شرح الحديث 159 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من رياض الصالحين

 

[159] الرابع: عن أَبي مسلم (وقيل: أَبِيْ إِيَاسٍ) سَلمة بنِ عمرو بنِ الأكوع _رضي الله عنه_:

أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ بِشِمَالِهِ،

فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينكَ»

قَالَ: لا أسْتَطيعُ.

قَالَ: «لا استَطَعْتَ».

مَا مَنَعَهُ، إلا الكِبْرُ، فمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ." رواه مسلم.

 

ترجمة سلمة بن الأكوع الأَسْلَمِيُّ _رضي الله عنه_ :

 

قال ابن عساكر _رحمه الله_ في "تاريخ دمشق" (22/ 83):

"سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ (وَاسْمُهُ: سِنَانٌ) بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَشِيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلاَمَانَ بْنِ أَسْلَمَ بِنْ أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ، أَبُوْ عَامِرٍ (ويقال: أبو مسلم، ويقال أبو إياس) الْأَسْلَمِيُّ، المعروفُ بـ"ابن الأكوع"،

قيل: إنه شهد غزوة مؤتة من أرض البلقاء." اهـ

 

وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (3/ 1339):

"سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، وَاسْمُ الْأَكْوَعِ: سِنَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيُّ،

يُكَنَّى: أَبَا مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: أَبُو إِيَاسٍ، وَقِيلَ: أَبُو عَامِرٍ،

اسْتَوْطَنَ الرَّبَذَةَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ،

كَانَ يَرْتَجِزُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي أَسْفَارِهِ حَادِيًا،

وَبَايَعَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ رَامِيًا يَصِيدُ الْوَحْشَ،

وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي مُنْصَرَفِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ: «خَيْرُ رَجَّالَتِنَا الْيَوْمَ سَلَمَةُ» اسْتَنْقَذَ لِقَاحَ رَسُولِ اللهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ عُيَيْنَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ» ، كَانَ يُصَفِّرُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ." اهـ

 

وفي "صحيح مسلم" (3/ 1439) (رقم: 1807):

"فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ»

 

وفي "الإصابة في تمييز الصحابة" (3/ 127) لابن حجر:

أول مشاهده الحديبيّة، وكان من الشّجعان، ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبيّ _صلّى اللَّه عليه وسلم_ عند الشّجرة على الموت...

ونزل المدينة، ثم تحوّل إلى الرّبذة بعد قتل عثمان، وتزوّج بها وولد له، حتى كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة، فمات بها، رواه البخاريّ، وكان ذلك سنة أربع وسبعين (74 هـ) على الصّحيح." اهـ

 

وفي "إكمال تهذيب الكمال" (6/ 17) لِمُغَلْطَاي الحنفي :

"وفي كتاب العسكري : يكنى أبا عبد الله، وغزا مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ عشر غزوات،

وكان أحد الرماة، وكان صاحب قمص يصطادها للنبي _صلى الله عليه وسلم_ ويهديها إليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الغابة: «خير رجالنا سلمة»." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

عن أَبي مسلم (وقيل: أَبِيْ إِيَاسٍ) سَلمة بنِ عمرو بنِ الأكوع _رضي الله عنه_:

أنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُول الله _صلى الله عليه وسلم_ بِشِمَالِهِ،

فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينكَ»

قَالَ: لا أسْتَطيعُ.

قَالَ: «لا استَطَعْتَ».

مَا مَنَعَهُ، إلا الكِبْرُ، فمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ." رواه مسلم.

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (13/ 192):

"هَذَا الرَّجُلُ: هو بُسْرٌ _بضم الباء وبالسين المهملة_ بْنُ رَاعِي الْعَيْرِ _بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالْمُثَنَّاةِ_ الْأَشْجَعِيُّ،[1]

كَذَا ذكره ابن منده وأبو نعيم الأصبهانى وابن مَاكُولَا وَآخَرُونَ.[2]

وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، عَدَّهُ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ_،

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ :

"إِنَّ قَوْلَهُ مَا مَنَعَهُ، إِلَّا الْكِبْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا."

فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكِبْرِ وَالْمُخَالَفَةِ، لَا يَقْتَضِي النِّفَاقَ وَالْكُفْرَ، لَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَابٍ." اهـ[3]

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها؛ لِمَا اشتمل عليه مِنْ بيان وجوب امتثال هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_، وتعظيمِ سنته، والتحذيرُ من مخالفتها تكبرًا واستعلاءً.

 

ومعنى الحديث: أن رجلًا كان يأكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليسرى، مع أن السنة أن يأكل المسلم بيمينه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، أي: اجعل الأكل بيدك اليمنى، محافظةً على الأدب الشرعي وموافقةً للسنة. فقال الرجل: «لا أستطيع»، ولم يكن عاجزًا حقيقةً عن استعمال يده اليمنى، وإنما حمله الكبر والامتناع عن قبول أمر النبي صلى الله عليه وسلم على أن يدّعي عدم الاستطاعة.

 

فدعا عليه النبي _صلى الله عليه وسلم_ بقوله: «لا استطعت»، أي: لا قدرتَ على استعمالها، وكان ذلك جزاءً له على تكبره وردِّه أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_.

فاستجاب الله دعاء نبيه _صلى الله عليه وسلم_، فلم يستطِعِ الرجلُ بعد ذلك أن يرفع يده إلى فمه، وبقي عاجزًا عن استعمالها للأكل.

 

وفي الحديث تحذير شديد من الكبر وردِّ السنن الثابتة؛ فإن المسلم إذا بلغه أمرُ النبي _صلى الله عليه وسلم_، وجب عليه أن يتلقاه بالقبول والانقياد، ولا يَلِيْقُ به أن يَرُدَّهُ لمجرد الهوى أو الكبر.

 

ودل الحديث – أيضا - على أن مخالفة السنة قد تكون سببًا للعقوبة، وأن مِن أعظمِ أسباب الحرمان أَنْ يَحْمِلَ الكِبْرُ صاحِبَه على رد الحق بعد ظهوره.

 

فالسنة تُتلقى بالتعظيم والقبول، وأن الكبر من أعظم الحجب عن الهدى، وأن المؤمن الحق إذا جاءه أمْرُ النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يجعل هواه حاكمًا عليه، بل قال كما قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: ٦٥].


تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم (3/ 1599/ 107) (رقم: 2021)، وأحمد – ط. عالم الكتب (4/ 45 و 4/ 46 و 4/ 50) (رقم: 16493 و 16499 و 16530)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (5/ 132) (رقم: 24445)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 149) (رقم: 388)، والدارمي (2/ 1293) (رقم: 2075)، وأبو عوانة في "مستخرجه" – ط. الجامعة الإسلامية (16/ 364_366) (رقم: 8693_8696)، وابن حبان (14/ 442_443) (رقم: 6512_6513)، والطبراني في "المعجم الكبير" (7/ 14) (رقم: 6235_6236) و غيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (3/ 1657) (رقم: 5904)

  

من فوائد الحديث :

 

وقال عِيَاضُ بْنُ مُوْسَى الْسَّبْتِيُّ، المعروف بـ"القاضي عياض اليَحْصَبِيّ" (المتوفى: 544 هـ) _رَحِمَهُ اللهُ_ في "إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ بِفَوَائِدِ مُسْلِمٍ" (6/ 487):

"(قال: "ما منعه إلا الكبر"، فما أكل بها بعد):

فيه إجابةُ دعاء النبى _عليه السلام_، وتعجيلُ معاقبةِ من خَالَفَ أَمْرِهِ فى الدنيا،

وهذا يدل على أن الرجل كان منافقاً _والله أعلم_، لقوله: (ما منعه إلا الكبر)، أيْ: لن يتواضع بنفسه مخالفة هواها، وطاعة النبى _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فيما أمر به؛ ولهذا استحب النبى _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ الدعاء عليه، ولو علم أن قوله: (لا أستطيع) صحيحاً لما دعا عليه.

وقد أجاز العلماء لمن به عُذْرٌ بيمينه أَكْلَهُ بشماله وشُرْبَهُ به؛ إذ هو غايةُ مقدورِهِ.

وقد ذكره العلماء تباعاً لهذه الأحاديث كما تحب لمناوله بالشمال والصدقة بها. روي ذلك عن نافع وعطاء." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (13/ 192):

"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِلَا عُذْرٍ،

* وَفِيهِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي كُلِّ حَالٍ حَتَّى فِي حَالِ الْأَكْلِ،

* وَاسْتِحْبَابُ تَعْلِيمِ الْآكِلِ آدَابَ الْأَكْلِ إِذَا خَالَفَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ الَّذِي بَعْدَ هَذَا." اهـ

 

وقال أبوْ الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 311):

"وَالْمعْنَى: أَنه كَانَ لَا يحتفل للطعام وَلَا يُبَالِي فيتناوله باليسرى. وَيَنْبَغِي للعاقل أَن يعرف قدر مَا جعل قواما لَهُ." اهـ

 

وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (6/ 242):

"وفيه: دليلٌ على أن الأكلَ باليمين من السنن." اهـ [4]

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (4/ 210_212):

"فإن دعاء الرسول _صلى الله عليه وسلم_ عليه بهذه الدعوة التي أوجبت أن تَنْشَلَّ يَدُهُ حتى لا ترفع إلى فمه: دليل علي أن الأكل بالشمال حرام،

وقد أخبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب___بشماله،[5]

فأنت الآن أمامك هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهدْيُ الشيطان، فهل تأخذ بهدي الرسول أو بهدي الشيطان؟

وكل مؤمن يقول: (آخُذُ بهدي الرسول _صلى الله عليه وسلم_)، والرسول _صلى الله عليه وسلم_ يأكل بيمينه، وأمر بالأكل باليمين ويشرب بيمينه، وأمر بالشرب باليمين، والشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله،

فاختر أي الطريقين شئتَ، ولهذا كان أولياء الشيطان من اليهود والنصارى والمشركين لا يعرفون الأكلَ، إلا بالشمال، ولا الشُّرْبَ، إلا بالشمال، لأنهم أولياء الشيطان، تولاهم الشيطان، والعياذ بالله واستحوذ عليهم، فإيَّاك أن تكون مِثْلَهم!

وبعض الناس إذا كان يأكل، وأراد أن يشرب يمسك الكأس باليسار، ويشرب، وهذا لا يجوز، لأن الحرام لا يباح، إلا للضرورة، وهذا ليس له ضرورة، يستطيع أن يمسك الكأس من أسفله باليد اليمنى،

فغالب كئوس الناس اليوم إما من البلاستك يشرب بها، ثم ترمي ولا تغسل أو من الحديد أو الزجاج، فيمكن غَسْلُها حتى لو تلطختْ، ولكن لا يجوز للإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله،

فإن فعل، فهو عاص لله ورسوله، عاص للرسول، لأنه نهى عن___ذلك وعاص لله، لأن معصية الرسول: معصية لله. قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]،

وقال: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]

والرسول ما يتكلم من عند نفسه، بل يتكلم، لأنه رسولُ رب العالمين _سبحانه وتعالى_." اهـ

 

وقال محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (5/ 69):

"لَمَّا عُلِمَ أن المانع له عن الانقياد كِبْرُه عن الحق، ودَفْعُه له، دعا عليه، ففيه: الدعاء على من قصد الخروج عن الشريعة عمدا." اهـ

 

وقال الحسين بن محمد اللاعيّ، المعروف بـ"المَغرِبي" (المتوفى: 1119 هـ) _رحمه الله_ في "البدر التمام شرح بلوغ المرام" (7/ 329):

"في الحديث: دلالة على أن الأكل بالشمال من المكروهات التي يُدْعَى على فاعلها، إذا كان بلا عُذرٍ؛ بل تمردًا ومخالفةً.

وفي الأحاديث : دلالة على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حالٍ، حتى في حال الأكل، واستحباب تعليمِ الآكل أدب الأكل إذا خالفه." اهـ

 

[تعليق على كلام المغربي]

 

أقول: إن كان مراده بـ"المكروهات" على مصطلحات الفقهاء، فالأمر ليس كذلك، بل الصحيح أنها من المحرمات،

فقال الزرقاني _رحمه الله_ في "شرح الموطأ" (4/ 455):

"وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ حُرْمَةَ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَوُجُوبَهُ بِالْيَمِينِ، وَلِصِحَّةِ الْوَعِيدِ فِي الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ» "، أَيْ فَمَا اسْتَطَاعَ رَفْعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى فَمِهِ." اهـ

لو كان الأمر على سبيل الندب والاستحباب، لما دعا عليه النبي _عليه الصلاة والسلام_، والله أعلم." اهـ

 

وقال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في "سبل السلام" (2/ 234):

"وَلَا يَدْعُو _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، إلَّا عَلَى مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَأَمَّا كَوْنُ الدُّعَاءِ لِتَكَبُّرِهِ، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا، وَلَا يُنَافِي أَنَّ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين _رحمه الله_ في كتابه "شرح رياض الصالحين" (3/543_544) :

"وفي هذا دليلٌ على وجوب الأكل باليمين والشرب باليمين، وأن الأكل باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان، وكذلك الشرب باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان؛ لأنه إذا فعل ذلك أي أكل بشماله أو شرب بشماله شابه الشيطان وأولياء الشيطان، قال النبي صلى عليه الصلاة والسلام: (لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) [م].

وإذا نظرنا الآن إلى الكفار، وجدنا أنهم يأكلون بيسارهم ويشربون بيسارهم، وعلى هذا فالذي يأكل بشماله أو يشرب بشماله متشبه بالشيطان وأولياء الشيطان.

ويجب على من رآه أن ينكر عليه، لكن بالتي هي أحسن، أما أن يُعرض إذا كان يخشى أن يخجل صاحبه أو أن يستنكف ويستكبر، يُعرض___

فيقول: من الناس من يأكل بشماله أو يشرب بشماله، وهذا حرام ولا يجوز.

أو إذا كان معه طالب علم سأل طالب العلم وقال له: ما تقول فيمن يأكل بالشمال ويشرب بالشمال، حتى ينتبه الآخر، فإن انتبه فهذا المطلوب، وإن لم ينتبه قيل له- ولو سراً-: لا تأكل بشمالك ولا تشرب بشمالك، حتى يعلم دين الله تعالى وشرعه.

يوجد بعض المترفين يأكل باليمين ويشرب باليمين، إلا إذا شرب وهو يأكل فإنه يشرب بالشمال، يدعي أنه لو شرب باليمين لوث الكأس، فيُقال له: المسألة ليست هينة، وليست على سبيل الاستحباب حتى تقول الأمر هين، بل أنت إذا شربت بالشمال فأنت عاصٍ لأنه محرم، والمحرم لا يجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة للشرب بالشمال خوفاً من أن يتلوث الكأس بالطعام.

ثم إنه يمكن أن يتلوث، يمكن أن تمسكه بين الإبهام والسبابة من أسفله وحينئذٍ لا يتلوث، والإنسان الذي يريد الخير والحق يسهل عليه فعله، أما المعاند أوالمترف أو الذي يقلد أعداء الله من الشيطان وأوليائه، فهذا له شأن آخر، والله الموفق." اهـ كلام الشيخ العثيمين _رحمه الله_

 

وقال محمد بن علان الصديقي الشافعي المكي (المتوفى: 1057 هـ) _رحمه الله_ في "الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية" (5/ 213) :

"ومحل النهي عن الأكل بالشمال حيث لا عذر، فإن كان عذر يمنع عن الأكل باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك، فلا كراهة في الأكل بالشمال.

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (3/ 541):

"وهذا الحديث من أحاديث الوعيد التي يطلقها الرسول صلى الله عليه وسلم تنفيراً عن الشيء، وإن كانت تحتاج إلى تفصيل حسب الأدلة الشرعية.

فالذي في قلبه كِبْرٌ، إما أن يكون كبراً عن الحق وكراهة له، فهذا كافر___مخلداً في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: 9) ،

ولا يُحْبَطُ العملُ، إلا بالكفر، كما قال تعالى:

(وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 217) .

وأما إذا كان كبراً على الخلق وتعاظماً على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولاً كاملاً مطلقاً لم يسبق بعذاب؛ بل لا بد من عذابٍ على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق ثم إذا طهر دخل الجنة.

 

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 405):

"في هذا الحديث: جواز الدعاء على من قصد الخروج عن أَحكام الشريعة عمدًا." اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 472):

"دعا عليه _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِمَا رأى مِنْ عِنَاده وكِبْرِهِ عن الانقياد للحق." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (34/ 131_133):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان وجوب الأكل باليمين،

قال الشوكانيّ رحمهُ اللهُ: فيه النهي عن الأكل والشرب بالشمال، والنهي حقيقة في التحريم، كما تقرر في الأصول، ولا يكون لمجرد الكراهة فقط إلا مجازًا، مع قيام صارف.

وقال النوويّ: فيه استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتهما بالشمال، قال المباركفوريّ: بل في هذا الحديث وجوب الأكل والشرب باليمين، كما قال الشوكانيّ، ويدل على الوجوب قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أكل أحدكم

فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه ... " الحديث،

وقوله -صلى الله عليه وسلم- لعُمر بن أبي سلمة: "كُلْ بيمينك"، فإن الأصل في الأمر الوجوب. انتهى ["تحفة الأحوذي" 5/ 422].

2 - (ومنها): جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعيّ بلا عذر، قاله النوويّ،

وقال في "الفتح" في ذكر الأقوال في لعن الفاسق المعيَّن ما حاصله:

* المنع مطلقًا، وقيل: إن المنع خاصّ بما يقع في حضرة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-؛ لئلا يتوهم الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحقّ لذلك، فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"، وقيل: المنع مطلقًا في حقّ من أقيم عليه الحدّ؛___لأن الحدّ قد كَفّر عنه الذنب المذكور، وقيل: المنع مطلقًا في حقّ ذي الزلة،

* والجواز مطلقًا في حق المجاهرين، وصوّب ابن الْمُنَيِّر أن المنع مطلقًا في حقّ المعيَّن، والجواز في حق غير المعيَّن؛ لأنه في حق غير المعيَّن زجرٌ عن تعاطي ذلك الفعل، وفي حق المعيَّن أذى له، وسبّ، وقد ثبت النهي عن أذى المسلم.

واحتج من أجاز لعن المعيّن بأن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إنما لعن من يستحق اللعن، فيستوي المعيَّن وغيره.

وتُعُقّب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الإبهام، ولو كان لَعْنه قبل الحدّ جائزًا لاستمرّ بعد الحدّ كما لا يسقط التغريب بالجلد،

وأيضًا فنصيب غير المعيَّن من ذلك يسير جدًّا، والله اعلم.

قال النوويّ في "الأذكار": وأما الدعاء على إنسان بعينه، ممن اتصف بشيء من المعاصي، فظاهر الحديث أنه لا يَحْرُم، وأشار الغزاليّ إلى تحريمه،

وقال في "باب الدعاء على الظلمة" بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز:

قال الغزاليّ: وفي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء، حتى على الظالم، مثل: لا أصحّ الله جسمه، وكل ذلك مذموم. انتهى.

والأَولى حَمْل كلام الغزاليّ على الأول، وأما الأحاديث فتدل على الجواز، كما ذكره النوويّ في قوله -صلى الله عليه وسلم- للذي قال: "كل بيمينك" فقال: لا أستطيع، فقال: "لا استطعت" فيه دليل على جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعيّ، ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحدّ، والمنع بعد إقامته،

وصنيع البخاريّ يقتضي لعن المتصف بذلك من غير أن يعيّن باسمه، فيجمع بين

المصلحتين؛ لأن لعن المعيَّن، والدعاء عليه قد يَحمله على التمادي، أو يُقَنِّطه من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صَرَف ذلك إلى المتصف، فإن فيه زجرًا، وردعًا عن ارتكاب ذلك، وباعثأ لفاعله على الإقلاع عنه، ويقوّيه النهي عن التثريب على الأَمَة إذا جُلدت على الزنا،

قال: واحتج شيخنا الإمام البلقينيّ على جواز لعن المعيَّن بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه، فأبَتْ لعنتها الملائكة حتى تصبح، وهو في "الصحيح"،

وقد توقف فيه بعض من لَقِيناه بأن اللاعن لها الملائكة، فيَتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، وعلى التسليم، فليس في الخبر تسميتها، والذي قاله شيخنا أقوى، فإن___المَلَك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعيَّن، وهو الموجود. انتهى ["الفتح" 15/ 537 - 538، كتاب "الحدود" رقم (0 678)].

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأَولى عدم التعيين في اللعن، بل يدعو على عموم الفسّاق، والمجرمين؛ لأنه أجمع للمصلحة، وأبعد عن المفسدة؛ وبهذا يُجمع بين النصوص، والله تعالى أعلم.

3 - (ومنها): الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في كل حال، حتى في حال الأكل.

4 - (ومنها): استحباب تعليم الآكل آداب الأكل إذا خالفه، كما في حديث عُمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه- الذي بعد هذا، والله تعالى أعلم." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

وفي هذا الحديث الجليل فوائد كثيرة، وقواعد نافعة، وآداب شرعية، ومن تأمله حق التأمل، ظهر له ما اشتمل عليه من عظيم التربية على اتباع السنة، وتعظيم أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_، واجتناب الكبر ورد الحق. ومن تلك الفوائد:

١- وجوب امتثال أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وتعظيمِ سنته،

فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أمر الرجل أن يأكل بيمينه، فلم يكن المقام مقام اختيار، بل مقام امتثال وانقياد؛ إذ أمره _صلى الله عليه وسلم_ أمرُ تعليمٍ وتأديبٍ، والمؤمن يتلقى هدي النبي صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم.

٢- أن السنة النبوية تشمل أبواب العبادات والعادات والآداب،

فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يقتصر في تعليمه أصحابه على أمور العقائد والعبادات المحضة، بل علّمهم آداب الطعام والشراب وسائر شؤون الحياة، فالسنة منهاجُ حياةٍ شاملٌ.

٣- مشروعية الأكل باليد اليمنى،

فالحديث أصل ظاهر في إيجاب الأكل باليمين، وقد جاء الأمر به صريحًا، وفيه مخالفة لأهل الغفلة والعادات المخالفة لهدي النبي _صلى الله عليه وسلم_.

٤- أن الأمر بالأكل باليمين ليس من قبيل العادات المجردة، بل هو من الآداب الشرعية التي اعتنى بها النبي _صلى الله عليه وسلم_، حتى أنكر على من تركها وهو قادر عليها؛ فدل ذلك على عظيم شأنها في ميزان الشريعة.

٥- أن ردَّ أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ من أعظم أبواب الخطر،

فإن الرجل لم يعترض على أمر دنيوي من آحاد الناس، وإنما رد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحق الدعاء عليه؛ وفي ذلك زجر بليغ عن مقابلة السنة بالرد والاستكبار.

٦- أن الكبر من أعظم موانع قبول الحق، فقد قال الراوي: «ما منعه إلا الكبر»، فدل ذلك على أن الكبر قد يحول بين المرء وبين الانقياد للحق، وإن كان الحق ظاهرًا بيِّنًا لا خفاء فيه.

٧- أن العبرة ليست بدعوى العجز، وإنما بحقيقة الحال،

فالرجل قال: «لا أستطيع»، والحال أن المانع لم يكن عجزًا حقيقيًّا، وإنما كان الكبر؛ فعلى المسلم أن يحذر من التعلل بالأعذار التي تستر وراءها أهواء النفوس.

٨- أن الكبر قد يظهر في صورة يسيرة، ثم يجر إلى ما هو أعظم،

فربما استهان المرء بمخالفة يسيرة، ثم حمله التعاظم على رد الحق في مسائل أكبر، ولذلك كان السلف شديدي الحذر من آفات القلوب وإن ظهرت آثارها في أمور صغيرة.

٩- أن الأعمال الظاهرة قد تكشف أمراض القلوب الباطنة،

فامتناع الرجل عن استعمال يمينه كشف ما استكن في قلبه من الكبر؛ إذ قد تظهر خفايا النفس على الجوارح عند ورود الأمر والنهي.

١٠- أن الانقياد للشرع من علامات التواضع،

فالمتواضع إذا بلغه أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم خضع له وانقاد، ولا يرى لنفسه مع ذلك الأمر اختيارًا يقدمه عليه.

١١- أن من تمام الأدب مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ قَبُولَ تعليمه وعَدَمَ مقابلتِه بالعناد، فإن الصحابة _رضي الله عنهم_ كانوا يتلقون عنه الوحي والهدى بأدب عظيم، ولم يكن من شأن أهل الإيمان أن يجعلوا أهواءهم حَكَمًا على سنته.

١٢- أن تعليم الناس الآداب الشرعية يكون بالفعل والتنبيه عند الحاجة،

فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى الرجل يأكل بشماله، فلم يسكت عن ذلك، بل بادر إلى تعليمه، وفيه دليل على أن من رأى مخالفة شرعية مما يمكن إنكاره فليعلم الجاهل وينصح المخالف بالحكمة.

١٣- أن إنكار المنكر لا يختص بالمنكرات العظيمة،

فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم استعمال اليد اليسرى في الأكل، مع كون الأمر متعلقًا بأدب من آداب الطعام؛ ففي ذلك دلالة على أن أبواب الخير والشر تتناولها الشريعة على مراتبها.

١٤- أن حسن الأدب مع الطعام من هدي النبوة،

فالأكل باليمين، والتسمية، والأكل مما يلي الإنسان، وحمد الله بعد الفراغ، كل ذلك من جملة الآداب التي جاءت بها السنة، وفي المحافظة عليها اقتداءٌ بالنبي _صلى الله عليه وسلم_.

١٥- أن مخالفة السنة قد تكون سببًا للحرمان، فهذا الرجل منعته نفسه من الامتثال، فابتلي بأن حُرم استعمال يده في الأكل؛ وفيه عبرة بأن من أعرض عن الهدي النبوي فقد يُحرم من خيرٍ كان في وسعه تحصيله.

١٦- إثبات وقوع دعاء النبي _صلى الله عليه وسلم_ على من استحقه، فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا استطعت» دعاء عليه، وقد وقع أثره؛ وهذا يدل على عظيم مقام النبوة، وأن دعاءه _صلى الله عليه وسلم_ ليس كدعاء آحاد الناس.

١٧- أن العقوبة قد تُعَجَّلُ للعبد في الدنيا، فلم يؤخر جزاء هذا المتكبر إلى الآخرة، بل ظهرت عليه العقوبة في الدنيا؛ وفي ذلك عبرة لمن اغتر بإمهال الله تعالى، فإن الإمهال لا يدل على الرضا.

١٨- أن من تعاطى أسباب العقوبة، فقد يُجازى بجنس فعله، فالرجل ادعى عدم القدرة على استعمال يمينه، فلما دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم صار غير قادر حقيقةً على رفعها إلى فيه؛ فكان في القصة مقابلة ظاهرة بين دعواه أولًا وحاله آخرًا.

١٩- أن العبرة بخواتيم الأعمال وآثارها، فقد بدأ الرجل بأمر يسير في الظاهر، ثم انتهى إلى عقوبة ظاهرة؛ فليس لأحد أن يستصغر معصيةً إذا اقترنت بالكبر والعناد، فإن صغائر الأعمال قد تعظم بسوء القصد.

٢٠- أن الشيطان قد يستغل الكبر لصد العبد عن الطاعة، فإن النفس إذا استكبرت عن الانقياد للحق وجدت من الوساوس ما يزين لها الاعتذار والمخالفة، ولذلك كان على المسلم أن يجاهد نفسه إذا جاءه أمر الشرع.

٢١- أن التواضع للحق من أجلِّ خصال المؤمن، فليس التواضع أن يخفض المرء جناحه للخلق فحسب، وإنما من أعظم التواضع أن يخضع للحق، ولو خالف هواه وعادته ورأيه.

٢٢- أن الحق لا يُترك لمجرد مخالفة الهوى، فالمؤمن ميزانه الشرع، لا ما تهواه نفسه؛ فإن وافق الأمر هواه قبله، وإن خالف هواه، قبله كذلك، إذ المدار عنده على الدليل والانقياد.

٢٣- أن تربية النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأصحابه كانت شاملة لأدق شؤون حياتهم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يربيهم على التوحيد والعبادة والأخلاق والمعاملات والآداب، حتى صار هديه شاملًا لأحوالهم كلها.

٢٤- أن من عرف الحق، ثم رده استكبارًا، فهو على خطر عظيم، فليس الجهل وحده هو الذي يحول بين العبد وبين الهدى، بل قد يكون العلم موجودًا، غير أن الكبر يحول دون الانتفاع به؛ ولهذا كان صلاح القلب أصلًا لصلاح العمل.

٢٥- أن سلامة القلب من الكبر من أسباب الانتفاع بالسنة، فإذا سلم القلب من التعاظم والانتصار للنفس، سهل عليه قبول النص والانقياد له، وصار العبد كلما بلغه هدي النبي صلى الله عليه وسلم قال بقلبه ولسانه: سمعنا وأطعنا.

٢٦- أن السنة لا تُعرف بالاستحسان الشخصي، فليس للمرء أن يقول: هذا أدب صغير، فلا حاجة إلى اتباعه، أو هذه سنة لا أهمية لها؛ بل المؤمن يعظم ما عظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرص على إصابة السنة بحسب استطاعته.

٢٧- أن التربية النبوية تعالج أصل الداء، لا مجرد صورته، فالمشكلة الظاهرة كانت الأكل بالشمال، لكن حقيقة الداء كانت الكبر؛ ولذلك ظهرت خطورة المخالفة من جهة القلب، لا من جهة حركة اليد وحدها.

٢٨- أن صلاح الظاهر والباطن متلازمان، فإذا صلح القلب بالتواضع والانقياد، صلحت الجوارح بالطاعة، وإذا استولى الكبر على القلب، ظهرت آثاره على الجوارح بالمخالفة والعناد.

٢٩- التحذير من احتقار السنن والآداب الشرعية، فإن بعض الناس يستصغرون شأن السنن، وربما سخروا من أهل المحافظة عليها، والواجب أن يعلم المسلم أن طريق السنة إنما يبنى من هذه الآداب والطاعات، صغيرها وكبيرها.

٣٠- أن السعيد من بادر إلى امتثال السنة قبل أن يحال بينه وبينها، فلا يدري العبد متى يفجؤه الموت أو تعرض له علة أو حرمان؛ فليغتنم زمن القدرة، وليجعل شعارَه عند ورود أمر النبي صلى الله عليه وسلم: السمع والطاعة، والتسليم والانقياد.

 

 



[1] قال القاضي البيضاوي _رحمه الله_ في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (3/ 515) : "قيل: هذا الرجل بشر بن راعي العير, وقيل: بسر، بالسين المهملة." اهـ

·       وقال علي بن سلطان القاري _رحمه الله_ في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3804) :

"قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ يُقَالُ لَهُ: بِشْرُ بْنُ رَاعِي الْعَيْرِ، وَقِيلَ بُسْرٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَعَ، وَضُبِطَ فِي "الْأَذْكَارِ" الْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَقَالَ: هُوَ صَحَابِيٌّ." اهـ

انظر : الأذكار للنووي، ت : الأرنؤوط (ص: 233/ رقم : 671)

قال مقيده أبو فائزة _غفر الله له_ : الصحيح الأول.

قال الدارمي (2/ 1293) (رقم: 2075): أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بُسْرَ بْنَ رَاعِي الْعِيرِ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ». قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ». قَالَ: فَمَا وَصَلَتْ يَمِينُهُ إِلَى فِيهِ." وقال معلقه حسين سليم أسد الداراني _حفظه الله_: "إسناده حسن."

والحديث أخرجه أيضا أحمد في المسند (27/ 25/ رقم : 16499)، وعبد بن حميد في المنتخب (388)، وابن حبان البستي في صحيحه (رقم : 6512)، والطبراني في الكبير (6235)، وأبو عوانة في المستخرج (8250_8251)

[2] وقال البيهقي _رحمه الله_ في السنن الكبرى (7/ 452) :

"وَفِي رِوَايَةِ السُّلَمِيِّ فَمَا وَصَلَتْ يَمِينُهُ وَقَالَ بُسْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالسِّينِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَالصَّحِيحُ بِشْرٌ بِخَفْضِ الْبَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ وَاللهُ أَعْلَمُ."

وانظر : دلائل النبوة (6/238)، وفيه :

عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: "أَبْصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشْرَ بْنَ رَاعِيَ الْعَنْزِ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ قَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ» ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» ، قَالَ: فَمَا وَصَلَتْ يَدُهُ إِلَى فِيهِ بَعْدُ".

فيما قاله البيهقي _رحمه الله_ نظر، بل الراجح عند ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني _رحمهما الله_ أن اسم الصحابي : هو بسرٌ.

انظر : معرفة الصحابة لابن منده (ص: 263)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (1/ 415/ رقم : 1230)

[3] قال محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي العَلَوي الهَرَري الشافعي _رحمه الله_ في الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (21/ 146)

"وجزم القاضي عياض بأنه كان منافقًا، وتعقبه النووي بأن بسر بن راعي العير عده أبو نعيم وابن منده من الصحابة،

ولكن قال الحافظ في الإصابة [1/ 153] :

(في هذا الاستدلال نظر، لأن كل من ذكره لم يذكر له مستندًا، إلَّا هذا الحديث، فالاحتمال قائم، ويمكن الجمع أنه كان في تلك الحالة لم يسلم، ثم أسلم بعد ذلك)، وما قاله الحافظ أوجه." اهـ كلام الأرمي

[4] وقال مثله ابن الملك الحنفي (ت : 854 هـ) _رحمه الله_ في شرح المصابيح (6/ 334) : "فيه دليل على أن الأكل باليمين من السنن." يعني: من السنن النبوية، لا أن ذلك مستحب، بل من السنن الواجبة! والله أعلم.

[5] ففي "صحيح مسلم" (3/ 1598) (رقم: 2020):

عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ»

وفي رواية مسلم (3/ 1599): أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» ،

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام