شرح الحديث 135 (باب المواقيت) من بلوغ المرام

 

135 - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ _رضي الله عنه_، قَالَ:

سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_، يَقُولُ:

"لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ" (1).

* وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ:

"ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ."[1]

وَالْحُكْمُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: "إِلَّا يَوْمَ الْجُمْعَةِ" (3)،

وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ.

 

المعنى الإجمالي للحديث

 

ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في باب المواقيت من كتابه بلوغ المرام جملةً من الأحاديث التي تبيِّن الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، وما يتعلَّق بذلك من أحكام.

 

فأمَّا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ففيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع، وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.

والمقصود بذلك النهي عن صلاة التطوُّع التي لا سبب لها في هذين الوقتين، فلا يُشرع للمسلم أن يتنفَّل فيهما ابتداءً، لما في ذلك من امتثال نهي النبي صلى الله عليه وسلم، ومراعاة الأوقات التي حدَّدها الشرع للصلاة.

 

ثم ذكر الحافظ رحمه الله حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وفيه بيان ثلاثة أوقاتٍ مخصوصة نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الصلاة فيها وعن دفن موتاهم فيها:

الوقت الأول عند ابتداء طلوع الشمس حتى ترتفع عن الأفق،

والوقت الثاني حين تتوسَّط الشمس السماء قبيل الزوال حتى تميل عن وسط السماء،

والوقت الثالث حين تميل الشمس إلى الغروب حتى تغرب.

وهذه الأوقات الثلاثة أشدُّ اختصاصًا بالنهي، وقد ورد النهي عن الصلاة فيها وعن دفن الموتى فيها، كما جاء في حديث عقبة رضي الله عنه.

 

ثم أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله إلى ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن الصلاة عند قيام الشمس في وسط السماء، مع استثناء يوم الجمعة من هذا الحكم في الرواية التي أشار إليها، وبيَّن أنَّ إسناد هذا الحديث ضعيف. كما أشار إلى رواية أبي داود عن أبي قتادة رضي الله عنه، وهي في معنى ذلك.

 

وخلاصة المعنى:

أنَّ الشريعة الإسلامية قد حدَّدت أوقاتًا يُنهى فيها عن الصلاة، منها وقتان ممتدَّان: من بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وارتفاعها، ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس؛ ومنها ثلاثة أوقات قصيرة أشدُّ نهيًا: عند طلوع الشمس، وعند استوائها في كبد السماء، وعند تهيُّؤها للغروب. والمقصود من ذلك تعليم المسلم التقيُّد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات العبادات، وألَّا يتقرَّب إلى الله تعالى بما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

وينبغي التنبيه إلى أنَّ أحكام هذه الأوقات تتعلَّق بتفاصيل فقهية، منها حكم الصلوات ذوات الأسباب، وقضاء الفرائض الفائتة، واختلاف بعض أهل العلم في بعض الصور؛ فلا يُحمل النهي الوارد في هذه الأحاديث على منع جميع أنواع الصلاة في كل صورة دون تفصيل.

 

قال العثيمين _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 435):

"يقول: «لا صلاة بعد الصبح» «لا» نافية للجنس, و «صلاة» تعني: بناء على هذا الفرض والنفل, وتشمل الصلاة ذات الركوع والسجود, وما ليس بذات ركوع وسجود كصلاة الجنازة.

وقوله: «بعد الصبح» يحتمل أن المراد: بعد صلاة الصبح, ويحتمل أن المراد: بعد طلوع الشمس, لكن رواية مسلم تبين أن المراد: بعد صلاة الصبح, ولذلك لا صلاة بعد صلاة الفجر, وكذلك أيضًا ورد في أحاديث أخرى غير حديث أبي سعيد التصريح بأن المراد: الصلاة؛ حيث قال الراوي: «نهى عن الصلاة بعد صلاتين: صلاة الفجر, وصلاة العصر».

وقوله: «حتى تطلع الشمس» المراد: حتى تطلع كاملة, أو حتى يطلع قرنها الأول والثاني, ولكن مع ذلك سيتبين فيما يأتي - إن شاء الله - في حديث عقبة أن النهي يمتد إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح, «ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». «بعد العصر» , أي: بعد صلاة العصر, «حتى تغيب الشمس» أي: يغيب قرنها الأعلى, يعني: تغيب كلها.

فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في ذلك؟

قلنا: الحكمة في هذا أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم «أن الشمس تطلع بين قرني شيطان» , فإذا رآها المشركون سجدوا لها, وكذلك في الغروب تغرب بين قرني الشيطان, ولعلهم يسجدون لها وداعًا، فهم يسجدون لها استقبالًا عند طلوعها ووداعًا عند خروجها، فنهينا عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى التشبه بهم.

 

خلاف العلماء:

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 492):

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 492):

"أجمع العلماء على تحريم الصلوات النوافل المطلقة، وأنَّها لا تصح ولا تنعقد في أوقات النهي الخمسة المتقدِّم ذكرُها.

واختلفوا في جواز الصلوات ذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف:

* ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور من مذهبه: إلى عدم جواز نفل الصلاة في أوقات النهي مطلقًا، سواءً كانت من ذوات الأسباب أو غيرها.

* وذهب الإمام الشَّافعي: إلى جواز نفل ذوات الأسباب، وهو روايةٌ قوية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام وغيره من أصحاب أحمد.

ومنشأ الخلاف بين الفريقَيْن: هو بُدُوُّ التعارض بين الأحاديث:

فطائفة منها: عمومها يفيد النهي عن الصلاة مطلقًا في تلك الأوقات،

وطائفة أخرى: عمومها يفيد استحباب إيقاع الصلاة ذات السبب، ولو في وقت النَّهي.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:

التحقيقُ: أنَّ العموم في الأوقات مقدَّم على العموم في الصلوات؛ ولأنَّ أحاديثَ النَّهي قد دخلها التخصيص بالفائتةِ، والنومِ عنها، والنَّافلةِ التي تقضى؛ فضَعُفَ جانبُ عموم تخصيصها بذلك.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: تجويزُ ذواتِ الأسباب في أوقات النَّهي أرجحُ مِنْ منعها؛ لأنَّ ذواتِ الأسباب تفوت بفوات أسبابها، بخلاف النوافل المطلقة." اهـ

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 492_493):

واختلف العلماء هل يبدأ النهي عن الصلاة بطلوع الفجر أم بعد صلاة الفجر؟___

ذهب إلى الأوَّل الأئمة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وأتباعهم؛ مستدلِّين بما روى أبو داود (1278) والترمذي (419) عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة بعد الفجر إلاَّ سجدتين".

وذهب الشَّافعية: إلى أنَّ النَّهي يبتدىء من صلاة الفجر؛ واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري (561) عن أبي سعيد: "لا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس"، وغيره من الأحاديث.

وما استدل به الحنابلة فيه مقال، ولا يُقاوِمُ أحاديثَ الصحيحين؛ كما سيأتي بيان ذلك." اهـ

 

تخريج الحديث:

 

* حديث أبي سعيد الخدري _رضي الله عنه: أخرجه البخاري (1/ 121) (رقم: 586)، ومسلم (1/ 567/ 288) (رقم: 827)، والنسائي (1/ 278) (رقم: 567)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 260) (رقم: 465)، وابن ماجه (1/ 395) (رقم: 1249)، وأحمد – ط. عالم الكتب (3/ 39 و 3/ 45 و 3/ 51/ 4) (رقم: 11348 و 11417 و 11483)،

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 327) (رقم: 1041)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1249) (رقم: 7510)

 

* حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ _رضي الله عنه_: أخرجه مسلم (1/ 568/ 293) (رقم: 831)، وأبو داود (3/ 208) (رقم: 3192)، والترمذي – ت. شاكر (3/ 339) (رقم: 1030)، والنسائي (1/ 275 و 1/ 277 و 4/ 82) (رقم: 560 و 565 و 2013)، وابن ماجه (1/ 486) (رقم: 1519)، وغيرهم.

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (2/ 238) (رقم: 480)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 327) (رقم: 1040)، و"أحكام الجنائز" (ص: 130 و 139)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (3/ 159 و 3/ 163) (رقم: 1544 و 1549)،

 

* حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_: أخرجه مسند الشافعي - ترتيب السندي (1/ 139) (رقم: 408):

أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_:

"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلا يَوْمَ الْجُمُعَةِ."

والحديث ضعيف: ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 330) (رقم: 1046).

 

حديث أبي قتادة _رضي الله عنه_: أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 284) (رقم: 1083):

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: «إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»،

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هُوَ مُرْسَلٌ، مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيلِ، وَأَبُو الْخَلِيلِ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ»

وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (7/ 358) (رقم: 7725)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 652 و 3/ 274) (رقم: 4121 و 5688)، وفي "السنن الصغير" (1/ 327) (رقم: 932)، و"معرفة السنن والآثار" (3/ 438) (رقم: 5229).

والحديث ضعيف: ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 330) (رقم: 1047)، "ضعيف الجامع الصغير وزيادته" (ص: 522) (رقم: 3574)، و"ضعيف أبي داود" - الأم (2/ 3) (رقم: 200).

 

وقال الألباني _رحمه الله_ في "ضعيف أبي داود" - الأم (2/ 3):

"قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان.

الأولى: الانقطاع بين أبي الخليل وأبي قتادة- كما ذكر المؤلف، وأقره المنذري في "مختصره " (2/15) -.

والأخرى: ليث- وهو ابن أبي سليم،- وهو ضعيف لسوء حفظه واختلاطه. والحديث أخرجه ابن عدي في "الكامل " (1/99) ، والبيهقي (3/193) من طريقين آخرين عن حسان بن إبراهيم الكِرْماني ... به.

وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة:

أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس؛ إلا يوم الجمعة. ____أخرجه الشافعي (1/52/148) عن إبراهيم بن محمد قال: حدثني إسحاق ابن عبد الله عن سعيد المقبري عنه.

وهذا سند ضعيف جداً من أجل إبراهيم بن محمد وإسحاق؛ فإنهما متروكان، لكن هذا القدر صحيحُ المعنى؛ كما بينه العلامة ابن القيم في "زاد المعاد" (1/143-144)." اهـ

 

من فوائد الحديث:

 

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (7/ 305_307):

(ثلاث ساعات) مبتدأ خبره الجملة بعده، أي ثلاث أوقات.

(كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن) هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة، لأنها صلاة. قاله في المرعاة.

قال الجامع: لكن المراد تأخيرها إلى هذه الأوقات، وتحري أدائها فيها، بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "لا يَتَحَرَّى أحدكم، فيصليَ عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها". متفق عليه،

 وفي رواية للبخاري: "ولا تَحَيَّنُوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني الشيطان".

فإنه يدل على أن المنهي عنه هو القصد للصلاة في هذه الأوقات، لا أداء ما حضر فيها، كالصلاة على الجنازة الحاضرة في تلك الأوقات. والله أعلم.___

(أو نقبر فيهن موتانا) قال في المصباح: وقَبَرتُ المَيْتَ، قَبْرًا، من بابي قَتَلَ وضَرَبَ؛ دَفَنْتُهُ، وأقبرته بالألف: أمرت أنْ يُقْبَرَ، أو جعلت له قبرًا. اهـ والمَوْتَى، جمع مَيْت.

قال القرطبي رحمه الله: روي بأو، وبالواو، وهي أظهر، ويكون مراد النهي الصلاةَ على الجنازة والدفنَ، لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية "أو" ففيها إشكال، إلا إذا قلنا: إن "أو" بمعنى الواو، كما قال الكوفي. اهـ "زهر الربى". جـ 1 ص 275.

وفيه دليل على أن دفن الميت في هذه الأوقات الثلاثة منهي عنه،

* وإليه ذهب أحمد، وهو الحق لظاهر الحديث. قال السندي: ظاهر الحديث كراهة الدفن في هذه الأوقات، وهو قول أحمد، وغيره،

* ومن لا يقول به يُؤَوّل الحديث بأن المراد صلاة الجنازة على الميت بطريق الكناية، للملازمة بين الدفن والصلاة، ولا يخفى أنه تأويل بعيد، لا ينساق الذهن إليه من لفظ الحديث؛ يقال: قبره: إذا دفنه، ولا يقال: قبره: إذا صلى عليه.

قال: والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد، وغيره: أن الدفن مكروه في هذه الأوقات. انتهى.

وقال البيهقي: نهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات. انتهى.

قال في "المرعاة":

قلت: حمله أبو داود على الدفن الحقيقي حيث بوب عليه في الجنائز "باب الدفن عند طلوع الشمس، وعند غروبها"،___

وإليه يظهر ميل النسائي، حيث عقد عليه في أثناء أبواب الدفن "باب الساعات التي نهي عن إقبار الموتى فيها"،

وحمله ابن ماجه على الصلاة والدفن كليهما، فقد بوب عليه في الجنائز: "باب الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت، ولا يدفن"،

وحمله الترمذي على الصلاة، ولذلك بوب عليه "باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس، وعند غروبها"،

وأيده بما نقل عن ابن المبارك، قال: معنى هذا الحديث: أو أن نقبر فيهن موتانا، يعني الصلاة على الجنازة. انتهى. وقد ضعف النووي هذا التأويل، وزيفه، كالسندي. هذا.

وقد علمت مما قدمنا أن صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات عند مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، واستدل هؤلاء بحديث عقبة هذا وغيره من الأحاديث المطلقة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الساعات خلافًا للشافعي. والقول الأول هو الظاهر. قال الخطابي: قول الجماعة أولى، لموافقة الحديث. اهـ "مرعاة" جـ 3 ص 454 - 455.

قال الجامع: بل ما قاله الشافعي عندي هو الأولى، لما عرفت من أن الراجح أن ذوات الأسباب لا تُمنَعُ في تلك الأوقات، إذ النهي محمول على التحري فيها، فما كان ذا سبب، ليس فيه تَحَرٍّ. فتفطن. والله أعلم. ثم بين تلك الساعات." اهـ

 

قال العثيمين في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 435):

فلنأخذ الفوائد:

قوله: «لا صلاة» ذكرنا أن المراد: العموم, أي صلاة تكون, لكن نستثني من ذلك شيئًا, ثم هل المراد نفي الصلاة, أو نفي صلاتها, أو نفي كمالها؟____

هذه ثلاثة احتمالات, والقاعدة: أن النفي نفي للوجود, فإن لم يمكن فهو نفي للصحة, ونفي الصحة نفي لوجودها شرعًا, أو لوجود المنفي شرعًا, فإن لم يكن بأن دل الدليل على أن المنفي صحيح وجب أن يحمل على نفي الكمال, فهنا هل المراد أن الصلاة منفية وقوعًا بمعنى لا يمكن أن تقع؟ الجواب: لا؛ لأنه ربما يصلي الإنسان في هذا الوقت.

إذن هل هو نفي للصحة أو الكمال؟ نقول: المرتبة الثانية بعد نفي الوجود أن تكون نفيًا للصحة ولابد, فنقول: «لا صلاة»؛ أي: لا تصح, وليس نفيًا للكمال.

إذن يستفاد من هذا الحديث: أنه لا تصح الصلاة في هذين الوقتين: لا الفريضة ولا النافلة, لا المقضية ولا المؤداة, ولكن هذا الحديث مرادًا, أي: لا يراد العموم, فقد دلت السنة على استثناء أشياء من ذلك, منها: الفريضة, فالفريضة لا نهي عنها, فمتى ذكر الإنسان أن عليه فريضة صلاها ولو في هذين الوقتين.

مثال ذلك: رجل لما صلى الفجر تذكر أنه صلى العشاء بغير وضوء, فهنا يصلي العشاء قبل طلوع الشمس أو لا؟

يصليها حين ذكرها, دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».

فإن قال قائل: هذا الحديث بينه وبين حديث أبي سعيد عموم وخصوص من وجه, فكيف رجحتم عموم حديث قضاء الصلاة, على عموم حديث النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؟ فالجواب: أن قضاء الصلاة الواجبة واجب والأصل في الأمر «فليصلها إذا ذكرها» أنه على الفور, فيقتضي أن تصلى الفريضة من حين أن يعلم بها الإنسان, هذا واحد.

ثانيًا: حديث: «لا صلاة بعد الصبح» قد يستثنى منه أشياء بالنفي وبالإجماع, وقد ذكر العلماء أن العموم إذا خص فإن دلالته على العموم تكون ضعيفة, بل إن بعضهم يقول: إذا خص العموم فإن دلالته على العموم تبطل,

لكن الراجح أنها لا تبطل, وأنه لا يخرج من العموم إلا ما استثني بالتخصيص, إذن يستثنى من ذلك قضاء الفريضة, لا يستثنى من ذلك إعادة الصلاة, يعني: إذا جاء إنسان بعد أن صلى الفجر, ودخل المسجد, وصلى الناس؛ فإنه يصلي معهم ولو كان بعد صلاة الفجر,

دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الصبح___في مسجد الخيف، رأى رجلين لم يصليا, فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ » قالا: يا رسول الله, صلينا في رحالنا, فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكم نافلة». فإنها - أي: الصلاتين - المعادة لكما نافلة, فصرح صلى الله عليه وسلم أنهما يصليان, وأنها نافلة, إذن إعادة الصلاة مستثناة.

يستثنى من ذلك سنة الظهر البعدية إذا جمعها مع العصر؛ لأنه لا يمكن أن يصليها بين الظهر والعصر؛ لأنهما مجموعتان, فيقضيها بعد صلاة العصر, كمريض يجمع بين صلاة الظهر والعصر, فيصلي الظهر, ثم يصلي العصر, ثم يصلي راتبة الظهر البعدية ليست القبلية, ولكن البعدية؛ لأنه لا يتمكن من صلاة الراتبة البعدية إلا بعد صلاة العصر.

يستثنى من ذلك أيضًا ركعتا الطواف, إذا طاف الإنسان بعد صلاة الصبح, أو بعد صلاة العصر, فإنه يصلي ركعتين خلف المقام لما سيأتي في «كتاب الحج»؛ ولأنهما تبع للطواف.

يستثنى من ذلك أيضًا ركعتا الطواف, إذا طاف الإنسان بعد صلاة الصبح, أو بعد صلاة العصر, فإنه يصلي ركعتين خلف المقام لما سيأتي في «كتاب الحج»؛ ولأنهما تبع للطواف.

يستثنى من ذلك أيضًا سنة الوضوء, فإنه إذا توضأ الإنسان بعد صلاة الصبح, أو بعد صلاة العصر, يجوز له أن يصلي سنة الوضوء لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».

بناءً على هذه الأدلة نقول بالقول الثاني وهو رواية عن أحمد أنه يستثنى من هذا العموم الفرائض, وكل نافلة لها سبب, هذا هو القول الراجح, وهو رواية عن أحمد, واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن كل صلاة لها سبب فإنه يصليها في أوقات النهي, يدل لذلك أن في بعض ألفاظ أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات أنه قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا تحروا الصلاة». فهو يدل على أن المراد من قصد الصلاة في هذه الأوقات, وأما من صلى لسبب فإنه لم يقصد الصلاة في هذه الأوقات,

ويدل لذلك أيضًا أنه إذا كانت العلة هي الابتعاد عن مشابهة المشركين, فإن الصلاة ذات السبب تبعد قصد التشبه بالمشركين,

وجهه: أنها مقرونة بسبب, فلها سبب ظاهر يجب مشروعيتها, فلا يكون هناك مشابهة للمشركين.

المهم: أن القول الراجح في هذا أنه يستثنى من هذا العموم الفرائض, وكل نافلة لها سبب.

من فوائد هذا الحديث: سد ذرائع الشرك وإن كانت بعيدة؛ لأن أصل الرسالة مبنية على___التوحيد, فكل طريق يمكن أن ينفذ الشيطان إلى قلب الإنسان فيوقع في الشرك, فإن النبي صلى الله عليه وسلم سده سدًا محكمًا.

إذن نأخذ من هذا: أن جميع وسائل الشرك محرمة, لكن الوسيلة قد تكون قريبة, وقد تكون بعيدة, فلعظم المقام سد النبي صلى الله عليه وسلم كل وسيلة ولو كانت بعيدة.

ومن فوائد هذا الحديث: أن النهي مقيد بالصلاة, صلاة من: صلاة الإنسان, أو صلاة الناس عمومًا؟ صلاة الإنسان, ولذلك لو فرض أن أحدًا من الناس فاتته صلاة الفجر, بل فاتته صلاة العصر, وتطوع بنافلة قبل أن يصليها هو, أيجوز ذلك أو لا؟ نعم, يجوز ذلك؛ لأن العبرة بصلاته هو.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الصبح يطلق ويراد به الصلاة, يفسر ذلك لفظ مسلم, واستعمال الصبح بمعنى الصلاة موجود بكثرة في السنة.

 

معرفة السنن والآثار (3/ 438)

"قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ – يعني البيهقي -:

وَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ فِي إِسْنَادِهِمَا مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَكِنَّهَا إِذَا انْضَمَّتْ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ أَخَذَتْ بَعْضَ الْقُوَّةِ___.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، التَّهْجِيرُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالصَّلَاةِ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ.

قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغَّبَ فِي التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَفِي الصَّلَاةِ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَذَلِكَ يُوَافِقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أُبِيحَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَرُوِّينَا الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ." اهـ

 

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (16/ 582_584):

قال الإمام ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "صيغة النفي في ألفاظ الشارع إذا دخلت على فعل، كان الأولى حَمْلُها على نفي الفعل الشرعيّ، لا على نفي الفعل الوجوديّ، فيكون قوله: "لا صلاة بعد الصبح" نفيًا للصلاة الشرعية، لا الحسية، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظاهر أن الشارع يُطْلِق ألفاظه على عُرْفه، وهو الشرعيّ، وأيضًا فإنا إذا حملناه على الفعل الحسيّ، وهو غير منتفٍ احتجنا إلى إضمار؛ لتصحيح اللفظ، وهو المسمى بدلالة الاقتضاء، وينشأ النظر في أن___اللفظ يكون عامًّا، أو مجملًا، أو ظاهرًا في بعض المحامل، أما إذا حملناه على نفي الحقيقة الشرعية لَمْ نَحتج إلى إضمار، فكان أولى.

ومن هذا البحث يُطَّلَع على كلام الفقهاء في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلَّا بوليّ"، فإنك إذا حملته على الحقيقة الشرعية لَمْ تحتج إلى إضمار، فإنه يكون نفيًا للنكاح الشرعيّ، وإن حملته على الحقيقة الحسية، وهي غير منتفية عند عدم الوليّ حسًّا احتجت إلى إضمار، فحينئذ يُضْمِر بعضهم الصحة، وبعضهم الكمال، وكذلك قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل". انتهى كلام ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وهو بحث نفيسٌ جدًّا. ["إحكام الإحكام" 1/ 151]

وقال في "الفتح": وحَكَى أبو الفتح اليَعْمُريّ عن جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يُتَطَوَّع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي، كما قَصَدَ به وقت الطلوع، ووقت الغروب.

قال: ويُؤَيِّد ذلك ما رواه أبو داود، والنسائيّ في سناد حسنٍ[2] عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تُصَلُّوا بعد الصبح، ولا بعد العصر، إلَّا أن تكون الشمس نقيَّة"، وفي رواية: "مرتفعةً".

فدَلَّ على أن المراد بالبَعْدِيَّةِ ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع، ووقت الغروب، وما قاربهما واللَّه أعلم. انتهى ["الفتح" 2/ 74].

[تنبيه]: لفظ البخاريّ في هذا الحديث: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس"، قال ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وفي هذا الحديث زيادة على الأول -يعني حديث عمر -رضي اللَّه عنه- فإنه مدّ الكراهة إلى ارتفاع الشمس، وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنده صفرة الشمس أو حمرتها، وهو مقدَّر بقدر رُمْحٍ أو رمحين. انتهى ["إحكام الإحكام" 1/ 151]،

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان." اهـ

 

توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 491_492):

ما يؤخذ من الحديث:

1 - نفيُ صحة الصلاة بعد صلاة الصبح؛ لأنَّه دَخَلَ وقت النَّهي الَّذي لا تصحُّ فيه الصلاة.

2 - نَفْيُ صحة الصلاة بعد صلاة العصر؛ لأنَّه دَخَلَ وقت النَّهي الَّذي لا تصح الصلاة فيه.

3 - رواية مسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر" أزالتِ الشكَّ الَّذي جاء في رواية: "لا صلاة بعد الصبح"، والَّذي فيه احتمالُ إرادة طلوع الصبح، أو إرادة فعل الصلاة.

4 - النَّفْيُ في هذين الوقتين أبلَغُ من النَّهي؛ لأنَّ النَّفي فيه نفيُ وقوع حقيقة الشيء، وأمَّا النَّهي فلا يُعْطِي هذا المعنى.

5 - السَّاعاتُ الثلاث التي ينهى فيها عن الصلاة وعن دفن الموتى هي:

(أ) من طلوع الشمس حتَّى ترتفع قِيدَ رمح وتزول حمرتها.

(ب) حين ينتهي ارتفاعُ الشمسِ حتَّى تزول.

(ج) حين تميلُ إلى الغروب حتَّى يتم غروبها.

* أوقات النهى بالبسط:

1 - من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.

2 - من طلوع الشمس حتَّى ترتفع قدر رمح.

3 - عند قيام الشمس حال الاستواء حتَّى تزول.

4 - من بعد صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.___

5 - من الاصفرار حتَّى يتم الغروب.

 

الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة (ص: 60_61):

"لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهن أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".

وأخرجه النسائي والدارمي.

قلت: فهذا الحديث يبين بجلاء وظيفة الداخل إلى المسجد يوم الجمعة في أي وقت كان هي أن يصلي ما قدر له وفي حديث آخر: "ما بدا له" حتى يخرج الأمام فينصت له فهو دليل صريح أو كالصريح على جواز الصلاة قبل الزوال يوم الجمعة وذلك من خصوصيات هذا اليوم كما بينه المحقق ابن القيم في الزاد "1/143" واحتج له بهذا الحديث فقال عقبه:

"فندبه إلى صلاة ما كتب له ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام لانتصاف النهار".

ثم ذكر مذاهب العلماء في الصلاة قبل الزوال___وهي ثلاثة: مباح مطلقا يوم الجمعة وغيره ومكروه مطلقا والثالث أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة وهو مذهب الشافعي وهو الحق الذي اختاره جماعة من الحنفيين وغيرهم وهو قول الإمام أبي يوسف رحمه الله وهو المعتمد المصحح في المذهب كما في "الأشباه والنظائر" وعليه الفتوى كما في الطحطاوي على مراقي الفلاح.

وعلى هذا جرى عمل الصحابة رضي الله عنهم فروى ابن سعد في الطبقات "8/360" بإسناد صحيح على شرط مسلم عن صافية قالت:

"رأيت صفية بنت حيي "وهي من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ماتت في ولاية معاوية" صلت أربعا قبل خروج الإمام وصلت الجمعة مع الإمام ركعتين". اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

### الفوائد المستنبطة من أحاديث النهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة

 

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في بلوغ المرام، في باب المواقيت، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وفيهما بيان الأوقات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها.

 

وفيما يلي فوائد عديدة مستنبطة من الأحاديث الصحيحة دون الاستدلال بالروايات الضعيفة، مع بيان كل فائدة باللغة العربية الفصيحة، على طريقة أهل العلم في شرح الحديث واستنباط الأحكام.

 

### أولًا: فوائد تتعلق باتباع السنة وتعظيم الأمر والنهي

 

١- وجوب امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهيه.

 

ففي قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» دليلٌ على وجوب الانقياد لأحكام الشريعة، وأنَّ العبد لا يتقرَّب إلى الله تعالى بمخالفة ما نهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

٢- أنَّ العبادة مبناها على الاتباع لا على مجرَّد الاستحسان.

 

فليس كلُّ عملٍ يراه الإنسان خيرًا يكون مشروعًا في كلِّ وقتٍ وحال، بل لا بدَّ من موافقته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ القُرَب توقيفية، فلا يُتقرَّب إلى الله تعالى إلا بما شرعه.

 

٣- عناية الشريعة بضبط أوقات العبادات.

 

فكما حدَّدت الشريعة أوقات الصلوات المفروضة، بيَّنت كذلك أوقات النهي عن بعض النوافل، ليتعبَّد المسلم ربَّه على بصيرة، ويقف عند حدود ما شرعه الله ورسوله.

 

٤- أنَّ النهي النبوي دليلٌ على حكمة التشريع، وإن خفيت بعض حِكَمه على العباد.

 

فالمؤمن يمتثل أمر الله ورسوله تسليمًا وانقيادًا، سواء أدرك الحكمة التفصيلية من الحكم أم لم يدركها؛ إذ العلم بكمال حكمة الشارع لا يتوقَّف على معرفة كلِّ حكمةٍ جزئية.

 

٥- أنَّ المحبة الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم تقتضي اتباع سنته.

 

فمن صدق في محبته للنبي صلى الله عليه وسلم حرص على معرفة هديه، والتزام أوامره، واجتناب نواهيه، ولم يجعل هواه أو استحسانه مقدَّمًا على سنته.

 

### ثانيًا: فوائد تتعلق بأوقات النهي عن الصلاة

 

٦- ثبوت النهي عن صلاة التطوع بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع.

 

وذلك صريحٌ في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي رواية مسلم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ». فينبغي للمسلم أن يحفظ هذا الحكم، وألَّا يبتدئ صلاة التطوع التي يشملها النهي في هذا الوقت.

 

٧- ثبوت النهي عن صلاة التطوع بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.

 

فلا يُشرع للمسلم أن يبتدئ نافلةً مطلقةً بعد أداء العصر، بل ينتظر حتى تغرب الشمس، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالصلوات التي لها أسباب أو التي تجب في الذمة.

 

٨- أنَّ وقت النهي بعد الفجر مرتبطٌ بأداء صلاة الفجر.

 

فلفظ مسلم: «بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» يدلُّ على أنَّ المراد ما بعد أداء الفريضة، وليس مجرَّد دخول وقت الفجر. وهذه فائدةٌ في فهم ألفاظ الحديث، وربط الأحكام بأسبابها وأوقاتها.

 

٩- أنَّ النهي بعد العصر يمتدُّ إلى غروب الشمس.

 

فلا ينتهي هذا النهي بمجرد اقتراب وقت المغرب، بل يستمرُّ حتى تغرب الشمس، كما نصَّ عليه الحديث.

 

١٠- أنَّ وقت النهي بعد العصر أوسع من الوقت الذي تشتدُّ فيه حرمة ابتداء النافلة قرب الغروب.

 

فالنهي عن الصلاة بعد العصر ثابتٌ من حين أداء الفريضة، وأمَّا الوقت الذي تتضيَّف فيه الشمس للغروب فهو أحد الأوقات الثلاثة الخاصة المذكورة في حديث عقبة رضي الله عنه.

 

١١- أنَّ الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ليست على مرتبةٍ واحدة من جهة الامتداد الزمني.

 

فمنها وقتٌ يبدأ بعد أداء الفجر ويمتدُّ إلى ارتفاع الشمس، ووقتٌ يبدأ بعد أداء العصر ويمتدُّ إلى الغروب، ومنها أوقاتٌ مخصوصة قصيرة: عند طلوع الشمس، وعند استوائها في وسط السماء، وعند تهيُّؤها للغروب.

 

١٢- أنَّ طلوع الشمس ليس هو الحدَّ الذي ينتهي عنده النهي مباشرةً.

 

بل جاء في حديث عقبة رضي الله عنه: «حَتَّى تَرْتَفِعَ»، فدلَّ ذلك على استمرار النهي المتعلِّق بطلوع الشمس حتى ترتفع عن الأفق.

 

١٣- أنَّ الزوال علامةٌ شرعيةٌ لانتهاء النهي المتعلِّق باستواء الشمس.

 

فإذا مالت الشمس عن وسط السماء إلى جهة الغرب، انتهى وقت النهي الخاص بالاستواء، ودخل وقت الظهر بعد تحقق الزوال.

 

١٤- أنَّ معرفة أوقات النهي تعين المسلم على أداء العبادة على الوجه المشروع.

 

فالمسلم الذي يتعلَّم هذه الأوقات يستطيع أن يميِّز بين الوقت الذي تُشرع فيه النافلة والوقت الذي يُنهى فيه عنها، فلا يقع في المخالفة بسبب الجهل بالحكم.

 

### ثالثًا: فوائد تتعلق بحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه

 

١٥- أنَّ الأوقات الثلاثة المنهي عن الصلاة فيها قد ثبتت بالسنة الصحيحة.

 

وهي وقت طلوع الشمس حتى ترتفع، ووقت استوائها في وسط السماء حتى تزول، ووقت تهيُّؤها للغروب حتى تغرب. وقد جاء بيانها في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الذي رواه مسلم.

 

١٦- أنَّ الشريعة راعت أحوال الشمس في بيان بعض أحكام الصلاة.

 

فربطت السنة النهي بظواهر كونية معلومة، وهي طلوع الشمس وارتفاعها، واستواؤها وزوالها، وميلها إلى الغروب؛ مما يجعل هذه الأحكام مرتبطةً بعلاماتٍ محسوسة يمكن للناس معرفتها.

 

١٧- أنَّ قوله: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ» يراد به ثلاثة أوقات مخصوصة.

 

فلا يلزم من هذا التعبير أن تكون كلُّ واحدة منها ستين دقيقةً كاملة، وإنما المراد ثلاثة أجزاء من الزمن لها حدودٌ شرعية معلومة.

 

١٨- أنَّ النهي عن الصلاة في هذه الأوقات يتعلَّق بما ورد فيه النهي شرعًا.

 

فلا يجوز التوسُّع في دلالة الحديث حتى يُجعل دليلًا على منع جميع أنواع الصلاة في كل صورة؛ إذ لا بدَّ من جمع النصوص الواردة في الباب، والنظر في أحكام الفرائض الفائتة، والصلوات ذوات الأسباب، وغيرها من المسائل التي وقع فيها التفصيل والخلاف بين أهل العلم.

 

١٩- أنَّ السنة قد تأتي مجملةً في موضع، ومبيِّنةً في موضع آخر.

 

فحديث أبي سعيد رضي الله عنه بيَّن النهي بعد الفجر وبعد العصر، وحديث عقبة رضي الله عنه فصَّل الأوقات الثلاثة التي يشتدُّ فيها النهي. وهذا من وجوه تفسير السنة بعضها ببعض، وفهم النصوص في ضوء مجموع الروايات الصحيحة.

 

٢٠- أنَّ جمع طرق الحديث وألفاظه يعين على فهم الحكم الشرعي.

 

فرواية «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» ورواية «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» يفسِّر بعضهما بعضًا، وتُظهران أهمية العناية بألفاظ الرواة عند شرح الأحاديث واستنباط الأحكام.

 

### رابعًا: فوائد تتعلق بدفن الموتى

 

٢١- أنَّ حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه دلَّ على النهي عن دفن الموتى في الأوقات الثلاثة المذكورة.

 

فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين النهي عن الصلاة والنهي عن دفن الموتى في هذه الأوقات، مما يدلُّ على أنَّ حكم الدفن فيها مسألةٌ مستقلة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعرفتها.

 

٢٢- أنَّ أحكام الجنائز لا تُفهم بمعزلٍ عن أدلتها التفصيلية.

 

فكما أنَّ الصلاة لها أوقاتٌ وأحكام، فإنَّ الدفن له أحكامه كذلك. وينبغي للمسلم أن يتعلَّم ما يتعلَّق بتجهيز الميت والصلاة عليه ودفنه، مع مراعاة النصوص الصحيحة وما قرَّره أهل العلم في حالات الضرورة والحاجة.

 

٢٣- أنَّ المسلم ينبغي أن يتحرَّى الأوقات المشروعة في أعماله التعبدية.

 

فكما يتحرَّى أوقات الصلاة، ينبغي له أن يراعي الأحكام الواردة في دفن الموتى، وألَّا يتعمَّد مخالفة النهي النبوي من غير مسوِّغ شرعي.

 

### خامسًا: فوائد تتعلق بطالب العلم ومنهج الاستنباط

 

٢٤- أنَّ طالب العلم يحتاج إلى التمييز بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف.

 

فليس كلُّ ما يُروى في بابٍ من أبواب الدين يصلح أن يُحتجَّ به؛ بل لا بدَّ من معرفة درجة الحديث، والنظر في إسناده، والتمييز بين ما صحَّ وما لم يصحَّ.

 

٢٥- أنَّ الأمانة العلمية تقتضي ألَّا يُستدلَّ بالرواية الضعيفة مع ثبوت ما يغني عنها من الأحاديث الصحيحة.

 

وقد اشتمل هذا الباب على أحاديث صحيحة كافية في بيان أوقات النهي، فلا حاجة إلى تقوية الاستدلال بروايةٍ ضعيفةٍ أو بناء حكمٍ مستقلٍّ عليها من غير تثبُّت.

 

٢٦- أنَّ الأحكام الشرعية تُستنبط من مجموع النصوص، لا من لفظٍ واحدٍ مع إغفال بقية الأدلة.

فقد يبدو لبعض الناس أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ» يمنع كلَّ صلاةٍ بلا استثناء، لكنَّ الفقه الصحيح يقتضي جمع الأدلة والنظر في النصوص الأخرى التي تبيِّن حكم الفرائض الفائتة والصلوات ذوات الأسباب.

 

٢٧- أنَّ معرفة دلالات الألفاظ العربية من وسائل فهم السنة النبوية.

ففهم ألفاظ مثل «بازغة»، و«ترتفع»، و«تزول»، و«تضيَّف» يعين على إدراك الحدود الزمنية التي دلَّ عليها الحديث، ويمنع الخلط بين وقت طلوع الشمس ووقت ارتفاعها، وبين استوائها وزوالها.

 

٢٨- أنَّ على طالب العلم أن يفرِّق بين النص الثابت والاجتهاد الفقهي في تفسيره.

فثبوت الحديث شيء، وفهم دلالته، وتحديد ما يدخل في النهي وما يُستثنى منه شيءٌ آخر. ومن الإنصاف العلمي أن يُنسب كلُّ قولٍ إلى دليله، وأن يُذكر الخلاف في موضعه من غير تعصُّب.

 

٢٩- أنَّ فقه الحديث يجمع بين حفظ النص وفهم معناه وتنزيله على الوقائع.

فلا يكفي أن يحفظ طالب العلم ألفاظ الحديث، بل لا بدَّ أن يفهم حدود النهي، ووقت بدايته ونهايته، وما يتعلَّق به من أحكام الصلاة والدفن.

 

٣٠- أنَّ السنة النبوية أصلٌ عظيم في بيان أحكام العبادات.

فهذه الأحاديث بيَّنت أحكامًا تتعلَّق بأوقات الصلاة لا يستغني المسلم عن معرفتها، وفي ذلك شاهدٌ على وجوب العناية بالسنة النبوية تعلُّمًا وفهمًا وعملًا.

 

فدلت هذه الأحاديث الصحيحة على عظيم عناية الشريعة بتنظيم العبادة، ووجوب امتثال هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أوقات النهي عن الصلاة، والتمييز بين الأوقات الممتدة والأوقات الثلاثة المخصوصة. كما تُعلِّم طالب العلم أنَّ الفقه الصحيح يقوم على جمع النصوص، والتحقُّق من صحتها، وفهم ألفاظها في ضوء اللغة العربية وسائر الأدلة الشرعية،

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



[1] (نَقْبُر): بضم الباء وكسرها، أي: ندفن فيها الموتى. (الشمس بازغة): بزغَتِ الشمسُ تبزُغُ بزوغًا، من باب نصر، أي: ابتدأت في الطلوع. (حين): الحين: وقتٌ مبهمٌ يصلُحُ لجميع الأزمان -طال أو قصر- والمراد به هنا: وقتُ الزوال. (قائم الظهيرة): هو قيام الشمس وقت الزوال من قولهم: قامت به دابَّته، أي: وقفت، والمعنى: أنَّ الشمس إذا بلَغَتْ وسَطَ السماء، أبطأتْ حركة الظلِّ إلى أنْ تزول، فيحسب النَّاظر إليها أنَّها وقَفَتْ وهي سائرة؛ ولكنَّه سير لا يظهر له أثرٌ سريع، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: "قائم الظهيرة". (حتَّى تزول): حتَّى تميلَ عن وسط السماء نحو المغرب. (تَضَيَّف الشمس للغروب): بفتح التاء والضاد المعجمة، وتشديد الياء: تميل نحو الغروب. انظر: "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 490_491) للبسام.

[2] قال الإثيوبي _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (16/ 583):

"تقدّم أنه سند صحيح، وفيه وهب بن الأجدع، وهو تابعيّ روى عنه هلال بن يساف، والشعبيّ، ووثقه ابن حبّان والعجليّ، ولم يتكلم فيه أحد، فهو ثقةٌ، فتنبّه." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام