خمس بلايا على الأمة وسببها

 

خمس بلايا على الأمة وسببها

خمس بلايا على الأمة وسببها

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:

أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَ:

"يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:

* لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا،


* وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ،


* وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا،


* وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ،


* وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ."

أخرجه ابن ماجه في "سننه" (2/ 1332) (رقم: 4019). صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 216) (رقم: 106)

 

المعنى الإجمالي لهذا الحديث:

 

هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي تُبيِّن سنن الله في المجتمعات، وتكشف العلاقة بين المعاصي والعقوبات، وأن ما ينزل بالأمم من البلاء ليس عشوائيًا، بل هو مرتبط بأعمالهم.

فقد خاطب النبي ﷺ المهاجرين مُحذِّرًا من خمس خصالٍ إذا ظهرت في الأمة ونزلت بها، ترتّبت عليها عقوباتٌ دنيوية ظاهرة، واستعاذ بالله أن يُدركوها؛ لعِظَم خطرها.

فبيّن ﷺ أن:

* ظهور الفاحشة علنًا سببٌ لانتشار الأمراض والأوبئة الجديدة.

* الغش في الكيل والميزان سببٌ للفقر، وضيق المعيشة، وظلم الحكّام.

* منع الزكاة سببٌ لمنع المطر والقحط.

* نقض العهود سببٌ لتسلّط الأعداء، وسلب خيرات الأمة.

* ترك الحكم بكتاب الله سببٌ لوقوع الفتن والاقتتال الداخلي.

 

فالحديث يدل في على:

* أن الذنوب لها آثارٌ خطيرة على الأفراد والمجتمعات.

* أن العقوبات قد تكون دنيوية قبل الآخرة.

* أن صلاح الأمة يكون بالاستقامة على شرع الله، وفسادها يكون بمخالفته.

 

فهو حديثٌ يُقرّر قاعدةً عظيمة:

أن ما ينزل بالناس من البلاء والفتن إنما هو بسبب ما كسبت أيديهم، وأن طريق النجاة إنما هو بالرجوع إلى طاعة الله، وترك المعاصي ظاهرها وباطنها.

 

من فوائد الحديث:

 

نعم، هذا الحديث من الأحاديث الجامعة في بيان سُنن الله في الأمم، وقد اشتمل على قواعد عظيمة وفوائد جليلة، نذكر منها جملةً وافرة:

1- بيان أن للمعاصي آثارًا ظاهرةً في الدنيا، وأن الذنوب لا تقتصر عقوبتها على الآخرة، بل لها آثارٌ عاجلة في الدنيا من البلاء والفساد.

2- أن المجاهرة بالمعصية أعظم خطرًا من مجرد فعلها،

لقوله: «حتى يعلنوا بها»، وفيه أن إعلان الفاحشة سببٌ لتعجيل العقوبة وعمومها.

3- أن انتشار الفواحش سببٌ لظهور الأوبئة، وأن فساد الأخلاق يورث فساد الأبدان، وأن الأمراض قد تكون عقوبةً إلهية.

4- أن الظلم في المعاملات سببٌ لفساد الأحوال العامة،

فإن نقص الكيل والميزان يُفضي إلى اختلال الثقة وانتشار الفقر.

5- أن الغشّ سببٌ لضيق المعيشة،

وأن مَنْ أكل أموال الناس بالباطل، عوقب بشدة المئونة وغلاء الأسعار.

6- أن من آثار الظلم تسلّط الحكّام الجائرين، وأن جور السلطان قد يكون عقوبةً على ظلم الرعية.

7- أن منع الزكاة سببٌ لرفع البركة، فإن منعها يوجب حبس الغيث، وأن الأموال إذا لم تُطهَّر، زالت بركتها.

8- أن البهائم قد تكون سببًا في نزول الرحمة، وأن الله يرحم الخلق بسبب بعضهم، وأن الإنسان قد يُحرم الخير بذنبه.

9- أن نقض العهود سببٌ لتسلّط الأعداء، وأن خيانة العهود تُذهب الهيبة وتُورث الذلّ والهزيمة.

10- أن الأمن نعمةٌ تُحفظ بطاعة الله، فإذا فُقدت الطاعة، سُلِّط الأعداء وسُلب الأمن.

11- أن مخالفة الشريعة في الحكم سببٌ للفتن الداخلية، فإن ترك الحكم بكتاب الله يُفضي إلى التنازع والاقتتال.

12- أن اتباع الهوى في اتباع القرآن من أعظم أسباب الفساد،

لقوله: «ويتخيّروا»، وفيه ذمّ من يأخذ من الشرع ما يوافق هواه ويترك غيره.

13- أن هذا الحديث أصلٌ في باب السنن الإلهية،

فهو يربط بين الأسباب (المعاصي) والنتائج (العقوبات) ربطًا محكمًا.

14- أن صلاح الأمة مرتبطٌ بإقامة الدين

فمتى استقامت على أمر الله صلحت أحوالها، وإلا فسد أمرها.

15- أن البلاء العام إنما يكون عند ظهور المعاصي علنًا

فإذا أُخفيت المعصية كان الضرر أخصّ، وإذا أُعلنت عمّ البلاء.

16- أن من فقه العبد النظر في أسباب البلاء

فلا يكتفي برؤية الظواهر، بل يرجع إلى ما وراءها من الذنوب.

17- أن هذا الحديث يدعو إلى الإصلاح الشامل

إصلاح العقيدة، والأخلاق، والمعاملات، والحكم.

18- أن العقوبات قد تكون على هيئة سننٍ متكررة، فليست خاصة بزمنٍ دون زمن، بل تجري في كل أمة.

19- أن في الحديث تحذيرًا بليغًا للأمة حيث استعاذ النبي ﷺ من إدراك هذه الخصال، لما فيها من الهلاك.

20- أن الذنوب تتفاوت في آثارها، فلكل ذنبٍ عقوبةٌ تناسبه، وهذا من عدل الله تعالى.

21- أن من أعظم أسباب الفتن الداخلية ترك الشريعة، فإن الاجتماع لا يكون إلا على الحق، فإذا فُقد، تفرّق الناس.

22- أن الشريعة جاءت بحفظ الضرورات الخمس،

وفي هذا الحديث بيانٌ لما يُفسدها: الدين، والنفس، والمال، والأمن.

23- أن المجتمع إذا فسد ظاهره، فسد باطنه، فالفاحشة الظاهرة دليلٌ على خللٍ عميق في القلوب.

24- أن العبد ينبغي له أن يخاف من الذنوب العامة، لأن ضررها لا يقتصر على صاحبها، بل يعمّ المجتمع.

25- أن هذا الحديث من دلائل النبوة، لما فيه من الإخبار بأمورٍ وقعت وتَتَكرّر عبر العصور.

26- أن الرجوع إلى الله سببٌ لرفع البلاء، فإذا كان الذنب سببًا للعقوبة، فالتوبة سببٌ لزوالها.

27- أن إقامة العدل من أعظم أسباب صلاح الأمة، وأن الظلم سببٌ لكل فساد.

28- أن الله تعالى لا يظلم الناس، وإنما يعاقبهم بأعمالهم، فكل ما يقع فهو بعدلٍ منه سبحانه.

29- أن في الحديث تربيةً على مراقبة الله، لأن العبد إذا علم أن لكل ذنبٍ أثرًا خاف من المخالفة.

30- أن هذا الحديث ميزانٌ لفهم واقع الأمم، فمن نظر فيه علم أن ما يقع من البلاء له أسبابٌ شرعية، لا يُفهم إلا بها.

 

فهذه جملةٌ من الفوائد، والحديث من القواعد الكبار التي تُبيّن أن صلاح العباد والبلاد إنما يكون بطاعة الله، وأن الفساد إنما ينشأ من مخالفة أمره، فنسأل الله العافية والسلامة.

 

شرح المفردات:

 

هذا الحديث اشتمل على ألفاظٍ وجُمَلٍ تحتاج إلى شيءٍ من البيان، لما فيها من أساليب العرب ودقّة التعبير، وشرحها كما يلي:

1- «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ»، المعشر: الجماعة الذين يجمعهم وصفٌ واحد. والمراد: يا جماعة المهاجرين، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

2- «خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ»، أي: خمس خصال أو بلايا. ومعنى «ابتليتم»: اختُبرتم وأُصِبتم بها ووقعت فيكم.

3- «وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ»، أي: ألتجئ إلى الله وأستعيذ به أن تلحقوا بهذه الخصال وتقعوا فيها. وفيه إظهار شدة الخوف منها.

4- «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ»، الفاحشة: المعصية العظيمة القبيحة، وأعظمها الزنا ونحوه. و«تظهر»: أي تنتشر وتشيع بين الناس.

5- «حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا»، أي: يجاهروا بها ولا يستتروا، فيقعون فيها علنًا دون حياء.

6- «إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ»، «فشا»: انتشر وعمّ. والطاعون: مرضٌ وبائيٌّ قاتل معروف.

7- «وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ»، الأوجاع: الأمراض. أي: تظهر فيهم أمراض جديدة لم تكن معروفة في الأمم السابقة.

8- «فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا»، الأسلاف: المتقدمون من الآباء والأمم السابقة.

9- «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ»، أي: لم يُطففوا ولم يغشّوا في الكيل والوزن. والنقص هنا: إعطاء الناس أقلّ من حقوقهم.

10- «إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ»، السنين: جمع سنة، والمراد بها هنا سنوات القحط والجفاف.

11- «وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ»، المئونة: ما يحتاجه الإنسان من نفقة ومعيشة. أي: تغلو الأسعار، وتشتدّ تكاليف الحياة.

12- «وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ»، الجور: الظلم. أي: يُسلَّط عليهم حكّامٌ يظلمونهم.

13- «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ»، أي: لم يمتنعوا من إخراج الزكاة الواجبة.

14- «إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»، القطر: المطر. أي: يُحرمون من نزول الغيث.

15- «وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا»، البهائم: الحيوانات. أي: أن المطر ينزل رحمةً بالحيوانات، لا بسبب الناس، وفيه شدة الوعيد.

16- «وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ»، النقض: الإفساد بعد الإبرام. وعهد الله: ما أمر به من الطاعة والالتزام بدينه.

17- «وَعَهْدَ رَسُولِهِ»، أي: ما جاء به النبي ﷺ من الشرع والالتزام به.

18- «إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ»، أي: يُمكِّن الله عليهم عدوًا أجنبيًا يقهرهم.

19- «فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ»، أي: سلبوهم شيئًا من أموالهم أو أراضيهم أو خيراتهم.

20- «وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ»، الأئمة: الحكّام. أي: إذا لم يحكموا بالقرآن وشريعة الله.

21- قوله: «وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ»، أي: يختاروا من الشرع ما يوافق أهواءهم، ويتركوا ما لا يوافقهم.

22- «إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»، البأس: الشدة والقتال. أي: يوقع الله بينهم العداوة والاقتتال والفتن الداخلية.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87