شرح الحديث 123 (باب الحيض) من بلوغ المرام
|
123 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ _رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا_: عَنِ رَسُوْلِ الله _صلى الله عليه وسلم_ فِي
الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: "يَتَصَدَّقُ
بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِيْنَارٍ."[1]
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرَهُمَا وَقْفَهُ.[2] |
وفي "سنن أبي داود" (1/ 69) (رقم: 265)
موقوفا:
عَلى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
«إِذَا أَصَابَهَا فِي أَوَّلِ الدَّمِ فَدِينَارٌ،
وَإِذَا أَصَابَهَا فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ»[3]
المعنى الإجمالي للحديث بروايتيه:
بين هذا الحديث حكم من وقع في معصية الله _تعالى_،
فجامع زوجته، وهي حائض قبل أن يباح له جماعها، فإنَّ الله _سبحانه_ قد حرَّم على
الرجل إتيانَ المرأة في زمن الحيض، فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ
هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].
فلما كان هذا الفعل من المحظورات الشرعية، جاء في
حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنَّ من وقع فيه، فعليه مع التوبة والاستغفار
كفارةٌ مالية، وهي التصدق بدينار أو نصف دينار.
وفي الرواية الموقوفة على ابن عباس _رضي الله عنهما_
زيادةُ بيانٍ، حيث فرَّق بين حالتين:
* إذا جامعها في أول الحيض، والدم جارٍ ظاهرٌ
بقوته، فعليه دينار كامل.
* وإذا جامعها عند انقطاع الدم، وقرب الطهر،
فعليه نصف دينار.
ووجه ذلك عند من أخذ بهذا الأثر أنَّ الجناية في أول
الحيض أشد وأعظم؛ لأن زمن الحيض متحققٌ يقينًا، أما عند انقطاع الدم، فالمخالفة
أخف، فناسب التخفيف في مقدار الكفارة.
والمقصود من هذا التشريع زجر النفوس عن انتهاك حدود
الله، وحملها على تعظيم أوامره ونواهيه، مع فتح باب التوبة والتكفير عما وقع من
المخالفة.
فمن جامع زوجته - وهي حائض -، فقد ارتكب أمرًا
محرمًا، وعليه أن يتوب إلى الله _تعالى_، ويندم على فعله،
وقد ورد في هذا الحديث أنَّه يتصدق بدينار أو نصف
دينار، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الدينار يكون إذا كان الجماع في
أول الحيض، ونصف الدينار إذا كان عند انقطاع الدم وقرب الطهر.
تنبيه: حول مقدار الدينار
مقدار الدينار النبوي (الدينار الذهبي) من حيث الوزن
هو 4.25 غراماً من الذهب، وهو الوزن الشرعي الذي أقرّه النبي _صلى الله عليه وسلم_.
وتُبنى عليه العديد من الأحكام الإسلامية، كنصاب الزكاة، والديّات، وتحديد المهور.
ومقداره بالروبية في بلادنا أندونيسيا اليوم:
4,25 جرام * 2.805.998 = 11.925.491,5
ونصفه: 5.962.745,75
خلاف العلماء:
"اختلف العلماء في حكم كفَّارة الوطء في الحيض:
فذهب الإمام أحمد: إلى وجوبها على من وطئ في فرج
الحائض، وعليها هي أيضًا كفَّارة إنْ طاوعته.
والكفارة دينار أو نصفه على التخيير؛ لحديث الباب.
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّه لا كفَّارة عليه ولا
عليها، قال الترمذي: وهو قولُ علماء الأمصار.
وقال ابن كثير: فيستغفرُ الله، والأصلُ أنَّ
الذِّمَّه بريئة إلاَّ أنْ تقوم الحجة.____
وقال ابن عبد البر: حجَّة من لم يوجب الكفَّارة
اضطراب الحديث، وأنَّ البراءة الأصلية حجَّةُ من لم يوجبون، مع عدم صحَّة الحديث
عندهم.
أمَّا الموجبون: فيرون صحَّة الحديث، وأنَّه صالحٌ
لإيجاب حكم شرعي.
فالحديث قوَّاه الإمام أحمد، وذهب إلى العمل به. كما
عمل به جماعةٌ آخرون من السلف، قال الألباني: سنده صحيح، صحَّحه جماعةٌ من
المتقدِّمين والمتأخِّرين، وأخرجه أصحاب السنن، والبيهقي بإسنادٍ صحيح على شرط
البخاري، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وابن دقيق العيد، وابن القيم، والله
أعلم." اهـ من توضيح الأحكام من بلوغ المرام (1/ 457_458)
تنبيه:
"اختلف العلماء في وجه التخيير بين الدينار،
ونصفه، على قولين:
1 - قيل: الدينار للوطء في أوَّل الحيض، ونصف
الدينار للوطء في آخره، ويؤيد هذا أنَّ الدَّم في أوَّل أيَّامه أغزر وأشد في
إصابة الأذى منه في آخره.
2 - وقيل: إنَّ التخيير بين الدينار ونصف
الدينار، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام، ويميل إِلى هذا شيخ الإسلام ابن
تيمية.
وقدر الدينار (4.25) غرامًا، واختار الشيخ أنَّه لا
يجزئ إلاَّ المضروب؛ لأنَّ الدينار اسمٌ للمضروب، واستظهره في الفروع.
أمَّا المشهور من المذهب: فيجزىء المضروبُ وغيره أو
قيمته من الفضَّة فقط، والله أعلم." اهـ من "توضيح الأحكام من بلوغ
المرام" (1/ 458)
مضار الوطء في أثناء الحيض:
قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: إدخالُ القضيب في
الفرج أثناء الحيض، هو إدخالُ ميكروبات في وقتٍ لا تستطيعُ الأجهزة أنْ تقاومه،
فيحدث ما يلي:
1 - تمتدُّ الالتهابات إلى قناتي الرَّحم
فتسدّها، ممَّا يؤدِّي إلى العقم، أو الحمل___خارج الرحم.
2 - يمتد الالتهاب إلى قناة مجرى البول
فالمثانة فالحالبين فالكُلَى، ممّا يسبِّب أمراضَ الجهاز البولي.
3 - تقلُّ الرغبةُ الجنسية لدى المرأة،
وخاصَّةً عند بداية الطمث.
4 - الصداع النصفي.
5 - تصاب المرأة بحالة من الكآبةِ والضِّيقِ،
فتكون متقلِّبة المزاج.
إلى غير ذلك من الأمراض الكثيرة والتي لم يكشف عنها
الآن، وإنَّما عبَّر عنها الحكيمُ العلم بقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فَوَصْفُهُ تعالى له بأنَّه
"أذى" يشتمل على مضار كثيرة، اللهُ أعلَمُ بها!!" اهـ من "توضيح
الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 459).
تخريج الحديث:
أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 69 و 2/ 251)
(رقم: 264 و 2168) والنسائي في "سننه" (1/ 153 و 1/ 188) (رقم: 289 و 370)،
وابن ماجه في "سننه" (1/ 210) (رقم: 640)، وغيرهم.
والحديث صحيح: صححه
الألباني _رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (2/ 15 و 6/ 379) (رقم:
257 و 1884)، و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 217) (رقم:
197)، وقال:
"وقد روى الحديث بألفاظ أخرى مخالفة لهذا اللفظ
, ولكن طرقها كلها واهية كما بينته فى " ضعيف سنن أبى داود " (42)، فلا
يعارض بها هذا اللفظ،[4]
وقد أشار إلى ذلك أبو داود بقوله عقب الحديث: "
هكذا الرواية الصحيحة، قال: دينار أو نصف دينار ".
وقد صح عن ابن عباس أنه فسر ذلك فقال: "إذا
أصابها فى أول الدم فدينار , وإذا أصابها فى انقطاع الدم فنصف دينار." رواه
أبو داود وغيره،
وقد روى مرفوعا والصواب وقفه كما ذكرنا فى "
صحيح أبى داود " (257، 258) .
وجاء فى بعض الروايات الضعيفة إلى أن التخيير راجع
الى حال المتصدق من اليسار أو الضيق[5]،
والله أعلم." اهـ[6]
من فوائد الحديث:
قال الإمام محمد بن علي الشوكاني _رحمه الله_ في
"نيل الأوطار" (1/ 347):
"وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ
الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَإِلَى ذَلِكَ
ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ
وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ
الثَّانِيَةِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ.
وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ:
* فَقَالَ
الْحَسَنُ وَسَعِيدُ: عِتْقُ رَقَبَةٍ؛
* وَقَالَ الْبَاقُونَ: دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ
دِينَارٍ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ
الدِّينَارُ أَوْ نِصْفُ الدِّينَارِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ. وَاحْتَجُّوا
بِحَدِيثِ الْبَابِ.
وَقَالَ عَطَاءُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ
وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ
وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ
وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ،
وَهُوَ الْأَصَحُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَجَمَاهِيرُ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ
عَلَيْهِ، بَلْ الْوَاجِبُ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ. وَأَجَابُوا
عَنْ الْحَدِيثِ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْمَطَاعِنِ، قَالُوا وَالْأَصْلُ
الْبَرَاءَةُ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهَا إلَّا بِحُجَّةٍ، وَقَدْ
عَرَفْتَ انْتِهَاضَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ،
فَالْمَصِيرُ مُتَحَتِّمٌ إلَيْهَا، وَعَرَفْتَ بِمَا أَسْلَفْنَاهُ
صَلَاحِيَّتَهَا لِلْحُجِّيَّةِ وَسُقُوطِ الِاعْتِلَالَات الْوَارِدَةِ
عَلَيْهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَنْ سَاقَ
الْحَدِيثَ: وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ قَبْلَ
الْغُسْلِ. انْتَهَى. .
وقال الخطابي _رحمه الله_ في "معالم السنن"
(1/ 83):
"قلت:
* قد ذهب إلى إيجاب الكفارة عليه غير واحد من العلماء،
منهم قتادة والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وبه قال الشافعي قديما،
* ثم قال في الجديد لا شيء عليه.
قلت: ولا ينكر أن
يكون فيه كفارة، لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان
* وقال أكثر العلماء: لا شيء عليه ويستغفر الله
وزعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس (ولا يصح متصلا مرفوعا والذمم
برية إلاّ أن تقوم الحجة بشغلها وكان ابن عباس) يقول إن أصابها في فور الدم تصدق
بدينار وإن كان في آخره فنصف دينار.__
* وقال قتادة: دينار للحائض، ونصف دينار إذا أصابها
قبل أن تغتسل،
* وكان أحمد ابن حنبل يقول: هو مخير بين الدينار
والنصف الدينار. وروي عن الحسن أنه قال عليه ما على من وقع على أهله في شهر رمضان."
اهـ
وقال البسام _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من
بلوغ المرام" (1/ 457):
"ما يؤخذ من الحديث:
1 - تحريم وطء الحائض، وقد قال تعالى:
{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
2 - أنَّ الَّذي يجامع زوجته وهي حائض فعليه
كفَّارة يتصدَّق بها، وهي دينار أو نصف دينار.
3 - الوطء المحرَّم هنا هو الإيلاجُ، أمَّا
مباشرةُ الحائض في غير الفرج: فتقدَّم جوازها، وحديثُ عائشة السابقُ يدلُّ على
ذلك.
4 - قال شيخ الإسلام: وجوبُ الكفَّارة في وطء
الحائض وَفْقُ القياس، لو لم يأت به نصٌّ؛ ذلك أنَّ المعاصي التي جاء تحريمها
-كالوطء في الصيام، والإحرام، والحيض- تدخلها الكفَّارة، بخلاف المعاصي المحرَّم
جنسها، كالظلم، والزنى، لم يشرع لها كفَّارة." اهـ
ملحق الفوائد:
من الفوائد الجليلة، والأحكام النفيسة، والآداب
الشرعية التي تُستنبط من هاتين الروايتين، ما يلي:
1- فيه: تحريمُ وطءِ الحائض،
فإنَّ الحديث إنما ورد فيمن وقع في هذا الفعل على جهة
المخالفة، ورتَّب عليه ما يدل على الزجر والتغليظ، وذلك موافق لصريح القرآن في
قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ
حَتَّى يَطْهُرْنَ).
فدلَّ ذلك على أنَّ وطءَ الحائض من المحرمات التي يجب
على المسلم اجتنابها، تعظيمًا لأمر الله وامتثالًا لحكمه.
2- فيه: وجوبُ الوقوف عند حدود الله _تعالى_،
فإنَّ المؤمن الصادق لا يُقدِّم شهوةً على أمر الله
تعالى، ولا يُؤثر هوى النفس على حكم الشرع، بل يقف عند الحدود التي حدَّها الله
لعباده.
وفي هذا تعليم للأمة أنَّ العبودية الحقة تظهر عند
وجود داعي الشهوة وقوة الرغبة.
3- فيه: أنَّ الشريعة جاءت بسدِّ أبواب الضرر،
فإنَّ تحريم الوطء زمن الحيض مشتمل على حكم عظيمة
ومصالح كثيرة، منها دفع الأذى الذي وصفه الله بقوله: (قُلْ هُوَ أَذًى).
فالشريعة لا تأمر، إلا بما فيه مصلحة، ولا تنهى إلا
عما فيه مفسدة أو ضرر.
4- فيه: مشروعيةُ التكفير عن بعض الذنوب
بالصدقة،
فعلى القول بثبوت رفع الحديث، فيه أنَّ بعض المعاصي
قد شُرع فيها جبر الخلل والتكفير بالصدقة، وفي ذلك فتح لباب التوبة وإصلاح ما
أفسده العبد.
5- فيه: أنَّ الذنوب تتفاوت في درجاتها،
فإنَّ الرواية الموقوفة فرَّقت بين أول الحيض وآخره،
فجعلت في أحدهما دينارًا، وفي الآخر نصف دينار.
وهذا يدل على أنَّ المخالفات ليست على رتبة واحدة، بل
تختلف بحسب عظم الجناية وقوة المخالفة.
6- فيه: فقهُ ابن عباس _رضي الله عنهما_
ودقةُ نظره،
فإنَّ هذا التفصيل المنقول عنه يدل على سعة علمه
وفهمه للنصوص، ولهذا كان يُلقب بـ«ترجمان القرآن» و«حبر الأمة».
7- فيه: أنَّ الشريعة تراعي تفاوت الأحوال،
فإنَّ الفرق بين أول الحيض وآخره يدل على أنَّ
الأحكام الشرعية قد تختلف باختلاف الأوصاف والظروف المؤثرة في الحكم.
وهذا من كمال الشريعة ودقتها.
8- فيه: الحثُّ على التوبة عند الوقوع في
المعصية،
فالحديث يدل بمفهومه على أنَّ العبد إذا وقع في
مخالفة فلا يقيم عليها، بل يبادر إلى التوبة والإنابة والاستغفار.
فخير الخطائين التوابون.
9- فيه: أنَّ المال وسيلةٌ للتقرب إلى الله،
فإنَّ الصدقة شُرعت هنا جبرًا للنقص الواقع من العبد،
وفي هذا دليل على أنَّ بذل المال من أعظم أبواب الطاعة والتكفير.
10- فيه: تعظيمُ شأن الطهارة في الإسلام،
فإنَّ الشريعة منعت الوطء حتى يزول الحيض وتتحقق
الطهارة، وفي ذلك تعظيم لأمر الطهارة وإعلاء لشأنها.
11- فيه: أنَّ الأحكام الشرعية مبنية على
الحكمة،
فليس في الشريعة حكم مجرد عن الحكمة، بل كل أمر ونهي
وراءه مصالح عظيمة قد يعلمها الناس أو يخفى كثير منها عليهم.
12- فيه: وجوبُ تعلُّم أحكام الحيض،
فإنَّ الجهل بهذه الأحكام قد يوقع المسلم في الحرام،
ولذلك كان تعلم مسائل الحيض والطهارة من فروض الكفايات، بل قد يتعين على من احتاج
إليها.
13- فيه: أنَّ الصحابة كانوا يرجعون إلى
النصوص في دقائق الأحكام،
فهذا ابن عباس _رضي الله عنهما_ يبيِّن حكمًا دقيقًا
يتعلق بأحوال الحيض، مما يدل على عنايتهم بحفظ الشريعة وتبليغها.
14- فيه: فضلُ الصدقة، وأنها سبب لمحو الذنوب،
فإنَّ الصدقة من أعظم أسباب تكفير الخطايا، وقد قال
صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، أخرجه ابن حبان
(5541)، صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"
(12/ 654) (رقم: 5797).
15- فيه: أنَّ الشريعة تجمع بين الزجر
والرحمة،
فهي من جهة تمنع من المعصية، ومن جهة أخرى تفتح أبواب
التوبة والتكفير لمن وقع فيها. فلا تُغلق باب الرجاء، ولا تترك العبد بلا تأديب.
16- فيه: أنَّ المؤمن ينبغي أن يحاسب نفسه
عند وقوع التقصير،
فإنَّ ذكر الكفارة والصدقة يحمل العبد على استشعار
عظم الذنب، وعدم التهاون بأوامر الله تعالى.
17- فيه: أهميةُ الورع في مسائل الفروج،
فإنَّ باب الفروج من أعظم الأبواب خطرًا، ولذلك جاءت
الشريعة فيه بأحكام مفصلة وقيود دقيقة؛ حفظًا للأعراض وصيانةً للأحوال.
18- فيه: أنَّ المعصية لا تُسوِّغ اليأس من
رحمة الله،
فإذا وقع العبد في الذنب فباب التوبة مفتوح، والله
سبحانه يحب التوابين ويقبل رجوع المنيبين.
19- فيه: أنَّ الاختلاف في ثبوت بعض الروايات
لا يقدح في أصل الحكم،
فإنَّ أصل تحريم وطء الحائض ثابت بالقرآن الكريم
وإجماع الأمة، سواء ثبتت هذه الكفارة أو لم تثبت.
20- فيه: أنَّ المسلم مأمورٌ بالتسليم للنصوص،
فإذا ثبت الحكم عن الله ورسوله، وجب قبوله والانقياد
له، سواء أدرك العبد جميع حكمته أم لم يدركها.
21- فيه: أنَّ الشريعة تراعي مصالح الأبدان
كما تراعي مصالح الأديان،
فإنَّ النهي عن وطء الحائض فيه حفظٌ للدين بالامتثال،
وفيه كذلك رعاية لأحوال المرأة وصحتها وسلامتها.
22- فيه: فضلُ التثبت في العلم،
فإنَّ العلماء لم يتعجلوا في قبول الرواية أو ردها،
بل بحثوا في أسانيدها ورجَّحوا بين وجوهها، وفي هذا تعليم لطالب العلم أن يكون
متثبتًا في نقله واستدلاله.
23- فيه: أنَّ من كمال الإيمان تركُ المحرم
مع القدرة عليه،
فإنَّ الامتناع عن الوطء زمن الحيض مع وجود الداعي
إليه من أعظم دلائل تقوى الله ومراقبته.
24- فيه: أنَّ أحكام الشريعة كلها دائرة بين
العدل والرحمة والحكمة
فهذا الباب يجمع بين حفظ حدود الله، ورعاية مصالح
العباد، وفتح أبواب التوبة، والزجر عن المخالفة، وكل ذلك من كمال هذا الدين وعظمة
شريعته.
[1] (فِي
الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ)، يأتي امرأته: كنايةٌ عن الجماع والوطء. وهذا من
الأساليب العربية الفصيحة التي يُكنى بها عن الأمور التي يُستحيا من التصريح بها. ومنه
قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ)، وقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ). قوله: (وَهِيَ حَائِضٌ)، الحائض: المرأة التي نزل بها دم
الحيض. والحيض في اللغة: السيلان. يقال: حاض الوادي إذا سال. وفي الشرع: دمٌ طبيعي
يخرج من رحم المرأة في أوقات معلومة. (يَتَصَدَّقُ)، أي: يبذل مالاً على وجه
القربة إلى الله تعالى. والمراد هنا: إخراج قدرٍ معين من المال تكفيرًا لما وقع
فيه من المخالفة. (بِدِينَارٍ)، الدينار: قطعة من الذهب مضروبة معروفة عند العرب. وكان
الدينار الشرعي يزن مثقالاً من الذهب. وقدَّره الفقهاء بنحو: أربعة غرامات وربع
تقريبًا من الذهب الخالص. (أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ)، أي: نصف المقدار المذكور. والنصف:
أحد جزأي الشيء المتساويين.
[2] (رَوَاهُ
الْخَمْسَةُ)، أي: رواه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، ابن
ماجه، ومعهم الإمام أحمد في "المسند". وهذا اصطلاح مشهور عند أهل
الحديث. (وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ)، أي: حكما بثبوت الحديث
وصحته. (وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ)، الوَقْف عند المحدثين: أن ينتهي الإسناد
إلى الصحابي ولا يُرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أي: رجح بعض العلماء أن هذا
الكلام من كلام ابن عباس _رضي الله عنهما_، لا من كلام النبي _صلى الله عليه وسلم_.
[3]
أخرجه
أبو داود في "سننه" (1/ 69 و 2/ 251) (رقم: 265 و 2169). صححه الألباني
_رحمه الله_ في "صحيح أبي داود" - الأم (2/ 20) (رقم: 258).
قوله: (إِذَا أَصَابَهَا)، أي: جامعها ووطئها. فالإصابة
هنا كناية عن الجماع. وهو استعمال عربي كثير. (فِي أَوَّلِ الدَّمِ)، أي: في بداية
الحيض حين يكون الدم جاريًا ظاهرًا. والمراد: أول زمن الحيض. (فَدِينَارٌ)، أي:
فعليه أن يتصدق بدينار. وحُذف فعل التصدق اختصارًا. والتقدير: "فعليه دينار."
أو: "فعليه أن يتصدق بدينار." (وَإِذَا أَصَابَهَا فِي انْقِطَاعِ
الدَّمِ)، أي: جامعها في آخر الحيض عندما أخذ الدم ينقطع ويزول. (انْقِطَاعُ
الدَّمِ)، أي: توقف خروج دم الحيض. والانقطاع ضد الجريان. (فَنِصْفُ دِينَارٍ)، أي:
فعليه أن يتصدق بنصف دينار. لأن المخالفة هنا أخف من المخالفة الواقعة في أول
الحيض.
فأول الدم هنا: هو الزمن الذي يكون الحيض فيه متحققًا
ظاهرًا بقوته. وأما انقطاع الدم: فهو الزمن الذي يتوقف فيه الدم عن الخروج، لكن
المرأة لم تغتسل بعد. ولهذا فرَّق ابن عباس _رضي الله عنهما_ بين الحالتين.
[4]
قال
محمد الأمين الأُرَمي _رحمه الله_ في "مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن
ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى" (4/ 513):
"لا شك
في أن إسناد هذا الحديث ومتنه اختلافًا كثيرًا، لكن مجرد الاختلاف قليلًا كان أو
كثيرًا لا يورث الاضطراب القادح في صحة الحديث، بل يشترط له استواء وجوه الاختلاف
فمتى رجحت رواية من الروايات المختلفة من حيث الصحة .. قُدّمت ولا تُعلّ الرواية
الراجحة بالمرجوحة، وها هنا رواية عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس بلفظ: "فليتصدق
بدينار، أو بنصف دينار" .. صحيحة راجحة، فكل رواتها مخرج لهم في الصحيح إلا
مقسمًا الراوي عن ابن عباس، فانفرد به البخاري، لكن ما أخرج له إلا حديثًا واحدًا،
وقد صحح هذه الرواية الحاكم وابن دقيق العيد، وقال: ما أحسن حديث عبد الحميد عن
مقسم عن ابن عباس! فقيل: تذهب إليه، فقال: نعم." اهـ
وقال الشوكاني _رحمه الله_ في "نيل الأوطار"
(1/ 346):
"وَيُجَابُ
عَنْ دَعْوَى الِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ:
بِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ
جَعْفَرٍ وَابْنَ أَبِي عَدِيٍّ رَفَعُوهُ عَنْ شُعْبَةَ، وَكَذَلِكَ وَهْبُ بْنُ
جَرِيرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ
بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ. قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: مَنْ رَفَعَهُ عَنْ
شُعْبَةَ أَجَلُّ وَأَكْثَرُ وَأَحْفَظُ مِمَّنْ وَثَّقَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ
شُعْبَةَ أَسْنَدَهُ إلَى الْحَكَمِ مَرَّةً وَوَقَفَهُ مَرَّةً فَقَدْ أَخْبَرَ
عَنْ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ أَنَّ كُلًّا عِنْدَهُ، ثُمَّ لَوْ تَسَاوَى
رَافِعُوهُ مَعَ وَاقِفِيهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَقْدَحُ فِيهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ
فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَدِيثِ ضَعْفًا وَهُوَ مَذْهَبُ
أَهْلِ الْأُصُولِ،؛ لِأَنَّ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَتْ مُكَذِّبَةً
لِلْأُخْرَى، وَالْأَخْذُ بِالْمَرْفُوعِ أَخْذٌ بِالزِّيَادَةِ وَهِيَ وَاجِبَةُ
الْقَبُولِ: قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ أَمْعَنَ ابْنُ الْقَطَّانِ الْقَوْلَ فِي
تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْجَوَابِ عَنْ طُرُقِ الطَّعْنِ فِيهِ بِمَا
يُرَاجِعُ مِنْهُ. وَأَقَرَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ تَصْحِيحَ ابْنِ الْقَطَّانِ
وَقَوَّاهُ فِي الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّوَابُ، فَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ قَدْ
احْتَجُّوا بِهِ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي هَذَا كَحَدِيثِ
بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا.
وَفِي ذَلِكَ مَا يَرُدُّ عَلَى النَّوَوِيِّ فِي
دَعْوَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّنْقِيحِ؛ وَالْخُلَاصَةِ أَنَّ
الْأَئِمَّةَ كُلَّهُمْ خَالَفُوا الْحُكْمَ فِي تَصْحِيحِهِ، وَأَنَّ الْحَقَّ
أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَتَبِعَ النَّوَوِيُّ فِي بَعْض ذَلِكَ ابْنَ
الصَّلَاحِ.
[5]
وقال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" ذخيرة العقبى في
شرح المجتبى (5/ 50):
"وفسره
بعضهم بأن الدينار ونصفه يعود إلى حال الرجل يسارا وإعسارا, ولكن هذا التفسير لا
مستند له فيما علمت. وبالجملة فالرأي الأول هو الراجح عندي. والله أعلم." اهـ
[6]
وقال
الإثيوبي _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (5/ 47):
"فتلخص من هذا أن الراجح قول من صحح هذا الحديث وقواه. والله أعلم." اهـ
Komentar
Posting Komentar