شرح الحديث 158 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من رياض الصالحين
|
[158] الثَّالثُ: عَنْ أَبي هريرةَ - رضي
الله عنه -: أنَّ رَسُول
الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُلُّ
أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ، إلا مَنْ أبَى»، قيلَ: وَمَنْ
يَأبَى يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «مَنْ
أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى» . رواه البخاري. |
ترجمة أبي هريرة الدوسي _رضي الله عنه_ :
اختلف
فِي اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن
هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله
بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن
الأزد.
وفي
تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 366_367) للمزي :
"ويُقال:
كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما
كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟
فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة."
وذكر
أَبُو القاسم الطبراني أن اسم أمه ميمونة بنت صبيح." اهـ
وفي
تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 377) :
"وَقَال
عَمْرو بْن علي: "نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي
المحرم سنة سبع."اهـ
وفي
تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 378)
قال
سفيان بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو
هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.
وَقَال
أَبُو الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط،
وعَمْرو بْن علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين.
وفي
تاريخ الإسلام ت بشار (2/ 561) للذهبي :
"قَالَ
الْبُخَارِيُّ : رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.
قلت: روي لَهُ
نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (5370). في الصحيحين منها ثلاث
مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ بثلاثة وتسعين
(93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)." اه
شرح
الكلمات :
عَنْ أَبي هريرةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ، إلا مَنْ أبَى»، قيلَ: وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى» . رواه البخاري. |
قال العيني
_رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (35 / 383):
"قوله: (إلا
من أبى)، أي امتنع عن قبول الدعوة أو عن امتثال الأمر،
فإن قلت: العاصي
يدخل الجنة أيضا، إذ لا يبقى مخلدا في النار، قلت: يعني لا يدخل في أول الحال، أو
المراد بالإباء: الامتناع عن الإسلام." اهـ
وقال المناوي
_رحمه الله_ في "فيض القدير" (5 / 12):
"(كل أمتي
يدخلون الجنة، إلا من أبى) بفتح الهمزة والموحدة: بامتناعه عن قبول الدعوى أو
بتركه الطاعة التي هي سببٌ لدخولها، لأن من ترك ما هو سبب شيء، لا يوجد بغيره."
اهـ
المعنى
الإجمالي للحديث:
هذا الحديث من
جوامع كَلِم النبي _صلى الله عليه وسلم_، وقد بيَّن فيه سعة رحمة الله _تعالى_
بهذه الأمة، وكثرة أبواب الخير الموصلة إلى جنته، حتى كأنَّ الأصل في أمة محمد صلى
الله عليه وسلم أن تدخل الجنة إذا استجابت لأمر ربها واتَّبعت نبيها صلى الله عليه
وسلم.
فقوله صلى الله
عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ» المراد به: أمة الإجابة الذين
آمنوا به واتبعوه، أو أن المراد أن أبواب الجنة مفتوحة لجميع الأمة، وأن أسباب
دخولها ميسَّرة لمن أخذ بها. ثم استثنى من ذلك من حُرم التوفيق فأعرض عن طريق
النجاة، فقال: «إِلَّا مَنْ أَبَى».
فلما كان
الامتناع عن دخول الجنة أمراً عجيباً، تعجَّب الصحابة رضي الله عنهم وسألوا:
«وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ الله؟» أي: من الذي يرفض هذا الخير العظيم والثواب
المقيم؟
فبيَّن لهم
النبي صلى الله عليه وسلم أن الإباء ليس بالقول الصريح فقط، بل يكون بالفعل أيضاً،
فقال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ»؛ لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي
طاعة لله تعالى، وهي الطريق المستقيم الموصل إلى رضوانه وجنته. ثم قال: «وَمَنْ
عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» أي: من أعرض عن أوامري، وترك هديي، وسلك سبيل المخالفة والعصيان،
فقد جعل نفسه بمنزلة من رفض دخول الجنة وأبى سلوك الطريق المؤدي إليها.
فالحديث يدل على
أن السعادة كلها في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، وأن كل معصية
هي نقص في الاتباع وميل عن طريق النجاة، وأن العبد لا ينال رضا الله وجنته إلا
بتحقيق طاعة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ والاقتداء بهديه والتمسك بسنته.ومن فوائد
الحديث أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي عنوان الفلاح، وأن المعاصي سبب
للحرمان من الخير بقدر ما يقع فيها العبد، وأن السنة سفينة النجاة، فمن ركبها نجا،
ومن أعرض عنها عرَّض نفسه للهلاك والخسران.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
(9/ 92) (رقم: 7280)، وأحمد - عالم الكتب (2/ 361) (رقم: 8728)، والحاكم في "المستدرك
على الصحيحين" (1/ 122) (رقم: 182).
والحديث صحيح: صححه
في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (7/ 392) (رقم: 3141)
من فوائد
الحديث :
قَالَ أَبُو
حَاتِمٍ البستي في "صحيح ابن حبان" (1/ 197):
"طَاعَةُ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الِانْقِيَادُ
لِسُنَّتِهِ بِتَرْكِ الْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ فِيهَا، مَعَ رَفْضِ قَوْلِ
كُلِّ مَنْ قَالَ شَيْئًا فِي دِينِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِخِلَافِ سُنَّتِهِ
دُونَ الِاحْتِيَالِ فِي دَفْعِ السُّنَنِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْمُضْمَحِلَّةِ،
وَالْمُخْتَرَعَاتِ الدَّاحِضَةِ
من فوائد
الحديث :
"وطاعته
عليه الصلاة والسلام لازمة كطاعة الله، ولهذا يقول الرسول الكريم عليه الصلاة
والسلام في الحديث الصحيح: (كل أمتي يدخلون الجنة، إلا من أبى)، قيل: "ومن
يأبى يا رسول الله؟" قال: (من أطاعني، دخل الجنة، ومن عصاني، فقد أبى)."
اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "شرح سنن أبي
داود" – تفريغ الشاملة (1 / 2)
"من أخذ
بما جاء به، فقد ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عما جاء به، فإنه يخسر
الدنيا والآخرة، كما قال الرسول _عليه الصلاة والسلام_ في الحديث الصحيح: (كل أمتي
يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة،
ومن عصاني فقد أبى).
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (1 / 133):
"في هذا
الحديث: أعظم بشارة للطائعين من هذه الأمة ، وأن كُلّهم يدخلون الجنة، إلا من عصى
الله ورسوله واتَّبع شهواته وهواه ،
قال الله تعالى_:
فَأَمَّا مَن
طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [ النازعات (37_41)]." اهـ
"وقال
العاقولي:
(لما كان
المرتكب للمعصية كالرادّ لما دل على تحريمها من الكتاب والسنة، أطلق عليه لفظ
الإباء، وأريد به استحقاقه النار وضعاً للسبب موضع المسبب)." اهـ
"ومن اتبع
هواه، وضل عن الطريق المستقيم، وزل عن الصواب، فقد دخل النار." اهـ
"قوله: (ومَن
عصاني فقد أَبَى)،
هذا يدل على أن
مَن عَصَى رسولَ الله لا يدخل الجنةَ؛ لأنه قال: (كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلاَّ
مَنْ أَبَى)؛ أي: مَنْ أَبَى لا يدخل الجنةَ فإن كان مَن عصاه كافرًا فلا شك أنه
لا يدخلُ الجنةَ، وإن كان مسلمًا فهذا يكون للزجر والتهديد." اهـ
وقال
مفتي الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى:
1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30)
جزءا - (4/ 265):
"فهذا
الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث الصحيحة مثل قوله _صلى الله عليه وسلم_:
«كل أمتي يدخلون
الجنة، إلا من أبى»، قيل: "يا رسول الله، من يأبى؟" قال: «من أطاعني،
دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»،
كلها تدل على أن
الفرقة الناجية من هذه الأمة هم المتمسكون في عقيدتهم وأقوالهم وأعمالهم بما كان
عليه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه _رضي الله عنهم_.
وقد دل كتاب
الله الكريم على ما دلت عليه سنة رسوله الأمين _عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم_
مِنْ أن الفرقة الناجية هم المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_
والسائرون على نهج أصحابه بإحسان رضي الله عنهم." اهـ
وقال مفتي
الديار السعودية عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى:
1420 هـ) _رحمه الله_ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (30) جزءا - (28
/ 45):
"فأتباع
محمد _صلى الله عليه وسلم_ هم الذين يدخلون الجنة دون غيرهم ، ويقول _صلى الله
عليه وسلم_ :«والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودِيٌّ ولا نصرانيٌّ،
ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار» [م]،
فلا يكون من أهل
الجنة بعد بعث محمد _صلى الله عليه وسلم_، إلا من تابعه، هذا هو الذي من أهل الجنة.
أما من بلغه خبره وكفر به، ولم يؤمن به، فهو من أهل النار." اهـ
قال إبراهيم،
وعبد الله، وعليٌّ أبناءُ الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمهم الله_ في "كتاب
النصائح" من "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (14 / 550)
"فالنجاة
من غضب الله وعقابه، ودخول الجنة، في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والهلاك
والعذاب، وحرمان النعيم في الدنيا والآخرة في معصية الرسول صلى الله عليه وسلم."
اهـ
قال الشيخ عبدالعزيز
الراجحي في "الفتاوى" - (1 / 14):
"ومعلوم أن
الخير كله في الدنيا والآخرة إنما يتحقق بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه،
وأن الشر كله في معصية الله ورسوله واتباع الهوى والشيطان ، قال تعالى : قُلْ إِنْ
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)،
وقال تعالى:
(فَأَمَّا مَنْ
طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)،
وذم سبحانه
المشركين لاتباعهم الظن والهوى، فقال عز وجل في سورة النجم : (إِنْ يَتَّبِعُونَ
إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ
الْهُدَى)،
وقال _صلى الله
عليه وسلم_:
(كل أمتي يدخلون
الجنة إلا من أبى)، قيل يا رسول الله : ومن يأبى؟
قال: (من أطاعني
دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، رواه البخاري في صحيحه." اهـ .
وقال ابن هبيرة
في الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 310_311):
"دخول
الجنة في الآخرة من طريق إليها، فالدنيا هي عند أهل العقل والنظر الصحيح جنة تنقل
إلى جنة، فإن الطريق إلى الجنة في الآخرة إنما هي عبادة الله في الدنيا، بأنواع
العبادات التي هي كلها حقائق الأمن وعروش الطمأنينة، كالصدق والبر؛ اللذين يكسبان
المودة والصلة التي تؤكد الألفة، والأمكنة التي يقع بها عن الخلق الطمأنينة،
وإتيان المعروف الذي تسكن إليه كل نفس، وهذا من الذي يستشير السر من كل ذي لب.
والعفو عن
المذنب وحقه (94/ب) الجاد، وإكرام الضيف، والصدق في القول، والوفاء بالعهد، وحفظ
الأخ بالغيب، ومجانبة الهجر من الكلام، والطهارة والنظافة، واستعمال مكارم الأخلاق
من الجود والشجاعة والعفة، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي تفوقها على كثرتها كلها
أداء فرائض الله سبحانه التي بها يشرف العبد في عبادة ربه، وانقطاعه عن الخلق
إليه، وإخلاص الإيمان له في الصوم والحج، ومعاداة أعداء الله سبحانه، وبذل النفس
له، واستسهال الموت في سبيله، فإن ذلك مما كله، إذا نظر بعين الحقيقة___رأى أنه
رياض جنات، تنقل إلى بحبوحة الجنة، فمن أبى ذلك فقد أبى الجنة العاجلة والجنة
الآجلة.
ملحق
الفوائد:
وفي هذا الحديث
الشريف فوائد جليلة، وآداب عظيمة، وحكم بديعة، منها:
الفائدة الأولى:
بيان سعة رحمة الله تعالى بهذه الأمة،
فإن الله تعالى
فتح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أبواب الهداية والنجاة، ويسَّر لهم أسباب دخول
الجنة، وأرسل إليهم خير الرسل، وأنزل عليهم أكمل الشرائع، فكانت الرحمة بهم ظاهرة
في الابتداء والانتهاء.
الفائدة
الثانية: أن الجنة هي الغاية العظمى التي تتشوف إليها النفوس،
فكل عاقل يطلب
الفوز بها والنجاة من النار، ولذلك تعجب الصحابة رضي الله عنهم من وجود من يأبى
دخولها، إذ لا يمتنع عن النعيم المقيم إلا محروم التوفيق.
الفائدة
الثالثة: وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم،
فقد جعل النبي
صلى الله عليه وسلم الطاعة سبباً لدخول الجنة، وما كان سبباً للفوز الأبدي وجب
التمسك به والمحافظة عليه.
الفائدة
الرابعة: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله تعالى
لأن الرسول مبلغ
عن ربه، لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فمن أطاعه
فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله.
الفائدة
الخامسة: التحذير من المعاصي والمخالفات
فإن النبي صلى
الله عليه وسلم جعل العصيان بمنزلة الإباء والامتناع، وفي هذا من التغليظ والزجر
ما يحمل المؤمن على الحذر من أسباب الهلاك.
الفائدة
السادسة: أن الأعمال أسباب للجزاء
فدخول الجنة
مرتب على الطاعة، والحرمان منها مرتب على المعصية، وهذا يدل على أن الله تعالى جعل
لكل عمل أثراً يليق به، عدلاً منه وحكمة.
الفائدة
السابعة: أن المعصية حرمان قبل أن تكون عقوبة،
فإن العاصي يحرم
نفسه من الخيرات والبركات والدرجات الرفيعة، كما يحرم المريض نفسه لذة الطعام إذا
أفسد صحته بيده.
الفائدة
الثامنة: فضل اتباع السنة،
إذ السنة هي
الطريق الموصل إلى الجنة، والاعتصام بها عصمة من الضلالة، والبعد عنها سبب للزيغ
والانحراف.
الفائدة
التاسعة: أن الهداية الحقيقية في الاستسلام للنصوص،
فكلما ازداد
العبد انقياداً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ازداد هدى ونوراً، وكلما عارض
النصوص بعقله وهواه ازداد بعداً عن الصراط المستقيم.
الفائدة
العاشرة: أن أعظم الخسران إضاعة أسباب النجاة،
فليس الخسران في
فوات الدنيا، وإنما الخسران كل الخسران في فوات الجنة والرضوان.
الفائدة الحادية
عشرة: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم،
فقد بدأ بعبارة
موجزة تثير الانتباه: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، فلما تشوقت النفوس إلى
معرفة المراد بيَّنه بأوضح بيان وأوجز لفظ.
الفائدة الثانية
عشرة: مشروعية سؤال العالم عما أشكل
فإن الصحابة رضي
الله عنهم لم يفهموا المراد من الإباء هنا، فسألوا عنه، فكان سؤالهم سبباً لظهور
العلم وبيان المقصود.
الفائدة الثالثة
عشرة: حرص الصحابة على فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم
فلم يمروا على
الكلام مروراً مجرداً، بل كانوا يتفهمون معانيه ويستكشفون مقاصده، وذلك من كمال
فقههم وصدق طلبهم للعلم.
الفائدة الرابعة
عشرة: أن الإعراض عن الحق نوع من الإباء
فقد يكون الإباء
باللسان، وقد يكون بالفعل والحال، بل قد يكون إباء الحال أبلغ من إباء المقال.
الفائدة الخامسة
عشرة: أن العبد هو المتسبب في حرمان نفسه
فإن الله تعالى
دلَّه على الطريق، وأقام عليه الحجة، وأرسل إليه الرسول، فمن أعرض بعد ذلك فقد جنى
على نفسه، وكان هو الذي سدَّ أبواب الخير دونها.
الفائدة السادسة
عشرة: أن النجاة لا تكون بالأماني المجردة
فليس كل من تمنى
الجنة نالها، وإنما تنال بالإيمان الصادق والطاعة والمتابعة، ولهذا علق النبي صلى
الله عليه وسلم دخولها على طاعته.
الفائدة السابعة
عشرة: أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم الصادقة تظهر آثارها في الاتباع
فإن المحب يقتدي
بمحبوبه، ويحرص على موافقته، ولذلك كان أعظم دليل على صدق المحبة كثرة الاتباع
وحسن الاقتداء.
الفائدة الثامنة
عشرة: أن السنة سفينة النجاة
فمن ركبها نجا
من أمواج الفتن والشبهات والشهوات، ومن فارقها أوشك أن يتخطفه الضلال من كل جانب.
الفائدة التاسعة
عشرة: أن العبد كلما ازداد طاعة ازداد قرباً من الجنة
فإن الطاعات
درجات، وأهل الجنة متفاوتون فيها بحسب تفاوتهم في الاتباع والاستقامة.
الفائدة
العشرون: أن هذا الحديث أصل عظيم في باب لزوم السنة
إذ جمع النبي
صلى الله عليه وسلم بين بيان الغاية، وهي الجنة، وبيان الطريق الموصل إليها، وهو
طاعته واتباع سنته، وبيان المانع منها، وهو العصيان والمخالفة.ومن تأمل هذا الحديث
حق التأمل علم أن السعادة كل السعادة في لزوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً
وباطناً، وأن كل خير في الدنيا والآخرة إنما يفتح بقدر ما يكون في القلب من تعظيم
سنته والانقياد لأمره، كما قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا
حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [النور: 54]
Komentar
Posting Komentar