الثانية: أنهم متفرقون في دينهم - شرح مسائل الجاهلية
|
قال الشيخ
محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله_ في "مسائل الجاهلية" (ص: 6): الثانية:
أنهم متفرقون في دينهم، إِنَّهُم
مُتَفرِّقُونَ فِي دِينِهِم، كَمَا قَالَ تَعَالىَ: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا
لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] وَكَذَلِكَ
فِي دُنْيَاهُم، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ، فَأَتَى
بالاجْتِمَاع فِي الدِّينِ بِقَوْلِهِ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:
13] ، وَقَالَ
تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ
مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] وَنَهَانَا
عَنْ مُشَابَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، ونهانا
عن التفرق في الدين بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا
تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] . |
|
إِنَّهُم
مُتَفرِّقُونَ فِي دِينِهِم، كَمَا قَالَ تَعَالىَ: {مِنَ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ} [الروم: 32] |
زاد المسير في علم التفسير (3/ 264)
قوله تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)،
أي: بما عندهم من الدِّين الذي ابتدعوه مُعْجَبون، يرون أنهم على الحقّ. وفي
المشار إِليهم قولان:
أحدهما: أنهم أهل الكتاب، قاله مجاهد. والثاني: أنهم
أهل الكتاب ومشركو العرب، قاله ابن السائب.
تفسير القاسمي = محاسن التأويل (7/ 292)
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كل فرقة
من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئن النفس، معتقد أنه على
الحق فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي في جهالتهم، ومشيهم مع هواهم، ونبذهم كتاب
الله حَتَّى حِينٍ أي إلى وقت يستفيقون فيه من سباتهم، بظهور دين الله وعلو كلمته
وهزم عدوه. وشبه جهالتهم بالماء الذي يغمر القامة، لأنهم مغمورون فيها.
تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 553)
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ} [ص:554] أي:
بما عندهم من العلم والدين {فَرِحُونَ} يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق،
مع أن المحق منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما
عداهم فإنهم مبطلون.
|
وَكَذَلِكَ
فِي دُنْيَاهُم، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ، فَأَتَى
بالاجْتِمَاع فِي الدِّينِ بِقَوْلِهِ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:
13] ، |
تفسير
القرطبي (16/ 11)
فَكَانَ الْمَعْنَى أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ
وَنُوحًا دِينًا وَاحِدًا، يَعْنِي فِي الْأُصُولِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا
الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ
وَالْحَجُّ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَالزُّلَفِ
إِلَيْهِ بِمَا يَرُدُّ الْقَلْبَ وَالْجَارِحَةَ إِلَيْهِ، وَالصِّدْقِ
وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ،
وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ والزنى والاذاية لِلْخَلْقِ كَيْفَمَا
تَصَرَّفَتْ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ كَيْفَمَا دار، واقتحام الدناءات
وما يعود بخرم المروءات، فَهَذَا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ دِينًا وَاحِدًا وَمِلَّةً
مُتَّحِدَةً، لَمْ تَخْتَلِفْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ
أَعْدَادُهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" أَيِ اجْعَلُوهُ قَائِمًا، يُرِيدُ دَائِمًا
مُسْتَمِرًّا مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ وَلَا
اضْطِرَابٍ، فَمِنَ الْخَلْقِ مَنْ وَفَّى بذلك ومنهم من نكث، ومن نكث فإنما ينكث
على نفسه [الفتح: 10].
وَاخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ وَرَاءَ هَذَا فِي
مَعَانٍ حَسْبَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِمَّا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ وَأَوْجَبَتِ
الْحِكْمَةُ وَضْعَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْأُمَمِ". وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وَصَّاهُ
بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَارِ لِلَّهِ
بِالطَّاعَةِ، فَذَلِكَ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لَهُمْ، وَقَالَهُ الْوَالِبِيُّ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ.
تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 195)
الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمْ هُوَ عِبَادَةُ
اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ
وَمَنَاهِجُهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجًا} [الْمَائِدَةِ:48] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: {أَنْ أَقِيمُوا
الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أَيْ: وَصَّى اللَّهُ [سُبْحَانَهُ وَ] (2)
تَعَالَى جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، بِالِائْتِلَافِ
وَالْجَمَاعَةِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ.
تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 754)
هذه أكبر منة أنعم الله بها على عباده، أن شرع لهم من
الدين خير الأديان وأفضلها، وأزكاها وأطهرها، دين الإسلام، الذي شرعه الله
للمصطفين المختارين من عباده، بل شرعه الله لخيار الخيار، وصفوة الصفوة، وهم أولو
العزم من المرسلين المذكورون في هذه الآية، أعلى الخلق درجة، وأكملهم من كل وجه،
فالدين الذي شرعه الله لهم، لا بد أن يكون مناسبا لأحوالهم، موافقا لكمالهم، بل
إنما كملهم الله واصطفاهم، بسبب قيامهم به، فلولا الدين الإسلامي، ما ارتفع أحد من
الخلق، فهو روح السعادة، وقطب رحى الكمال، وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم، ودعا
إليه من التوحيد والأعمال والأخلاق والآداب.
ولهذا قال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} أي: أمركم أن
تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على
غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم والعدوان. {وَلا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على
أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم
على أصل دينكم.
ومن أنواع الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما
أمر به الشارع من الاجتماعات العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات
الخمس والجهاد، وغير ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم
التفرق.
|
وَقَالَ
تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ
مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] |
زاد المسير في علم التفسير (2/ 96)
وفي المشار إليهم أربعة أقوال:
أحدها: أنهم أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو
هريرة.
والثاني: أنهم اليهود والنصارى، قاله ابن عباس،
والضحاك، وقتادة، والسدي.
والثالث: اليهود، قاله مجاهد.
والرابع: جميع المشركين، قاله الحسن. فعلى هذا القول،
دينهم: الكفر الذي يعتقدونه ديناً، وعلى ما قبله، دينهم: الذي أمرهم الله به.
تفسير القرطبي (7/ 149)
وَقِيلَ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ
الْكُفَّارِ. وَكُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ وَجَاءَ بِمَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ بِهِ فَقَدْ فَرَّقَ دِينَهُ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ" إِنَّ الَّذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ" هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ، وَأَهْلُ
الضَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
|
وَنَهَانَا
عَنْ مُشَابَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، |
التحرير والتنوير (4/ 43)
لَا شَكَّ فِي أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ يَعُمُّ
سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِمَّا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ، وَإِمَّا بِطَرِيقِ لَحْنِ
الْخِطَابِ، لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْحَالَةُ الشَّبِيهَةُ بِحَالِ
الَّذِينَ تفرّقوا وَاخْتلفُوا.
وَأُرِيد بالّذين تفرّقوا وَاخْتلفُوا الّذين
اخْتلفُوا فِي أُصُولِ الدِّينِ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمَانِعَةِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالِافْتِرَاقِ.
وَقُدِّمَ الِافْتِرَاقُ عَلَى
الِاخْتِلَافِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ
عِلَّةُ التَّفَرُّقِ وَهَذَا مِنَ الْمُفَادَاتِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَرْتِيبِ
الْكَلَامِ وَذِكْرِ الْأَشْيَاء مَعَ مقارناتها، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلُهُ
تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [الْبَقَرَة:
282] .
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ
الْمَذْمُومَ وَالَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الِافْتِرَاقِ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي أُصُولِ
الدِّيَانَةِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى تَكْفِيرِ بَعْضِ الْأُمَّةِ بَعْضًا، أَوْ
تَفْسِيقِهِ، دُونَ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ
مَصَالِحِ الْأُمَّةِ فِي الْأَقْطَارِ وَالْأَعْصَارِ، وَهُوَ الْمُعَبِّرُ
عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ. وَنَحْنُ إِذَا تَقَصَّيْنَا تَارِيخَ الْمَذَاهِبِ
الْإِسْلَامِيَّةِ لَا نَجِدُ افْتِرَاقًا نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا
عَنِ اخْتِلَافٍ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأُصُولِ، دُونَ الِاخْتِلَافِ فِي
الِاجْتِهَادِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
وَالْبَيِّنَاتُ: الدَّلَائِلُ الَّتِي فِيهَا
عِصْمَةٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الِاخْتِلَافِ لَوْ قُيِّضَتْ لَهَا أَفْهَامٌ.
|
ونهانا عن
التفرق في الدين بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا
تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] . |
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران: 103]
زاد المسير في علم التفسير (1/ 311)
قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعاً)، قال الزجاج: اعتصموا: استمسكوا.
فأما الحبل، ففيه ستة أقوال:
أحدها: أنه كتاب الله: القرآن. رواه شقيق عن ابن
مسعود، وبه قال قتادة، والضحاك، والسدي.
والثاني: أنه الجماعة، رواه الشعبي عن ابن مسعود.
والثالث: أنه دين الله، قاله ابن عباس، وابن زيد، ومقاتل، وابن قتيبة. وقال ابن
زيد: هو الإسلام.
والرابع: عهد الله، قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة في
رواية، وأبو عبيد،
والخامس: أنه الإخلاص، قاله أبو العالية.
والسادس: أنه أمر الله وطاعته، قاله مقاتل بن حيان.
قال الزجاج: وقوله: جَمِيعاً منصوب على الحال، أي:
كونوا مجتمعين على الاعتصام به.
فتح البيان في مقاصد القرآن (2/ 302)
(ولا تفرقوا) بعد الإسلام كما تفرقت اليهود
والنصارى أو كما كنتم في الجاهلية متدابرين. وقيل لا تحدثوا ما يكون عنه التفرق
ويزول معه الإجتماع، والمعنى نهاهم عن التفرق الناشىء عن الاختلاف في الدين، وعن
الفرقة، لأن كل ذلك عادة أهل الجاهلية.
تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 142)
ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع
والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في
اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع
يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا
يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم
وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام،
ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم
أعداء} يقتل بعضكم بعضا، ويأخذ بعضكم مال بعض، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم بعضا،
وأهل البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال، وكانوا في شر عظيم، وهذه حالة
العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا على
الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من تآلف قلوبهم وموالاة
بعضهم لبعض، ولهذا قال: {فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا
حفرة من النار} أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا
فتدخلوها {فأنقذكم منها} بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
{كذلك يبين الله لكم آياته} أي: يوضحها ويفسرها، ويبين لكم الحق من الباطل، والهدى
من الضلال {لعلكم تهتدون} بمعرفة الحق والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل أن الله
يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم
من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع
الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها.
بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله_:
أن من أعظم خصال أهل الجاهلية التي جاء الإسلام
بإبطالها: التفرق في الدين والدنيا؛ فقد كانوا
أحزابًا وفرقًا متنازعة، يعتقد كل حزب أنه على الحق، ويفرح بما عنده من الآراء
والأهواء، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
ولم يكن تفرقهم مقتصرًا على أمور الدنيا، بل تعدى إلى
أصول الدين والاعتقاد، فصار كل فريق يدعو إلى ما يوافق هواه، ويعادي غيره.
ثم بين الشيخ أن الله سبحانه وتعالى بعث جميع
الأنبياء بأصل واحد، وهو إقامة الدين والاجتماع عليه،
فقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
بِهِ نُوحًا... أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾،
فدين الأنبياء واحد في أصوله، وغايته توحيد الله وجمع
الأمة على الحق، لا على الأهواء والآراء المختلفة.
ثم ذكر الآيات التي توعد الله فيها أهل التفرق، كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ
فِي شَيْءٍ﴾،
وفيها براءة النبي ﷺ من أهل الأهواء والبدع الذين
جعلوا الدين فرقًا وأحزابًا.
كما نهى الله هذه الأمة عن مشابهة الأمم السابقة في
اختلافها بعد قيام الحجة، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
وختم الشيخ ببيان العلاج الشرعي لهذا الداء، وهو
الاعتصام بحبل الله، أي: التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية بفهم السلف الصالح،
فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
فكل اجتماع كان قائمًا على الوحي فهو اجتماع محمود،
وكل اجتماع بُني على العصبية، أو البدعة، أو الهوى، أو التعصب للأشخاص والجماعات،
فهو من جنس تفرق أهل الجاهلية الذي جاء الإسلام بذمه والتحذير منه.
فوائد ودروس:
الفائدة الأولى: أن
الاجتماع على الحق أصلٌ من أصول الدين.
فإن الله سبحانه أمر بإقامة الدين، وأمر بالاجتماع
عليه، وجعل التفرق من خصال أهل الجاهلية، فدل ذلك على أن الاجتماع على الوحي
عبادةٌ يُتقرَّب بها إلى الله، وليس مجرد مصلحة دنيوية.
الفائدة الثانية: أن
التفرق من سمات أهل الجاهلية.
فإن الشيخ رحمه الله عدَّ التفرق في الدين من مسائل
الجاهلية، فكل من فارق سبيل الكتاب والسنة، وسلك سبيل التحزب والافتراق، فقد شابه
أهل الجاهلية بقدر ما عنده من ذلك.
الفائدة الثالثة: أن
الحق واحد لا يتعدد.
إذ لو كان الحق يتعدد، لما ذم الله المتفرقين، ولما
أمر بالاعتصام بحبله، وإنما الحق صراطٌ مستقيم، وما سواه سبلٌ متفرقة.
الفائدة الرابعة: أن
اتباع الهوى أصل كل فرقة.
فإن كل حزب يفرح بما لديه، ولا يكون ذلك إلا لتقديم
الهوى على الهدى، والرأي على الأثر، والشهوة على الحجة.
الفائدة الخامسة: أن
الفرح بالمذهب لا يدل على صحته.
إذ قد يفرح المبطل بباطله، كما يفرح صاحب الحق بحقه،
وإنما الميزان هو موافقة الكتاب والسنة، لا مجرد الرضا والاغتباط.
الفائدة السادسة: أن
دين الأنبياء واحد في أصوله.
فإن الله جمع بين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد
عليهم الصلاة والسلام في أصل إقامة الدين، فدل على أن دعوة الأنبياء واحدة، وإن
اختلفت شرائعهم في بعض الفروع.
الفائدة السابعة: أن
إقامة الدين لا تتم إلا بلزوم الجماعة.
لأن الله قرن بين إقامة الدين والنهي عن التفرق، فدل
على أن الاجتماع من تمام إقامة الدين.
الفائدة الثامنة: أن
البدع سبب الافتراق.
فإن أكثر ما افترقت الأمم بسبب الإحداث في الدين، فكل
بدعة تُحدث شعبةً من شعب الافتراق.
الفائدة التاسعة: أن
كثرة الفرق ليست دليلًا على كثرة الحق.
فإن الله ذم كثرة الأحزاب، ولم يمدحها، وإنما مدح أهل
الاعتصام والاجتماع على الوحي.
الفائدة العاشرة: أن
البراءة من أهل التفرق أصل شرعي.
لقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وفيه
بيان شناعة الافتراق في الدين.
الفائدة الحادية عشرة: أن
الاختلاف بعد قيام الحجة أشد إثمًا.
لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
الْبَيِّنَاتُ﴾، فليس العذر كحال من خفي عليه الحق.
الفائدة الثانية عشرة: أن
الاعتصام بالكتاب والسنة عصمة من الفتن.
فمن تمسك بحبل الله نجا من الضلال، وسلم من الافتراق،
وكان من أهل الجماعة.
الفائدة الثالثة عشرة: أن
الاجتماع المحمود هو الاجتماع على الحق.
وليس كل اجتماع محمودًا، بل الاجتماع الذي أسسه
الوحي، أما الاجتماع على البدعة أو العصبية أو الهوى فمذموم.
الفائدة الرابعة عشرة: أن
التفرق يورث الضعف والهلاك.
فإن الأمم إنما ضعفت حين تفرقت كلمتها، واختلفت
أهواؤها، فسلط الله بعضها على بعض.
الفائدة الخامسة عشرة: أن
التشبه بأهل الجاهلية منهي عنه.
فالمؤمن مأمور بمخالفة أهل الجاهلية في الاعتقاد،
والعبادة، والأخلاق، والاجتماع، وسائر أحوالهم.
الفائدة السادسة عشرة: أن
القرآن يجمع ولا يفرق.
فمن جعله إمامه اجتمعت كلمته مع أهل الحق، ومن أعرض
عنه كثرت خصوماته، وتشعبت مسالكه.
الفائدة السابعة عشرة: أن
من أعظم مقاصد الشريعة جمع الكلمة.
فإن الشريعة جاءت بتحقيق الألفة، وسد أبواب النزاع،
وإصلاح ذات البين، لما في ذلك من حفظ الدين والدنيا.
الفائدة الثامنة عشرة: أن
النجاة تكون بلزوم سبيل السلف الصالح.
إذ هم أول من امتثل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، فكانوا أمةً واحدةً على الكتاب والسنة، ولم يجتمعوا
على رأيٍ مجرد، ولا على هوى مبتدع.
الفائدة التاسعة عشرة: أن
من أصول أهل السنة نبذ التحزب المذموم.
فلا يتعصبون إلا للحق، ولا يوالون ويعادون إلا على ما
جاء به الكتاب والسنة، لا على أسماء الرجال أو الجماعات.
الفائدة العشرون: أن
صلاح الأمة مرتبط باجتماعها على الوحي.
فمتى أقامت الأمة دينها، واعتصمت بكتاب ربها، وسنة
نبيها ﷺ، زال عنها التفرق، وحصلت لها الألفة والعزة والتمكين، بإذن الله تعالى.
Komentar
Posting Komentar