تفسير الآية 8 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) - شرح رياض الصالحين

 

ثم قال الؤلف _رحمه الله_ في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابه من كتابه "رياض الصالحين":

 

وَقالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]

 

وتمام الآية:

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]

 

هذه الآية الكريمة من أعظم الآيات في بيان منزلة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وأن الله _تعالى_ بعثه هاديًا للخلق، ودالًّا لهم على طريق الحق والنجاة.

والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة والإرشاد والبيان، فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ بيّن للناس الحق، وأرشدهم إليه، ودعاهم إلى الإيمان والطاعة، وهداهم إلى صراط الله المستقيم بما أوحاه الله إليه من الكتاب والسنة.

 

وأما هداية التوفيق والإلهام، التي يخلق الله بها الإيمان في القلوب، فهي لله وحده، كما قال سبحانه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: 56].

فلا تعارض بين الآيتين؛ فالأولى في هداية البيان والإرشاد، والثانية في هداية التوفيق والإلهام.

 

والمقصود بـ"الصراط المستقيم": دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو طريق التوحيد، والإيمان، واتباع الكتاب والسنة، والاستقامة على أمر الله، واجتناب البدع والضلالات، حتى يلقى العبد ربه، وهو ثابت على الحق.

 

فالآية تدل على أن السنة النبوية وحيٌ من الله تعالى، وأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هو الطريق الموصل إلى رضوان الله وجنته، وأن من أعرض عن هديه، فقد ضل عن الصراط المستقيم.

 

مناسبة الآية لترجمة الباب:

 

ترجم الإمام النووي رحمه الله بقوله:

"باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها".

واستشهد بهذه الآية؛ لأن الله تعالى أخبر أن نبيه _صلى الله عليه وسلم_ يهدي إلى الصراط المستقيم، ومِنْ لازم ذلك: أن كل ما جاء به النبي _صلى الله عليه وسلم_ من العقائد، والعبادات، والأخلاق، والآداب، فهو من الصراط المستقيم الذي أمر الله بلزومه.

 

فالمحافظة على السنة ليست أمرًا مستحبًّا مجردًا، بل هي لزوم لطريق الهداية الذي دل عليه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، ومن تمسك بسنته فقد سلك الصراط المستقيم، ومن أعرض عنها أو استبدل بها البدع والأهواء فقد انحرف عن طريق الهدى بقدر مخالفته.

 

ولهذا افتتح الإمام النووي هذا الباب بهذه الآية؛ ليقرر أن السنة هي بيان الصراط المستقيم، وأن التمسك بها هو عين الاهتداء، وأن مخالفتها سبب للضلال والانحراف،

 

فكلما كان العبد أشد اتباعًا لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_، كان أقرب إلى الهداية والاستقامة، وكلما ابتعد عن سنته، كان أبعد عن الصراط المستقيم.

 

تفسير الآية:

 

وقال عياض _رحمه الله_ في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (3/ 269)

والهدى هديان:

* هدى دلالة وإرشاد وبيان،

وهو الذى يضاف إلى الرسول والقرآن والعباد، قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، و{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم}، و{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، {هُدًى لِلْمُتَّقِين}.

* والهداية الثانية: بمعنى التأييد والعصمة والتوفيق،

وهى التى تفرد بها جل جلاله وتقدست أسماؤه، قال الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْببْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}." اهـ

 

وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (1/ 197):

"فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ وَتَرْكِ مَا حَظَرَ وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ وَلَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ إلَّا ذَلِكَ وَهَذَا سَبِيلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ وَجُنْدِ اللَّهِ الْغَالِبِينَ. وَكُلُّ مَا خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ طُرُقِ أَهْلِ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَنْ هَذَا وَهَذَا." اهـ

 

وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (18/ 171):

"فَكُلُّ أَعْمَالِ النَّاسِ تَابِعَةٌ لِهُدَى اللَّهِ إيَّاهُمْ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} وَقَالَ مُوسَى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وَقَالَ: {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} .

وَلِهَذَا قِيلَ: الْهُدَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:

* أَحَدُهَا: الْهِدَايَةُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا؛ فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ؛ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ.

* وَالثَّانِيْ: الْهُدَى بِمَعْنَى دُعَاءِ الْخَلْقِ إلَى مَا يَنْفَعُهُمْ وَأَمْرِهِمْ بِذَلِكَ وَهُوَ نَصْبُ الْأَدِلَّةِ وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ فَهَذَا أَيْضًا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ سَوَاءٌ آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}

يُبَيِّنُ أَنَّ الْهُدَى الَّذِي أَثْبَتَهُ هُوَ الْبَيَانُ وَالدُّعَاءُ؛ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ وَالتَّعْلِيمُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْهُدَى الَّذِي نَفَاهُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ.

* وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْهُدَى الَّذِي هُوَ جَعْلُ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ. وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ بِالْإِلْهَامِ وَالْإِرْشَادِ...

* وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْهُدَى فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} {وَهُدُوا إلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} وَقَالَ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}." اهـ

 

وذكر هذه الأنواع الأربعة ابن القيم _رحمه الله_ في "بدائع الفوائد" (2/ 37)

 

وقال ابن القيم _رحمه الله_ في "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" (ص: 53):

"فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون} فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم وسنذكر في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى ذكر الهدى والضلال ومراتبهما وأقسامهما فإنه عليه مدار مسائل القدر والمقصود ذكر بعض ما يدل على إثبات هذه المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه." اهـ

 

فوائد ودروس:

 

1 - في الآية إثباتُ أن رسولَ الله _صلى الله عليه وسلم_ هو الدالُّ على سبيل النجاة، فلا سبيل إلى رضوان الله إلا من الطريق الذي بيَّنه، ولا نجاة لأحدٍ إلا باتباع هديه.

2 - أن السنة النبوية وحيٌ من عند الله تعالى؛ إذ كانت هي البيان العملي للصراط المستقيم الذي أمر الله بسلوكه، فمن رغب عنها فقد رغب عن الهدى.

3 - أن الصراط المستقيم واحدٌ لا يتعدد، وأما سبل الضلالة فكثيرةٌ متشعبة، ولهذا أفرد الله الصراط، وجمع السبل في مواضع أخر من كتابه.

4 - أن أكمل الناس هدايةً هم أشدهم اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن عظُم حظه من السنة عظم نصيبه من الهداية، ومن نقص اتباعه نقص من هدايته بقدر ذلك.

5 - أن الدعوة إلى الله، لا تكون بالرأي المجرد، ولا بالأهواء المحدثة، وإنما تكون بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، فذلك هو سبيل الرشاد.

6 - أن العلم النافع هو العلم الموصل إلى الصراط المستقيم، وأما ما صرف العبد عن الكتاب والسنة فليس بنافع، وإن زخرفه أهله بالألفاظ والاصطلاحات.

7 - أن الهداية نوعان: هدايةُ دلالةٍ وإرشاد، وهي وظيفة الرسل والعلماء، وهدايةُ توفيقٍ وإلهام، وهي خاصةٌ بالله وحده، لا يملكها أحدٌ سواه.

8 - في هذه الآية شرف الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أسند الله إليه هداية البيان، فكان أعظم الخلق دلالةً على الحق، وأكملهم نصحًا للأمة.

9 - أن الاستقامة لا تنال بالأماني، وإنما تنال بلزوم الصراط الذي جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_، والثبات عليه ظاهرًا وباطنًا.

10 - أن مِنْ أعظم نعم الله على العبد أن يرزقه سلوك الصراط المستقيم، فإنها نعمةٌ تجمع خير الدنيا والآخرة، وبها يسلم العبد من الفتن والشبهات والشهوات.

11 - أن كل طريقٍ خالف طريق النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمستقيم، وإن كثر سالكوه، أو زخرفه أهله بالأقوال، فإن العبرة بموافقة الوحي، لا بكثرة الأتباع.

12 - أن أهل السنة هم أولى الناس بهذه الآية؛ لأنهم جعلوا ميزانهم الكتاب والسنة، وساروا على ما كان عليه السلف الصالح، فلم يلتفتوا إلى الأهواء والبدع.

13 - أن صلاح العبد في اعتقاده وعبادته وأخلاقه إنما يكون بتحقيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا استقامة إلا فيما استقام عليه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

14 - أن المؤمن مأمورٌ بأن يعرض أقوال الناس وأعمالهم على الصراط المستقيم، فما وافقه قبله، وما خالفه رده، إذ الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق.

15 - أن هذه الآية أصلٌ عظيمٌ في وجوب المحافظة على السنة، والتحذير من البدع؛ لأن كل بدعةٍ خروجٌ عن الصراط المستقيم، وكل سنةٍ زيادةٌ في الهداية والاستقامة.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

خمس بلايا على الأمة وسببها