شرح المسألة الأولى من مسائل الجاهلية

  

مقدمة

قال الشيخ الإمام العالم محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_:

هذه أمور خالف فيها رسولُ الله _صلى الله عليه وسلم_ ما عليه أهل الجاهلية: الكتابيين والأميين، مما لا غنى للمسلم عن معرفتها، فالضد يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ، وبضدها تتبين الأشياء.

فأهم ما فيها وأشدها خطراً، عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية، تمت الخسارة، كما قال تعالى: {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 52] .

 

قوله: «هذه أمور خالف فيها رسولُ الله ﷺ ما عليه أهلُ الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غنى للمسلم عن معرفتها...»

 

بيَّن الشيخ أنَّ النبي ﷺ لم يأتِ بمجرد بعض الإصلاحات الجزئية، بل جاء بمنهجٍ كاملٍ يخالف به طرائق الجاهلية في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والتشريع، سواء أكانت جاهليةَ أهلِ الكتاب أم جاهليةَ المشركين الأميين، وأنَّ معرفة هذه المخالفات من أصول الدين التي لا يسع المسلم جهلها.

 

قال الله _تعالى_:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]

 

فلا حاجة لنا أن نتبع أديان الجاهلية، قال _تعالى_: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]

 

وقال _سبحانه_:

{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]

 

قال النبي ﷺ مبينا عدم جواز اتباعهم والتشبه بهم:

«مَن تَشَبَّهَ بقومٍ فهو منهم» رواه أبو داود.

وفيه التحذير من مشابهة أهل الجاهلية في طرائقهم وأخلاقهم واعتقاداتهم.


قوله: «فالضدُّ يظهرُ حسنه الضدُّ، وبضدها تتبين الأشياء»

هذه قاعدة عظيمة، معناها أنَّ الحق لا يُعرَف تمام المعرفة، إلا إذا عُرِف الباطل، وأنَّ الهدى لا يَتَجَلَّى جمالُه إلا بمقابلته بالضلال، ولذلك كان من الحكمة بيان ضلالات الجاهلية ليزداد المؤمن بصيرةً وتمسكاً بالحق.

 

قال الله _تعالى_:

(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 55]

 

قال حذيفة بن اليمان _رضي الله عنه_:

«كان الناسُ يسألون رسولَ الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشرِّ مخافةَ أن يُدرِكني» رواه البخاري ومسلم.

 

قوله: «فأهم ما فيها وأشدها خطراً، عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﷺ...»

بيّن الشيخ _رحمه الله_ أن أعظم مخالفات الجاهلية وأخطرها: أن يكون الإيمان شكلياً أو ظاهرياً بلا تصديقٍ قلبيٍّ صادقٍ لما جاء به النبي ﷺ من توحيدٍ وشرعٍ وأحكام، فالقلب إذا خلا من التصديق والانقياد لم ينفعه ظاهر الإسلام.

 

قال الله _تعالى_:

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]

 

قال النبي ﷺ:

«ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب» متفق عليه.

 

قوله: «فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية تمت الخسارة...»

إذا اجتمع في العبد أمران:

* ضعف الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ،

* مع استحسانِ طرائق الجاهلية وتعظيمِها والرضا بها، فقد بلغ الغاية في الخسران؛ لأنه ترك الحق، وأحبَّ الباطل، فصار ولاؤه لغير دين الله.

 

قال الله _تعالى_:

(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [العنكبوت: 52]

 

وقال _سبحانه_:

(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) [النحل: 107]

 

قال النبي ﷺ:

«لتتبعنَّ سننَ من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع...» متفق عليه.

وفيه التحذير من الإعجاب بأهل الباطل والسير على مناهجهم.

 

فهذا هو المقصودُ بكلام الشيخ رحمه الله:

* التحذيرُ من الجاهلية علماً واعتقاداً وعملاً،

* والدعوةُ إلى الإيمان القلبيِّ الصادق بما جاء به الرسول ﷺ، مع البراءة من طرائق أهل الضلال.

 

المعنى الإجمالي لكلام المؤلف _رحمه الله_

 

إنَّ الشيخَ رحمهُ اللهُ بيَّن أنَّ من أعظمِ ما يجبُ على المسلمِ علمُه ومعرفتُه: الوقوفُ على الأحوالِ التي خالفَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الجاهليةِ من أهلِ الكتابِ وغيرِهم، لأنَّ الأشياءَ لا تتبيَّنُ حقائقُها إلا بأضدادِها، ولا يظهرُ فضلُ الهدى إلا بمقابلتِه بالضلال.

ثم صرح بأن أخطرِ تلك المخالفاتِ وأجلِّها شأناً، وهو أن يَخلوَ قلبُ العبدِ من الإيمانِ الصادقِ بما جاء به الرسولُ ﷺ،

فإذا انضمَّ إلى ذلك استحسانُ طرائقِ أهلِ الجاهليةِ والرضا بها، فقد تمَّت الخسارةُ ووقع صاحبُها في الهلاكِ المبين، كما أخبر اللهُ تعالى أنَّ من آمنَ بالباطلِ وكفرَ باللهِ فهو من الخاسرين.

  

فوائد معرفة مسائل الجاهلية:

 

معرفة مسائل الجاهلية التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من الأمور المهمة، ترجع إلى مقاصد عظيمة، لا يستغني عنها طالبُ النجاة ولا الداعيةُ إلى الله، وأهمُّها ما يأتي:

أولًا: تحقيق التوحيد الخالص وتمييزه عن الشرك

فإنَّ كثيرًا من صور الشرك والبدع التي حاربها النبي ﷺ لم تنقرض، بل تغيَّرت أسماؤها وتبدَّلت صورها، وبقيت حقائقها،

فمن عرف مسائل الجاهلية أمكنه أن يُدرِك حقيقة التوحيد، وأن يميز بين عبادة الله الخالصة وبين ما يُخالطها من أدران الشرك والضلال.

 

قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256]

ولا يتم الكفر بالطاغوت، إلا بمعرفة الكفر وطرائقه، وصوره، وخصاله.

 

ثانيًا: سلامة المنهج وحراسة القلب من الانخداع بالباطل

فمعرفة طرائق الجاهلية تُنشئ في القلب بصيرةً تُميِّز الحق من الباطل، فلا يُغترُّ بزخرف الأقوال ولا ببريق الشعارات، بل ينظر إلى الأمور بميزان الوحي، لا بميزان العادة أو الهوى.

قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } [الأنعام: 55]

فاستبانة سبيل المجرمين سببٌ للثبات على سبيل المؤمنين.

 

ثالثًا: الوقاية من مشابهة أهل الجاهلية وتقليدهم

فمن جهِل أحوال الجاهلية، وقع فيها من حيث لا يشعر، وأحبَّها من حيث لا يدري، أمّا من عرفها نفر قلبُه منها، وحذِر من التشبه بأهلها ظاهرًا وباطنًا.

قال النبي ﷺ:

«مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم» رواه أبو داود

فالمعرفة هنا وقاية، والجهل هلكة.

 

رابعًا: تصحيح مفهوم التقدم والحضارة

فإن أهل الجاهلية كانوا يملكون عقولًا وثقافات وأعرافًا، ومع ذلك سماهم الله "جاهلية"، لفساد أصولهم العقدية.

فبمعرفة مسائل الجاهلية يعلم المسلم أن التقدم الحقيقي ليس في العُمْرَانِ، ولا في الفكر المجرد، وإنما في التوحيد والاستقامة على شرع الرحمن.

 

قال تعالى:

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] فكل حكم خالف الوحي، فهو جاهلية، وإن تلون بألوان العصر.

 

خامسًا: قوة الدعوة وحسن البيان

فالداعية إذا عرف مسائل الجاهلية القديمة والحديثة، أحسن تشخيص الداء، وعرف كيف يعالج أمراض القلوب والشبهات المعاصرة، وربط الناس بمنهج النبي ﷺ في الإصلاح والتغيير.

 

قال تعالى:

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125]

ولا حكمة بلا علم، ولا علم بلا معرفة الحقِّ وضدِّهِ.

 

فمعرفة مسائل الجاهلية ليست للتاريخ ولا للثقافة، وإنما هي لحفظ الدين، وتحقيق التوحيد، وسلامة المنهج، وصيانة القلب، والقيام بأمانة الدعوة على بصيرة.

 

أيها القراء الكرام، فمن الجدير بالذكر مقدمة نقلتُها برمتها من كلام فضيلة الشيخ يوسف بن محمد السعيد _حفظه الله_:

 

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت يوسف السعيد (ص: 39)

"الفصل الثاني: في الجاهلية

المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية

لقد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم التشبه بهم، سواء في عباداتهم أو في أعيادهم، وأجمع أهل العلم على ذلك.[1]

 

ولكثرة النصوص الواردة في هذا، اجتهدت في حصر دلالاتها، مع الاستدلال لكل دلالة بنص أو أكثر، فكانت على النحو الآتي:

أولا: الأمر الصريح بالمخالفة:

جاءت أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، مما يعني وجوب مخالفتهم، لأن الأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف[2]، ولا صارف هنا،

ومن هذه الأحاديث ما يأتي:

* عن ابن عمر _رضي الله عنهما_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب, وأوفوا اللحى".[3]___

* وعن أبي أمامة _رضي الله تعالى عنه_، قال:

"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشيخة الأنصار, بيض لحاهم, فقال: يا معشر الأنصار، حمروا وصفروا، وخالفوا أهل الكتاب, قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرو,

فقال صلى الله عليه وسلم_: (تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب)،

قال فقلنا: "يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون،" قال: فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: (فتخففوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب)،

قال: فقلنا: "يا رسول الله، إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم، ويوفرون سبالهم"

فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: "قُصُّوْا سِبالكم ووَفِّرُوْا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب".[4]

وقال صلى الله عليه وسلم: "خالفوا اليهود, فإنهم لا يصلون في نعالهم, ولا خفافهم."[5]

 

ثانيا: النهي عن مشابهة أهل الجاهلية في أهوائهم بصيغته:

كما جاءت الأدلة صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية, فقد جاءت أيضا صريحة في النهي عن مشابهتهم في أهوائهم بصيغة النهي الحقيقية "لا تفعل" ومن هذه الأدلة:

قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } [المائدة: 48]

وقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]

وقوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى: 15]

وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]

ففي هذه الآيات نهيٌ من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون, "وقد في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.

واهواؤهم هو ما يهوونه, وما عليه المشركون من هديهم الظاهر, الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك, فهم يهوونه, وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه"5.

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104]

 

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم" [تفسير ابن كثير (1/148)]

فهذه بعض الأدلة على النهي عن مشابهة أهل الجاهلية بصيغته.

 

ثالثا: بيان سوء عاقبة من اتبع أهل الجاهلية:

لقد جاءت الأدلة صريحة في بيان العاقبة المخزية التي أعدها الله تعالى لمن خالف أمره, وتشبه بأعدائه، مما يدل على شناعة الفعل وقبحه, ومن هذه الأدلة:

قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } [البقرة: 120]

وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } [البقرة: 145]

ففي هاتين الآيتين: تهديدٌ ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم_، والمراد أمته. [انظر تفسير ابن كثير (1/163)]

 

ووصف -تعالى- التابعين بأنهم ظالمون، {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان: 31]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"ومتابعتهم فيما___يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم, بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك". [اقتضاء الصراط المستقيم (1/-8685)]

 

وقوله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [التوبة: 69]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"ثم قوله فاستمتعتم وخضتم, خبر عن وقوع ذلك في الماضي, وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة, كسائر من أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم, فإنه ذم لمن حالهم كحالهم إلى يوم القيامة". [اقتضاء الصراط المستقيم (104-105)]

 

رابعا: نعت المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم:

* كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم, وبتغ في الإسلام سنة جاهلية, ومطَّلِب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريقه"4.

* وقوله صلى الله عليه وسلم:

"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر, وذراعا بذراع،__حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم, قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن".[6]

 

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

"وكان صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار, وكان يخاف على أمته اتباعهم, ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم على جهة التعيير والتوبيخ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم ... ". ["التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (5/45)]

 

وقال المناوي:

"وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي والكفر, ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن اتباعهم, ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام". ["فيض القدير بشرح الجامع الصغير (5/261)]

 

فهذه بعض الأدلة الدالة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية وحرمة التشبه بهم, وبقي كثير تركتها اختصارا , والله تعالى أعلم.

 

المبحث الثاني: أنواع الجاهلية

تنوع الجاهلية أنواعا بحسب اعتبارات مختلفة, وغليك بعض أنواعها:

أولا: أنواعها من حيث الإطلاق والتقييد:

تتنوع الجاهلية من حيث الإطلاق والتقييد نوعين:

النوع الأول: جاهلية مطلقة، وهي الجاهلية العامة، وهذه كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم, أما بعد المبعث فلا، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".[7]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

"فأما في زمان مطلق،___فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ... " [اقتضاء الصراط المستقيم (1/227)]

وذكر معنى الحديث السابق.

ومن هذا النوع قوله تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]

وقول حذيفة رضي الله عنه: "إنا كنا أهل جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير..."[8]

 

وعلى هذا، فلا يجوز إطلاق الجاهلية على قرن من القرون منذ بعثة النبي _صلى الله عليه وسلم_ إلى يومنا هذا، وما يقع فيه بعض الكتاب من هذه الإطلاقات ينبغي أن يتفادى بالتصحيح. [انظر: تعليق الدكتور ناصر العقل على " اقتضاء الصراط المستقيم" (1/227)]

النوع الثاني: جاهلية مقيدة، وهي الجاهلية التي تقوم في بعض البلدان، أو ببعض الأشخاص والجماعات.

وهذا النوع يكون حتى بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"5.

 

ثانيا: أنواعها من حيث الفترة الزمنية:

تتنوع الجاهية من حيث الفترة الزمنية نوعين:___

النوع الأول: جاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا النوع يطلق عليه بعضهم " الجاهلية الأولى".

قال قتادة في قوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} : "هي ما قبل الإسلام" [ذكره البغوي في تفسيره (4/528)]

 

النوع الثاني: جاهلية ما بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم.

ويطلق عليها بعضهم " الجاهلية الأخرى".

والمراد بها: ما شابه فيه الناس بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية.

قال ابن جرير-رحمه الله تعالى-: "فإن فال قائل: أو في الإسلام جاهلية حتى يقال عنى بقوله: {الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} التي قبل الإسلام, قيل: فيه أخلاق من أخلاق الجاهلية". [تفسير ابن جرير (22/4-5)]

وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل". [فتح القدير (4/278)]

 

 

 

ثم قال المؤلف _رحمه الله_ في كتابه "مسائل الجاهلية" (ص: 5)

المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يريدون شفاعتهم عند الله،

* كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] ،

* وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] .

وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بالإخلاص وأخبر أنه دين الله الذي أرسل جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر أن من فعل ما يستحسنونه فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.

وهذه المسألة التي تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] .

 

وقال الشيخ الفوزان _حفظه الله_ في "شرح مسائل الجاهلية" (ص: 19):

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ،فالعبادة حق الله جل وعلا، لا يجوز أن يُعبد معه غيره كائناً من كان، فالجاهلية عكسوا هذا الأمر، فتركوا عبادة الله التي خُلقوا من أجلها، وعبدوا غير الله جل وعلا من الأصنام والأشجار والجن والملائكة والأولياء والصالحين، فصرفوا العبادة لغير الله عز وجل، فمنهم من لا يعبدوا الله أصلاً، وهم الكفار، من الملاحدة والدهرية، ومنهم من يعبد اله ويعبد معه غيره. والحكم واحد، فالذي يعبد مع الله غيره كالذي لا يعبد الله أصلاً؛ لأن عبادته باطلة، والله لا يرضى بالشرك، وأيضاً لا بد أن يكون العمل موافقاً لما شرعه الله سبحانه وتعالى، فالله لا يقبل العمل الذي فيه بدعة، كما يقبل العمل الذي فيه شرك، فأعظم أمور الجاهلية: الشرك بالله عز وجل والابتداع.

 

وقال الشيخ الفوزان _حفظه الله_ في "شرح مسائل الجاهلية" (ص: 20)

وكانوا في الجاهلية يعبدون الله، ويعبدون أشياء كثيرة، ومنها: عبادة الأولياء والصالحين، كما حصل لقوم نوح لما غلوا في الصالحين: ود وسواع ويغوث ونسر، وعبدوا قبورهم من دون الله عز وجل، بحجة أنهم صالحون، وأنهم يقرّبون إلى الله، وأنهم شفعاء عند الله، كذلك درجت الجاهلية على هذا المنوال، فكانوا يعبدون الأولياء والصالحين والملائكة، ويقولون: ما نعلدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ولا يقولون: هؤلاء شركاء لله، إنما يقولون: إنما هم عباد الله يتوسطون لنا عند الله، ويشفعون لنا، ويقربونا إلى الله زلفى، ولا يسمون عملهم هذا شركاً؛ لأن الشيطان زين لهم أن هذا ليس بشرك، وإنما هو توسل بالصالحين واستشفاع بالصالحين، والعبرة ليست___بالأسماء، العبرة بالحقائق،

فهذا شرك وإن سَمَّوْه تشفعاً وتقرباً، فهو شرك؛ لأن الأسماء لا تغيّر الحقائق، والله لا يرضى أن يُشْرك معه أحد في عبادته، كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110] ،

وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] ، وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ،

وقال: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14] ، العبادة لا تنفع إلا مع الإخلاص، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

فهذه أعظم مسائل الجاهلية، وهي عبادة الأولياء والصالحين، من الأموات والغائبين والاستغاثة بهم، والاستعاذة بهم، وطلب الحوائج منهم، كما عليه عباد القبور اليوم تماماً، فعبادة الأضرحة الآن، والتقرب إلى الأموات، ودعاؤهم من دون الله، والاستغاثة بهم،

هذا هو ما كانت عليه الجاهلية، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18]

كذلك نفس الشيء الآن، هؤلاء القبوريون إذا نوقشوا ونُهوا عن عبادة القبور، قالوا: "نحن ما نعبد القبور"؛ لأن العبادة لله، لكن هؤلاء وسائط بيننا وبين الله، وشفعاء لنا___عنده.

هذا هو الذي أنكره الله على أهل الجاهلية تماماً {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه} [يونس:18]،

وقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]

ما عبدوهم لأنهم يرون أنهم يشاركون الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، هم يعترفون أن هذا لله، وإنما عبدوهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقولون: "نحن عباد مذنبون، وهؤلاء رجال صالحون لهم جاهٌ عند الله، فنريد منهم أن يتوسطوا لنا عند الله في قبول توبتنا وعبادتنا."

هكذا زين لهم شياطين الإنس والجن هذا الأمر. والعجيب أنهم يقرؤون القرآن ويمرون على هذه الآيات ولا ينتبهون لها، ومع هذا يستمرون على عبادة القبور، وهي من فعل الجاهلية، وهذا لأنهم لم يعرفوا ما كانت عليه الجاهلية؛ لم يعرفوا أن هذا من أمور الجاهلية، هذا نتيجة الجهل بأمور الجاهلية." اهـ

 

تفسير الآية الأولى:

 

قال ابن كثير في "تفسيره" - ت سلامة (4/ 356):

يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، ظَانِّينَ أَنَّ تِلْكَ الْآلِهَةَ تَنْفَعُهُمْ شفاعتُها عِنْدَ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَا يَقَعُ شَيْءٌ مِمَّا يَزْعُمُونَ فِيهَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا أَبَدًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ} .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ أَتُخَبِّرُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَكُونُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؟ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَقَالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ." اهـ

 

.................................

 

تفسير الآية الثانية:

 

قال ابن عاشور _رحمه الله_ في "التحرير والتنوير" (23/ 321):

"زَعَمُوا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا أَوْلِيَاءَ وَعَبَدُوهُمْ حِرْصًا عَلَى الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ يَزْعُمُونَهُ عُذْرًا لَهُمْ فَقَوْلُهُمْ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ وَقَلْبِ حَقِيقَةِ الْعِبَادَةِ بِأَنْ جَعَلُوا عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ وَسِيلَةً إِلَى الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ فَنَقَضُوا بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ مَقْصِدَهَا وَتَطَلَّبُوا الْقُرْبَةَ بِمَا أَبْعَدَهَا، وَالْوَسِيلَةُ إِذَا أَفْضَتْ إِلَى إِبْطَالِ الْمَقْصِدِ كَانَ التَّوَسُّلُ بِهَا ضَرْبًا مِنَ الْعَبَثِ...

وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) وَعِيدٌ لَهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَعُلِمَ مِنْهُ إِبْطَالُ تَعَلُّلِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: (مَا نَعْبُدُهُمْ، إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ)، لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ أَكْثَرَ من عِبَادَتهم لله." اهـ

 

شرح مسائل الجاهلية (ص: 29_31)

فالواجب علينا نحو الكفار: ثلاثة أمور:

الأمر الأول: عداوتهم؛ لأنهم أعداء لله سبحانه وتعالى، وأعداء لرسوله.

الأمر الثاني: دعوتهم إلى الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا أمر واجب على المسلمين.

الأمر الثالث: جهادهم إذا دُعوا إلى الإسلام وأَبوا، فالواجب جهادهم وقتالهم، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} [الأنفال: 39] ، فالمرحلة___الأخيرة معهم القتال، إذا كان المسلمون يطيقون القتال، قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] الآية، وهذه الآية بيان الحكمة من الجهاد في الإسلام، وأنها: إزالة الشرك، حتى لا تكون فتنة، والمرتد بالفتنة: الشرك، أي حتى لا يوجد شرك، ويكون الدين كله لله، هذا هو المقصود من الجهاد، ليس المقصود من الجهاد توسيع السلطة والاستيلاء على الممالك، وحصول الثروة، ليس هذا هو المقصود، المقصود إعلاء كلمة الله عز وجل، وإزالة الشرك من الأرض، هذا هو المقصود.

وكذلك ليس المقصود من الجهاد في الإسلام الدفاع، كما يقوله بعض الكتاب المخذولين، يقولون: إن الإسلام من أجل الدفاع، يعني: إذا اعتدوا علينا نحن نقاتلهم؛ لصد العدوان فقط. سبحان الله! الله جل وعلا يقول: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] ، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} [الأنفال: 39] المقصود بالقتال في الإسلام: نشر الدعوة، ونشر الدين، وإزالة الشرك {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} [الأنفال: 39] ، هذا هو المقصود___منه،

فالقتال في الإسلام على نوعين:

النوع الأول: قتال دفاع، عند عجز المسلمين.

النوع الثاني: قتال طلب، عند قوة المسلمين وقدرتهم عليه.



[1]  انظر اقتضاء الصراط المستقيم (1/82 و320)

[2]  انظر: "العدة في أصول الفقه" لأبي يعلى (1/224) , "التمهيد" لأبي الخطاب الكلوذاني (1/145) , "المحصول في علم الأصول" للرازي (2/66) , روضة الناظر لا بن قدامة ص193, وغيرها من كتب الاصول

[3]  أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب اللباس- باب تقليم الأظافر- (7/56) ومسلم في صحيحه-كتاب الطهارة- (1/122) ح 259, واللفظ له.

[4]  أخرجه أحمد في مسنده (5/264) والطبراني في الكبير (8 / 282) , قال الهيثمي في مجمه الزوائد (5 /131) : "رجال أحمد رجال الصحيح, خلا القاسم, وهو ثقة وفيه كلام لا يضر" وجسّن إسناد أحمد ابن حجر في فتح الباري (10/367) , والألباني في السلسلة الصحيحة (3/249) .

[5]  أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعل- (1/427) ح652, وابن حبان كما في الإحسان- كتاب الصلاة-باب فرض متابعة الإمام (3/306) ح 2183, والحاكم في مستدركه -كتاب الصلاة- (1/260) , والبيهقي في السنن الكبرى-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعلين (2/432) , والبغوي في شرح السنة-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعال (2/443) ح 534.

[6]  أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء- باب ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم:" لتتبعن سنن من كان قبلكم" - (8/151) , ومسلم في صحيحه -كتاب العلم- باب اتباع سنن اليهود والنصارى- (4/2054) ح 1669.

[7]  أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب المناقب- باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر- (4/187) , وفي كتاب التوحيد-باب قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ} - (8/189) , مسلم في صحيحه- كتاب الإمارة-باب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خالفهم"- (3/1524) من حديث معاوية.

وأخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة -باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق", وهم أهل العلم- (8/149) , ومسلم في صحيحه-كتاب الإمارة- باب قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي....." (3/1425) ح 1923 من حديث المغيرة بن شعبة.

[8]  أخرج البخاري في صحيحه -كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام (4/176) , ومسلم في صحيحه-كتاب الإمارة- باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال, وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة- (3/1474) ح 1847 ضمن حديث طويل.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح باب في المبادرة إلى الخيرات وحثِّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد - رياض الصالحين مع الحديث 87

عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ

فضائل عشر ذي الحجة