شرح الحديث 40 - من كتاب "أربعون حديثا في التربية والمنهج"
|
الحديث الأربعون: عن معقل بن يَسَارٍ _رضي الله تعالى عنه_، قال: قال رسول الله ﷺ: «العِبَادَةُ في الهرج (1) كَهِجْرَةِ إِلَيَّ (٢) (۳). ______ (1) قال
النووي _رحمه الله_: "المراد بـ(الهرج) هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس."
شرح صحیح مسلم (۸۸/۱۸). (۲) قال المناوي _رحمه الله_: "(كهجرة إلي) في كثرة الثواب، أو يقال: المهاجر في الأول كان قليلا
لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل. قال ابن العربي: "وجه تمثيله بالهجرة: أن الزمن الأول كان الناس يفرون
فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن، تعين على المرء
أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهْجُرُ أولئك القومَ وتلك الحالةَ، وهو
أحد أقسام الهجرة». "فيض القدير" (٣٧٣/٤) (۳) أخرجه مسلم |
وفي "مسند أحمد" –
ط. عالم الكتب (5/ 25) (رقم: 20298):
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ
الْمُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «الْعَمَلُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»
المعنى الإجمالي لهذا الحديث:
بين النبي ﷺ عِظَمَ شأن العبادة في أوقات الفتن والاضطرابات، حين يكثر الهرج، ويختلط الحق بالباطل، وتضطرب أحوال الناس، ويشتغل كثير منهم بالدنيا أو بالخصومات والفتن.
ففي مثل هذه الأحوال تكون العبادة أشق على النفوس، وأعظم أثرًا في إصلاح العبد وثباته؛ لأن الإنسان يحتاج إلى مجاهدة نفسه ليُقْبِلَ على طاعة الله، مع انشغال الناس بما لا ينفع.
ولذلك شبَّه النبيُّ ﷺ أجر العبادة في زمن الهرج بأجر الهجرة إليه ﷺ؛ لما في ذلك من عظيم الفضل ورفعة المنزلة.
وليس المقصود أن العبادة في الفتنة تُسقط فرض الهجرة حيث تجب، وإنما المقصود بيان عِظَم ثواب العبادة والإقبال على الله عند فساد أحوال الناس وكثرة الفتن.
فأرشد الحديث المسلم إلى أنه إذا اضطربت الأحوال، فلا ينبغي أن يكون جزءًا من الفتنة، ولا أن ينجرف وراء الشائعات والخصومات،
وإنما يلزم العبادة، ويقبل على القرآن والصلاة والذكر وطلب العلم، ويحفظ لسانه وجوارحه، ويلزم منهج الحق، ويبتعد عن أسباب الفتن ما استطاع.
فكلما اشتدت الفتن، وكثر انشغال الناس بها، كان تمسُّكُ المسلم بالعبادة والطاعة والبعدُ عن الفتن أعظمَ أجرًا؛ لأن العبادة حينئذٍ تكون غريبة شاقة على النفوس، ولذلك عظُم فضلها حتى جعلها النبي ﷺ بمنزلة الهجرة إليه ﷺ في عظيم الثواب.
تخريج
الحديث:
أخرجه مسلم في
"صحيحه" (4/ 2268/ 130) (رقم: 2948)، والترمذي في "سننه" – ت.
شاكر (4/ 489) (رقم: 2201)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1319) (رقم: 3985)،
وأبو داود الطيالسي في "مسنده" (2/ 245) (رقم: 974)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"
(7/ 469) (رقم: 37299)، مسند أحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (5/ 25 و 5/
27) (رقم: 20298 و 20311)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي
السامرائي (ص: 153) (رقم: 402)، وابن حبان في "صحيحه" (13/ 289) (رقم: 5957)،
ولآجري في "الشريعة" (1/ 396) (رقم: 82)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (2/ 757) (رقم: 4119)
|
فيه فضل العبادة عموما. وفيه: ذهول الناس عن العبادة في أوقات الفتن. وفيه: مضاعفة فضل من لزم أمرا مشروعا إذا أهمله الناس وفيه: عظيم شأن الهجرة وفيه فضل المهاجرين وتقدمهم. وفيه: أن لزوم التعبد والتعلق بالله من أعظم الأسباب للنجاة من الفتن. تم الكتاب وكان الفراغ منه في شهر ربيع الأول من عام سبعة وعشرين وأربعمائة وألف
(١٤٢٧هـ) والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات |
من
فوائد الحديث:
وقال أبوْ الْفَرَجِ
عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 42):
"الْهَرج:
الْقِتَال والاختلاط. وَإِذا عَمت الْفِتَن اشتغلت الْقُلُوب، وَإِذا تعبد
حِينَئِذٍ متعبد دلّ على قُوَّة اشْتِغَال قلبه بِاللَّه عز وَجل فيكثر أجره."
اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن
فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 747):
"قال
النووي: سبب كثرة فضل العبادة في الهرج، أنَّ الناس يغفلون ويشتغلون عنها، ولا
يتفرغ لها إلا الأفراد. [شرح النووي على مسلم (18/ 88_89)]
قال القرطبي: المتمسك في ذلك
الوقت، والمنقطع إليها، المنعزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبيِّ - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه ناسبه من حيث أن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصده
عنه للاعتصام بالنبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكذا هذا المنقطع
للعبادة فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى
ربه، وفرّض من جميع خلقه." اهـ
"ثُمَّ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
كَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ
إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْفِتَنَ وَالْمَشَقَّةَ الْبَالِغَةَ سَتَقَعُ حَتَّى
يَخِفَّ أَمْرُ الدِّينِ وَيَقِلَّ الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِهِ وَلَا يَبْقَى
لِأَحَدٍ اعْتِنَاءٌ إِلَّا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاشِهِ نَفْسِهِ وَمَا
يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْرُ الْعِبَادَةِ أَيَّامَ الْفِتْنَةِ
كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَفَعَهُ
الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ." اهـ
وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي
الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح
المصابيح" (5/ 356):
"ثواب
عبادة في زمان الفتن والمحاربة بين المسلمين كثواب هِجْرَةٍ من مكة إلى المدينة في
زمانه - صلى الله عليه وسلم - قبل فتح مكة." اهـ
ملحق
الفوائد:
ومن لطيف ما يُستنبط من هذا
الحديث من الفوائد:
1. عِظَمُ
شأن العبادة في أزمنة الفتن،
فدلّ الحديث على أن للعبادة
في أوقات الفتن منزلةً رفيعة، إذ شبّه النبي ﷺ أجرها بأجر الهجرة إليه. وذلك أن
الناس إذا اضطربت أحوالهم، وتشاغلوا بالخصومات والفتن، كان إقبال العبد على ربه،
ولزومه الطاعة من أجلِّ ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى.
2. فضلُ
الثبات على الطاعة عند فساد الزمان،
فإذا فسد الزمان وكثرت
الفتن، كان الثبات على الطاعة أشقَّ على النفوس؛ لأن دواعي الغفلة كثيرة، وأسباب
الانحراف متتابعة. فمن عصمَه الله ولزم سبيل الاستقامة، ولم تَصْرِفْه الفتن عن
عبادة ربه، فقد نال حظًّا وافرًا من الفضل.
3. أن شدة
الفتنة تُظهر صدق العبودية،
فإن العبد قد يكون في زمن
السعة والنظام مقبلًا على الطاعة، فإذا نزلت الفتن واضطربت الأحوال، ظهر صدقُه من
كذبه، وثباتُه من اضطرابه. فالمحن كالمِحكّ الذي يُميِّز خالص المعدن من زائفه.
4. فيه: فضلُ
العزلة عن الفتن، وأن من أعظم ما يعين العبد في أزمنة الهرج أن يصرف نفسه عن أبواب
الفتن، وأن يلزم ما ينفعه من العبادة والعلم والعمل الصالح؛ فإن كثرة المخالطة في
مواطن الاضطراب قد تجرّ إلى ما لا تُحمد عاقبته.
5. أن الفتن
تَشغل الناس عن الغاية التي خُلقوا لها،
فإذا استولت الفتنة على
القلوب، اشتغل الناس بالقيل والقال، والخصومات والمنازعات، وتتبع الأخبار،
والانتصار للأشخاص والأهواء، وربما نسوا نصيبهم من عبادة رب العالمين. فجاء الحديث
مذكِّرًا بأن العاقل لا يجعل الفتنة تحول بينه وبين الغاية التي خُلق لها.
6. أن
العبادة عند الغفلة أعظم أجرًا، لأن العبادة إذا قلَّ أهلها وعظم الصارف عنها، كان
القائم بها أحوج إلى مجاهدة نفسه. ومن المعلوم أن المشقة إذا كانت ناشئة عن لزوم
الطاعة والصبر عليها، كان ذلك من أسباب عظم الأجر.
7. الحث على
لزوم السنة عند اختلاف الناس،
فإن أزمنة الهرج كثيرًا ما
تكون أزمنة اضطراب في الأقوال والمناهج، فينبغي للمؤمن أن يلزم الكتاب والسنة، وأن
يحذر من أن تجرفه التيارات المتلاطمة، أو تستميله كثرة الأتباع؛ فإن الحق لا يُعرف
بكثرة السالكين، وإنما يُعرف بدليله.
8. أن سلامة
الدين مقدَّمة على الخوض في الفتن،
فليس كل ما يُعرف يُقال، ولا
كل ما يُقال يُفعل، ولا كل حادثة يحسن بالمسلم أن يخوض فيها. ومن فقه العبد أن
يحفظ دينه ولسانه وقلبه، وألا يدخل فيما لا يعنيه ولا يقدر على عواقبه.
9. الحث على
اغتنام أوقات الفتن بالطاعات،
فإن العاقل لا يدع زمن
الفتنة يذهب سُدًى؛ بل يجعل اضطراب الناس باعثًا له على زيادة الصلة بالله تعالى،
من صلاة وذكر وتلاوة ودعاء واستغفار وتوبة. فكأن البلاء عنده سوقٌ للآخرة، يغتنم
أيامه قبل انقضائها.
10. أن كثرة
المشتغلين بالدنيا ليست عذرًا في ترك العبادة،
قد يقول المرء: الناس كلهم
منشغلون، والزمان زمان فتنة، والأحوال لا تساعد على العبادة. والحديث يردّ هذا
الوهم؛ فإن فضيلة العبادة إنما عَظُمَت في مثل هذا الوقت لأجل قلة المقبلين عليها
وكثرة الصوارف عنها.
11. أن صلاح
القلب هو أعظم ما يحتاج إليه العبد زمن الفتن،
فإن الفتن تبدأ غالبًا من
القلب قبل أن تظهر على الجوارح؛ فإذا امتلأ القلب بالشهوات والشبهات وحب الظهور
والانتصار للنفس، كان صاحبه أسرع الناس إلى الاضطراب. وأما من عمر قلبه بالإيمان
والذكر والخوف من الله، كان أثبت قدمًا وأبعد عن مزالق الفتن.
12. فضل
الذكر في أوقات الغفلة،
والذكر من أجلِّ العبادات
التي يدخلها الحديث دخولًا ظاهرًا؛ لأن الذاكر لله بين قوم غافلين قد فارق حالهم،
ولزم باب مولاه. وكلما عظمت الغفلة كان لزوم الذكر أشدَّ أثرًا في حياة القلب.
13. أن
العبادة ليست مقصورة على أوقات الرخاء،
فالمؤمن عبدٌ لله في السراء
والضراء، وفي الأمن والخوف، وفي الرخاء والشدة. ولا تكون عبوديته موسميةً تتغير
بتغير الأحوال، بل هو ثابت على العهد مع ربه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
14. التحذير
من الانغماس في أخبار الفتن،
ومن لوازم الحديث أن يحذر
العبد من الاسترسال في تتبع أخبار الفتن؛ فإن كثرة الاشتغال بها قد تذهب بخشوع
القلب، وتقطع عليه طريق العبادة، وتورثه القلق والخصومة وسوء الظن. وليس المقصود
أن يجهل المسلم ما يحتاج إلى معرفته، وإنما المقصود ألا يجعل أخبار الفتن شغله الشاغل.
15. أن
العاقل ينظر إلى ما ينفعه في آخرته،
فالناس عند الفتن يتفاوتون:
فمنهم من يجعل همه معرفة كل حادثة، ومنهم من يجعل همه الانتصار لرأيه، ومنهم من
يجعل همه تتبع أخطاء الناس، وأما صاحب البصيرة فيسأل نفسه: ماذا ينفعني عند الله؟
ثم يلزم من العمل ما يقرّبه من رضوانه.
16. أن
عِظَمَ الأجر يكون أحيانًا بسبب عِظَمِ الصارف،
فالطاعة قد تكون واحدة في
صورتها، لكن فضلها يختلف باختلاف الأحوال. فالصلاة في ذاتها عبادة، والذكر عبادة،
لكن إذا كثرت الصوارف، واشتدت دواعي الغفلة، ثم قام العبد بحقها، كان ذلك أدعى إلى
عظم الأجر.
17. فضل
مجاهدة النفس عند اضطراب الأحوال،
فالنفس تميل إلى متابعة
الناس، ومجاراة الجماعة، والتحدث بما يتحدثون به؛ فإذا كان الناس في فتنة، احتاج
المؤمن إلى مجاهدة نفسه حتى لا يكون تابعًا لكل ناعق، ولا راكبًا لكل موجة، بل يزن
الأمور بميزان الشرع.
18. أن
النجاة من الفتن نعمة عظيمة،
فمِن أعظم نعم الله على
العبد أن يصرف عنه الفتن، وأن يحفظ قلبه ودينه. وليس كل من دخل الفتنة خرج منها
سالمًا؛ ولهذا كان من الحكمة أن يسأل العبد ربه الثبات والعافية، وألا يعجب بنفسه
أو يثق بقوته.
19. أن
العبادة سببٌ لحياة القلب وثباته،
فالقلوب إذا خلت من الذكر
والطاعة كانت عرضةً للتقلب والاضطراب، وإذا عمرت بالإيمان والعبادة كان لها من
الثبات بقدر ما فيها من حياة. ومن هنا كانت العبادة في زمن الهرج حصنًا يأوي إليه
العبد من اضطراب الخارج.
20. التحذير
من جعل الفتن ميدانًا لإظهار النفس،
فقد يستغل بعض الناس أزمنة
الاضطراب لإظهار الشجاعة أو الشهرة أو الانتصار للنفس، فيكثر كلامه ويعظم جداله.
وأما العاقل فيعلم أن سلامة الدين أعزّ عليه من أن يشار إليه بالبنان، فيلزم
التقوى، ويزن قوله وعمله بعاقبة الأمر.
21. أن كثرة
الفتن لا تبيح ترك العبادة، بل العكس هو اللائق بحال المؤمن؛ فكلما اشتدت المحن
كان أشد افتقارًا إلى ربه، وأكثر إقبالًا على بابه. فالفتنة لا ينبغي أن تقطع
العبد عن مولاه، بل ينبغي أن تزيده افتقارًا وإنابةً وخشوعًا.
22. فضل
التفرغ لما ينفع،
فالعبد لا يستطيع أن يجمع
قلبه على العبادة، ثم يملأ سمعه وبصره ولسانه بكل ما يدور في زمن الفتن. ومن تمام
العقل أن يختار لنفسه من الأعمال ما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه، وأن يدع
فضول الكلام والنظر.
23. أن
الميزان عند الفتن هو الشرع، لا العاطفة!
فإذا هاجت النفوس، وتعصبت
الجماعات، وارتفعت الأصوات، وجب على المؤمن أن يردّ الأمر إلى الكتاب والسنة، وألا
يجعل الحماسة ميزانًا للحق والباطل؛ فإن العاطفة إذا انفردت عن العلم، أوردت
صاحبها موارد الندم.
24. عِظَمُ
حاجة المسلم إلى العبادة في زمن الهرج،
فالفتنة تُضعف القلب، وتشوش
الفكر، وتكثر معها دواعي الخوف والقلق؛ ولذلك كان من أعظم الأدوية أن يلجأ العبد
إلى ربه، ويكثر من الصلاة والذكر والدعاء والاستغفار، ويجدد عهده بالتوبة
والإنابة.
25. أن
العبرة ليست بكثرة العمل فحسب، بل بسلامة القلب،
فقد يعمل الإنسان أعمالًا
كثيرة، وقلبه متعلق بالخلق، أو طالب للثناء، أو متشوق للظهور. وأما العبادة التي
أشار إليها الحديث فهي عبادة تقود صاحبها إلى الله، وتزيده إخلاصًا وخشيةً وبعدًا
عن الفتن وأهلها.
فهذا الحديث من جوامع الكلم
في باب التربية على الثبات؛ فإنه يربي المسلم على أن يكون عند اضطراب الناس أشدَّ
تعلقًا بربه، وأحفظَ لدينه، وأبعدَ عن الفتن، وأصدقَ في عبادته.
فالناس في زمن الهرج
كالسفينة إذا اضطرب بها البحر؛ فمنهم من يشتغل بالصياح والخصومة، ومنهم من يطلب
النجاة ويأخذ بأسبابها.
والمؤمن البصير لا يجعل
اضطراب البحر سببًا لإلقاء نفسه فيه، بل يتشبث بما ينجيه حتى يبلغ برَّ الأمان.
Komentar
Posting Komentar