شرح الحديث 116 (باب الحث عَلَى الازدياد من الخير في أواخر العمر) من رياض الصالحين

 

[116] الخامس: عن جابر _رضي الله عنه_، قَالَ:

قَالَ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:

«يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ»، رواه مسلم.

 

ترجمة جابر بن عبد الله الخزرجي السَّلِمي -رضي الله عنه-:

 

قال المزي في "تهذيب الكمال":

( خ م د ت س ق ): جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن غنم ابن كعب بن سَلِمَةَ بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج . الأنصارى ، الخزرجي، السَّلِمِي، أبو عبد الله المدني، صاحب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وابن صاحبه . اهـ .

 

عن عبد الله بن عمارة بن القداح:

"عبد الله بن عمرو بن حرام شهد العقبة. وكان نقيبا، وشهد بدرا، وأستشهد ـ يعنى بأحد، و ابنه جابر بن عبد الله ، شهد العقبة ، و شهد المشاهد كلها، إلا بدرا، و أحدا."

 

و أمه: أنيسة بنت عقبة بن عدى بن سنان بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب ابن غنم، وأم أبيه عبد الله: هِنْدٌ بِنْتُ قَيْس بن الفدم بن جارية بن عطية .

 

وفي "سنن أبي داود (3/ 75) (رقم: 2731): حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:

«كُنْتُ أَمِيحُ أَصْحَابِي الْمَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ»

 

قال محمد بن سعد:

ذكرت لمحمد بن عمر هذا الحديث، فقال: "هذا وهم من أهل العراق، وأنكر أن يكون جابر شهد بدرا .

 

 

ففي "صحيح مسلم" (3/ 1448/ 145) (رقم: 1813):

عن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً»، قَالَ جَابِرٌ: «لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَا أُحُدًا مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ»

 

وفي "صحيح البخاري" (5/ 123) (رقم: 4154)، و"صحيح مسلم" (3/ 1484/ 71) (رقم: 1856):

عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ_ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ»، وقَالَ جَابِرٌ: «لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ»

 

* وفي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (5/ 691) (رقم: 3852):

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «اسْتَغْفَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لَيْلَةَ البَعِيرِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً»

 

صحيح البخاري (7/ 119) (رقم: 5664):

عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «جَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي، لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلاَ بِرْذَوْنٍ»

 

صحيح مسلم (3/ 1234/ 5) (رقم: 1616):

عن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، قُلْتُ: " يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] " خ م

 

من نصائح جابر:

 

عن جابر بن عبد الله، قال: هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه، فيحتقر ما فى بيته أن يقدمه إليه ، و هلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم .

 

عن جابر بن عبد الله: تعلموا الصمت ، ثم تعلموا الحكم ، ثم تعلموا العلم ، ثم تعلموا للعلم العمل بالعلم ، ثم انشروا .

 

* وفي "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 194):

(مُسْنَدُهُ) : بَلَغَ أَلْفاً وَخَمْسَ مائَةٍ وَأَرْبَعِيْنَ (1540) حَدِيْثاً.

اتَّفَقَ لَهُ الشَّيْخَانِ: عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِيْنَ حَدِيْثاً، وَانْفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ: بِسِتَّةٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ: بِمائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثاً.

 

عن زيد بن أسلم: أن جابر بن عبد الله كف بصره .

عن هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حلقة فى المسجد يؤخذ عنه .

 

* قال البخارى : وصلى عليه الحجاج .

 

و قال محمد بن يحيى بن حبان: مات سنة سبع و سبعين.

و كذلك أبو نعيم فى رواية أخرى، قال: ويقال: مات وهو ابن أربع و تسعين ،

وصلى عليه أبان بن عثمان، وكان آخر من مات من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة .

 

و قال أبو عون المدني، خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، وعليُّ بن عبد الله التميمي، وأبو الحسن المدائني، والواقدي، والْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ الْغَلاَّبِيُّ، ويحيى بن بكير، وأبو عبيد، وعمرو بن عليٍّ، و خليفة بن خياط، في رواية أخرى: مات سنة ثمان و سبعين (78).[1]

زاد أبو عون: و صلى عليه أبان بن عثمان بقباء .

روى له الجماعة . اهـ .

 

نص الحديث وشرحه:

 

عن جابر _رضي الله عنه_، قَالَ:

قَالَ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:

«يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ»، رواه مسلم.

 

وفي "التنوير شرح الجامع الصغير" (11/ 194) للصنعاني:

"(يبعث كل عبد) من ذكر أو أنثى. (على ما مات عليه) من خير وشر، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن الجهاد:

"إن قتلت صابرًا محتسبًا، بعثت صابرًا محتسبًا. وإن قُتلت مرائيًا مكابرًا، بعثت مرائيًا ومكابرًا."

 

[تعليق]:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ؟ فَقَالَ:

«يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، بَعَثَكَ اللَّهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا بَعَثَكَ اللَّهُ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، عَلَى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ، أَوْ قُتِلْتَ بَعَثَكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ»

حديث ضعيف: أخرجه أبو داود في "سننه" (3/ 14) (رقم: 2519). ضعفه الألباني _رحمه الله_ في "ضعيف الترغيب والترهيب" (1/ 413) (رقم: 835). وقال في "ضعيف أبي داود" - الأم (2/ 306) (رقم: 434): "قلت: إسناده ضعيف، لجهالة حنان." اهـ

 

وقال عبد الحق الدهلوي في "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح" (8/ 548):

"قوله: (على ما مات عليه) من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والذكر والغفلة، فالمعتبر هو الخاتمة." اهـ

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (3/ 346) (رقم: 14722):

عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ فَتَّانِي الْقَبْرِ، فَقَالَ:

سَمِعْتُ النَّبِيَّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، يَقُولُ:

"إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا أُدْخِلَ الْمُؤْمِنُ قَبْرَهُ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَ مَلَكٌ شَدِيدُ الاِنْتِهَارِ، فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟

فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: أَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَعَبْدُهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ الَّذِي كَانَ لَكَ فِي النَّارِ، قَدْ أَنْجَاكَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَبْدَلَكَ بِمَقْعَدِكَ الَّذِي تَرَى مِنَ النَّارِ، مَقْعَدَكَ الَّذِي تَرَى مِنَ الْجَنَّةِ ، فَيَرَاهُمَا كِلاَهُمَا،

فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: دَعُونِي أُبَشِّرْ أَهْلِي، فَيُقَالَ لَهُ: اسْكُنْ،

وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُقْعَدُ إِذَا تَوَلَّى عَنْهُ أَهْلُهُ، فَيُقَالَ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ،

فَيُقَالَ لَهُ: لاَ دَرَيْتَ، هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي كَانَ لَكَ مِنَ الْجَنَّةِ، قَدْ أُبْدِلْتَ مَكَانَهُ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ.

قَالَ جَابِرٌ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، يَقُولُ:

(يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ فِي الْقَبْرِ عَلَى مَا مَاتَ، الْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ، وَالْمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِهِ)." وصححه الأرنؤوط

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: أن كل عبد من عباد الله يُبعث يوم القيامة على الحال التي مات عليها؛ فمن مات على الإيمان والطاعة، بُعث على ما كان عليه من الإيمان، ومن مات على الكفر والمعصية، بُعث على ما مات عليه من الكفر والمعصية، بحسب ما يقتضيه عدل الله وحكمه.

 

والحديث يدل على عظيم شأن الخاتمة، وأن العبرة ليست بمجرد ما يكون عليه الإنسان في أول عمره أو أوسطه، وإنما العبرة بما يختم الله له به عمله.

 

فقد يكون المرء في أول عمره مقصرًا، ثم يتوب إلى الله، ويقبل على الطاعات، ويستقيم على أمره حتى يختم له بخير؛ وقد يكون في أول أمره مجتهدًا في الطاعة، ثم ينحرف عن سبيل الله، فيختم له بسوء، والعياذ بالله.

 

ولهذا ينبغي للمسلم أن يظل ملازمًا للتوبة والاستقامة، مجتهدًا في الأعمال الصالحة، حريصًا على اغتنام أوقاته، ولا سيما إذا تقدمت به السن، ودنا أجله؛ فإن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، ولا على أي حال يُقبض.

 

وليس المراد بالحديث أن الإنسان لا يستطيع تغيير حاله قبل الموت، بل المراد التنبيه على أن الحال التي يختم بها عمره هي التي يُبعث عليها؛ ولذلك كان من أعظم ما ينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى حسن الخاتمة، وأن يثبته على دينه حتى يلقاه.

 

ومناسبة الحديث للباب:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العبد يُبعث على الحال التي مات عليها، وهذا يقتضي أن يحرص المسلم على إصلاح خاتمته، وأن يزداد من الطاعات والأعمال الصالحات في أواخر عمره، وألا يغتر بما سبق من عمله، أو يقنط بسبب ما مضى من تقصيره، بل يجمع بين الخوف من سوء الخاتمة، والرجاء في رحمة الله، والمداومة على التوبة والعمل الصالح حتى يلقاه سبحانه. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الختام، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (4/ 2206/ 83) (رقم: 2878)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (3/ 314 و 3/ 331 و 3/ 346 و 3/ 366) (رقم: 14373 و 14543 و 14722 و 14941) وعبد الرزاق الصنعاني في "المصنف" (3/ 586) (رقم: 6746)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 312) (رقم: 1013)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1468) (رقم: 5345)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1328) (رقم: 8015).

 

من فوائد الحديث:

 

قال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 101):

"في هذا الحديث: تحريضٌ للإِنسان على حسن العمل، وملازمة الهَدْي المحمدي في سائر الأحوال، والإِخلاص لله تعالى في الأقوال والأعمال، ليموت على تلك الحالة الحميدة، فيُبعث كذلك، وبالله التوفيق." اهـ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (13/ 60):

وَقَالَ الدَّاودِيّ: معنى حَدِيث بن عُمَرَ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تُعَذَّبُ عَلَى الْكُفْرِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَهْلُ أَسْوَاقِهِمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيُصَابُ جَمِيعُهُمْ بِآجَالِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله في "التيسير بشرح الجامع الصغير" (2/ 507)

"وَمِنْه: أَخذ الْمُؤلف أَن الزامِرَ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِمِزْمَارِهِ، والسَّكْرَانَ بِقَدَحِهِ، والمؤذِّنَ يُؤَذِّنُ." اهـ

 

قال أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: 1126هـ) _رحمه الله_ في "الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني" (1/ 74):

"الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ حِين سُئِلَ عَنْ طُولِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ،

فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يُحْشَرُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَكُونُونَ عِنْدَ دُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ عَلَى طُولٍ وَاحِدٍ،

فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ»

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ «إنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتُّونَ ذِرَاعًا»

وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ «وَفِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، وَهُمْ أَبْنَاءُ. ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً»." اهـ

 

[تعليق]:

أخرجه أحمد في "المسند" – ط. عالم الكتب (2/ 295) (رقم: 7933):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:

"يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، بِيضًا، جِعَادًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِينَ، عَلَى خَلْقِ آدَمَ ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعِ أَذْرُعٍ."

حسنه الأرنؤوط في "تخريج مسند أحمد – ط. الرسالة مسند أحمد ط الرسالة (13/ 315) (رقم: 7933)، وقال:

"حديث حسن بطرقه وشواهده، دونَ قوله: "في عرض سبع أذرع"، فقد تفرد بها علي بن زيد وهو ابن جُدْعان-، وهو ضعيف." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

١- عِظَمُ شأن الخاتمة وحُسن المآل،

ففي هذا الحديث تنبيهٌ على عِظَم شأن الخاتمة، وأنها غاية ما ينبغي للعبد أن يعتني بإصلاحه، فإن المرء يُبعث على الحال التي فارق عليها الدنيا، فالسعيد مَن أصلح سريرته، واستقام على طاعة ربِّه، حتى لقيه وهو عنه راضٍ.

 

٢- الحثُّ على لزوم الاستقامة إلى الممات.

ففيه دليلٌ على أن العبد لا ينبغي له أن ينقطع عن الطاعة، أو يركن إلى ما سلف من صالح عمله، بل يلزمه الثبات على الهدى، والمداومة على التقوى، حتى يأتيه اليقين؛ فإن العبرة بدوام الاستقامة، لا بمجرد بدايات الأعمال.

 

٣- الحثُّ على الازدياد من الخير في أواخر العمر.

ففيه إشارةٌ إلى أن انقضاء الأعوام وتقدُّم السنِّ ينبغي أن يكونا باعثَيْن على مزيد الاجتهاد في الطاعات، لا سببًا للفتور والإهمال؛ فإن ما بقي من العمر رأسُ مالٍ نفيس، وربَّ عملٍ صالحٍ في آخر الحياة كان سببًا للفوز والنجاة.

 

٤- المبادرة إلى التوبة قبل حلول الأجل،

ففيه حثٌّ على المبادرة بالتوبة، والإقلاع عن الذنوب، وردِّ المظالم إلى أهلها، قبل أن يُحال بين المرء وبين ما يشتهي من العمل؛ فإن الموت إذا نزل لم يُمهل صاحبه لاستدراك ما فرَّط فيه.

 

٥- التحذير من الاغترار بصلاح الماضي،

ففيه تنبيهٌ على أن العبد لا يغترُّ بما تقدَّم له من الطاعات، ولا يأمن على نفسه الفتنة، بل يظلُّ خائفًا من التقصير، راجيًا رحمة ربِّه، مستمسكًا بأسباب الثبات؛ فإن القلوب بين أصابع الرحمن، وهو سبحانه يصرِّفها كيف يشاء.

 

٦- التحذير من التسويف وتأخير العمل الصالح،

ففيه ما يبعث على المبادرة وترك التسويف، فإن العبد لا يدري متى يُقبض، ولا على أيِّ حالٍ يُختم له؛ فمَن سوَّف التوبة، وأخَّر الطاعة، عرَّض نفسه لفوات الفرصة، ومن بادر إلى الخير اغتنم ما أُتيح له من المهلة.

 

٧- أن العبرة بما يختم به للعبد، لا بمجرد ظاهر ماضيه،

ففيه إرشادٌ إلى أن أحوال الناس لا تُعرف حقائق مآلاتها بمجرد ما ظهر من أعمالهم في بعض أعمارهم؛ فقد يتوب المسيء فيُحسن ختامه، وقد يفتتن المحسن فيتغيَّر حاله. فلا يُغترُّ بظاهر أحد، ولا يُقنَّط عاصٍ من رحمة الله، ما دام باب التوبة مفتوحًا.

 

٨- وجوب الجمع بين الخوف والرجاء.

ففيه ما يحمل المؤمن على الخوف من سوء الخاتمة، والرجاء في فضل الله ورحمته؛ فلا يأمن مكر الله اغترارًا بعمله، ولا يقنط من رحمته استكثارًا لذنبه، بل يسير إلى ربِّه بين الخوف والرجاء، مستعينًا به على حسن العبادة وصلاح العاقبة.

 

٩- فضل الأعمال الصالحة وآثارها في حياة العبد،

ففيه تنبيهٌ على أن الأعمال الصالحة ليست أمورًا عارضةً لا أثر لها، بل هي من أعظم ما يتقرَّب به العبد إلى ربِّه، ويستعدُّ به للقاء يومه؛ فينبغي له أن يُكثر من الصلاة والذكر والصدقة والإحسان إلى الخلق وسائر أبواب البرِّ، ابتغاء مرضاة الله تعالى.

 

١٠- وجوب العناية بإصلاح الباطن والظاهر،

ففيه: إرشادٌ إلى أن العبد ينبغي له أن يُصلح قلبه وعمله، وأن يطهِّر باطنه من الرياء والحسد وسائر أمراض القلوب، كما يُصلح ظاهره بالطاعات واجتناب المحرَّمات؛ فإن صلاح الظاهر مع فساد الباطن نقصٌ عظيم، وإنما كمال العبودية في إخلاص القصد لله وموافقة الشرع.

 

١١- أن الموت ليس نهاية المسؤولية، بل بداية الجزاء،

ففيه تذكيرٌ بأن مفارقة الدنيا ليست انقضاءً لأمر العبد، بل وراءها بعثٌ وحسابٌ وجزاء؛ فمَن استحضر ذلك استعدَّ للقاء ربِّه، ولم يجعل همَّه مقصورًا على حظوظ الدنيا ومطالبها الفانية.

 

١٢- الحثُّ على سؤال الله الثبات وحسن الخاتمة،

ففيه: ما يدعو العبد إلى الإكثار من الدعاء بأن يثبِّته الله على دينه، ويصرف قلبه إلى طاعته، ويرزقه حسن الخاتمة؛ فإن القلوب بيد الله، ولا حول للعبد ولا قوة إلا بعونه وتوفيقه.

 

١٣- أن تقدُّم السنِّ ينبغي أن يزيد العبد قربًا من الله،

ففيه معنى جليل، وهو أن مَن امتدَّ به العمر قد كثرت عليه نِعَم الله، وتتابعت عليه حججه وآلاؤه، فكان حريًّا به أن يزداد شكرًا وإنابةً، وأن يستدرك ما فاته من الخير، وأن يجعل ما بقي من أيامه خيرًا مما مضى.

 

١٤- التحذير من سوء الخاتمة وسؤال الله العافية منها،

ففيه تنبيهٌ على خطر أن يُقبض العبد على معصيةٍ أو إصرارٍ على ذنبٍ من غير توبة، فينبغي للمؤمن أن يحذر أسباب الغفلة والفتنة، وأن يبتعد عن مواطن المعاصي، وأن يسأل الله السلامة والثبات، من غير جزمٍ لأحدٍ بعينه بسوء المآل.

 

١٥- المبادرة إلى أداء الحقوق وردِّ المظالم.

ففيه: ما يذكِّر العبد بقِصَر الأجل، فينبغي له أن يُبرئ ذمَّته من حقوق العباد، وأن يؤدِّي الأمانات، ويقضي الديون، ويطلب المسامحة ممَّن ظلمه، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ فإن حقوق الخلق عظيمة، ولا ينبغي للعاقل أن يلقى الله مثقلًا بها مع قدرته على أدائها.

 

١٦- أن العاقل مَن جعل خاتمة عمره موضع عنايةٍ واجتهاد،

ففيه دلالةٌ على أن الفطن ليس مَن أحسن في أول أمره ثم غفل عن آخره، وإنما الفطن مَن ظلَّ يراقب قلبه وعمله، ويستزيد من الخير، ويستدرك ما فاته، ويتهيَّأ للقاء ربِّه، حتى تكون خاتمة حياته خيرًا له من بدايتها.

 

١٧- أن طول العمر نعمةٌ إذا اقترن بصالح العمل،

فيه إشارةٌ إلى أن امتداد العمر فرصةٌ للاستكثار من الطاعات، وتكفير السيئات بالتوبة والعمل الصالح، والإحسان إلى الخلق؛ وليس الشأن في كثرة السنين وحدها، بل الشأن فيما تُملأ به من أعمالٍ ترضي الله تعالى.

 

١٨- وجوب عدم القنوط من رحمة الله مهما عظم التقصير،

ففيه ما يفتح باب الرجاء أمام العاصي الذي أراد التوبة والإنابة، فلا ينبغي له أن يستسلم لليأس، أو يظنَّ أن ما مضى من ذنوبه يمنعه من صلاح ما بقي من عمره، بل عليه أن يُقبل على ربِّه صادقًا، فإن الله يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المستغفرين.

 

١٩- أن حسن الاستعداد للآخرة يكون بالعمل لا بالأماني،

ففيه إرشادٌ إلى أن النجاة لا تُنال بمجرد التمنِّي والدعاوى، بل بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتوبة النصوح، والقيام بحقوق الله وحقوق عباده؛ فمَن أراد حسن المآل أخذ بأسبابه، ولم يكتفِ بالأمل مع التفريط.

 

٢٠- أن دوام التوفيق إلى الطاعة من أعظم المنن،

ففيه تنبيهٌ على أن ثبات العبد على الخير إلى آخر حياته نعمةٌ عظيمة تستوجب الشكر، وأنه لا ينبغي له أن يعتمد على قوته أو علمه أو كثرة عمله، بل يستعين بالله، ويلجأ إليه، ويسأله أن يحفظ عليه دينه، ويختم له بالصالحات.

 

فتجتمع هذه الفوائد في أصلٍ عظيم، وهو أن المؤمن ينبغي له أن يعيش بين الاستقامة والإنابة، وأن يجعل إصلاح خاتمته من أعظم مقاصده، وأن يغتنم ما بقي من عمره في طاعة الله، من غير اغترارٍ بماضٍ صالح، ولا قنوطٍ من تقصيرٍ سابق؛ فإن السعيد مَن وفَّقه الله للثبات على الحق حتى يلقاه، ورزقه حسن الختام.

 

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، وأن يرزقنا التوبة النصوح، والعمل الصالح، وحسن الخاتمة، وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه.

 

 

 



[1] قال ابن حبان _رحمه الله_ في "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 30): "مات جابر بالمدينة بعد أنْ عَمِيَ سنة ثمان وسبعين، وكان يخضب بالحمرة، وكان له يوم مات أربع وتسعون سنة." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام