شرح الحديث 132 (باب المواقيت) - شرح بلوغ المرام للبوجيسي

 

132 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

 

وفي "صحيح البخاري" (1/ 113)

537 - وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ "[1]

 

وقال العثيمين في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 428):

"قوله: «إذا اشتد الحر» هل المراد: إذا اشتد الحر في الفصول, أو إذا اشتد الحر في النهار؟

الأول؛ يعني: إذا اشتد الحر في الفصول؛ لأن فصول السنة أربعة: فصل الشتاء: وهو بارد, وفصل الربيع: وهو بين البرودة والحرارة, وفصل الصيف - أو القيظ -: وهو حار, وفصل الخريف: وهو بين الحرارة والبرودة, فيكون المعنى: «إذا اشتد الحر» أي: إذا أتت الفصول الحارة, وهو فصل الحر الذي يسميه بعض الناس فصل الصيف.

 

وفي "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 359) لابن الجوزي:

"الْإِبْرَاد: انكسار وهج الْحر وتوقده، وَذَلِكَ أَن فتور الْحر بِالْإِضَافَة إِلَى شدته برد. وفيح جَهَنَّم: التهابها وغليانها، وَهَذَا رفق بالماشي إِلَى الصَّلَاة، إِمَّا ليمشي فِي الْفَيْء، أَو لينتبه من قائلته، أَو لَهما. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي مُوسَى: " من صلى البردين دخل الْجنَّة " يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر، لِأَنَّهَا يصليان فِي برد النَّهَار.

 

وفي "فتح الباري" لابن رجب (4/ 238):

"قال الخطأبي: قوله: ((أبردوا بالصلاة)) أي: تأخروا عنها مبردين، أي: داخلين في وقت البرد. قال: والمراد: كسر شدة [حر] الظهيرة؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس المراد أن يؤخر إلى أحد بردي النهار، وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج من قول الأمة.

قال: وفيح جهنم شدة استعارها، وأصله السعة والانتشار، وكانت العرب تقول في غاراتها: فيحي فياح.___

وقال غيره: الفيح سطوع الحر، يقال: فاحت القدر تفوح إذا غلت.

وأماقول صاحب " الغريبين": أبردوا بالظهر: صلوها في أول وقتها. وبرد النهار أوله.

فهو خطأ، وتغيير للمعنى، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبراداً، بل هو ضده، بخلاف أول النهار،

كما في الحديث: (من صلى البردين دخل الجنة)." اهـ

 

وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 452) للإثيوبي:

"(فَأَبْرِدُوا) -بفتح الهمزة، وكسر الراء- أمر من الإبراد، أي أخِّروا إلى أن يبرُد الوقتُ، يقال: أبرد: إذالمدخل في البرد، كأظهر: إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد: إذا دخل نجدًا، وأتهم: إذا دخل تهامة، قاله في "الفتح"." اهـ

 

وفي "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 151):

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِشُرُوطٍ:

(الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ حَارٍّ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَالْبَارِدَةِ أَيْضًا إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ.

(الثَّانِي) أَنْ تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لَهُ أَفْضَلُ.

(الثَّالِثُ) أَنْ يَقْصِدَ النَّاسُ الْجَمَاعَةَ مِنْ بُعْدٍ، فَلَوْ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ فِي مَوْضِعٍ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.

(الرَّابِعُ) أَنْ لَا يَجِدُوا كِنًّا يَمْشُونَ تَحْتَهُ يَقِيهِمْ الْحَرَّ، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أرشد أمَّتَه إلى التيسير في أداء صلاة الظهر عند اشتداد الحرِّ، فأمرهم بالإبراد بها؛ أي تأخيرها عن أول وقتها حتى ينكسر وهج الشمس وتخفَّ حدَّة الحرارة، وذلك رحمةً بالمصلين وإعانةً لهم على حضور القلب والخشوع وإتمام الصلاة على الوجه الأكمل. ثم بيَّن صلى الله عليه وسلم سبب هذا الحر الشديد، وأنه من فيح جهنم؛ أي من أثر حرِّها ونفَسِها الذي أذن الله تعالى لها به، لا أن حرارة الدنيا هي عين حرارة جهنم، وإنما هي أثرٌ من آثارها ودليلٌ على وجودها وشدة عذابها.

 

وفي الحديث الآخر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النار شكت إلى ربها ما يعتريها من شدة التهابها حتى يأكل بعضها بعضًا، فأذن الله لها بنفَسين في كل عام: نفَس في الشتاء، ونفَس في الصيف. فكان أشد ما يجده الناس من الحر في أيام الصيف من أثر نفَسها الصيفي، وأشد ما يجدونه من البرد القارس والزمهرير في الشتاء من أثر نفَسها الشتوي. وفي هذا إثبات ما أخبر الله ورسوله به من أمور الغيب على الحقيقة، وأن جهنم مخلوقة موجودة الآن، تتكلم وتشكو بإذن ربها سبحانه.

 

ويجمع الحديثان بين بيان حكم شرعيٍّ وهو استحباب الإبراد بصلاة الظهر عند شدة الحر، وبين تذكير إيماني عظيم؛ فكلما اشتد الحر تذكَّر المؤمن حرَّ جهنم، فيحمله ذلك على الخوف من الله، والبعد عن المعاصي، والمسارعة إلى الطاعات. كما أن ما يجده العباد من حر الدنيا وبردها إنما هو شيء يسير بالنسبة إلى ما أعدَّه الله في الآخرة من النعيم أو العذاب، فيزداد العاقل بذلك استعدادًا للقاء ربه، وسؤالًا للنجاة من النار والفوز بالجنة.


تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري (1/ 113) (رقم: 536)، ومسلم (1/ 430_432/ 180_183) (رقم: 615)، وأبو داود (1/ 110) (رقم: 402)، والترمذي – ت. شاكر (1/ 295) (رقم: 157)، والنسائي (1/ 248) (رقم: 500)، وابن ماجه (1/ 222) (رقم: 677_678)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 123) (رقم: 339)

 

من فوائد الحديث:

 

قال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 483_484):

"ما يؤخذ من الحديث:

1 - استحبابُ الإبراد في صلاة الظهر أيام شدة الحر؛ وذلك بأنْ تُؤَخَّر عن أوَّل وقتها إلى أَنْ تَخِفَّ شدة الحرارة، واستحباب الإبراد هو مذهبُ الأئمةِ الأربعة، وجمهورِ العلماء.___

2 - الحكمة في هذا: راحة المصلِّين، وتأديتها في جوٍّ مريحٍ بعيدٍ عمَّا يشغل قلب المصلِّي عن الصلاة، ويُذهبُ عنه الخشوعَ الَّذي هو رُوحُ الصلاة؛ ولذا استحبَّ العلماء الإبراد حتَّى في حقِّ من يصلِّي وحده أو في بيته؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد.

3 - سبب شدَّة الحرِّ هو نَفَسٌ من جهنَّم، يأذنُ الله _تعالى_ بفتحه، فيحدث هذا الوهج الحار؛ فقد روى البخاري (537) من حديث أبي هريرة؛

أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

"اشتكَتِ النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أَكَلَ بَعْضِي بعْضًا، فأذِنَ لي بنفسين: نفسٌ في الشتاء، ونفسٌ في الصيف، فهو أشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزمهرير".

قال القاضي عياض والنووي: لا مانع من حمل الحديث على ظاهره، من شكاية النَّار إلى ربِّها حقيقةً؛ فإنَّه ما من شي إلاَّ يسبِّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.

قال مُحَرِّره: وهذا لا يخالف الظواهر الكونية، فالكلُّ بأمر الله تعالى وبعلمه.

قال شيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي -رحمه الله تعالى- عند كلامه على هذا الحديث:

"ولا منافاة بين هذا وبين الأسباب المحسوسة؛ فإنَّها كلَّها من أسباب الحر والبرد، فيجب على المسلم أنْ يثبت الأسباب الغيبية الَّتي ذكرها الشَّارع، ويؤمن بها، ويثبت الأسباب المشاهدة المحسوسة، فمن كذَّب أحدهما، فقد أخطأ."[2]

4 - قال ابن حجر في "الفتح" [2/ 16] ما خلاصته:

(الأمر بالإبراد أمرُ استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب؛ حكاه عياض وغيره.

وغفل الكرماني، فنقَلَ الإجماعَ على عدم الوجوب، نعم قال جمهور أهل العلم: يستحبُّ التأخير في شدَّة الحر إلى أن يبرد الوقت، وذلك في البلاد الحارَّة)[3]." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 459):

"والحاصل: أن قول من قال بإيجاب الإبراد هو الأرجح؛ لقوّة حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 458):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحرّ، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف العلماء فيه، في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.

2 - (ومنها): بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح الحر.

3 - (ومنها): بيان كون النار، وكذا الجنة مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مرَّ قريبًا.[4]

4 - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعًا للحرج، قال اللَّه تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ

 

وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 162):

"وَفِيهِ أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ الْآنَ، وَهُوَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ لِلتَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّهَا إنَّمَا تُخْلَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 460):

"وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط:

شدّة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها،

وقال القاضي في "الجامع": لا فرق بين البلدان الحارّة، وغيرها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس، أو لا؛ فإن أحمد كان يؤخِّرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة، والأخذ بظاهر الخبر أولى. انتهى.

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء اللَّه تعالى." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 465):

والحاصل: أن الراجح كون حديث خباب -رضي اللَّه عنه- منسوخًا، وأن أرجح المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحرّ مطلقًا، سواء كان جماعةً، أو منفردًا؛ لقوة حجّته، ووضوحها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه أعلم.

وقال العلّامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بعد ذكر نحو ما تقدم-: ولو سلّمنا جهل التاريخ، وعدم معرفة المتأخر، لكانت أحاديث الإبراد أرجح؛ لأنَّها في "الصحيحين"، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرُقٍ."

انتهى كلام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وهو تحقيق حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب." اهـ[5]

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 466_467):

"قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال في المسألة قول الجمهور، وهو أن الإبراد المأمور به إنما في الظهر، ومثله___الجمعة،

وأما ما عدا ذلك من الصلوات، فلا يُشرع فيه الإبراد؛ لعدم نصّ يُعتمد عليه في ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (6/ 525_526):

"المسألة الرابعة: في فوائده:

منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف أهل العلم فيه، في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.

ومنها: بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح جهنم.

ومنها: كون النار، وكذا الجنةُ مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مر آنفًا.___

ومنها: بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلَت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعًا للحرج، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

 

وقال العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 161):

"اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ صَرَّحَ فِيهِ بِشَكْوَى النَّارِ إلَى رَبِّهَا مِنْ أَكْلِ بَعْضِهَا بَعْضًا وَإِذْنِهِ لَهَا بِنَفْسَيْنِ، وَأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ذَلِكَ النَّفَسِ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ،

وَلَوْ حَمَلْنَا شَكْوَى النَّارِ عَلَى الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهَا فِي التَّنَفُّسِ وَنَشْأَةِ شِدَّةِ الْحَرِّ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّجَوُّزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 162)

وفيه: استحباب تأخير الظهر في شدة الحر، وأن ذلك ينتهي إلى أن تفيء التلول، وذلك أنه تكون في الأكثر إذا انحدرت الشمس عن كبد السماء شيئًا كثيرًا نحو المغرب، وأنها من لطف الله تعالى بعباده في ذلك، لئلا يشق عليهم تكليفهم الصلاة في المساجد في أول وقت الظهر لكن يؤخرها، حتى إذا انفركت الشمس عن مسامتة الرؤوس وطالت الأفياء وأمكن الماشي أن يمشي فيها، فحينئذ يصلي الظهر بخلاف الشتاء.

 

الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 168)

* في هذا الحديث من الفقه أن في النار عذابًا من حر وبرد، فإنه قال: إن شدة ما ترون من الحر، وشدة ما ترون من الزمهرير يعني أن ذينك من جهنم.

* وقوله: (فأذن لها في كل عام بنفسين) يدلك على أنها خلق من خلق الله عز وجل موجودة، وأن العذاب جمع كله فيها؛ حتى إنه لو لم يؤذن لها في النفسين لما رأينا في هذه الدنيا حرًا ولا بردًا، فإذن يشير هذا الحديث إلى أن العذاب (9/ ب) كله مجموع فيها؛ لأنها دار سخط الله عز وجل، فليس نوع من أنواع العذاب إلا وهي مشتملة عليه، وإنها تزدحم الشرر فيها حتى يأكل بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها قد تأكل ما يلقى فيها، ثم يعودوا.

وكلما أكل بعضها بعضًا تضاعف شرها، فإذا تنفست هذين النفسين في شدة الصيف والشتاء، كان هذا النفس في الصيف، وهذا النفس في الشتاء دليلًا صريحًا على أنها مخلوقة موجودة، فإن قال قائل: فأين هي؟ قلنا: إذا ثبت أن هذا العذاب منها دل على وجودها، وعلم الله سبحانه محيط بمكانها، وهذا أثرها على ما بعدها ونأيها، فكيف في حال قربها؟.

 

وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 162):

"وَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ الْحَالَةِ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا أَثَرُ الْعَذَابِ لَا يَنْبَغِي الصَّلَاةُ وَيُقَالُ الصَّلَاةُ سَبَبُ الرَّحْمَةِ فَيَنْبَغِي فِعْلُهَا لِطَرْدِ الْعَذَابِ وَلَكِنَّ التَّعْلِيلَ إذَا جَاءَ مِنْ الشَّارِعِ يَجِبُ تَلَقِّيه بِالْقَبُولِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ،

لَكِنَّا نُرَجِّحُ بِهَذَا الْإِشْكَالِ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ وَيَتَرَجَّحُ مَعَ ذَلِكَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِسَلْبِ الْخُشُوعِ.

 

وقال العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 163):

"(فَإِنْ قُلْتَ) : فَلِمَ لَا أَخَّرْت الصَّلَاةَ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْبَرْدِ كَمَا أُخِّرَتْ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْحَرِّ.

(قُلْت) : شِدَّةُ الْبَرْدِ تَكُونُ غَالِبًا وَقْتَ الصُّبْحِ وَلَا تَزُولُ إلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَلَوْ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ لَخَرَجَتْ عَنْ وَقْتِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 429):

"ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم»؛ أي: من سمومها وحرارتها, ووجه ذلك: «أن النار اشتكت إلى الله عز وجل فأذن الله تعالى لها بنفسين نفس في الصيف, ونفس في الشتاء, فأشد ما نجد من الحرارة هذا من نفس الصيف, وأشد ما نجد من البرودة هذا من نفس الشتاء»،

وهذا العلم الذي أخبر به النبي - عليه الصلاة والسلام - لا يدركه علماء الفلك بعلومهم وعقولهم, لأنه شيء فوق ما يعرفونه, ولكننا نحن نؤمن بأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق لا مرية فيه, «وجهن» اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 429):

"ومن فوائد هذا الحديث: أن الإبراد عام سواء كان في الحضر أو في السفر, وقد جاء ذلك صريحًا في السفر؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقام بلال ليؤذن فقال له: «أبرد» , ثم قام ليؤذن, فقال: «أبرد» , ثم قام ليؤذن, فقال: «أبرد» , حتى رأوا فيء التلول. وهذا يعني: أن الشمس تجاوزت الزوال بكثير, وهذا الذي يحصل به الإبراد, أما ما كان الناس يفعلونه فيما سبق يتأخرون عن زوال الشمس بساعة إلا ربع - أي: 45 دقيقة -, أو بساعة - أي: بـ «60» دقيقة - فهذا لا يغني شيئًا؛ لأنه لم يحصل الإبراد, بل ربما يكون هذا أشد ما يكون حرًا, فالإبراد بمعنى: أن يقرب فعل الصلاة من دخول وقت العصر.

ومن فوائد هذا الحديث: الإشارة إلى طلب الخشوع في الصلاة؛ لأن الإنسان إذا كان في شدة الحر فإنه سوف يقل خشوعه؛ لأن الحر مزعج يوجب انشغال القلب, فهل نقول مثل ذلك في التدفئة؟ يعني مثلًا: لو الإنسان قام إلى صلاة الفجر, وصار عليه غسل فاغتسل, هل نقول: لا يصلي ما دام ينتفض من البرد, فليتدفأ أولًا ثم يصلي؟

الجواب: نعم؛ لأن العلة واحدة, وهي ذهاب الخشوع.___

ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم - وما أحسنه, وما أجمله, وأوضحه, وأبينه - وذلك حيث قرن الحكم بعلته, قال: «أبردوا للصلاة, فإن شدة الحر من فيح جهنم».

ومن فوائد هذا الحديث: وجود النار الآن, وقد دل على ذلك القرآن والسنة.

أما القرآن: فقال الله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131]. و «أعد» فعل ماضٍ, والإعداد بمعنى: التهيئة.

وأما السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه النار وهي يصلي صلاة الكسوف, وشاهدها بعينه, ورأى فيها المعذبين.

فإذا قال قائل: أين موضع النار؟

قلنا: الظاهر أن موضعها في أسفل السافلين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن روح الكافر يأمر الله تعالى أن تكتب في سجين في الأرض السابعة السفلى.

فإذا قال قائل: نحن لا نشاهدها الآن, ربما نحفر إلى مدى بعيد ولا نشاهدها؟

قلنا: لا يلزم أن نشاهدها, الأمور الغيبية محجوبة عنا ليس فيها إلا مجرد التسليم, وما لم يظهر اليوم ربما يظهر بعد حين.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الله - سبحانه وتعالى - قد يخرج من النار الحرارة حتى تصل إلى الأرض لقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم».

فإن قال قائل: إذا كان في الطرف الشمالي من الأرض, أو في الطرف الجنوبي الأقصى من الأرض وليس عندهم البرودة، فهل نقول: إذا دخل فصل الصيف الذي يكون حارًا في المناطق الأخرى فإنهم يبردون بالصلاة؟

الجواب: لأ؛ لأن قوله: «أبردوا» يعني: أخروها إلى أن يبرد الجو، وهؤلاء جوهم بارد لا يحتاج إلى تأخير الصلاة." اهـ


ملحق الفوائد:


١- إثباتُ كمالِ رَحمةِ الشريعةِ بالعبادِ

فإنَّ الشارعَ الحكيمَ لم يُكَلِّفِ الخلقَ ما يشقُّ عليهم من غير حاجة، بل راعى أحوالَهم، وخفَّف عنهم عند وجود أسبابِ المشقة، فأمر بالإبراد بالصلاة عند اشتداد الحر؛ رفعًا للحرج، وتحصيلًا لمقصود العبادة على أكمل الوجوه.

٢- أنَّ مراعاةَ الخشوعِ في العبادةِ مقصدٌ عظيمٌ

إذ إنَّ شدَّةَ الحرِّ تشغل القلبَ وتُذهل الفكرَ وتُضعف حضورَ النفس، فكان تأخيرُ الصلاة إلى وقت انكسار الحرِّ أدعى إلى تمام الخشوع وإكمالِ المناجاة.

٣- إثباتُ وجودِ جهنمَ في الوقتِ الحاضرِ

لأنَّ الشكوى لا تكون إلا من موجود، وقد أخبر الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم أن النارَ شكت إلى ربِّها، فدلَّ ذلك على أنها مخلوقةٌ موجودةٌ الآن، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة.

٤- إثباتُ أنَّ النارَ تتكلَّمُ حقيقةً

فإنَّ الشكوى نوعٌ من الكلام، فوجب إثباتُ ذلك لها على الحقيقة، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيل.

٥- إثباتُ صفةِ الكلامِ لله تعالى

لأنَّ النارَ شكت إلى ربِّها، فأجابها وأذن لها، وفي ذلك إثباتُ أنه سبحانه يتكلم بما شاء متى شاء وكيف شاء، على الوجه اللائق بجلاله.

٦- إثباتُ أنَّ جميعَ المخلوقاتِ تحتَ قهرِ اللهِ وسلطانِه

فلا تتحركُ ولا تسكنُ إلا بإذنه، ولا تخرجُ عن تدبيره طرفةَ عين، حتى النارُ العظيمةُ لا تتنفسُ إلا بإذن ربِّ العالمين.

٧- إظهارُ عظيمِ قدرةِ اللهِ سبحانه

حيث جعل لهذه النار إدراكًا وشكوى، وأذن لها بنفَسين يكون لهما أثرٌ في عالم الشهادة، وذلك من دلائل ربوبيته وكمال اقتداره.

٨- أنَّ ما في الدنيا من الحرِّ والبردِ آياتٌ تذكِّرُ بالآخرة

فالمؤمنُ إذا أحسَّ بحرِّ الصيف تذكَّر حرَّ الجحيم، وإذا وجد زمهريرَ الشتاء تذكَّر ما أعدَّه الله للكافرين من العذاب الأليم.

٩- الحثُّ على الاستعاذةِ باللهِ من النار

إذ إنَّ شيئًا يسيرًا من آثارها لا تُطيقه النفوسُ، فكيف بأصل عذابها وسعيرها ولهيبها؟!

١٠- أنَّ عذابَ جهنمَ متفاوتُ الأنواعِ

فليس مقصورًا على الإحراقِ بالنار، بل فيها الحرُّ المحرق، وفيها الزمهريرُ الشديد، كما دلَّت عليه النصوصُ الشرعية.

١١- أنَّ أخبارَ الغيبِ تُتلقَّى بالتسليمِ والانقيادِ

فما أخبر به الرسولُ صلى الله عليه وسلم من شكوى النار ونفَسها يجب الإيمانُ به وإن قصرت العقولُ عن إدراك كيفيته.

١٢- وجوبُ تقديمِ النصوصِ على المعقولاتِ القاصرةِ

فإنَّ أمثالَ هذه الأخبارِ قد تستغربها بعضُ العقول، غير أنَّ المؤمنَ يجعلُ الوحيَ حاكمًا على عقله، لا عقلَه حاكمًا على الوحي.

١٣- أنَّ الأسبابَ الكونيةَ لا تنافي الأسبابَ الشرعيةَ القدريةَ

فإنَّ الحرَّ يُعرف له سببٌ محسوس، ومع ذلك أخبر الشرعُ أن شدَّته من فيح جهنم، والجمعُ بين الأمرين واجبٌ لا تعارضَ فيه.

١٤- إثباتُ الحكمةِ في التشريعِ

فإنَّ الأمرَ بالإبراد لم يكن تعبُّدًا محضًا فحسب، بل اقترن ببيان علَّته وفائدته، وذلك أدعى لقبول النفوس له.

١٥- أنَّ المشقةَ تجلبُ التيسيرَ

وهي قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الشريعة، دلَّ عليها هذا الحديثُ وما في معناه من النصوص.

١٦- أنَّ المؤمنَ يتفكَّرُ في الآياتِ الكونيةِ

فلا يمرُّ عليه حرٌّ ولا بردٌ إلا استخرج منه عبرةً، وانتفع به موعظةً، وزاد به إيمانًا ويقينًا.

١٧- إثباتُ أنَّ للمخلوقاتِ أحوالًا لا يُحيطُ بها البشرُ علمًا

فإنَّ النارَ لها إدراكٌ وشكوى ونفَس، وكلُّ ذلك من الأمور التي لا تُعرف إلا بخبر الصادق صلى الله عليه وسلم.

١٨- فضلُ متابعةِ السنةِ في دقائقِ الأحكامِ

فإنَّ المسلمَ لا يقتصرُ على أداء العبادة، بل يحرصُ على أدائها في الهيئة والوقت الذي أرشد إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

١٩- أنَّ تذكُّرَ النارِ من أعظمِ زواجرِ القلوبِ

إذ القلوبُ إذا استحضرت أهوالَ الجحيم انكسرت، وخشعت، وأقلعت عن الذنوب والمعاصي.

٢٠- أنَّ من منهجِ النبوةِ ربطَ الأحكامِ بالعقيدةِ

فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يذكر حكم الإبراد وحده، بل قرنه بالتذكير بالنار، ليجتمعَ للعبدِ صلاحُ العملِ وصلاحُ الاعتقاد.

٢١- أنَّ أمورَ الآخرةِ أعظمُ من أن تُقاسَ بأمورِ الدنيا

فما يجده الناسُ من حرِّ الدنيا وبردها إنما هو نفحةٌ يسيرةٌ من آثار جهنم، فكيف بحقيقتها التي أعدها الله للعصاة والكافرين؟!

٢٢- التحذيرُ من الغفلةِ عند مشاهدةِ النعمِ والنقمِ

فإنَّ العاقلَ لا يقفُ عند ظاهر الحرِّ أو البرد، بل ينظرُ إلى ما وراء ذلك من الدلالات الإيمانية والعظات الربانية.

٢٣- أنَّ اللهَ تعالى يُجري مصالحَ العبادِ بأسبابٍ ظاهرةٍ وخفيةٍ

فكما جعل تعاقبَ الفصولِ والحرِّ والبردِ سببًا لمنافع الخلق، جعل فيها كذلك تذكيرًا لهم بالدار الآخرة.

٢٤- أنَّ العلمَ بأسماءِ العذابِ وأوصافِه يزيدُ الخوفَ من الله

ولذلك جاء في الرواية ذكرُ "الزمهرير" و"فيح جهنم"، لتقوى في النفوس صورةُ العذابِ وشدَّتُه.

٢٥- أنَّ المؤمنَ يجمعُ بين فقهِ الأحكامِ وفقهِ القلوبِ،

فيتعلمُ من الحديث حكمَ الإبراد بالصلاة، ويتعلمُ منه في الوقت نفسه الخوفَ من النار، ومراقبةَ الجبار، والاستعدادَ ليوم القرار.



[1] وفي "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 161):

"وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَمَا كَانَ مِنْ بَرْدٍ يُهْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ سَمُومٍ يُهْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ حَرِّهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالشِّدَّةُ أَيْ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ انْتَهَى فَبَيَّنَ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ ضَابِطَ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَالْحَرِّ مَا يُهْلِكُ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

[2] وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (13/ 455_456):

"قال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وكلا الوجهين ظاهرٌ، وحمله على الحقيقة أولى.

وقال ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: القول الأول يَعْضِده عموم الخطاب، وظاهر الكتاب، وهو أولى بالصواب. انتهى.

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمل الحديث على الحقيقة هو الصواب، فلا ينبغي العدول عنه؛ إذ لا داعي إلى ذلك.

وخلاصة القول أنه إذا أمكن حمل النصّ على ظاهره لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يدلّ على الخروج عن ظاهره، وما هنا لا يوجد دليل على ذلك،___بل ظواهر نصوص الكتاب والسنّة مؤيّدة وعاضدة للحمل على حقيقته، كما أشار إليه ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في كلامه المذكور آنفًا، فتبصر.

وعليه فيستفاد منه أن النار مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتدّ به، وخالفت في ذلك المعتزلة، فقالوا: إنها إنما تخلق يوم القيامة، قال العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والأدلة السمعية متوافرة على خلاف ذلك. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان." اهـ

[3] انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 16)

[4] وقال أبو زرعة العراقي في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 158):

"وَعَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَفِيهِ أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ مَوْجُودَةٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا: إنَّهَا إنَّمَا تُخْلَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مُتَوَافِرَةٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ." اهـ

[5] قال ولي الدين العراقي _رحمه الله_ في "طرح التثريب في شرح التقريب" (2/ 153_155):

"وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمَنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى بَرْدِ النَّهَارِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَحِبُّوا الْإِبْرَادَ مُطْلَقًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبِحَدِيثِ خَبَّابُ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يَشْكُنَا» .

وَالْجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهَا عَامَّةٌ فَنُقَدِّمُ عَلَيْهَا هَذَا الْحَدِيثَ لِخُصُوصِهِ، وَعَنْ حَدِيثِ خَبَّابُ مِنْ أَوْجُهٍ:

(أَحَدُهَا) أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجِبْهُمْ لِمَا سَأَلُوا وَتَرَكَ شَكْوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ___لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْإِبْرَادِ إلَيْهِ وَيَزِيدُوا عَلَى الْوَقْتِ الْمُرَخَّصِ لَهُمْ فِيهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَرَّ الرَّمْضَاءِ الَّذِي يَسْجُدُ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كُلِّهِ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ هَذَا الْجَوَابَ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ يَعْنِي أَشْبَهَ الْأَجْوِبَةَ.

(ثَانِيهَا) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّقْدِيمِ مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ؛ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ بِخِلَافِ أَحَادِيثِ التَّعْجِيلِ كَحَدِيثِ خَبَّابُ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الظُّهْرِ بِالْهَاجِرَةِ فَقَالَ لَنَا: أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَرَوَاهُ الطَّحْطَاوِيُّ بِلَفْظِ، ثُمَّ قَالَ: أَبْرِدُوا وَأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهِ وَذَكَرَ الْخَلَّالُ عَنْ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّهُمْ ذَاكَرُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَقَالَ أَسَانِيدُ جِيَادٌ، ثُمَّ قَالَ خَبَّابُ يَقُولُ: «شَكَوْنَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَشْكُنَا» ، وَالْمُغِيرَةُ كَمَا تَرَى رَوَى الْقِصَّتَيْنِ جَمِيعًا قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْمَيْمُونِيِّ وَكَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِبْرَادَ وَقَالَ الْأَثْرَمُ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ التَّعْجِيلِ، وَالْإِبْرَادِ: فَأَمَّا الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا التَّعْجِيلَ فِي غَيْرِ الْحَرِّ، فَإِنَّ الْأَمْرَ عَلَيْهَا.

وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابُ وَجَابِرٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْإِبْرَادِ، وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْهَاجِرَةِ فَقَالَ لَنَا: أَبْرِدُوا» فَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْإِبْرَادَ كَانَ بَعْدَ التَّهْجِيرِ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو خَلْدَةَ قَالَ سَمِعْت أَنَسًا يَقُولُ «كَانَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ»

(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ وَتَقْدِيمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ كَانَ أَخْذًا بِالْأَشَقِّ وَالْأَوْلَى.

وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِبْرَادَ هُوَ الْأَفْضَلُ فَلَا يَمْشِي عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابُ (رَابِعُهَا) أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَلَمْ يَشْكُنَا لَمْ يُحْوِجْنَا إلَى شَكْوَى بَلْ رَخَّصَ لَنَا فِي الْإِبْرَادِ حَكَاهُ لِلْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَمَا أَشْكَانَا، وَقَالَ: إذَا زَالَتْ___الشَّمْسُ فَصَلُّوا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.

(خَامِسُهَا) أَنَّ الْإِبْرَادَ أَفْضَلُ وَحَدِيثُ خَبَّابُ فِيهِ بَيَانُ جَوَازِ التَّعْجِيلِ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ اسْتِحْبَابَ الْإِبْرَادِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ نَحْمِلْ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ لِحَدِيثِ خَبَّابُ لَكِنْ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ خَبَّابُ الْمَنْعُ مِنْ التَّأْخِيرِ أَوْ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّقْدِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام