفئةٍ دون فئة؛ فلا يجوز أن يُحرم الناس من الانتفاع به في الطاعات
المشروعة لمجرَّد الهوى أو التعصُّب أو الرغبة في الاستئثار.
١٦- أنَّ الشريعة تجمع بين تعظيم العبادة
ومراعاة أحكامها.
فليس تعظيم البيت الحرام بمجرد الإكثار من الأعمال
فيه، وإنما يكون بتعظيم الله، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، والوقوف عند
حدوده؛ إذ لا يُتقرَّب إلى الله بما لم يشرعه، ولا يُمنع ما شرعه بغير برهان.
١٧- أنَّ النصيحة لأهل الوِلاية من أعظم
أبواب الإصلاح.
فإنَّ صلاح من بيده الأمر يعود نفعه على جماعةٍ من
الناس، وفساده يتعدَّى ضرره إلى غيره؛ ولذلك كان من النصيحة أن يُذكَّر المسؤول
بواجباته، ويُحذَّر من الظلم والتعدِّي، ويُعان على إقامة الحق والعدل.
١٨- أنَّ السنة النبوية أصلٌ في بيان الأحكام
الشرعية.
فهذا الحديث أصلٌ يُرجع إليه في بحث حكم الطواف
والصلاة بالبيت، ولا سيما عند الكلام على أوقات النهي؛ وفيه بيانٌ أنَّ فهم
الأحكام لا يستقيم إلا بجمع الروايات، والنظر في دلالاتها، ومعرفة ما يخصِّص العام
أو يقيِّد المطلق.
١٩- وجوب العناية بألفاظ الروايات المختلفة.
فقد ورد الحديث بألفاظٍ متعددة، وفي بعضها ذكر بني
عبد مناف، وفي بعضها ذكر بني عبد المطلب، وفي بعضها التصريح بالولاية على الأمر؛
والعناية بهذه الاختلافات تعين على فهم المراد، وتكشف عن وجوه الدلالة التي قد لا
تظهر بالنظر إلى رواية واحدة.
٢٠- أنَّ خير الناس من كان عونًا على الطاعة.
فمن أعان الناس على عبادة الله، ودلَّهم على الخير،
ويسَّر لهم ما أباحه الله، كان ذلك من أبواب البر والإحسان؛ وأما من حال بينهم
وبين الطاعة بغير حقٍّ فقد فوَّت على نفسه وعلى غيره خيرًا عظيمًا.
٢١- أنَّ إقامة المصالح العامة لا تكون إلا
بالعدل والشرع.
فالمصالح المتعلقة بالمسجد الحرام، كتنظيم دخول الناس
وحفظ أمنهم وصيانة حرمة المكان، تُراعى فيها الأحكام الشرعية والمصلحة المعتبرة؛
وليس الحديث دليلًا على منع كل تنظيمٍ أو تدبير، وإنما هو نهيٌ عن منع الناس من
الطواف والصلاة بغير حقٍّ شرعي.
٢٢- أنَّ الواجب عند اختلاف الأدلة ردُّها
إلى أصولها وقواعدها.
فمن نظر في هذا الحديث مع أحاديث النهي عن الصلاة في
أوقات مخصوصة، وجب عليه أن يجمع بينها على وفق قواعد الاستدلال، وأن يرجع إلى كلام
أهل العلم، وألا يتعجل في دعوى التعارض أو يكتفي بدليلٍ واحدٍ دون بقية الأدلة.
فهذا الحديث يجمع بين تعظيم البيت الحرام، والحثِّ
على تيسير العبادة لقاصديه، والتحذير من منعهم منها بغير حقٍّ، والتنبيه على أمانة
الولاية ومسؤوليتها.
كما يُعدُّ من النصوص المهمة في بحث صلاة ركعتي
الطواف في أوقات النهي، وهي مسألةٌ فقهيةٌ يُنظر فيها إلى مجموع الأدلة وأقوال
العلماء؛ فإنَّ الواجب تعظيم النصوص الشرعية جميعًا، والعمل بها على الوجه الذي
دلَّ عليه الكتاب والسنة، من غير غلوٍّ ولا تفريط.
Komentar
Posting Komentar