شرح الحديث 256 (باب المستشار مؤتمن) من الأدب المفرد

  

128- باب المستشار مؤتمن

 

256 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الْهَيْثَمِ: «هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا» فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اخْتَرْ مِنْهُمَا» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا» ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ

[قال الشيخ الألباني] :

صحيح

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا آدَمُ (ثقة عابد: ت. 221 هـ بـ عسقلان):

آدم بن أبي إياس عبدِ الرحمن الخراساني المروذي أبو الحسن العسقلاني  (مولى بنى تيم أو تميم)، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ خد ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ (ثقة صاحب كتاب: ت. 164 هـ):

شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، أبو معاوية البصري المؤدب (سكن الكوفة زمانا ثم انتقل إلى بغداد)، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ (ثقة فصيح عالم تغير حفظه، وربما دلس: ت. 136 هـ)

عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي، اللخمي، أبو عمرو (ويقال: أبو عمر)، الكوفي، المعروف بـ"القِبْطِيِّ" (حليف بني عديٍّ)، المولود: سنة 33 هـ، من طبقةٍ تلي الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ثقة مكثر: ت. 96 هـ بـ المدينة)[1]:

أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، المدني (قيل: اسمه عبد الله، أو إسماعيل. وقيل: اسمه وكنيته واحد)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (صحابي: ت. 57 هـ):

عبد الرحمن بن صخر، أبو هريرة الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الْهَيْثَمِ[2]: «هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا»[3]،

فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ[4]،

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اخْتَرْ مِنْهُمَا» ، قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْتَرْ لِي"[5]،

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا»[6]،

فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: "مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: "فَهُوَ عَتِيقٌ[7]."

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

سأل النبيُّ ﷺ أبا الهيثم بن التيهان _رضي الله عنه_: «هل لك خادم؟» أي: هل عندك مملوكٌ يخدمك؟ فأخبره أنه لا خادمَ له، فقال له النبيُّ ﷺ: «فإذا أتانا سَبْيٌ فأتنا»، أي: إذا جاءنا أسرى وغنائمُ فيها مماليكُ نعطيك خادمًا منهم.

 

ثم أُتي النبيُّ ﷺ بعد ذلك برقيقٍ، ولم يكن، إلا غلامان، فجاء أبو الهيثم رضي الله عنه امتثالًا لوعدِ النبيِّ ﷺ، فقال له النبيُّ ﷺ: «اختر منهما»، أي: خذ أيَّهما شئت.

ففوَّض أبو الهيثم الاختيارَ إلى النبيِّ ﷺ وقال: «اختر لي»، طلبًا لبركةِ اختيارِه ﷺ وكمالِ رأيه.

 

فقال النبيُّ ﷺ: «إنَّ المستشارَ مؤتمن»، أي: مَن طُلِبَتْ مشورتُه، وجب عليه أن ينصحَ نصحًا صادقًا، وأن يؤدِّي الأمانةَ في الرأي، فلا يشير، إلا بما يراه أصلحَ وأنفعَ للمستشير.

ثم اختار له أحدَ الغلامين وقال: «خذ هذا؛ فإني رأيتُه يصلِّي»، أي: رأيتُ منه علامةَ الصلاحِ والخيرِ والمحافظةِ على العبادة، ثم أوصاه به خيرًا، فقال: «واستوصِ به خيرًا»، أي: أحسنْ معاملتَه وارفقْ به.

 

فلما رجع أبو الهيثم إلى زوجتِه، وأخبرها بوصيةِ النبيِّ ﷺ، قالتْ: إنكَ لن تستطيعَ أن تقومَ بحقِّ هذه الوصيةِ على الوجهِ الكاملِ، إلا بأن تُعتقَه، أي: تُحرِّرَه لوجهِ الله، فأعتقه أبو الهيثم _رضي الله عنه_ امتثالًا للوصيةِ ورغبةً في الخير.

 

وأما مناسبةُ الحديثِ لترجمةِ الباب: «باب المستشار مؤتمن»، فمناسبته لها ظاهرةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قرَّر فيه قاعدةً عظيمةً من قواعدِ المعاملاتِ والآداب، وهي أنَّ المستشارَ أمينٌ على ما استُشير فيه، يجب عليه أن يقصدَ مصلحةَ أخيه، وأن يبذلَ له الرأيَ الخالصَ الصادقَ.

 

فإنَّ أبا الهيثم لما قال للنبيِّ ﷺ: «اختر لي»، صار النبيُّ ﷺ مستشارًا له، فبيَّن ﷺ أنَّ شأنَ المستشارِ أن يكونَ مؤتمنًا، ثم أدَّى الأمانةَ على أكملِ وجهٍ، فاختار له أصلحَ الغلامين، معلِّلًا ذلك بما ظهر له من صلاحِه وعبادتِه.

 

فدلَّ الحديثُ على وجوبِ النصيحةِ في المشورة، وتحريمِ الغشِّ والخيانةِ في الرأي، وأنَّ مَن استُشيرَ في أمرٍ، لزمه أن يعاملَ المستشيرَ بما يحبُّ أن يُعامَلَ به لو كان مكانَه. وفيه أيضًا: أنَّ الأمانةَ لا تختصُّ بالأموال، بل تدخلُ في الأقوالِ والآراءِ والمشوراتِ وسائرِ الحقوق.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 99) (رقم: 256)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (4/ 583) (رقم: 2369)[8]، والنسائي في "السنن الكبرى" (6/ 212) (رقم: 6583).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1136) (رقم: 6700)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 113) (رقم: 193)، "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (4/ 193) (رقم: 1641)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (15/ 50):

"وإنما هي إشارة إلى الأصلح والأولى. ففيه: دليلٌ على جواز الاستشارة في الأمور؛ وإن كانت من نوع القرب، وعلى أن المستشار يجب عليه أن يشير بأحسن ما يظهر له، كما قال _صلى الله عليه وسلم_: (من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره؛ فقد خانه)[9]، وقال: (المستشار مؤتمن)." اهـ

 

وقال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ، المعروف بـ"الخَطَّابِيِّ" (المتوفى: 388 هـ) _رحمه الله_ في "معالم السنن" (4/ 149):

"فيه: دليل على أن الإشارة غير واجبه على المستشار إذا استشير.

وفيه: دليل على أن عليه الاجتهاد في الصلاح وأنه لا غرامة عليه إذا وقعت الإشارة خطأ." اهـ

 

وقال المناوي في فيض القدير (6/ 268):

"وفيه حث على ما يحصل به معظم الدين وهو النصح لله ورسوله وعامة المسلمين وبه يحصل التحابب والإئتلاف وبضده يكون التباغض والاختلاف." اهـ

 

وقال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتِيُّ، المعروف بـ"الخَطَّابِيِّ" (المتوفى: 388 هـ) _رحمه الله_ في "العزلة" (ص: 46):

"لَيْسَتِ الْإِشَارَةُ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ حَتَّى لَا يَسَعَ الْمُسْتَشَارَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهَا عَلَى الْمُسْتَشِيرِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حُقُوقِ الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: لَا تُشِرْ عَلَى مُعْجَبٍ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ فَقَدْ تَرَخَّصَ الْعُلَمَاءُ فِي تَرْكِ الْإِشَارَةِ لِآفَةٍ تَعْرِضُ فِيهَا أَوْ عَائِقٍ يَمْنَعُ مِنْهَا وَلَعَلَّ ابْنَ الْيَمَانِ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ صَاحِبِهِ الْمُسْتَشِيرِ إِعْجَابًا بِرَأْيِهِ وَتَرْكًا لِقَبُولِ نُصْحِهِ فَحَذَرَ الْفِتْنَةَ وَاغْتَنَمَ الرَّاحَةَ." اهـ

 

وقال أبو العباس أحمد بن إدريس المالكي، الشهير بـ"القَرَافِيِّ" (المتوفى: 684 هـ) _رحمه الله_ في "الذخيرة" (13/ 349):

"قُلْتُ يَحْسُنُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْمُشِيرِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ:

* الْعَقْلُ الْوَافِرُ، لِأَنَّهُ النُّورُ الَّذِي يَهْدِيهِ،

* وَالْمَوَدَّةُ حَتَّى تَنْبَعِثَ الْفِكْرَةُ،

* وَأَنْ يَكُونَ سَعِيدًا لِأَنَّ الَّذِي فِي___خُمُولَةٍ رَأْيُهُ مِنْ جِنْسِ حَالِهِ،

* وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ شِيعَتِكَ، فَإِنَّكَ إِنِ اسْتَشَرْتَ فِي الْقَضَاءِ مَنْ يُحِبُّهُ، أَشَارَ عَلَيْكَ بِهِ كَمَا يُشِيرُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَكَّاسُ يُشِيرُ بِالْمَكْسِ،

* وَأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ تَحْصِيلِ مَفَاسِدِهَا وَمَصَالِحِهَا وَيُرَجِّحَ بَيْنَهَا

 *وَأَن لَا يَكُونَ ضَجِرًا لِأَنَّ الضَّجِرَ لَا يَطُولُ فِكْرُهُ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْمُسْتَشَارِ فِيهِ

* وَأَنْ يَكُونَ دَيِّنًا لِأَنَّ الدِّينَ مِلَاكُ الْأَمْرِ ونظام الْمصَالح هـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي، الشهير بـ"ابْنِ الْحَاجِّ" (المتوفى: 737 هـ) _رحمه الله_ في "المدخل" (4/ 42):

"وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: (الْخَطَأُ مَعَ الِاسْتِرْشَادِ أَحْمَدُ مِنْ الصَّوَابِ مَعَ الِاسْتِبْدَادِ)." اهـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي، الشهير بـ"ابْنِ الْحَاجِّ" (المتوفى: 737 هـ) _رحمه الله_ في "المدخل" (4/ 42_43):

"فَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ ارْتَادَ لَهَا مِنْ أَهْلِهَا مَنْ اسْتَكْمَلَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ:

إحْدَاهُنَّ عَقْلٌ كَامِلٌ مَعَ تَجْرِبَةٍ سَابِقَةٍ فَإِنَّهُ بِكَثْرَةِ التَّجَارِبِ تَصِحُّ الرَّوِيَّةُ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ احْذَرْ مَشُورَةَ الْجَاهِلِ، وَإِنْ كَانَ نَاصِحًا كَمَا تَحْذَرُ عَدَاوَةَ الْعَاقِلِ إذَا كَانَ عَدُوًّا فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُوَرِّطَك بِمَشُورَتِهِ فَيَسْبِقُ إلَيْكَ مَكْرُ الْعَاقِلِ وَتَوْرِيطُ الْجَاهِلِ.

وَكَانَ يُقَالُ: إيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ رَجُلَيْنِ شَابٌّ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ قَلِيلُ التَّجَارِبِ فِي غِرَّةٍ.

وَكَبِيرٌ قَدْ أَخَذَ الدَّهْرَ مِنْ عَقْلِهِ كَمَا أَخَذَ مِنْ جِسْمِهِ.

وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَقْلِ وَالْعَقْلُ مُحْتَاجٌ إلَى التَّجَارِبِ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْعَقْلَ زَيْنٌ لِأَهْلِهِ ... وَلَكِنَّ تَمَامَ الْعَقْلِ طُولُ التَّجَارِبِ

وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ ذَا دِينٍ وَتُقَى فَإِنَّ ذَلِكَ عِمَادُ كُلِّ صَلَاحٍ وَبَابُ كُلِّ نَجَاحٍ وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدِّينُ فَهُوَ مَأْمُونُ السَّرِيرَةِ مُوَفَّقُ الْعَزِيمَةِ.

وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَرَادَ أَمْرًا فَشَاوَرَ فِيهِ امْرَأً مُسْلِمًا وَفَّقَهُ اللَّهُ لِأَرْشَدِ أُمُورِهِ» .

وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا وَدُودًا فَإِنَّ النُّصْحَ وَالْمَوَدَّةَ يَصْرِفَانِ الْفِكْرَةَ وَيُمَحِّصَانِ الرَّأْيَ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لَا تُشَاوِرْ اُصْفُ ضَمِيرًا لِمَنْ تُعَاشِرُهُ ... وَاسْكُنْ إلَى نَاصِحٍ تُشَاوِرُهُ

وَارْضَ مِنْ الْمَرْءِ فِي مَوَدَّتِهِ ... بِمَا يُؤَدِّي إلَيْكَ ظَاهِرُهُ

وَالْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْفِكْرِ مِنْ هَمٍّ قَاطِعٍ وَغَمٍّ شَاغِلٍ.

فَإِنَّ مَنْ عَارَضَتْ فِكْرَتَهُ شَوَائِبُ الْهُمُومِ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ رَأْيٌ وَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ خَاطِرٌ.

وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ بِتَرْدَادِ الْفِكْرِ يَنْجَابُ لَكَ الْعِكْرُ.

وَالْخَصْلَةُ الْخَامِسَةُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ فِي الْأَمْرِ الْمُسْتَشَارِ فِيهِ غَرَضٌ يُتَابِعُهُ وَلَا هَوًى يُسَاعِدُهُ فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ جَاذِبَةٌ وَالْهَوَى صَادٌّ وَالرَّأْيُ إذَا عَارَضَهُ الْهَوَى وَجَاذَبَتْهُ الْأَغْرَاضُ فَسَدَ.

وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ

وَقَدْ تَحْكُمُ الْأَيَّامُ مَنْ كَانَ جَاهِلًا ... وَيُرْدِي الْهَوَى ذَا الرَّأْيِ وَهُوَ لَبِيبٌ

وَيُحْمَدُ فِي الْأَمْرِ الْفَتَى وَهُوَ مُخْطِئٌ ... وَيُعْذَلُ فِي الْإِحْسَانِ وَهُوَ مُصِيبٌ

فَإِذَا اُسْتُكْمِلَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ الْخَمْسُ فِي رَجُلٍ كَانَ أَهْلًا لِلْمَشُورَةِ وَمَعْدِنًا لِلرَّأْيِ فَلَا تَعْدِلْ عَنْ اسْتِشَارَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ فَضْلِ رَأْيِكَ وَثِقَةً بِمَا تَسْتَشْعِرُهُ مِنْ صِحَّةِ رَوِيَّتِكَ فَإِنَّ رَأْيَ غَيْرِ ذِي الْحَاجَةِ أَسْلَمُ وَهُوَ مِنْ الصَّوَابِ أَقْرَبُ لِخُلُوصِ الْفِكْرِ وَخُلُوِّ الْخَاطِرِ مَعَ عَدَمِ الْهَوَى وَارْتِفَاعِ الشَّهْوَةِ.

فَعَلَى هَذَا فَمَنْ تَرَكَ الِاسْتِخَارَةَ وَالِاسْتِشَارَةَ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ التَّعَبِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ لِدُخُولِهِ فِي الْأَشْيَاءِ بِنَفْسِهِ دُونَ الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَمَا أَحْكَمْته فِي ذَلِكَ إذْ إنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ إلَّا عَمَّتْهُ الْبَرَكَاتُ وَلَا تُتْرَكُ مِنْ شَيْءٍ إلَّا حَصَلَ فِيهِ ضِدُّ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

من الفوائدِ العظيمةِ والآدابِ الجليلةِ والأحكامِ النافعةِ المستنبطةِ من هذا الحديثِ الشريف:

1- فيه: وجوبُ أداءِ الأمانةِ في المشورة، لقولِه ﷺ: «إنَّ المستشارَ مؤتمن».

فدلَّ على أنَّ مَن استُشيرَ في أمرٍ، فقد حُمِّل أمانةً، فوجب عليه أن يبذلَ الرأيَ الخالصَ الذي يعتقدُ أنَّ فيه مصلحةَ المستشير، من غيرِ غشٍّ ولا خيانةٍ ولا محاباة.

وهذا يدخلُ في عمومِ قولِ الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]

2- فيه: تحريمُ الغشِّ في النصيحةِ والمشورة، فإنَّ النبيَّ ﷺ جعلَ المستشارَ مؤتمنًا، والخيانةُ تنافي الأمانة. فمَن أشار على أخيه بما يضرُّه، أو أخفى عنه ما يعلمُه من المفسدةِ، فقد خان الأمانةَ ودخلَ في الغشِّ المحرَّم.

وقد قال ﷺ: «مَن غشَّنا فليس منا»، رواه مسلم.

3- فيه: فضلُ النصيحةِ للمسلمين، وأنَّ المؤمنَ يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه، ويجتهدُ في إرشادِه إلى ما ينفعُه. ولهذا اختار النبيُّ ﷺ لأبي الهيثم أصلحَ الغلامين.

4- فيه: أنَّ الدينَ والصلاحَ مقدَّمانِ في الاختيار، فإنَّ النبيَّ ﷺ علَّل اختيارَه بقوله: «فإني رأيتُه يصلِّي».

فدلَّ على أنَّ الصلاحَ والتقوى أعظمُ ما يُراعى في الرجالِ والخدمِ والعمالِ وسائرِ المعاملات.

قال الله تعالى حاكيا قولَ إحدى ابنتي شعيب: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].

5- فيه: فضلُ الصلاةِ، وأنها علامةُ الخير، فإنَّ النبيَّ ﷺ مدح الغلامَ بكونِه يُصلِّي، ففي هذا دلالةٌ على أنَّ المحافظةَ على الصلاةِ أمارةُ صلاحِ العبدِ واستقامتِه. ولهذا كانت الصلاةُ أعظمَ شعائرِ الإسلام بعد الشهادتين.

6- فيه: الحثُّ على الإحسانِ إلى المماليكِ والخدم، لقولِه ﷺ: «واستوصِ به خيرًا».

أي: أحسنْ صحبتَه، وارفقْ به، ولا تُكلِّفْه ما لا يطيق. وقد جاءت الشريعةُ بالرحمةِ بالخدمِ والضعفاء.

7- فيه: مشروعيةُ الوصيةِ بالضعفاء، فإنَّ النبيَّ ﷺ أوصى بالغلام؛ لضعفِه وحاجتِه إلى الرفقِ والإحسان، وأنَّ أهلَ الضعفِ أحقُّ الناسِ بالرعايةِ والعناية.

8- فيه: تواضعُ النبيِّ ﷺ وحسنُ رعايتِه لأصحابِه، فإنه ﷺ لم ينسَ حاجةَ أبي الهيثم، بل وعده بخادمٍ إذا جاء السبيُ. ففيه كمالُ عنايتِه ﷺ بأصحابِه وتفقُّده لأحوالِهم.

9- فيه: جوازُ قبولِ الهديةِ والعطاءِ من الإمام، فإنَّ النبيَّ ﷺ أعطى أبا الهيثم غلامًا من السبي. وفيه جوازُ انتفاعِ المسلمين بما يحصلُ من الغنائمِ على الوجهِ المشروع.

10- وفيه: أنَّ اتخاذَ الخادمِ جائزٌ إذا خلا من الظلمِ والبطرِ والكِبر.

11- فيه: استحبابُ تفويضِ الاختيارِ إلى أهلِ العلمِ والفضل، فإنَّ أبا الهيثم قال: «اختر لي»، وأنَّ العاقلَ قد يكلُ أمرَه إلى مَن هو أعلمُ وأحكمُ منه.

12- فيه: أنَّ أهلَ الفضلِ يختارون الأصلحَ، لا الأحظَّ للنفس، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يخترْ بناءً على الصورةِ أو القوةِ أو الدنيا، وإنما اختار على أساسِ الصلاحِ والدين. وهذا مِن تمامِ عدلِه ﷺ ونصحِه.

13- فيه: فضلُ عتقِ الرقاب، فإنَّ امرأةَ أبي الهيثم رغَّبتْه في عتقِ الغلام، فبادر إلى ذلك. والعتقُ مِن أجلِّ القربات، وقد رغَّب فيه الشرعُ ترغيبًا عظيمًا. قال ﷺ: «مَن أعتق رقبةً أعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا منه من النار».

14- فيه: فضلُ زوجةِ أبي الهيثم وحسنُ فقهِها، فإنها فهمتْ أنَّ مِن أكملِ الإحسانِ تنفيذًا لوصيةِ النبيِّ ﷺ أن يُعتقَ الغلام. وفيه فضلُ المرأةِ الصالحةِ التي تُعينُ زوجَها على الخير.

15- فيه: سرعةُ امتثالِ الصحابةِ لأمرِ النبيِّ ﷺ، فإنَّ أبا الهيثم لم يترددْ حين أشارتْ عليه زوجتُه، بل قال مباشرةً: «فهو عتيق». وهذا من كمالِ طاعتِهم ومحبتِهم للخير.

16- فيه: أنَّ الأمانةَ لا تختصُّ بالأموال، فالناسُ يظنونَ الأمانةَ في الأموالِ فقط، والحديثُ يدلُّ على أنَّ المشورةَ والرأيَ والكلمةَ أمانةٌ كذلك، بل ربما كانت خيانةُ الرأيِ أعظمَ ضررًا من خيانةِ المال.

17- فيه: أنَّ المؤمنَ ينبغي أن يُحسنَ الظنَّ بإخوانِه الصالحين، فإنَّ أبا الهيثم فوَّض الاختيارَ إلى النبيِّ ﷺ ثقةً برأيِه وأمانتِه، وأنَّ أهلَ الفضلِ محلُّ ثقةٍ وطمأنينة.

18- فيه: أنَّ العملَ الصالحَ يرفعُ قدرَ صاحبِه ولو كان ضعيفًا، فهذا الغلامُ كان مملوكًا لا يُعرفُ نسبُه ولا جاهُه، فلما عُرفَ بالصلاةِ، أثنى عليه النبيُّ ﷺ وقدَّمه. ففيه أنَّ ميزانَ التفاضلِ الحقيقيِّ هو التقوى.

قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]

19- فيه: حسنُ تعليمِ النبيِّ ﷺ، فإنه ﷺ لم يكتفِ بالفعلِ، بل قرنَه بالتعليمِ والتأصيلِ فقال: «إنَّ المستشارَ مؤتمن». فجمع بين التعليمِ النظريِّ والتطبيقِ العمليِّ.

20- فيه: أنَّ الكلمةَ الواحدةَ من النبيِّ ﷺ قد تغيِّرُ حياةَ الإنسان، فإنَّ توصيتَه ﷺ في شأنِ الغلامِ كانت سببًا في عتقِه ونجاتِه من الرقِّ. ففيه بركةُ كلامِه ﷺ وعظيمُ تأثيرِه في النفوس.



[1] قال الذهبي _رحمه الله_ في "سير أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (4/ 292): "تُوُفِّيَ: سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ، عَنْ سِنٍّ عَالِيَةٍ." اهـ

[2] وفي "الأعلام" للزركلي (5/ 258):

"أَبُو الهَيْثَم بن التَّيهان (000 - 20 هـ = 000 - 641 م):

مالك بن التيهان الأنصاري الأوسي، أبو الهيثم: صحابي. كان يكره الأصنام في الجاهلية، ويقول بالتوحيد، هو وأسعد بن زرارة. وكانا أول من أسلم من الأنصار بمكة. وهو أحد النقباء الاثني عشر. شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها. وتوفي في خلافة عمر، وقيل: شهد صفين مع عليّ، وقتل بها سنة 37 هـ وكان شاعرا، له قصيدة في رثاء النبي صلى الله عليه وآله." اهـ

[3] (هل لك خادم؟)، الخادم: المملوكُ الذي يقومُ بخدمةِ الإنسانِ وقضاءِ حوائجِه. (فإذا أتانا سَبْيٌ فأتِنا)، السَّبْي: الأسرى الذين يُؤخذون في الجهادِ المشروعِ من الكفار. والمعنى: إذا جاءنا رقيقٌ أو أسرى، فتعالَ إلينا لنُعطيكَ خادمًا منهم.

[4] (فأُتِيَ النبيُّ ﷺ برأسين)، برأسين: أي: برقيقين أو غلامين اثنين. والعربُ قد تُطلقُ "الرأس" على الشخصِ من بابِ العدِّ والإحصاءِ. (ليس معهما ثالث)، أي: لم يكن معهما عبدٌ ثالث. والمقصودُ بيانُ قلَّةِ الموجودِ من السبي.

[5] (اختر منهما)، أي: عيِّنْ واحدًا منهما وخُذْه لنفسِك. (اختر لي)، أي: اجعلِ الاختيارَ عنِّي. وهذا من تمامِ ثقةِ الصحابيِّ برأيِ النبيِّ ﷺ وبركةِ اختيارِه.

[6] (إنَّ المستشارَ مؤتمن)، المستشار: مَن طُلِبَ منه الرأيُ والمشورة. مؤتمن: أي: مُحمَّلٌ بالأمانةِ، يجب عليه أن ينصحَ نصحًا صادقًا، وأن لا يغشَّ المستشير. والمعنى: أنَّ المشورةَ أمانةٌ عظيمةٌ لا يجوزُ فيها الخيانةُ ولا التدليسُ. (خُذْ هذا)، أي: اخترْ هذا الغلامَ دون الآخر. (فإني رأيتُه يُصلِّي)، أي: رأيتُ هذا الغلامَ محافظًا على الصلاة. وفيه أنَّ الصلاةَ علامةُ خيرٍ وصلاح. (واستوصِ به خيرًا)، استوصِ: أي: اقبلْ وصيتي فيه، واعملْ بها. والمعنى: أحسنْ إليه، وارفقْ به، وأكرمْه، ولا تُسئْ معاملتَه.

[7] قولها: «ما أنتَ ببالغٍ ما قال فيه النبيُّ ﷺ»، ببالغ: أي: لن تصلَ إلى غايةِ تنفيذِ وصيةِ النبيِّ ﷺ فيه على الوجهِ الأكمل. والمعنى: لن تؤديَ حقَّ هذه الوصيةِ كاملةً، إلا إذا أعتقتَه. (إلا أن تُعتقَه)، تُعتقه: أي: تحرِّرَه من الرِّقِّ وتجعله حرًّا لوجهِ الله. (فهو عتيق)، عتيق: أي: محرَّرٌ حرٌّ. والمعنى: قد أعتقتُه للهِ تعالى.

[8] وأخرجه وأبو داود مختصرا في "سننه" (4/ 333) (رقم: 5128)، والترمذي في "سننه"– ت. شاكر (5/ 125) (رقم: 2822)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1233) (رقم: 3745).

[9] رواه أبو داود، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1048) (رقم: 6068)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

فضائل عشر ذي الحجة