شرح الحديث 157 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من رياض الصالحين
|
[157] الثاني: عن أَبي
نَجيحٍ العِرباضِ بنِ سَارية _رضي الله عنه_، قَالَ: "وَعَظَنَا رسولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ مَوعظةً بَليغَةً،
وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: "يَا
رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا"، قَالَ: «أُوصِيكُمْ
بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ
حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيراً، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ
الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ
وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة»، رواه
أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» . «النَّواجذُ»
بالذال
المعجمةِ: الأنيَابُ، وَقِيلَ: الأضْراسُ. |
ترجمة
العرباض بن سارية السُّلَمِيُّ _رضي الله عنه_:
وفي "تاريخ
الإسلام" – ت. بشار (2/ 862) للذهبي:
"الْعِرْبَاضُ
بْنُ سَارِيَةَ أَبُو نَجِيحٍ السُّلَمِيُّ. [الوفاة: 71 - 80 ه]:
صَاحِبُ رَسُولِ
اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وأحدُ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ الَّتِي
بِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَمَنْ البكائين
الذين نَزَلَ فِيهِمْ: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أتوك لتحملهم}، الآية.
سكن حمص."
اهـ
قال الله
_تعالى_:
{لَيْسَ عَلَى
الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى
الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا
يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)} [التوبة: 91 -
93]
وفي "إكمال
تهذيب الكمال" (9/ 214) لمغلطاي الحنفي: "وذكره ابن سعد في طبقة الخندقيين." اهـ
وفي "مختصر
تاريخ دمشق" (16/ 340) لابن منظور:
"قال خليفة
بن خياط: العرباض بن سارية من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن
عيلان، وكنيته أبو نجيح، مات في فتنة ابن الزبير وقيل: سنة خمس وسبعين.
قال محمد بن
عوف: كل واحد من عمرو بن عبسة والعرباض بن سارية يقول: أنا رابع الإسلام، لا يدرى
أيهما أسلم قبل صاحبه." اهـ[1]
وفي "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (3/ 421):
"قَالَ
عُتْبَةُ بنُ عَبْدٍ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
سَبْعَةً مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَكْبَرُنَا العِرْبَاضُ بنُ سَارِيَةَ،
فَبَايَعْنَاهُ
وفي "معرفة
الصحابة" لأبي نعيم (4/ 2235):
"تُوُفِّيَ
بِالشَّامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
مَرْوَانَ." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
عن
أَبي نَجيحٍ العِرباضِ بنِ سَارية _رضي الله عنه_، قَالَ:
"وَعَظَنَا رسولُ اللهِ _صلى الله عليه وسلم_ مَوعظةً بَليغَةً،
وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: "يَا
رسولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنَا"،
قَالَ:
«أُوصِيكُمْ
بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تَأمَّر عَلَيْكُمْ عَبْدٌ
حَبَشِيٌّ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافاً كَثيراً، فَعَليْكُمْ بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ
الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِيِّنَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ
وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة»، رواه
أَبُو داود والترمذي، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .
«النَّواجذُ»
بالذال
المعجمةِ: الأنيَابُ، وَقِيلَ: الأضْراسُ.
وفي "سنن
ابن ماجه" (1/ 16):
عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ
سَارِيَةَ، يَقُولُ:
وَعَظَنَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا
الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ:
«قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا،
لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ
فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي،
وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا
بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا،
فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ»
وفي "جامع
العلوم والحكم" – ت. الأرنؤوط (2/ 112):
وَقَوْلُهُ:
«ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ»،
هَذَانِ
الْوَصْفَانِ بِهِمَا مَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَمَاعِ الذِّكْرِ،
كَمَا قَالَ
تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]،
وَقَالَ:
{وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ} [الحج: 34 - 35]،
وَقَالَ:
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]،
وَقَالَ:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]،
وَقَالَ
تَعَالَى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]
[الْمَائِدَةِ: 83]." اهـ
وفي "معالم
السنن" لأبي سليمان الخطابي (3 / 137):
"قوله: (وإن
عبداً حبشياً)، يريد به طاعةَ مَنْ وَلاَّهُ الإمامُ عَلَيْكُمْ، وإن كان عبداً
حبشياً." اهـ
وفي "عون
المعبود" (12 / 235):
"(وعَضُّوْا
عليها بالنواجذ): جمع ناجِذَةٍ بالذال المعجمة، قيل: هو الضرس الأخير، وقيل: هو
مرادف السِّنِّ، وهو كنايةٌ عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها." اهـ
وفي "تحفة
الأحوذي" (7 / 367):
"(فعليه
بسنتي)، أيْ: فلْيَلْزَمْ سُنَّتِيْ (وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديين)، فإنهم لم
يعملوا، إلا بسنتِيْ، فالإضافةُ إِلَيْهِمْ، إما لِعَمَلِهِمْ بِهَا، أو لاستِنْبَاطِهم
وإختيارِهِمْ إيَّاهَا، قاله القارئ." اهـ
المعنى
الإجمالي للحديث:
ذكر الإمام
النووي _رحمه الله_ هذا الحديثَ في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها، وهو من
الأحاديث العظيمة الجامعة لأصول الثبات على الدين، ولا سيما عند ظهور الاختلاف
وكثرة الفتن.
وفيه أن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ وعظ أصحابه موعظةً بليغةً مؤثرة، حتى امتلأت قلوبهم خشيةً، وفاضت
أعينهم بالدموع، فشعروا من شدة تأثيرها وكأنها موعظةُ مودِّعٍ، فطلبوا منه وصيةً
جامعةً ينتفعون بها بعده.
فأوصاهم _صلى
الله عليه وسلم_ أولًا بـ"تقوى الله"،
وهي أن يجعل العبد بينه وبين سخط الله وعقابه وقايةً بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم أوصاهم بـ"السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف"،
لما في اجتماع الكلمة وطاعة ولي الأمر في غير معصية من حفظ الجماعة ودفع الفتن
والاضطراب.
وبيَّن _صلى
الله عليه وسلم_ أن الطاعة لا تسقط لمجرد كون الوالي من غير العرب، فقال: «وإن
تأمَّر عليكم عبدٌ حبشي»،
أي: حتى لو كان
المتولي للأمر ممن تستنكره النفوس عادةً لفقر نسبه أو دناءة منزلته الاجتماعية،
فالمعتبر في ذلك: هو قيام الولاية واستقرار الأمر، مع التزام الطاعة في المعروف.
ثم أخبرهم النبي
_صلى الله عليه وسلم_ بخبرٍ من أخبار الغيب، وهو أن من طال به العمر من أصحابه فسيرى اختلافًا كثيرًا، أي: اختلافًا في العقائد
والمناهج والآراء وطرق الناس في الدين.
فلما كان
الاختلاف واقعًا لا محالة، أرشدهم إلى الميزان
الذي يُعرف به الحق من الباطل، فقال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين»؛
أي: الزموا
طريقتي وهديي وما ثبت عن خلفائي الراشدين المهديين من بعدي، ولا تجعلوا كثرة
الأقوال واختلاف الناس سببًا لترك الحق.
ثم بالغ _صلى
الله عليه وسلم_ في الأمر بالتمسك بالسنة فقال: «عَضُّوا عليها بالنواجذ»، وهي
كناية عن شدة التمسك والثبات عليها، كما يمسك الإنسان الشيء بأسنانه القوية حتى لا
يستطيع أحد انتزاعه منه.
والمعنى: الزموا
السنة لزومًا شديدًا، ولا تتركوها عند الفتن والاختلاف، ولا تستبدلوا بها أهواء
الناس وآراءهم.
ثم
حذَّرهم من «محدثات الأمور»، أي: الأمور المحدثة في الدين
التي لم يشرعها الله _تعالى_، ولم يثبت بها دليل من كتاب الله أو سنة رسوله _صلى
الله عليه وسلم_،
وبيَّن القاعدة
العظيمة بقوله: «فإن كل بدعة ضلالة»؛ أي: كل بدعة في الدين ضلال وانحراف عن الصراط
المستقيم، لأنها زيادة في الشرع لم يأذن بها الله تعالى.
فبيَّن الحديث للمسلم
منهجًا واضحًا عند الاختلاف والفتن: يبدأ بتقوى الله، ولزوم السمع والطاعة في
المعروف، والمحافظة على جماعة المسلمين، ثم التمسك بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء
الراشدين ليكون ميزانًا يرجع إليه عند اختلاف الناس، ويتمسك بالسنة تمسكًا شديدًا،
ويحذر من البدع والمحدثات.
ومن تأمل وصية
النبي _صلى الله عليه وسلم_، وجد أنها اشتملت على أصول عظيمة في صلاح الدين
والدنيا: صلاح القلب بالتقوى، وصلاح الجماعة بالسمع والطاعة في المعروف، وصلاح
المنهج بالتمسك بالسنة، وصيانة الدين من التحريف والتحوير بالحذر من البدع
والمحدثات. ولذلك كانت هذه الوصية من أعظم الوصايا النبوية عند وقوع الاختلاف
وكثرة الفتن.
تخريج
الحديث:
أخرجه أبو داود
في "سننه" (4/ 200) (رقم: 4607)، سنن الترمذي ت شاكر (5/ 44) (رقم: 2676)،
سنن ابن ماجه (1/ 15) (رقم: 42)، مسند أحمد – ط. عالم الكتب (4/ 126) (رقم: 17144_17145)،
وغيرهم.
والحديث
صحيح:
صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 123) (رقم: 37)،
و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (1/ 145) (رقم: 5)، و"سلسلة
الأحاديث الصحيحة" (6/ 526) (رقم: 2735)، و"إرواء الغليل في تخريج
أحاديث منار السبيل" (8/ 107) (رقم: 2455)، و"صحيح الجامع الصغير
وزيادته" (1/ 499) (رقم: 2549).
من
فوائد الحديث:
وفي "معالم
السنن" لأبي سليمان الخطابي (3 / 137):
"وفي قوله:
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) دليلٌ على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا
قال قولاً، وخالفه فيه غيْرُه من الصحابة، كان المصير إلى قول الخليفة أولى."
اهـ
وفي "عون
المعبود" (12 / 235):
قال الحافظ بن
رجب في كتاب جامع العلوم والحكم:
"فيه:
تحذيرٌ للأمة من اتِّبَاعِ الأمورِ المحدثةِ المبتدعةِ، وأكد ذلك بقوله: (كل بدعة
ضلالة)،
والمراد بـ"البدعة":
ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه،
فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعةً لغةً،
فقوله _صلى الله
عليه و سلم_: (كل بدعة ضلالة)، من جوامع الكلم، لا يَخْرُجُ عَنْهُ شيْءٌ، وهو أصل
عظيم من أصول الدين." اهـ
وفي "تحفة
الأحوذي" (7 / 367) عند قوله: (...وسنة الخلفاء...):
"وقال
الشوكاني في "الفتح الرباني":
إن أهل العلم قد
أطالوا الكلام في هذا، وأخذوا في تأويله بوجوهٍ، أكثرُها متعسفةٌ، والذي ينبغي
التعويل عليه والمصير إليه: هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب بحسب ما تقتضيه لغةُ
العرَبِ، فالسنة: هي الطريقة، فكأنه قال: الزموا
طريقتِيْ وطريقةَ الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقتهم هي نفْسُ طريقتِهِ، فإنهم
أشد الناس حرصا عليها، وَعَمَلاً بها في كل شيْءٍ." اهـ
وفي "تحفة
الأحوذي" (7 / 367):
"(فأقل
فوائد الحديث: أن ما يصدر عنهم من الرأي، وإنْ كان من سُنِنِهِ، كما تقدم، ولكنه
أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل) اهـ كلام الشوكاني." اهـ
وفي "تحفة
الأحوذي" (7 / 367_368):
"وقال
القارئ في "المرقاة":
(...قال بعض
المحققين: وصف الراشدين بالمهديين، لأنه إذا لم يكُنْ مُهْتَدِيًا في نفسه، لم
يصلح أن يكون هاديا لغيره، لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر، وهُمْ
الصديق والفاروق وذو النورين وأبو تراب عليٌّ المرتضى _رضي الله عنهم أجمعين_،
لأنهم لما كانوا أفضل الصحابة وواظبوا على استمطار الرحمة من الصحابة النبوية،
وخصهم الله بالمراتب العلية والمناقب السنية، ووطّنوا أنفسهم عل مشاق الأسفار
ومجاهدة القتال مع الكفار، أنعم الله عليهم بمنصب الخلافة العظمى والتصدِّيْ إلى
الرياسة الكبرى لإشاعة أحكام الدين وإعلاء أعلام الشرع المتين رَفْعًا لدرجاتهم
وإزديادا لمثوباتهم). انتهى." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في
شرح الأربعين وتتمة الخمسين" (1 / 87):
"مِمَّا
يُستفاد من الحديث:
1 ـ استحباب
الموعظة والتذكير في بعض الأحيان؛ لِمَا في ذلك من التأثير على القلوب.
2 ـ حرص الصحابة
رضي الله عنهم على الخير؛ لطلبهم الوصيَّة منه *.
3 ـ أنَّ أهمَّ
ما يوصى به تقوى الله عزَّ وجلَّ، وهي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه.
4 ـ أنَّ من
أهمِّ ما يوصى به السمع والطاعة لولاة الأمور؛ لِمَا في ذلك من المنافع الدنيوية
والأخروية للمسلمين.
5 ـ المبالغة في
الحثِّ على لزوم السمع والطاعة، ولو كان الأمير عبداً.
6 ـ إخبار
النَّبيِّ * عن وجود الاختلاف الكثير في أمَّته، ثم حصوله كما أخبر من دلائل نبوته
*.
7 ـ أنَّ طريق
السلامة عند الاختلاف في الدِّين لزوم سنَّته * وسنَّة الخلفاء الراشدين.
8 ـ بيان فضل
الخلفاء الراشدين، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وأنَّهم راشدون
مهديُّون.
9 ـ التحذير من
كلِّ ما أُحدث في الدِّين مِمَّا لم يكن له أصل فيه.
10 ـ أنَّ البدع
كلَّها ضلال، فلا يكون شيء منها حسناً.
11 ـ الجمع بين
الترغيب والترهيب؛ لقوله في الترغيب: (فعليكم)، وفي الترهيب: (وإيَّاكم).
12 ـ بيان
أهميَّة الوصية بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمور، واتِّباع السنن وترك
البدع؛ لكون النَّبيِّ _صلى الله عليه وسلم_ أوصى أصحابَه بها بعد قوله عن موعظته:
(كأنَّها موعظة مودِّع فأوصنا)." اهـ
وقال إسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) _رحمه الله_ في "التحفة الربانية في
شرح الأربعين حديثا النووية" (1/ 29):
"يستفاد
منه:
1- المبالغة في
الموعظة، لما في ذلك من ترقيق القلوب ، فتكون أسرع إلى الإجابة .
2- الاعتماد على
القرائن في بعض الأحوال، لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بإبلاغه في الموعظة أكثر
من العادة .
3- أنه ينبغي
سؤال الواعظ الزيادة في الوعظ والتخويف والنصح.
4- علم من أعلام
النبوة ، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما يقع بعده في أمته من كثرة الاختلاف _
ووقع الأمر كذلك .
5- الأمر بتقوى
الله والسمع والطاعة ، وفي هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة، أما التقوى فهي وصية
الله للأولين والآخرين ، وأما السمع والطاعة فبهما تنتظم مصالح العباد في معاشهم ،
ويستطيعون إظهار دينهم وطاعاتهم .
6- التمسك
بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من المضض في ذلك ، وقد قيل : إن هذا هو المراد
بعض النواجذ عليها .
7- أن الواحد من
الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره كان المصير إلى قول الخليفة أولى .
8- التحذير من
ابتداع الأمور التي ليس لها أصل في الشرع ، أما ما كان مبنيا على قواعد الأصول
ومردودا إليها . فليس ببدعة ولا ضلالة ." اهـ
قال عبد الرحمن
البراك في "الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية" (1 / 47):
"هذا
الحديث أصل في الاعتصام بسنة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وسنة الخلفاء الراشدين،
وفيه من الفوائد:
1- أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - كان يعظ أصحابه بالترغيب والترهيب.
2- استحباب
الوعظ والتذكير.
3- فضل الصحابة
- رضي الله عنهم - لتأثرهم بالموعظة.
4- أن وجل القلب
ودمع العين علامة التأثر بالموعظة رغبة ورهبة.
5- طلب الصحابة
الوصية من النبي - صلى الله عليه وسلم - .
6- استحباب طلب
الوصية من العالم وأنها ليست من السؤال المذموم، وكذلك السؤال عن العلم.
7- الوصية بتقوى
الله وهي وصية الله للأولين والآخرين.
8- الوصية
بالسمع والطاعة لولي الأمر ما لم يأمر بمعصية وإن لم يكن ذا حسب ولا نسب.
9- إخبار النبي
- صلى الله عليه وسلم - عمّا سيكون من الاختلاف، وقد وقع كما أخبر، ففيه :
10- علم من
أعلام النبوة.___
11- الواجب عند
الاختلاف: الاعتصام بسنة الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فإن لم تكن، فبسنة الخلفاء
الراشدين، ويشهد لهذا من القرآن قوله تعالى : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:
59]
12- فضل الخلفاء
الراشدين المهديين للأمر بالأخذ بسنتهم ووصفهم بالرشد والهدى، والمراد بهم أبو بكر
وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-. وقد صار هذا الوصف علماً عليهم.
13- تأكيد الأمر
بالتمسك بسنته - صلى الله عليه وسلم - وسنة الخلفاء الراشدين. لقوله " تمسكوا
بها وعضوا عليها بالنواجذ".
14- التحذير من
المحدثات في الدين في عقائده وشرائعه وأحكامه، وهي البدع.
15- أن كل بدعة
ضلالة.
16- الرد على من
يقسم البدعة إلى حسنة وسيئة.
17- أن المرجع
في مسائل الدين كلها إلى ما جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (1 / 133):
"وفي
الحديث: التمسُّك بالسنَّة في الاعتقاد والأعمال والأقوال، والتحذير من البِدع،
وهي ما أُحْدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة." اهـ
وقال عبد الرحمن
بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه
"جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 111):
"وَالْبَلَاغَةُ
فِي الْمَوْعِظَةِ مُسْتَحْسَنَةٌ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ الْقُلُوبِ
وَاسْتِجْلَابِهَا، وَالْبَلَاغَةُ: هِيَ التَّوَصُّلُ إِلَى إِفْهَامِ
الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ، وَإِيصَالُهَا إِلَى قُلُوبِ السَّامِعِينَ
بِأَحْسَنِ صُورَةٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا، وَأَفْصَحِهَا
وَأَحْلَاهَا لِلْأَسْمَاعِ، وَأَوْقَعِهَا فِي الْقُلُوبِ. وَكَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصُرُ خُطْبَتَهَا، وَلَا يُطِيلُهَا، بَلْ
كَانَ يُبْلِغُ وَيُوجِزُ." اهـ
وقال
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي،
ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه
الله_ في كتابه "جامع
العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 116_117):
"وَقَوْلُهُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ»،
فَهَاتَانِ
الْكَلِمَتَانِ___تَجْمَعَانِ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَمَّا
التَّقْوَى فَهِيَ كَافِلَةٌ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِمَنْ
تَمَسَّكَ بِهَا، وَهِيَ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، كَمَا
قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131] [النِّسَاءِ: 131]
، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ التَّقْوَى بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي شَرْحِ حَدِيثِ
وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ.
وَأَمَّا
السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِيهَا سَعَادَةُ
الدُّنْيَا، وَبِهَا تَنْتَظِمُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَبِهَا
يَسْتَعِينُونَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِمْ وَطَاعَةِ رَبِّهِمْ، كَمَا قَالَ
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ النَّاسَ لَا
يُصْلِحُهُمْ إِلَّا إِمَامٌ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ، إِنْ كَانَ فَاجِرًا عَبَدَ
الْمُؤْمِنُ فِيهِ رَبَّهُ، وَحُمِلَ الْفَاجِرُ فِيهَا إِلَى أَجَلِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ
فِي الْأُمَرَاءِ: هُمْ يَلُونَ مِنْ أُمُورِنَا خَمْسًا: الْجُمُعَةَ
وَالْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَ وَالثُّغُورَ وَالْحُدُودَ، وَاللَّهِ مَا يَسْتَقِيمُ
الدِّينُ إِلَّا بِهِمْ، وَإِنْ جَارُوا وَظَلَمُوا، وَاللَّهِ لَمَا يُصْلِحُ
اللَّهُ بِهِمْ أَكْثَرُ مِمَّا يُفْسِدُونَ، مَعَ أَنَّ - وَاللَّهِ - إِنَّ
طَاعَتَهُمْ لَغَيْظٌ، وَإِنَّ فُرْقَتَهُمْ لَكُفْرٌ." اهـ
مشارق الأنوار
الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه (1/ 514)
وإنما ذكر
سنّتهم في مقابلة سنّته؛ لأمرين:
(أحدهما): أنه
عَلِم أنهم لا يُخطئون فيما يستخرجونه من سنته باجتهادهم.
(والثاني): أنه
-صلى الله عليه وسلم- عَلِم أن بعضًا من سننه لا يشتهر بزمانه، وإن عَلِمه الأفراد
من أصحابه، ثم يشتهر في زمانهم، فيضاف إليهم، فربما يستدرع أحدٌ من ردّ تلك السنن
بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم؛ سدّا للباب. انتهى.
وقيل: الحديث
عامّ في كلّ خليفة راشد لا يخُصّ الخلفاء الراشدين الأربعة، ومعلومٌ من قواعد
الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يَشرَع طريقة غير ما كان عليها النبيّ -صلى الله
عليه وسلم-، فليس المراد في الحديث بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة
لطريقته -صلى الله عليه وسلم- من جهاد الأعداء، وتقوية شعائر الدين، ونحوها.
انتهى. ["المرعاة" (1/ 263)].
قال الجامع عفا
الله تعالى عنه:
المراد
بالموافقة في قوله: "الموافقة لطريقته -صلى الله عليه وسلم-" الموافقة
إما نصّا، أو استنباطًا، فافهم. والله تعالى أعلم." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه"
(1/ 522_523):
(المسألة
الرابعة): في فوائده:
1 - (منها): ما
ترجم له المصنّف، وهو اتّباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأن اتباع سنّتهم
-رضي الله عنهم- عينُ اتّباع سنته -صلى الله عليه وسلم-.___
2 - (ومنها): ما
كان عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من وعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب
الجمع والأعياد.
3 - (ومنها): ما
أعطى الله سبحانه وتعالى نبيّه -صلى الله عليه وسلم- من بلاغة الكلام، وفصاحة
اللسان، وجوامع الكلم، كما أوضح ذلك بقوله -فيما أخرجه الشيخان وغيرهما-:
"بُعثتُ بجوامع الكلم"، وفي لفظ: "أعطيت جوامع الكلم ... "
الحديث.
4 - (ومنها):
وجوب تقوى الله تعالى، والسمع والطاعة لولاة الأمور، ما لم يأمروا بمعصية، كما ثبت
ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في
المعروف" متّفق عليه، واللفظ لمسلم.
5 - (ومنها): أن
فيه علمًا من أعلام النبوّة، فقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- بما يقع في أمته بعده
من الاختلاف الشديد، وقد وقع كما أخبر كما تشهد بذلك كتب التواريخ التي تصدّت
لبيان الوقائع والحوادث.
6 - (ومنها):
الأمر بملازمة سنّته -صلى الله عليه وسلم-، وسنة خلفائه الراشدين والعضّ عليها عند
وقوع الاختلاف في الأمة، كما يَعَضّ الإنسان على الأشياء الثمينة التي يَخاف عليها
التفلّت والخروج من يده.
7 - (ومنها): أن
سنّة خلفائه الراشدين هي سنته -صلى الله عليه وسلم- حيث أمر بالتمسّك بها؛ لأنها
إما سنته الصريحة القوليّة، أو الفعليّة، أو هي مستنبطة من كتاب الله سبحانه
وتعالى، أو سنته -صلى الله عليه وسلم-.
8 - (ومنها): وجوب
الابتعاد عن البِدَع، ومحدثات الأمور التي لا يؤيّدها كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع؛
لأنها ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار، أعاذنا الله تعالى من عذاب النار، وجعلنا من
أهل الجنّة دار الأبرار، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
ملحق
الفوائد:
من فوائد حديث أبي
نجيح العرباض بن سارية السلمي _رضي الله عنه_:
١- فيه: عِظَمُ
شأن الموعظة النافعة في إصلاح القلوب،
فقد وعظ النبي _صلى
الله عليه وسلم_ أصحابه موعظةً بليغةً أوجبت خشوع قلوبهم وجريان دموعهم، وفي ذلك
دليلٌ على أن الموعظة إذا صدرت عن علمٍ وإخلاص، وقصد بها إصلاح القلوب، كان لها
أثرٌ عظيم في النفوس.
٢- فيه: أنَّ
خشية الله من علامات حياة القلب،
فقوله: «وجلت
منها القلوب وذرفت منها العيون» يدل على أن القلب الحي يتأثر بذكر الله ووعده
ووعيده، وأن قسوة القلب من أعظم أسباب الحرمان من الانتفاع بالمواعظ.
٣- فيه: استحباب
البكاء من خشية الله _تعالى_،
فبكاء الصحابة _رضي
الله عنهم_ عند سماع الموعظة النبوية يدل على فضل رقة القلب، وعلى أن البكاء من
خشية الله عبادةٌ جليلة إذا كان صادقًا لله _تعالى_.
٤- فيه: حسنُ
تعليم النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأصحابه،
فكان _صلى الله
عليه وسلم_ يختار لهم من الكلام أجمعه وأنفعه، ويعظهم بما يناسب أحوالهم، فكانت
كلماته قليلة المبنى، عظيمة المعنى، نافذةً إلى القلوب.
٥- فيه: مشروعية
طلب الوصية من أهل العلم،
فقول الصحابة:
«فأوصنا» يدل على حرصهم على الانتفاع بتوجيهات العلماء، وعلى أن المسلم إذا وجد من
العالم علمًا وفضلًا، فله أن يسأله عن الوصية الجامعة التي تنفعه في دينه.
٦- فيه: أنَّ
التقوى أصلُ الدين وجماعُ الخير،
فابتدأ النبي _صلى
الله عليه وسلم_ وصيته بقوله: «أوصيكم بتقوى الله»، وفي ذلك بيان أن التقوى هي
أساس صلاح العبد، وبها تحفظ الجوارح من المعاصي، وتستقيم الأعمال، ويصلح القلب.
٧- فيه: وجوب
السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «والسمعِ والطاعةِ» أصلٌ عظيم في حفظ جماعة المسلمين وانتظام أمرهم،
والطاعة إنما تكون في المعروف، أما المعصية فلا طاعة فيها؛ لقوله _صلى الله عليه
وسلم_: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
٨- فيه: أنَّ
الطاعة لا تتعلق بالأنساب والألوان،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي»،
فيه بيان أن
المعتبر في هذا الباب هو ثبوت الوِلاية، لا كون الوالي من قبيلة معينة أو جنس معين
أو ذا نسب رفيع، مع الالتزام بأن الطاعة إنما تكون في المعروف.
٩- فيه: التحذير
من الفتن والاختلاف،
فإخبار النبي _صلى
الله عليه وسلم_ بأن من يعِشْ بعده «فسيرى اختلافًا كثيرًا» فيه: تحذيرٌ للأمة من
الافتتان بكثرة الأقوال والمذاهب والنزاعات، وإرشادٌ لها إلى ما يكون سببًا للنجاة
عند ظهور الاختلاف.
١٠- فيه: أنَّ
الاختلاف سيقع في الأمة،
وهذا من دلائل
نبوته _صلى الله عليه وسلم_؛ فقد أخبر عن أمرٍ مستقب، ثم وقع، ففيه تنبيه إلى أن
المسلم لا ينبغي أن يستغرب وجود الاختلاف، بل ينبغي أن يعرف كيف يتعامل معه
بالرجوع إلى الوحي.
١١- أنَّ السنة
هي الملجأ عند الاختلاف،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «فعليكم بسنتي» يدل على أن الميزان الذي تُعرف به صحة الآراء والمناهج
عند اختلاف الناس هو سنة النبي _صلى الله عليه وسلم_، لا مجرد كثرة الأتباع ولا
شهرة الآراء.
١٢- فيه: وجوب
التمسك بسنة النبي _صلى الله عليه وسلم_،
فالأمر في قوله
«فعليكم بسنتي» يفيد وجوب لزوم السنة، والسير على هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_
في الاعتقاد والعبادة والأخلاق وسائر أبواب الدين.
١٣- فيه: فضل
سنة الخلفاء الراشدين،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» يدل على فضل الخلفاء الراشدين، وأن
ما ثبت عنهم من السنة والهدي مما وافق الحقَّ له مكانة عظيمة في الشريعة.
والخلفاء
الراشدون الذين عناهم الحديث هم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهم أئمة الهدى بعد رسول الله _صلى الله عليه
وسلم_.
١٥- فيه: أنَّ
سنة الخلفاء الراشدين تابعة لسنة النبي _صلى الله عليه وسلم_، وليست شريعةً مستقلة،
فقرن النبي _صلى الله عليه وسلم_ سنتهم بسنته، لأنهم كانوا متبعين له، قائمين على
هديه، حريصين على إحياء سنته، وليس المراد أنهم يشرعون في الدين من عند أنفسهم.
١٦- فيه: الأمر
بشدة التمسك بالسنة،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «عضوا عليها بالنواجذ» من أبلغ عبارات العرب في الدلالة على شدة
التمسك؛ فكأنه أمرهم أن يمسكوا بالسنة بأسنانهم، حتى لا يستطيع أحدٌ أن ينتزعها
منهم.
١٧- فيه: أنَّ
التمسك بالسنة يكون أشد عند ظهور الفتن،
فإن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ ذكر الاختلاف أولًا، ثم قال: «فعليكم بسنتي»؛ فكلما كثرت الفتن
واضطربت الأقوال والآراء، كان المسلم أحوج إلى التمسك بالكتاب والسنة وعدم
الانجرار وراء الأهواء.
١٨- فيه: التحذير
من البدع في الدين،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «وإياكم ومحدثات الأمور» تحذيرٌ شديد من إحداث شيء في الدين لا أصل له
من الشرع، وفيه صيانة للشريعة من الزيادة والنقصان.
١٩- فيه: أنَّ
البدع من أسباب الضلال،
فقوله _صلى الله
عليه وسلم_: «فإن كل بدعة ضلالة» قاعدة عظيمة؛ فكل ما أُحدث في الدين على غير أصل
شرعي، فهو ضلال، وإن حسَّنه الناس أو استحسنته العقول.
٢٠- فيه: أنَّ
العبرة بالدليل، لا باستحسان الناس،
فليس كل ما استحسنه
الإنسان أو رآه حسنًا يكون مشروعًا، بل العبادات مبناها على الاتباع، فلا يُتعبد
لله تعالى إلا بما شرعه.
٢١- فيه: التحذير
من الغلو في الدين،
فمن أسباب البدع
تجاوُز حدودِ الشرع، وإحداثُ عباداتٍ وهيئاتٍ لم يأذن بها الله _تعالى_، ولذلك كان
لزوم السنة صمام أمان من الغلو والانحراف.
٢٢- فيه: أنَّ
السنة والبدعة ضدان لا يجتمعان في طريق واحد،
فكلما اشتد تمسكُ
العبدِ بالسنة وبُعْدُه عن المحدثات، كان أقرب إلى الهدى، وكلما استولى عليه
الابتداع والهوى، كان أبعَدَ عن طريقة النبي _صلى الله عليه وسلم_.
٢٣- فيه: أنَّ
الثبات على الحق يحتاج إلى مجاهدة،
فعبارته _صلى
الله عليه وسلم_: «عضوا عليها بالنواجذ» تدل على أن التمسك بالسنة قد يحتاج إلى
صبرٍ وثبات، ولا سيما إذا كثرت الفتن، وانتشرت الأقوال المخالفة، وصار المتمسك
بالحق غريبًا بين الناس.
٢٤- فيه: أنَّ
كثرة الاختلاف ليست مبررًا لاتباع كل قول، بل الواجب عند اختلاف الناس أن يرجع
العبد إلى الدليل، وأن يلزم السنة، وأن يزن الأقوال والأعمال بالوحي، لا أن يجعل
اختلاف الناس حجةً على ترك الحق.
٢٥- فيه: أن اجتماع
التقوى والسنة من أعظم أسباب الاستقامة،
فالحديث جمع بين
تقوى الله ولزوم السنة؛ فالتقوى تصلح باطن العبد وظاهره، والسنة تضبط طريقه في
العبادة والمنهج، وباجتماعهما تستقيم حياة المسلم.
٢٦- فيه: أنَّ
الشريعة جاءت بحفظ الجماعة ومنع أسباب الفوضى،
فالأمر بالسمع
والطاعة في المعروف من الأسباب التي تحفظ اجتماع المسلمين، وتسد أبواب الفتن التي
قد تنشأ من التمرد والفوضى والنزاع.
٢٧- فيه: أنَّ
من أصول أهل السنة لزومَ السنة واجتنابَ البدعة،
فهذا الحديث
أصلٌ عظيم في باب السنة والبدعة؛ إذ أمَرَ النبي _صلى الله عليه وسلم_ بلزوم سنته
وسنة الخلفاء الراشدين، وحذَّر من المحدثات، وبيَّن أن البدع ضلال.
٢٨- فيه: أنَّ
العبد محتاج إلى الوصية عند قرب الفتن،
فالمؤمن لا
ينبغي أن ينتظر وقوع الفتنة حتى يبحث عن طريق النجاة، بل يتعلم السنة ويعرف الحق
قبل اشتداد الاختلاف؛ حتى يكون ثابتًا إذا اضطربت الأحوال.
٢٩- فيه: فضل
العلم النافع الذي يورث العمل،
فلم يطلب
الصحابة _رضي الله عنهم_ من النبي _صلى الله عليه وسلم_ موعظةً لمجرد التأثر
والبكاء، بل قالوا: «فأوصنا»؛ أي أعطنا ما نعمل به. فالعلم النافع ما أورث صاحبه
خشيةً وطاعةً واتباعًا.
٣٠- فيه: أنَّ
خير الهدي هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_،
فمن أراد
السلامة في الاعتقاد والعبادة والسلوك والمنهج، فعليه بلزومِ ما جاء به النبي _صلى
الله عليه وسلم_، والحذَرِ من الأهواء والمحدثات، فإن الهداية كل الهداية في اتباع
الوحي.
31- هذا الحديث
من أجمع الأحاديث في باب السنة والمنهج؛ فقد جمع أصولًا عظيمة: التقوى، والسمع
والطاعة في المعروف، والحذر من الفتن، ولزوم سنة النبي _صلى الله عليه وسلم_،
واتباع سنة الخلفاء الراشدين، وشدة التمسك بالسنة، والتحذير من البدع والمحدثات.
ولذلك كان جديرًا بالمسلم أن يحفظه، ويفهم معانيه، ويجعل وصية النبي _صلى الله
عليه وسلم_ فيه منهجًا له عند اختلاف الناس واضطراب الأحوال.
[1] وقال
الذهبي _رحمه الله_ في سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 421):
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَوْفٍ: (مَنْزِلُهُ
بِحِمْصَ، عِنْد قَنَاةِ الحَبَشَةِ، وَهُوَ وَعَمْرُو بنُ عَبَسَةَ، كُلٌّ
مِنْهُمَا يَقُوْلُ: أَنَا رُبُعُ الإِسْلاَمِ، لاَ يُدْرَى أَيُّهُمَا أَسْلَمَ
قَبْلَ صَاحِبِهِ). قُلْتُ: لَمْ يَصِحَّ أَنَّ العِرْبَاضَ قَالَ ذَلِكَ."
اهـ
لكن صح ذلك عن عمرو بن عبسة _رضي الله
عنه_، وهو أخو أبي ذر _رضي الله عنه_ لأمه.
Komentar
Posting Komentar