شرح الحديث 133 (باب المواقيت) من بلوغ المرام
|
133 - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيْجٍ -رضي
الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَصْبِحُوا
بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ,
وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ |
ترجمة رافع بن خديج الأنصاري الخزرجي الحارثي _رضي الله عنه_:
قال
المزي في "تهذيب الكمال" :
(خ
م د ت س ق): رافع بن خديج بن رافع بن عدى بن تزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن
الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي[1]،
أبو عبد الله (ويقال: أبو رافع)، المدني، صاحب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، شهد
أحدا و الخندق . اهـ .
وقال
المزى :
قال
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:
رافع
بن خديج بن رافع بن عدي، وهو ابن أخي ظهير ومظهر ابْنَيْ رافع بن عدي، شهد رافع بن
خديج أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وكان رافع
بن خديج أصابه يوم أحد سهْم فى ترقوته إلى علابيه فقال له رسول الله _صلى الله
عليه وسلم_: "إن شئت نزعت السهم، و تركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك
شهيد" فتركها رافع لقول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، و كان لا يحس منها
شيئا دهرا، وكان إذا ضحك فاستغرب بدا، فقيل: إنه لما كان فى خلافة عثمان، انتقض به
ذلك الجرح، فمات منه، و كان رافع يكنى أبا عبد الله، ومات
بالمدينة."
و
قال يحيى بن بكير: مات أول سنة ثلاث وسبعين، و مات ابن عمر بعده في هذه السنة .
وقال
الواقدي: مات أول سنة أربع و سبعين، وحضر ابن عمر جنازته، وكان رافع يوم مات ابن ست وثمانين سنة .
و
قال خليفة بن خياط، وابن نمير: "مات سنة أربع و سبعين."
قال
الحافظ في تهذيب التهذيب 3 / 229 :
و
قال البخارى فى " تاريخه " : مات فى زمن معاوية .
و
ذكره فى " التاريخ الأوسط " فى فصل من مات من الخمسين إلى الستين .
و
أرخه ابن قانع سنة تسع و خمسين ، فالله أعلم .
و
فى قول المصنف: ويقال فى كنيته: أبو رافع، نظر، لأنا لم نر من اكتنى باسم نفسه،
إلا نادرا، ولا رأينا من كنّى رافعا هذا أبا رافع ، و كأنه سبْقُ قلم، أراد أن
يكتب: ويقال: أبو خديج،
فقد
حكى البخاري في "تاريخه" أنه يكنى أبو خديج." اهـ .
سير
أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 182)
وَكَانَ
صَحْرَاوِيّاً، عَالِماً بِالمُزَارَعَةِ وَالمُسَاقَاةِ.
سير
أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 182)
قُلْتُ:
كَانَ رَافِعُ بنُ خَدِيْجٍ مِمَّنْ يُفْتِي بِالمَدِيْنَةِ فِي زَمَنِ
مُعَاوِيَةَ وَبَعْدَهُ.
تُوُفِّيَ:
فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوْ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُوْنَ
سَنَةً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَلَهُ عِدَّةُ بَنِيْنَ.
معرفة
الصحابة لأبي نعيم (2/ 1044)
رَافِعُ
بْنُ خَدِيجٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَهُوَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ بْنِ رَافِعِ بْنِ
عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، كَانَ
يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ وَيُحْفِي شَارِبَهُ،
وَكَانَ عَرِيفَ قَوْمِهِ، اسْتُصْغِرَ عَنْ
بَدْرٍ، وَأُجِيزَ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَكَانَ
يُعَدُّ فِي الرُّمَاةِ، أُصِيبَ بِسَهْمٍ يَوْمَ
أُحُدٍ فِي ثَنْدُوَتِهِ، فَبَقِيَتِ الْحَدِيدَةُ فِي ثَنْدُوَتِهِ تَتَحَرَّكُ
فَتُرِكَ فِيهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالْمَدِينَةِ،
وَكَانَ لَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ،
وَشَهِدَهُ
ابْنُ عُمَرَ وَكَانَ لَهُ عَقِبٌ بِالْمَدِينَةِ
وَبِبَغْدَادَ...وَمِنْ أَوْلَادِهِ: رِفَاعَةُ،
وَعَبَايَةُ، وَسَهْلٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدٌ،
وَأُسَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ
الأعلام
للزركلي (3/ 12):
"رافِع
بن خَديج (12 ق هـ - 74 هـ = 611 - 693 م):
رافع
بن خديج بن رافع الأَنْصَارِي الأوسي الحارثي:
صحابيّ. كان عريف قومه بالمدينة، وشهد أحدا والخندق. توفي في المدينة متأثرا من
جراحة. له 78 حديثا." اهـ
نص الحديث وشرحه
وَعَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيْجٍ _رضي الله عنه_، قَالَ:
قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ
أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ حِبَّانَ
وفي
"سنن الترمذي" – ت. شاكر (1/ 289):
«أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ».
وفي
"المعجم الأوسط" (3/ 334):
عَنْ
رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، قَالَ:
«نَوِّرُوا بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ
لِلْأَجْرِ»
المعنى الإجمالي للحديث:
تضمن
هذا الحديث توجيهًا نبويًّا متعلقًا بصلاة الفجر، حيث أمر النبي _صلى الله عليه
وسلم_ بقوله: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ»، وفي رواية: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ»، وفي
أخرى: «نَوِّرُوا بِالْفَجْرِ»،
وكلها
ألفاظ متقاربة المعنى، والمراد بها: التحقق من
طلوع الفجر الصادق وانتشار ضوئه وظهور نوره ظهورًا يُزيل الاشتباه، لا أن تؤخَّر
الصلاة إلى ما بعد طلوع الشمس أو إلى وقتٍ يخرج به أول الوقت.
وقد
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث؛
*
فذهب كثير من أهل العلم إلى أن المراد: إيقاع صلاة
الفجر بعد التحقق من طلوع الفجر الصادق ووضوحه، بحيث لا يُبادر بها عند أول ظهور
الفجر مع بقاء احتمال الاشتباه، وذلك احتياطًا للعبادة وصيانةً لها من الوقوع قبل
دخول وقتها.
*
وذهب آخرون إلى أن المراد: إطالة القراءة فيها حتى
ينصرف المصلون، وقد أسفر النهار وانتشر الضوء، جمعًا بين هذا الحديث وبين الأحاديث
الكثيرة الثابتة التي تدل على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يصلي الفجر في
أول وقتها.
ولهذا
قال جماعة من المحققين: إن الحديث لا يدل على استحباب تأخير صلاة الفجر عن أول
وقتها تأخيرًا كثيرًا، وإنما يدل على التثبت من دخول الوقت، أو على أن يكون الفراغ
من الصلاة عند ظهور الإسفار، جمعًا بين النصوص الواردة في الباب.
وقوله
صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ» يدل على أن المحافظة على
الصلاة على الوجه المشروع، مع التحقق من دخول وقتها، ومراعاة السنة فيها، سببٌ
لعظم الثواب وكثرة الأجر عند الله _تعالى_، فإن الأجور تتفاضل بحسب كمال المتابعة
للنبي _صلى الله عليه وسلم_ وحسن أداء العبادة.
فالحديث
في الجملة أرشد إلى العناية البالغة بصلاة الفجر، والتحري في دخول وقتها، وأدائها
على وفق السنة النبوية، فإنها من أعظم الصلوات شأنًا، وأجلِّها قدرًا، وأوفرها
ثوابًا عند الله _سبحانه وتعالى_.
اختلاف العلماء:
وقال
البسّام في "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (ص: 86_87):
اختلف
العلماء في الأفضل في وقت صلاة الفجر:
*
فذهب الحنفية إلى أن الإسفار فيها أفضل، لحديث: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم
للأجر". قال الترمذي: حسن صحيح.
*
وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن التغليس بها أفضل، لأحاديث كثيرة منها
حديث الباب.
وأجابوا
عن حديث: " أسفروا بالفجر ... إلخ " بأجوبة كثيرة، وأحسنها جوابان:___
1-.
فإما أن يراد بالأمر بالإسفار تحقق طلوع الفجر حتى لا يتعجلوا، فيوقعونها في أعقاب
الليل، ويكون " أفعل التفضيل " الذي هو " أعظم " جاء على غير
بابه، وهو يأتي لغير التفضيل كثيراً.
2-
وإما أن يراد بالإسفار إطالة القراءة في الصلاة، فإنها مستحبة، وبإطالة القراءة،
لا يفرغون من الصلاة، إلا وقت الإسفار." اهـ[2]
وقال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (7/ 242):
"(قال:
"أسفروا بالفجر") أمر بالإسفار، أي صلوا صلاة الفجر إذا أضاء الفجر،
وأشرق، قال الجزري في "النهاية": أسفر الصبح: إذا انكشف، وأضاء. وقال في
المصباح: وأسفر الصبحُ إسفارًا: أضاء، وأسفر الوجهُ من ذلك: إذا علاه جَمَالٌ،
وأسفر الرجلُ بالصلاة: صلاها في الإسفار. اهـ.
وقال
ابن عبد البر _رحمه الله_ في "الاستذكار" (1/ 37):
"وَقَدْ
أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْإِسْفَارِ فِي قَوْلِهِ أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فِي "التَّمْهِيدِ"،
وَاخْتِصَارُ ذَلِكَ: أَنَّ
الْإِسْفَارَ: التَّبَيُّنُ. والتبين بالفجر، إذا انكشف واتضح ليلا يُصَلِّيَ فِي
مِثْلِهِ مِنْ دُخُولِ الْوَقْتِ. وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ الْعَرَبِ: (أَسْفَرَتِ
الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا)، إِذَا كَشَفَتْ عَنْهُ." اهـ
قال
الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (1/ 290_291):
"وَقَدْ
رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّابِعِينَ: الإِسْفَارَ بِصَلَاةِ الفَجْرِ،
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ "___
وقَالَ
الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: " مَعْنَى الإِسْفَارِ: أَنْ يَضِحَ
الفَجْرُ فَلَا يُشَكَّ فِيهِ " وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ مَعْنَى الإِسْفَارِ:
تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ." اهـ
قَالَ
أَبُو حَاتِمٍ البستي _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ في "صحيح ابن حبان" (4/
358_359):
أَرَادَ
النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ بِقَوْلِهِ: «أَسْفِرُوا» فِي
اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ الَّتِي لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا وُضُوحُ طُلُوعِ
الْفَجْرِ، لِئَلَّا يُؤَدِّي الْمَرْءُ صَلَاةَ الصُّبْحِ إِلَّا بَعْدَ
التَّيَقُّنِ بِالْإِسْفَارِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ إِذَا
أُدِّيَتْ كَمَا وَصَفْنَا، كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ مِنْ أَنْ تُصَلَّى عَلَى
غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وقال
ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (23/
388):
"حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ
بْنُ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ قَالَ حَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَا الْإِسْفَارُ
فَقَالَ الْإِسْفَارُ أَنْ يَتَّضِحَ الْفَجْرُ فَلَا تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ
طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ إِسْحَاقُ كَمَا قَالَ
وَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ
حَنْبَلٍ كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: (أسفروا
بالفجر___وَكُلَّمَا أَسَفَرْتُمْ بِهَا فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ)، فَقَالَ: "نَعَمْ،
كُلُّهُ سَوَاءٌ، إِنَّمَا هُوَ إِذَا تَبَيَّنَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَسْفَرَ."
قَالَ
أَبُو عُمَرَ: عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَنْتَفِي التَّعَارُضُ وَالتَّدَافُعُ
فِي الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ
وَالْأَحَادِيثُ فِي التَّغْلِيسِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَعَلَيْهَا فُقَهَاءُ
الْحِجَازِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ عِنْدَ أَوَّلِ الْفَجْرِ الْآخِرِ
ذَكَرَ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُّ حِينٍ
أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الصُّبْحَ إِمَامًا وَخِلْوًا قَالَ حِينَ يَنْفَجِرُ
الْفَجْرُ الْآخِرُ ثُمَّ يُطَوِّلُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْهَا وَقَدْ تَبَلَّجَ النَّهَارُ وَتَتَآمَ النَّاسُ قَالَ
وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا حِينَ
يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ الْآخِرُ وَكَانَ يَقْرَأُ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ
بِسُورَةِ يُوسُفَ
قَالَ
أبو عمر إنما ذكرنا ههنا مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ
التَّغْلِيسِ بِالصُّبْحِ وَالْإِسْفَارِ بِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوْقَاتَ
الصَّلَوَاتِ مُجْمَلَةً وَمُفَسَّرَةً فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ
وَجَرَى ذِكْرُ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وقال
التوربشتي في "الميسر في شرح مصابيح السنة" (1/ 187)
(أسفروا
بالفجر). أي: صلوا صلاة الفجر مسفرين. ويقال: طولوها إلى الإسفار؛ وهذا التأويل
اختيار أبي جعفر الطحاوي وهو أقوى التأولين؛ لأنه يوفق بين الأحاديث التي وردت في
التغليس والإسفار.
وقال
الإثيوبي في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (7/ 246):
"قال
الجامع عفا الله عنه:
الأولى
في معنى ما نُقِلَ عن إبراهيم من اجتماع الصحابة على التنوير: أن يقال: هو تطويل
الصلاة مبتدءًا بالغلس، ومدها إلى إضاءة الإسفار، فالتنوير بها هو التطويل إلى
اتضاح النور، وقد تقدم في "باب التغليس في الحضر" أن أولى ما يجمع به
بين الأحاديث في هذا الباب هو حمل الإسفار على مد الصلاة إلى الإسفار، مبتدءًا
بالغلس فتفطن. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وفي
"مجموع الفتاوى" (22/ 96) لابن تيمية:
قَوْلَهُ:
{أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ} عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِسْفَارُ بِالْخُرُوجِ
مِنْهَا أَيْ أَطِيلُوا صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَخْرُجُوا مِنْهَا مُسْفِرِينَ.
وقال
ابن القيم _رحمه الله_ في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (2/ 290):
"الْمِثَالُ
الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: رَدُّ السُّنَّةِ الْمُحْكَمَةِ الصَّرِيحَةِ فِي
تَعْجِيلِ الْفَجْرِ «وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنْهَا
وَالنِّسَاءُ لَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ، وَإِنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ التَّغْلِيسَ
حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، وَإِنَّهُ إنَّمَا أَسْفَرَ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً،
وَكَانَ بَيْنَ سُحُورِهِ وَصَلَاتِهِ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» فَرُدَّ ذَلِكَ
بِمُجْمَلِ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ
أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَهَذَا بَعْدَ ثُبُوتِهِ إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ
الْإِسْفَارُ بِهَا دَوَامًا، لَا ابْتِدَاءً، فَيَدْخُلُ فِيهَا مُغَلِّسًا
وَيَخْرُجُ مِنْهَا مُسْفِرًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -؛ فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِفِعْلِهِ، لَا مُنَاقِضٌ لَهُ، وَكَيْفَ
يُظَنُّ بِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فِعْلِ مَا الْأَجْرُ الْأَعْظَمُ فِي
خِلَافِهِ.
وقال
الألباني _رحمه الله_ في "الثَّمَرِ المستطاب في فقه السنة والكتاب" (1/
81):
"وهذا
الإسفار هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)
أي: اخرجوا منها في وقت الإسفار وذلك بإطالة القراءة فيها. وهذا التأويل لا بد منه
ليتفق قوله صلى الله عليه وسلم هذا مع فعله الذي واظب عليه من الدخول فيها في وقت
الغلس كما سبق وهو الذي رجحه الحافظ ابن القيم في (إعلام الموقعين). وسبقه إلى ذلك
الإمام الطحاوي من الحنفية وأطال في تقرير ذلك (1/ 104 - 109) وقال: (إنه قول أبي
حنيفة وأبي يوسف ومحمد)." اهـ
تخريج الحديث:
أخرجه أبو داود (1/ 115) (رقم: 424)، والترمذي – ت.
شاكر (1/ 289) (رقم: 154)، والنسائي (1/ 272) (رقم: 548)، وفي "السنن الكبرى"
(2/ 208) (رقم: 1542)، سنن ابن ماجه (1/ 221) (رقم: 672)، مسند أحمد - عالم الكتب
(3/ 465 و 4/ 140 و 4/ 142) (رقم: 15819 و 17257 و 17279)، مسند أبي داود الطيالسي
(2/ 264) (رقم: 1001)، مصنف عبد الرزاق الصنعاني (1/ 568) (رقم: 2159)، مسند
الحميدي (1/ 387) (رقم: 413)، مسند ابن الجعد (ص: 434) (رقم: 2957)، مسند ابن أبي
شيبة (1/ 67) (رقم: 64)، مصنف ابن أبي شيبة (1/ 283) (رقم: 3242)، المنتخب من مسند
عبد بن حميد ت صبحي السامرائي (ص: 158) (رقم: 422)، سنن الدارمي (2/ 778) (رقم: 1253_1254)،
الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (4/ 119) (رقم: 2090_2092)، شرح معاني الآثار (1/
178_179) (رقم: 1066_1070)، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (2/ 379) (رقم: 1063)،
صحيح ابن حبان (4/ 355_358) (رقم: 1489_1491)، المعجم الكبير للطبراني (4/ 249_250
و 4/ 250_251) (رقم: 4283_4288 و 4290_4293)، المعجم الأوسط (3/ 334 و 9/ 116)
(رقم: 3319 و 9289)،
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"
(1/ 281) (رقم: 258)، صحيح أبي داود - الأم (2/ 299) (رقم: 451)، التعليقات الحسان
على صحيح ابن حبان (3/ 130) (رقم: 1487_1488)، مشكاة المصابيح (1/ 194) (رقم: 614)،
صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 227) (رقم: 970)
من فوائد الحديث:
صحيح ابن حبان (4/ 356)
أَمَرَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالْإِسْفَارِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي هَذَا
الْأَمْرِ مُضْمَرَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُغَلِّسُونَ [ص:357] بِصَلَاةِ الصُّبْحِ،
وَاللَّيَالِي الْمُقْمِرَةُ إِذَا قَصَدَ الْمَرْءُ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ
الْفَجْرِ صَبِيحَتَهَا رُبَّمَا كَانَ أَدَاءُ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ، فَأَمَرَ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْإِسْفَارِ بِمِقْدَارِ مَا يَتَيَقَّنُ
أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، وَقَالَ: «إِنَّكُمْ كُلَّمَا أَصْبَحْتُمْ» يُرِيدُ
بِهِ تَيَقَّنْتُمْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأُجُورِكُمْ مِنْ أَنْ
تُؤَدُّوا الصَّلَاةَ بِالشَّكِّ
شرح معاني الآثار (1/ 179)
فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ الْإِخْبَارُ عَنْ مَوْضِعِ
الْفَضْلِ , وَأَنَّهُ التَّنْوِيرُ بِالْفَجْرِ. وَفِي الْآثَارِ الْأُوَلِ
الَّتِي فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ , الْإِخْبَارُ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي
كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيُّ
وَقْتٍ هُوَ؟ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ , كَانَ مَرَّةً يُغَلِّسُ , وَمَرَّةً
يُسْفِرُ عَلَى التَّوْسِعَةِ. وَالْأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا بَيَّنَهُ فِي
حَدِيثِ رَافِعٍ , حَتَّى لَا تَتَضَادَّ الْآثَارُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَهَذَا
وَجْهُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَمَّنْ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ
توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 485)
ما يؤخذ من الحديث:
1 - استحباب إطالة القراءة في صلاة الصبح،
بحيث يدخل في الصلاة في أوَّل وقتها، ولا يخرج إلاَّ وقد أسفَرَ؛ كما جاء في بعض
روايات هذا الحديث: "أسفروا بالصبح"، ولما ثبت أنَّه -صلى الله عليه
وسلم-: "كان يقرأ بالستين إنْ قصر، والمائة___إنْ أطال" [رواه البخاري
(516)، ومسلم (647)]،
وقراءته مرتَّلة، صلوات الله وسلامه عليه.
2 - فسَّرنا الإصباح بالصلاة بإطالةِ
القراءة؛ ليوافقَ هذا الحديث "ابتداء صلاته -صلى الله عليه وسلم- بغلس"،
وهو ظلمة آخر الليل.
3 - صلاة الفجر في أوَّل وقتها، وإطالةُ
القراءة فيها هو مذهبُ جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة.
أمَّا الحنفية: فيرون التأخير، وحُجَّتهم ظاهر
الحديث، ويقولون: إنَّه آخر الأمرين في حياته، عليه الصلاة والسلام." اهـ
المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (3/ 352):
"(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب التغليس
بالفجر، وعلى أن المبادرة بها فيها زيادة الأجر." اهـ
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة
الإسلامية (1/ 431):
"من فوائد هذا
الحديث: إن قلنا بالمعنى الأول: وجوب الانتظار حتى نتيقن الصبح, وإن قلنا
بالثاني فمشروعية إطالة القراءة.
ومن فوائده: أن
الأجور تختلف في عظمها وصغرها؛ لقوله: «فإنه أعظم» , و «أعظم» اسم تفضل يدل على
وجود مفضل, ومفضل عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: نعمة
الله - تبارك وتعالى - على عباده؛ حيث سمى الثواب أجرًا مع أنه سبحانه وتعالى هو
الموفق للعمل الصالح, ومع ذلك يسمي ثوابه على العمل الصالح أجرًا؛ أي: بمنزلة
الأجرة التي يستحقها العامل على من استأجره, ومثل ذلك قوله تعالى: {هل جزاء
الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60].
يعني: هل جزاء العمل الصالح الذي أحسن فيه صاحبه إلا
الإحسان بالثواب فيقال: اللهم لك الحمد أن تحسن أولًا ثم تحسن ثانيًا؛ لأن الذي وفقك
للإحسان أولًا هو الله عز وجل ومع ذلك أثابك على الإحسان الذي هو فضله عليك.
ملحق الفوائد:
١- عِظَمُ شَأْنِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الشَّرِيعَةِ،
فإنَّ تخصيصها بالذكر في هذا الحديث، وبيان ما يترتب
على حسن أدائها من عظيم الأجر، دليلٌ على رفعة منزلتها بين سائر الصلوات، وأنَّ
الشرع اعتنى بشأنها عنايةً بالغة.
٢- وُجُوبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى
الْمَوَاقِيتِ الشَّرْعِيَّةِ،
فإنَّ النبي _صلى الله عليه وسلم_ علَّق أداء الصلاة
على ظهور الفجر وتحقُّق وقته، وفي ذلك دلالةٌ على أنَّ الصلاة لا تُؤدَّى إلا بعد
دخول وقتها المعتبر شرعًا.
٣- التَّثَبُّتُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ
هَدْيِ النُّبُوَّةِ،
ففي الحديث إرشادٌ إلى التَّحَرِّي والتثبُّت، وعدم
التسرع في الدخول في العبادة قبل التحقق من شروطها وأوقاتها، فإنَّ الاحتياط للدين
من أمارات الفقه.
٤- أَنَّ الْأُجُورَ تَتَفَاضَلُ بِحَسَبِ
كَمَالِ الْعَمَلِ، لقوله _صلى الله عليه وسلم_: «فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ»،
وأن الأعمال ليست سواءً في الثواب، بل يعظم أجرها بحسب موافقتها للسنة وكمال
أدائها.
٥- الْحَثُّ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي
دَقَائِقِ الْأَعْمَالِ، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على بيان أصل
الصلاة، بل أرشد إلى صفة أدائها ووقت إيقاعها، وفي ذلك دلالةٌ على أنَّ السنة تشمل
الأصول والفروع جميعًا.
٦- أَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى
التَّوْقِيفِ، فلا مجال للرأي المجرد في تحديد أوقاتها وهيئاتها، بل الواجب الوقوف
عند ما جاءت به النصوص، إذ الشرع أعلم بمصالح العباد من عقولهم وآرائهم.
٧- فَضْلُ طَلَبِ الْأَجْرِ وَالْحِرْصِ
عَلَيْهِ، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب أمته فيما هو أعظم للأجر، وفي ذلك
استحباب تنافس المؤمنين في تحصيل أكمل الأعمال وأوفرها ثوابًا.
٨- أَنَّ الْفَقِيهَ يَجْمَعُ بَيْنَ
النُّصُوصِ وَلَا يُعَارِضُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فإنَّ هذا الحديث مع أحاديث
التغليس بالفجر يُحمَل على وجهٍ يجمع بينها، وفي ذلك إشارةٌ إلى أصلٍ عظيم من أصول
الفقه، وهو وجوب الجمع بين الأدلة متى أمكن.
٩- الْعِنَايَةُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ
سِمَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، إذ لمَّا كانت تقع في وقت غفلةٍ ونومٍ وراحة، كان
المحافظ عليها من أهل العزائم الصادقة والهمم العالية.
١٠- أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ
تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ قَبْلَ الْعَمَلِ، فإنَّ معرفة الفجر الصادق وتمييزه عن
الفجر الكاذب لا يكون إلا بالعلم، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ العبادة الصحيحة مبنيةٌ
على العلم والبصيرة.
١١- إِثْبَاتُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ
بِتَكْمِيلِ الْعِبَادَاتِ، فإنَّها لم تكتفِ بإيجاب الصلاة، بل أرشدت إلى ما يزيد
في أجرها ويكمل ثوابها، رحمةً بالعباد وإحسانًا إليهم.
١٢- أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ
يَكُونَ عَظِيمَ الْاهْتِمَامِ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، فإنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم وجَّه الأنظار إلى عِظَم الأجر، وفي هذا تربيةٌ للنفوس على النظر إلى ما
ينفعها يوم القيامة.
١٣- فَضْلُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى تَعَلُّمِ
أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لأنَّ الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولا يمكن
المحافظة عليها على الوجه المشروع إلا بمعرفة أوقاتها وشروطها وأركانها.
١٤- أَنَّ الْإِخْلَاصَ وَالْمُتَابَعَةَ
سَبَبَانِ لِعِظَمِ الثَّوَابِ، فكلما ازداد العبد تحقيقًا لهذين الأصلين ازداد
أجره وارتفعت درجته، وهذا الحديث يدل على اعتبار المتابعة في تحصيل الأجر الأكمل.
١٥- أَنَّ الْوَقْتَ مِنْ أَعْظَمِ مَا
تُرَاعِيهِ الشَّرِيعَةُ فِي الْعِبَادَاتِ، فالصلاة والصيام والحج وسائر العبادات
مرتبطةٌ بأوقاتٍ مخصوصة، مما يدل على عناية الإسلام بتنظيم حياة المسلم وربطها
بطاعة الله تعالى.
١٦- التَّرْغِيبُ فِي إِحْسَانِ الْعَمَلِ
لَا مُجَرَّدِ فِعْلِهِ، فإنَّ كثيرًا من الناس يكتفي بأداء العبادة، وأما أهل
البصائر فإنهم يطلبون أكمل الوجوه وأتمَّ الهيئات التي تكون أعظم عند الله أجرًا
وأرفع منزلةً.
١٧- أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ
يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ، فلا يعمل على العادة أو التقليد المحض، بل
يحرص على معرفة السنن والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليعبد الله
على نورٍ من الوحي.
١٨- فيه: دَلَالَةٌ عَلَى رَحْمَةِ
النَّبِيِّ _صلى الله عليه وسلم_ بِأُمَّتِهِ، فإنَّه لم يترك بابًا من أبواب
الخير إلا دلَّهم عليه، ولا سبيلًا إلى زيادة الأجر إلا أرشدهم إليه، امتثالًا
لقوله _تعالى_:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:
128]
١٩- أَنَّ الْفَوْزَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ
فَوْزُ الْآخِرَةِ، فإنَّ الحديث علَّق القلوب بالأجر والثواب، وفي ذلك صرفٌ للهمم
إلى الدار الباقية، فإنَّ كل نعيم الدنيا زائل، وأما ثواب الله فباقٍ لا ينفد.
٢٠- أَنَّ مَنْ صَدَقَ فِي اتِّبَاعِ
السُّنَّةِ، رُجِيَ لَهُ عِظَمُ الْمَثُوبَةِ، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل
امتثال هذا الهدي سببًا لعظم الأجر، وفي هذا بشارةٌ لأهل السنة الذين يحرصون على
متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في صغير الأمر وكبيره.
[1] وفي
"الأنساب"
للسمعاني (4/ 9):
"ومنهم أبو عبد الله رافع بن خديج بن
رافع ابن عدي بن زيد بن جشم الأنصاري الحارثي من بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج." اهـ
[2] وفي "مجموع الفتاوى" (22/ 97_98)
لابن تيمية:
وَسُئِلَ:
عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
{أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ} ؟ .
فَأَجَابَ:
أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
{أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ} فَإِنَّهُ حَدِيثٌ
صَحِيحٌ.
لَكِنْ قَدْ اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ كَانَ يُغَلِّسُ بِالْفَجْرِ حَتَّى كَانَتْ
تَنْصَرِفُ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا
يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ}.
فَلِهَذَا فَسَّرُوا ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِوَجْهَيْنِ:___
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ
أَرَادَ الْإِسْفَارَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا: أَيْ أَطِيلُوا الْقِرَاءَةَ حَتَّى
تَخْرُجُوا مِنْهَا مُسْفِرِينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ آيَةً إلَى مِائَةِ آيَةٍ نَحْوِ
نِصْفِ حِزْبٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ
أَرَادَ أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ وَيَظْهَرَ فَلَا يُصَلِّي مَعَ غَلَبَةِ
الظَّنِّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي
بَعْدَ التَّبَيُّنِ إلَّا يَوْمَ مُزْدَلِفَةَ فَإِنَّهُ قَدَّمَهَا ذَلِكَ
الْيَوْمَ عَلَى عَادَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ
Komentar
Posting Komentar