تفسير الآية العاشرة (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) - رياض الصالحين
|
وَقالَ
_تَعَالَى_ : {وَاذْكُرْنَ
مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}
[الأحزاب: 34] |
بيَّن الله _تعالى_
لنساء النبي _صلى الله عليه وسلم_ فضلَ بيوتهن، وأمرهنَّ أن يتذكرن ما يُتلى فيها
من آيات الله (وهي القرآن الكريم)، ومن الحكمة (وهي سنة رسول الله _صلى الله عليه
وسلم_)؛ ليحفظن ذلك في صدورهن، ويعملن به، ويبلِّغْنَهُ للأمة.
وفي الآية
تنبيهٌ إلى عظيم شأن السنة النبوية؛ إذ قرن الله _تعالى_ الحكمة بالكتاب، وأمر أهل
بيت النبي _صلى الله عليه وسلم_ بتذكرها والعناية بها.
وهذا مناسب
لترجمة النووي رحمه الله: «باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها»؛ فإن المحافظة
على السنة تكون بتعلمها، وحفظها، وتعظيمها، والعمل بها، وتعليمها للناس.
فالآية أصلٌ في
الحث على العناية بالقرآن والسنة، ولزومهما، واستحضار ما فيهما من الهدى والآداب
والأحكام.
تفسير
الآية :
وقال
محمود بن عبد الله الحُسيني الأَلُوْسِيُّ (المتوفى:
1270 هـ) _رحمه الله_ في "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع
المثاني" (11/ 200):
وقال جمع:
المراد بـ"الآيات والحكمة": القرآن وهو أوفق بقوله _سبحانه_: (يُتْلى)،
أي: اذكرن ما يتلى من الكتاب الجامع بين كونه آياتِ الله
تعالى البينةَ الدالةَ على صدق النبوة بأوجه شتى، وكونه
حكمة منطوية على فنون العلوم والشرائع،
وهذا تذكير بما
أنعم عليهن حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، وما شاهدن من برحاء الوحي مما
يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة وفيه حث على الانتهاء والائتمار فيما كلفنه،
وقيل: هذا هذا أمر بتكميل الغير بعد الأمر بما فيه كما لهن." اهـ
وقال محمد بن
أحمد الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ" أبي عبد الله القرطبي"
(المتوفى: 671هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (14/ 182_183):
"قَوْلُهُ
تَعَالَى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ
وَالْحِكْمَةِ)،
هَذِهِ
الْأَلْفَاظُ تُعْطِي أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ نِسَاؤُهُ...
فَاقْتَضَتِ
الْآيَةُ أَنَّ الزَّوْجَاتِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لِأَنَّ الْآيَةَ فِيهِنَّ،
وَالْمُخَاطَبَةَ لَهُنَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ. وَاللَّهُ
أَعْلَمُ." اهـ
وقال محمد بن
أحمد الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ" أبي عبد الله القرطبي"
(المتوفى: 671هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (14/ 183):
قَوْلُهُ: (وَاذْكُرْنَ)
ابْتِدَاءَ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ _تَعَالَى_،
أَيْ:
مُخَاطَبَةَ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، عَلَى جِهَةِ الْمَوْعِظَةِ وَتَعْدِيدِ النِّعْمَةِ
بِذِكْرِ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ _تَعَالَى_
وَالْحِكْمَةِ.
قَالَ أَهْلُ
العلم بالتأويل: (آياتِ اللَّهِ): القرآن. و(الْحِكْمَةِ): السُّنَّةُ." اهـ
وقال محمد بن
أحمد الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ" أبي عبد الله القرطبي"
(المتوفى: 671هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (14/ 183_184):
فَالْآيَاتُ
كُلُّهَا مِنْ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ...}
[الأحزاب: 28] - إِلَى قَوْلِهِ- {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}
[الأحزاب: 34] منسوق بعضها على بعض،___
فَكَيْفَ صَارَ
فِي الْوَسَطِ كَلَامًا مُنْفَصِلًا لِغَيْرِهِنَّ! وإنما هذا شيْءٌ جَرَى فِي
الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ _عَلَيْهِ السَّلَامُ_ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ
هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، فَعَمَدَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كِسَاءٍ فَلَفَّهَا
عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ
هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ
تَطْهِيرًا).
فَهَذِهِ
دَعْوَةٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بَعْدَ
نُزُولِ الْآيَةِ، أَحَبَّ أَنْ يُدْخِلَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي خُوطِبَ بِهَا
الْأَزْوَاجُ، فَذَهَبَ الْكَلْبِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَصَيَّرَهَا لَهُمْ
خَاصَّةً، وَهِيَ دَعْوَةٌ لَهُمْ خَارِجَةٌ مِنَ التَّنْزِيلِ.
وقال محمد بن
أحمد الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ" أبي عبد الله القرطبي"
(المتوفى: 671هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (14/ 184):
"لَفْظُ
الذِّكْرِ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ:
* أَحَدُهَا:
أَيِ اذْكُرْنَ مَوْضِعَ النِّعْمَةِ، إِذْ صَيَّرَكُنَّ اللَّهُ فِي بُيُوتٍ
تُتْلَى فِيهَا آيَاتُ اللَّهِ وَالْحِكْمَةُ.
* الثَّانِي:
اذْكُرْنَ آيَاتِ اللَّهِ وَاقْدُرْنَ قَدْرَهَا، وَفَكِّرْنَ فِيهَا حَتَّى
تَكُونَ مِنْكُنَّ عَلَى بَالٍ لِتَتَّعِظْنَ بِمَوَاعِظَ اللَّهِ تَعَالَى،
وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ ينبغي أن تحسن أفعاله.
* الثالث: (اذْكُرْنَ)،
بِمَعْنَى: احْفَظْنَ وَاقْرَأْنَ وَأَلْزِمْنَهُ الْأَلْسِنَةَ،
فَكَأَنَّهُ
يَقُولُ: احْفَظْنَ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيَهُ، وَذَلِكَ هُوَ
الَّذِي يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُخْبِرْنَ بِمَا يُنَزَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي
بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يَرَيْنَ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ _عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
وَالسَّلَامُ_، وَيَسْمَعْنَ مِنْ أَقْوَالِهِ حَتَّى يُبَلِّغْنَ ذَلِكَ إِلَى
النَّاسِ، فَيَعْمَلُوا وَيَقْتَدُوا. وَهَذَا يَدُلُّ
عَلَى جَوَازِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي
الدِّينِ." اهـ
وقال محمد بن
أحمد الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ" أبي عبد الله القرطبي"
(المتوفى: 671هـ) _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (14/ 184):
"قَالَ
ابْنُ الْعَرَبِيِّ:
فِي هَذِهِ
الْآيَةِ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ _عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ_ بِتَبْلِيغِ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ،
وَتَعْلِيمِ مَا عَلَّمَهُ مِنَ الدِّينِ، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَى وَاحِدٍ
أَوْ مَا اتَّفَقَ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَكَانَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ أَنْ
يُبَلِّغَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَلْزَمَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِجَمِيعِ
الصَّحَابَةِ، وَلَا كَانَ عَلَيْهِ إِذَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَزْوَاجَهُ أَنْ
يَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَيَقُولُ لَهُمْ نَزَلَ كَذَا وَلَا كَانَ كَذَا،
وَلِهَذَا
قُلْنَا: يَجُوزُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ بُسْرَةَ فِي إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ
الذَّكَرِ، لِأَنَّهَا رَوَتْ مَا سَمِعَتْ وَبَلَّغَتْ مَا وَعَتْ. وَلَا
يَلْزَمُ أَنْ يُبَلَّغَ ذَلِكَ الرِّجَالُ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، عَلَى
أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ." اهـ
"وَعَائِشَةُ
الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ أَوْلاهُنَّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ،
وَأَحْظَاهُنَّ بِهَذِهِ الْغَنِيمَةِ، وَأَخَصَّهُنَّ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ
الْعَمِيمَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوحيُ فِي فِرَاشِ امْرَأَةٍ سِوَاهَا، كَمَا نَصَّ عَلَى
ذَلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ بَعْضُ
الْعُلَمَاءِ _رَحِمَهُ اللَّهُ_:
"لِأَنَّهُ
لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا سِوَاهَا، وَلَمْ يَنَمْ مَعَهَا رَجُلٌ فِي فِرَاشِهَا
سِوَاهُ، فَنَاسَبَ أَنَّ تُخَصُّصَ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ، وَأَنَّ تُفْرَدَ
بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الْعَلِيَّةِ." اهـ
وقال محمد
الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، المعروف بـ"ابن
عاشور" المالكي (المتوفى : 1393 هـ) _رحمه الله_ في "التحرير
والتنوير" (22 / 18):
"لَمَّا
ضَمِنَ اللَّهُ لَهُنَّ الْعَظَمَةَ، أَمَرَهُنَّ بِالتَّحَلِّي بِأَسْبَابِهَا
وَالتَّمَلِّي مِنْ آثَارِهَا وَالتَّزَوُّدِ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ
بِدِرَاسَةِ الْقُرْآنِ لِيَجْمَعَ ذَلِكَ اهْتِدَاءَهُنَّ فِي أَنْفُسِهِنَّ
ازْدِيَادًا فِي الْكَمَالِ وَالْعِلْمِ، وَإِرْشَادَهُنَّ الْأُمَّةَ إِلَى مَا
فِيهِ صَلَاحٌ لَهَا من علم النبيء _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_." اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى:
1376 هـ) _رحمه الله_ في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" (ص:
664)
"ولما
أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبيَّن لهن طريقَه، فقال:
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}
والمراد بـ(آيات
الله): القرآن. و(الحكمة): أسراره، وسنة رسوله.
وأمرهن بذكره،
يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه،
وذكر العمل به وتأويله. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} يدرك أسرار
الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر.
فلطفه وخبرته،
يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة الله على تلك الأعمال." اهـ
وقال محمد جمال الدين بن محمد الحلاق القاسمي
(المتوفى: 1332 هـ) _رحمه الله_ في "محاسن التأويل" (8/ 75):
"قال أبو
السعود:
والتعرض للتلاوة
في البيوت دون النزول فيها، مع كونه مهبط الوحي لعمومها لجميع الآيات ووقوعها في
كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر والتذكير، بخلاف النزول.
وعدم تعيين
التالي لتعم تلاوةَ جبريلَ وتلاوةَ النبيِّ _صلى الله عليه وسلّم_ وتلاوتَهن
وتلاوةَ غيْرهن، تعليما وتعلما. (إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) أي: يعلم
ويدبر ما يصلح في الدين ولذلك أمر ونهي." اهـ
فوائد
ودروس:
تضمنت هذه الآية
الكريمة فوائد كثيرة ودروس مهمة لمن تأملها تأملا عميقا، ومن تلك الفوائد:
١. في الآية
فضلُ القرآن والسنة وعلوُّ منزلتهما؛ فإن الله _سبحانه_ قرن بين آياتِه والحكمةِ، وفي
ذلك إشعارٌ بأن السنة من أجلِّ ما ينبغي للمؤمن أن يعتني به حفظًا وفهمًا وعملاً.
٢. أن السنة
النبوية من الحكمة؛ فإن المراد بالحكمة في هذه الآية عند كثير من أهل العلم سنة
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فالسنة وحيٌ من الله تعالى إلى نبيه، وإن كانت
غير متلوة كالقرآن.
٣. وجوب العناية
بالوحيين؛ فإن قوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ) أمرٌ بالتذكّر والعناية، فيدخل فيه تعاهد
القرآن والسنة، وصيانة ما فيهما من الهدى عن النسيان والإضاعة.
٤. أن العلم
إنما يراد للعمل؛ فإن المقصود من تذكّر آيات الله وحكمته ليس مجرد استحضار الألفاظ،
بل الاتعاظ بها، وامتثال أوامرها، واجتناب نواهيها.
٥. فضل مجالس
العلم في البيوت؛ فإن الله _تعالى_ امتنَّ على أمهات المؤمنين بما كان يتلى في
بيوتهن من القرآن والحكمة، ففيه ترغيبٌ في أن تكون البيوت عامرةً بالعلم والذكر
والسنة.
٦. فضل أمهات
المؤمنين _رضي الله عنهن_؛ إذ خصهن الله _تعالى_ بالخطاب، وذكّرهن بهذه النعمة
العظيمة التي شهدنها في بيوت النبوة، فكنَّ أوعيةً لعلمٍ كثير من سنته _صلى الله
عليه وسلم_.
٧. أن بيت
المسلم ينبغي أن يكون موطنًا للسنة؛ فما أحرى ببيت المؤمن أن يُسمع فيه القرآن،
وتُتذاكر فيه السنة، وتُحيا فيه الآداب النبوية، حتى يكون بيتًا صالحًا مباركًا.
٨. أن تذكّر
العلم من أسباب بقائه؛ فإن العلم سريع التفلّت من الصدور، وإنما يُصان بالتعاهد
والمذاكرة والتكرار والعمل؛ ولهذا جاء الأمر بالذكر في هذا المقام.
٩. أن مَنْ حفِظ
السنةَ، فقد حفِظ ميراث النبوة؛ فإن سنة النبي _صلى الله عليه وسلم_ مشتملة على
هديه في الاعتقاد والعبادة والمعاملة والخلق، فمن اعتنى بها فقد اعتنى بشيء عظيم
من ميراث رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
١٠. أن السنة
شارحةٌ للقرآن ومبيّنةٌ له؛ فإن اقتران الحكمة بآيات الله يدل على شدة الصلة بين
الكتاب والسنة، فالسنة تبيّن مجمله، وتفسّر مشكله، وتفصّل ما جاء في القرآن على
وجه الإجمال.
١١. فضل التبليغ
والتعليم؛ فإن ما حفظته أمهات المؤمنين من سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، لم
يكن مقصوده أن يبقى عندهن، بل بلّغْنَهُ للأمة، فانتفع به الخاص والعام، ففي ذلك
حثٌّ على أداء العلم إلى أهله.
١٢. أن العلم
الشرعي أعظم ما ينبغي أن تتنافس فيه البيوت؛ فليس شرف البيت بكثرة متاعه ولا بسعة
بنيانه، وإنما شرفه بما يحل فيه من الإيمان والعلم والقرآن والسنة.
١٣. أن المحافظة
على السنة تكون بالحفظ والعمل؛ فليس من تمام تعظيم السنة أن تُحفظ ألفاظها فحسب،
بل العبرة أن تظهر آثارها على العبد في عبادته وأخلاقه ومعاملاته.
١٤. أن اجتماع
القرآن والسنة من أصول الهدى؛ فالعبد لا يستغني عن أحدهما، إذ القرآن أصل الوحي،
والسنة بيان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ له، وقد قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]
١٥. أن البيوت
الصالحة تُبنى على العلم والوحي؛ فإذا عُمِّرت الديار بتلاوة القرآن، وتعاهد
السنة، وتعليم الأبناء الآداب الشرعية، نشأ أهلها على الخير والاستقامة.
١٦. في الآية
حثٌّ على شكر نعمة العلم؛ فإن الله _تبارك وتعالى_ ذكّر أمهات المؤمنين بما خصهن
به من سماع الوحي والحكمة في بيوت النبوة، وَمِنْ شُكْرِ نعمة العلم: أن يُحفظ
ويُعمل به ويُعلَّم.
١٧. أن السنة
ليست أمرًا هامشيًّا في حياة المسلم؛ بل هي من الحكمة التي أمر الله بتذكرها،
فحظُّ العبد من السنة ينبغي أن يكون بقدر حاجته إلى الاستقامة على صراط الله.
١٨. أن العلم
النبوي سببٌ لصلاح الظاهر والباطن؛ لأن الحكمة النبوية تهدي إلى إصلاح القلب
والعقيدة والعبادة والمعاملة والخُلُقِ، فمن تمسّك بها، استقام له من أمر دينه
بحسب تمسّكه بها.
١٩. أن ملازمة
العلم سببٌ لحسن السيرة؛ فإن من أكثر من تلاوة الوحي وتدبّره، واستمسك بهدي النبي _صلى
الله عليه وسلم_، كان ذلك أرجى لتهذيب نفسه وتقويم أخلاقه.
٢٠. أن أعظم ما
يُصان به ميراث السلف هو تعاهده في الصدور والسطور والآثار؛ فينبغي لطالب العلم أن
يعنى بالسنة روايةً ودرايةً، وأن يزن أقواله وأعماله بميزان الكتاب والسنة، فإن
فيهما النجاة لمن اعتصم بهما.
|
ثم قال المؤلف
: "والآيات
في الباب كثيرة. وَأَما الأحاديث : [156] فالأول
: عن أبي هريرةَ[1]
_رضي الله عنه_ : عن النَّبيّ
_صلى الله عليه وسلم_ قَالَ : «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا أهْلَكَ
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ واخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبيَائِهِمْ،
فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ
فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . مُتَّفَقٌ
عَلَيهِ. |
[1] ترجمة أبي هريرة الدوسي _رضي الله عنه_ :
اختلف
فِي اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن
هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله
بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن
الأزد.
وفي
تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 366_367) للمزي :
"ويُقال:
كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما
كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟
فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة."
وذكر
أَبُو القاسم الطبراني أن اسم أمه ميمونة بنت صبيح." اهـ
وفي
تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 377) : "وَقَال عَمْرو بْن علي :
"نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي المحرم سنة سبع."اهـ
وفي
تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 378)
قال
سفيان بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع
وخمسين.
وَقَال
أَبُو الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط،
وعَمْرو بْن علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين.
وفي
تاريخ الإسلام ت بشار (2/ 561) للذهبي :
"قَالَ
الْبُخَارِيُّ : رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.
قلت:
روي لَهُ نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (5370). في الصحيحين
منها ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ
بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)." اهـ
Komentar
Posting Komentar