تفسير الآية 9 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من كتابه "رياض الصالحين"
|
قال النووي
_رحمه الله_ في (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من كتابه "رياض
الصالحين": وَقالَ
تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
[النور: 63] |
وتمام
الآية:
{لَا تَجْعَلُوا
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ
اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]
المعنى
الإجمالي للآية:
هذه الآية
الكريمة من سورة النور تشتمل على الأمر بتعظيم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_،
وتعظيم سنته وأمره ونهيه، والتحذير الشديد من مخالفته.
قال الله تعالى:
(لَا تَجْعَلُوا
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)،
أي: لا تجعلوا
مخاطبتكم للنبي _صلى الله عليه وسلم_ كخطاب بعضكم لبعض، ولا تنادوه كما ينادي
بعضكم بعضًا، بل خاطبوه بأدب وتعظيم وتوقير، كما قال تعالى: (لَا تَرْفَعُوا
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ).
ويدخل
في ذلك أيضًا: ألا يجعل المسلم أمر الرسول _صلى الله عليه وسلم_
ونهيه كأمر أحد من الناس ونهيه، بل يجب أن يكون لأمره من التعظيم والانقياد ما ليس
لأمر غيره؛ لأنه رسول الله _صلى الله عليه وسلم_.
* ثم قال
سبحانه: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا)، أي:
إن الله تعالى محيط علمًا بمن يخرجون من مجلس النبي _صلى الله عليه وسلم_ خفيةً،
يستتر بعضهم ببعض ويتوارى، فرارًا من أمر أو استئذانًا بغير ما ينبغي.
والآية تتضمن
تهديدًا لمن يتخفى عن أمر رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ويتحيل في مخالفته؛ لأن
الله تعالى يعلم خفايا النفوس ودقائق الأعمال.
* ثم ختم الله
تعالى الآية بتحذير شديد فقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ)،
أي: فليخَف
وليحذر الذين يخالفون أمر رسول الله ﷺ، ويتركون سنته وهديه، أو يصدون عن طاعته، أن
تنزل بهم عقوبة من الله تعالى.
* وقوله: (أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)،
أي: أن يصيبهم
بلاء وانحراف وافتتان في الدين بسبب مخالفتهم أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_، وقد
تكون الفتنة في القلب أو الاعتقاد أو السلوك، فيزيغ الإنسان عن الحق، وهو لا يشعر.
* وقوله سبحانه:
(أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)،
أي: أو يصيبهم
عذاب موجع في الدنيا أو الآخرة، جزاءً على مخالفتهم أمر رسول الله _صلى الله عليه
وسلم_ وإعراضهم عن هديه.
وخلاصة
معنى الآية:
أن الله _تعالى_
أمر المؤمنين بتعظيم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وتعظيمِ سنته وأمره ونهيه،
وحذّر من مخالفته أو الاستهانة بأمره، وأخبر أن من خالف أمره فليحذر أن يصيبه
انحراف في الدين أو عذاب أليم.
وفي الآية: بيان
عظيم لمكانة السنة؛ فإن أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ ليس كأمر آحاد الناس، بل
هو أمر رسول الله المبلِّغ عن ربه، وطاعته من طاعة الله _تعالى_، ومخالفته بعد
قيام الحجة من أسباب الفتنة والعقوبة.
ومن هنا كانت
هذه الآية مناسبة بديعة للباب الذي عقده النووي _رحمه الله_ في المحافظة على السنة
وآدابها؛ إذ جمعت بين تعظيم النبي _صلى الله عليه وسلم_، وتعظيم سنته، والحذر من
مخالفته، والتحذير من عواقب الإعراض عن هديه.
كلام
المفسرين:
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم
التفسير" (4 / 462)
"وفي «عن»
قولان .
أحدهما: أنها
زائدة ، قاله الاخفش .
والثاني: أن
معنى {يخالفون}: يُعْرِضون عن أمره .
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم
التفسير" (4 / 462):
"وفي الفتنة هاهنا ثلاثة أقوالٌ:
أحدها: الضلالة،
قاله ابن عباس .
والثاني: بلاء
في الدُّنيا، قاله مجاهد .
والثالث: كفر،
قاله السُّدي، ومقاتل ." اهـ
وقال أبوْ
الْفَرَجِ عبد الرحمن بن علي الدمشقي، المعروف بـ"ابن
الجوزيِّ" (المتوفى: 597 هـ) _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم
التفسير" (4 / 462):
"قوله _تعالى_:
{أو يُصِيبَهُمْ عذابٌ أليم} فيه قولان:
أحدهما: القتل
في الدنيا .
والثاني: عذاب
جهنم في الآخرة ." اهـ
قال ابن كثير في
"تفسيره" – ط. دار طيبة (6 / 89)
وقوله:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ}، أي: عن أمر رسول الله _صلى
الله عليه وسلم_، سبيله هو." اهـ
وقال أبو الطيب محمد صديق حسن خان الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307 هـ) _رحمه الله_ في "فتح
البيان في مقاصد القرآن" (9/ 274_276):
"(قد يعلم
الله الذين يتسللون منكم لواذاً) أي: يخرجون وينسلون من المسجد في الخطبة واحداً
بعد واحد، من غير استئذان، خفية مستترين بشيء،
و(قد) للتحقيق،
والتسلل: الخروج من البين في خفية. يقال: تسلل فلان من بين أصحابه، إذا خرج من
بينهم، واللواذ من الملاوذة، وهو أن تستر بشيء مخافة من يراك؛ وأصله: أن يلوذ هذا
بذاك، وذاك بهذا.
واللوذ ما يطيف
بالجبل، وقيل اللواذ الروغان من شيء إلى شيء في خفية، أي:___متلاوذين، يلوذ بعضهم
ببعض، وينضم إليه، وقيل: يلوذون لواذاً، وقرئ: لَوَاذ بفتح اللام.
وفي الآية:
بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم
بعضهم إلى بعض استتاراً من رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم_،
وقد كان يوم
الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة والخطبة، فكانوا يفرون
عن الحضور ويتسللون في خفية، ويستتر بعضهم ببعض، وينضم إليه.
وقيل: اللواذ
الفرار من الجهاد، وبه قال الحسن عن مقاتل، قال: (كان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث
حتى يستأذن رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم_، يشير إليه بأصبعه التي تلي
الإبهام، فيأذن له النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ يشير إليه بيده.
وكان من
المنافقين من يثقل عليه الخطبة، والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من
المسلمين، قام المنافق إلى جنبه يستر به حتى يخرج، فأنزل الله هذه الآية، أخرجه
أبو داود في مراسيله.
* (فليحذر الذين
يخالفون عن أمره) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي: يخالفون أمر النبي صلى
الله عليه وآله وسلم بترك العمل بمقتضاه، ويذهبون سمتاً خلاف سمته، وعُدِّيَ فعل
المخالفة بعن، مع كونه متعدياً بنفسه لتضمينه، معنى الإعراض، أو الصد. وقيل الضمير
لله سبحانه لأنه الآمر بالحقيقة.
قال أبو عبيدة
والأخفش (عن) زائدة هنا، وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة، بل هي بمعنى: بعد
كقوله: (ففسق عن أمر ربه)، أي: بعد أمر ربه، والأولى ما ذكرناه من التضمين.
* (أن تصيبهم
فتنة) أي: فليحذر المخالفون عن أمر الله، أو أمر رسوله، أو أمرهما جميعاً إصابةَ
فتنةٍ لهم، والفتنة هنا: غير مقيدة بنوع من أنواع
الفتن، وقيل: هي القتل. وقيل: الزلازل. وقيل: تسلط سلطان جائر. وقيل: الطبع على
قلوبهم. وقيل: إسباغ النعم استدراجاً، أو محنة في الدنيا.___
* (أو يصيبهم
عذاب أليم) أي: في الآخرة، كما أن الفتنة التي حذرهم من إصابتها لهم هي في الدنيا،
وكلمة (أو) لمنع الخلو، قال القرطبي: احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه
الآية، ووجه ذلك أن الله سبحانه حذرهم من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها،
بقوله: (أن تصيبهم فتنة) الآية، فيجب امتثال أمره، ويحرم مخالفته، والآية تشمل كل
من خالف أمر الله، وأمر رسوله.
"هذا إرشاد
من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول _صلى الله عليه وسلم_ على أمر
جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو
ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم
تفرقهم،
فالمؤمن بالله
ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي
يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجبَ الإيمان عَدَمَ
الذَّهَابِ، إلا بإذن." اهـ
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي، شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ) _رحمه الله_ في "الجامع
لأحكام القرآن" (12/ 322_323):
"قَوْلُهُ _تَعَالَى_:
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) بِهَذِهِ الْآيَةِ احْتَجَّ
الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ. وَوَجْهُهَا أَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ حذر من مخالفة أمره، وتوعد___بِالْعِقَابِ عَلَيْهَا
بِقَوْلِهِ: (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)
فَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ، فَيَجِبُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ. وَالْفِتْنَةُ هُنَا
الْقَتْلُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. عَطَاءٌ: الزَّلَازِلُ وَالْأَهْوَالُ. جَعْفَرُ
بْنُ مُحَمَّدٍ: سُلْطَانٌ جَائِرٌ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: الطَّبْعُ
عَلَى الْقُلُوبِ بِشُؤْمِ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ. وَالضَّمِيرُ فِي"
أَمْرِهِ" قِيلَ هُوَ عَائِدٌ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَهُ يحيى
بن سلام. وقيل: إلى أمر رسوله عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَمَعْنَى:" يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ" أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْ
أَمْرِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ:" عَنْ" فِي هَذَا
الْمَوْضِعِ زَائِدَةٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ،
وَالْمَعْنَى: يُخَالِفُونَ: بَعُدَ أمره." اهـ
"قَوْلُهُ
تَعَالَى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)،
الضَّمِيرُ فِي
قَوْلِهِ: (عَنْ أَمْرِهِ) رَاجِعٌ إِلَى الرَّسُولِ، أَوْ إِلَى اللَّهِ
وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ
عَنْهُ،
وَالْعَرَبُ
تَقُولُ: خَالَفَ أَمْرَهُ وَخَالَفَ عَنْ أَمْرِهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
يُخَالِفُونَ: مُضَمَّنٌ مَعْنَى يَصُدُّونَ، أَيْ: يَصُدُّونَ عَنْ أَمْرِهِ.
وَهَذِهِ
الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا الْأُصُولِيُّونَ
عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ،
لِأَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - تَوَعَّدَ الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ
بِالْفِتْنَةِ أَوِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ
الْأَمْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، مَا لَمْ
يَصْرِفْ عَنْهُ صَارِفٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ لَا يَسْتَوْجِبُ تَرْكُهُ
الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ وَالتَّحْذِيرَ.
وَهَذَا
الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنَ
اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْوُجُوبِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ
مِنْ كِتَابِ اللَّهِ،
* كَقَوْلِهِ _تَعَالَى_:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]،
فَإِنَّ
قَوْلَهُ: (ارْكَعُوا) أَمْرٌ مُطْلَقٌ، وَذَمُّهُ _تَعَالَى_ لِلَّذِينَ لَمْ
يَمْتَثِلُوهُ بِقَوْلِهِ: (لَا يَرْكَعُونَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ امْتِثَالَهُ
وَاجِبٌ،
* وَكَقَوْلِهِ
تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف:
12]،
فَإِنْكَارُهُ _تَعَالَى_
عَلَى إِبْلِيسَ مُوَبِّخًا لَهُ بِقَوْلِهِ: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَارِكٌ وَاجِبًا. وَأَنَّ امْتِثَالَ
الْأَمْرِ وَاجِبٌ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ مُطْلَقٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ
تَعَالَى: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34]،
* وَكَقَوْلِهِ
تَعَالَى عَنْ مُوسَى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93]،
فَسَمَّى
مُخَالَفَةَ الْأَمْرِ مَعْصِيَةً، وَأَمْرُهُ الْمَذْكُورُ مُطْلَقٌ، وَهُوَ
قَوْلُهُ: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ
الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]،
وَكَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
[التحريم: 6]، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَعْصِيَةِ
عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالِفَهُ عَاصٍ، وَلَا يَكُونُ
عَاصِيًا، إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوِ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ،
* وَكَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:
36]،
فَإِنَّهُ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ، وَأَمْرَ رَسُولِهِ مَانِعٌ مِنَ
الِاخْتِيَارِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثَالِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اقْتِضَائِهِ
الْوُجُوبَ، كَمَا تَرَى، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ
بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وَاعْلَمْ
أَنَّ اللُّغَةَ تَدُلُّ عَلَى اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْوُجُوبِ،
بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: "اسْقِنِي مَاءً مَثَلًا"،
وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْعَبْدُ أَمْرَ سَيِّدِهِ، فَعَاقَبَهُ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ
لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ عِقَابُكَ لِي ظُلْمٌ، لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي
قَوْلِكَ: (اسْقِنِي مَاءً)، لَمْ تُوجِبْ عَلَيَّ الِامْتِثَالَ، فَقَدْ
عَاقَبْتَنِي عَلَى تَرْكِ مَا لَا يَلْزَمُنِي.
بَلْ يُفْهَمُ
مِنْ نَفْسِ الصِّيغَةِ أَنَّ الِامْتِثَالَ يَلْزَمُهُ، وَأَنَّ الْعِقَابَ عَلَى
عَدَمِ الِامْتِثَالِ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ.
وَالْفِتْنَةُ فِي
قَوْلِهِ: (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)،
* قِيلَ: هِيَ
الْقَتْلُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
* وَقِيلَ:
الزَّلَازِلُ وَالْأَهْوَالُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ،
* وَقِيلَ:
السُّلْطَانُ الْجَائِرُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
* قَالَ
بَعْضُهُمْ: هِيَ الطَّبْعُ عَلَى الْقُلُوبِ بِسَبَبِ شُؤْمِ مُخَالَفَةِ أَمْرِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ:
فِتْنَةٌ مِحْنَةٌ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي
الْآخِرَةِ.
قَالَ
مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -:
قَدْ دَلَّ
اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنَّ الْفِتْنَةَ
فِيهِ أُطْلِقَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ،
كَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]،
وَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج:
10]، الْآيَةَ، أَيْ: أَحْرَقُوهُمْ بِنَارِ الْأُخْدُودِ عَلَى الْقَوْلِ
بِذَلِكَ.
الثَّانِي
- وَهُوَ أَشْهَرُهَا -: إِطْلَاقُ الْفِتْنَةِ عَلَى
الِاخْتِبَارِ،
كَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] الْآيَةَ،
وَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً
غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 16، 17].
وَالثَّالِثُ:
إِطْلَاقُ الْفِتْنَةِ عَلَى نَتِيجَةِ الِاخْتِيَارِ إِنْ كَانَتْ سَيِّئَةً،
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]،
وَفِي
«الْأَنْفَالِ»: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]،
فَقَوْلُهُ: (حَتَّى
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، أَيْ: حَتَّى لَا يَبْقَى شِرْكٌ عَلَى أَصَحِّ
التَّفْسِيرَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلَّهِ)، لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ حَتَّى لَا
يَبْقَى شِرْكٌ، كَمَا تَرَى. وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ _صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، كَمَا لَا يَخْفَى.
وَالرَّابِعُ:
إِطْلَاقُ الْفِتْنَةِ عَلَى الْحُجَّةِ،
فِي قَوْلِهِ
تَعَالَى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ
رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، أَيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهُمْ،
كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالْأَظْهَرُ
عِنْدِي: أَنَّ الْفِتْنَةَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: (أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أَنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنَ الْأَنْوَاعِ
الْمَذْكُورَةِ.
وَأَنَّ
مَعْنَاهُ أَنْ يَفْتِنَهُمُ اللَّهُ، أَيْ:
يَزِيدَهُمْ ضَلَالًا بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ رَسُولِهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَهَذَا
الْمَعْنَى تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ _تَعَالَى_،
كَقَوْلِهِ _جَلَّ وَعَلَا_: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]،
وَقَوْلِهِ _تَعَالَى_:
{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]،
وَقَوْلِهِ _تَعَالَى_:
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10] الْآيَةَ،
وَقَوْلِهِ _تَعَالَى_:
{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى
رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] الْآيَةَ،
وَالْآيَاتُ
بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى." اهـ
وقال محمد
الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، المعروف بـ"ابن
عاشور" المالكي (المتوفى : 1393 هـ) _رحمه الله_ في "التحرير
والتنوير" (18/ 308):
"لَمَّا
كَانَ الِاجْتِمَاعُ لِلرَّسُولِ فِي الْأُمُورِ يَقَعُ بَعْدَ دَعْوَتِهِ
النَّاسَ لِلِاجْتِمَاعِ وَقَدْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ لَا يَنْصَرِفُوا عَنْ
مجامع الرَّسُول _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، إِلَّا لِعُذْرٍ بَعْدَ
إِذْنِهِ، أَنْبَأَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ وُجُوبَ اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ
الرَّسُولِ إِذَا دَعَاهُمْ.
وَقَدْ
تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا
لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [24] .
وَالْمَعْنَى:
لَا تَجْعَلُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ إِيَّاكُمْ لِلْحُضُورِ لَدَيْهِ مُخَيَّرِينَ
فِي اسْتِجَابَتِهَا كَمَا تَتَخَيَّرُونَ فِي اسْتِجَابَةِ دَعْوَةِ بَعْضِكُمْ
بَعْضًا،___
فَوَجْهُ
الشَّبَهِ الْمَنْفِيُّ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ هُوَ الْخِيَارُ فِي الْإِجَابَةِ.
وَالْغَرَضُ
مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنْ لَا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الثَّبَاتُ
فِي مَجَامِعِ الرَّسُولِ إِذَا حَضَرُوهَا، وَأَنَّهُمْ فِي حُضُورِهَا إِذَا
دُعُوا إِلَيْهَا بِالْخِيَارِ،
فَالدُّعَاءُ
عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَصْدَرُ دَعَاهُ إِذَا نَادَاهُ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ
لَيَحْضُرَ." اهـ
وقال أحمد بن
علي الرازي، أبو بكر الجصاص الحنفي (المتوفى: 370 هـ) _رحمه الله_ في "أحكام
القرآن" – ت. قمحاوي (5/ 201):
"وَفِيهِ
دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أوامر الله على الوجوب، لأنه ألزم للوم والعقاب يخالفه
الْأَمْر، وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
* أَحَدُهُمَا:
أَنْ لَا يَقْبَلَهُ، فَيُخَالِفَهُ بِالرَّدِّ لَهُ،
* وَالثَّانِي:
أَنْ لَا يَفْعَلَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ
وَمُعْتَقِدًا لِلُزُومِهِ، فَهُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا،
وَمَنْ قَصَرَهُ
عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ دُونَ الْآخَرِ خَصَّهُ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ.
وَمِنْ النَّاسِ
مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى الْوُجُوبِ وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي أَمْرِهِ
لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ يُسَمَّى أَمْرُهُ
كَمَا قَالَ _تعالى_: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97]،
يَعْنِي:
أَفْعَالَهُ وَأَقْوَالَهُ،
وَهَذَا لَيْسَ
كَذَلِكَ عِنْدَنَا لِأَنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ بَعْدَ اسْمِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً) وَهُوَ الَّذِي تَلِيهِ الْكِنَايَةُ،
فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَيْهِ دُونَ غَيْرِه." اهـ
فوائد
ودروس:
من تأمل هذه
الآية الكريمة وجد فيها فوائد جليلة، وأصولًا عظيمة في تعظيم السنة، وتعظيم أمر
النبي ﷺ، والتحذير من مخالفته. ومن ذلك:
فوائد الآية
١ ـ وجوب تعظيم
رسول الله ﷺ وتوقيره
قال تعالى: ﴿لَا
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، ففيها
أدب عظيم مع رسول الله ﷺ، وتعليم للأمة أن مقامه ليس كمقام سائر الناس؛ فإنه رسول
الله، المبلِّغ عن ربه، فوجب توقيره وتعظيمه.
٢ ـ أن الأدب مع
النبي ﷺ من تعظيم الشرع
فإن الله سبحانه
لم يترك الأمة لاختيارها في كيفية معاملتها للنبي ﷺ، بل أدبها بنفسه، فأنزل آياتٍ
تأمر بتوقيره، وتنهى عن رفع الصوت بحضرته، وتحذر من مخالفته. وفي هذا من شرف مقام
النبوة ما لا يخفى.
٣ ـ وجوب امتثال
أمر النبي ﷺ
قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يدل على أن أمره ﷺ معتبر واجب الاتباع،
وأن المؤمن لا يجعل بينه وبين سنته حجابًا من رأي أو هوى أو عادة.
٤ ـ أن سنة
النبي ﷺ ليست ككلام سائر الناس
فليس للمؤمن أن
يجعل قول النبي ﷺ وقول غيره في رتبة واحدة، بل إذا صح عنه ﷺ الأمر وجب قبوله
والانقياد له. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
٥ ـ التحذير من
مخالفة السنة
قال تعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فجاء اللفظ بصيغة التحذير،
وفي ذلك من شدة الوعيد ما يحمل المؤمن على أن يتثبت فيما ينسب إلى النبي ﷺ، وأن
يبادر إلى اتباع سنته إذا صحت عنه.
٦ ـ أن مخالفة
السنة قد تكون سببًا للفتنة
قال تعالى:
﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، وفيه أن مخالفة أمر الرسول ﷺ ليست أمرًا هيِّنًا،
فقد يعاقب العبد عليها بفتنة في قلبه، فيزيغ عن الحق، أو يبتلى بالشبهات والأهواء.
٧ ـ أن أعظم
الفتن فتنة الدين
فإن البلاء في
البدن أو المال قد يذهب ويزول، وأما أن يفتن المرء في دينه، فيستثقل السنة ويستحسن
البدعة، أو يرد الحق لهوى في نفسه، فذلك من أعظم المصائب وأشد البلايا.
٨ ـ إثبات علم
الله المحيط
قال تعالى:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾، ففيه إثبات علم الله تعالى الشامل، وأنه سبحانه لا تخفى
عليه خافية، يعلم سر العبد وعلانيته، ويعلم ما يفعله في خلوته كما يعلم ما يفعله
في ملئه.
٩ ـ التحذير من
الأعمال الخفية المخالفة للشرع
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، فدل ذلك على أن خفاء العمل لا
يجعله خافيًا عن الله، وأن العبد لا ينبغي أن يستتر عن الناس بمعصيته ثم يظن أنه
قد نجا؛ فإن الله تعالى مطلع عليه.
١٠ ـ أن الله
يحاسب على الظاهر والباطن
فالآية تذكر
الذين يتسللون خفية، مما يدل على أن الله يعلم أحوال عباده ودواخلهم ومقاصدهم.
فحقيق بالمؤمن أن يصلح سريرته كما يصلح علانيته.
١١ ـ أن من كمال
الإيمان تعظيم السنة
فالمؤمن إذا
بلغه أمر رسول الله ﷺ تلقاه بالتسليم والانقياد، لا بالتعقب والاعتراض، ولا يجعل هواه
حاكمًا على السنة؛ فإن التسليم للنبي ﷺ من لوازم الإيمان.
١٢ ـ أن الطاعة
سبب للاجتماع، والمخالفة سبب للافتراق
فإذا اجتمع
الناس على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ائتلفت قلوبهم واستقامت أمورهم، وإذا أعرضوا عن
الوحي وتحاكموا إلى الأهواء والآراء تفرقت بهم السبل وتنازعتهم الخصومات.
١٣ ـ أن السنة
ميزان يرد إليه النزاع
فإذا تنازع
الناس في أمر من أمور الدين، فالواجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا إلى
مجرد العادات أو الأذواق أو أقوال الرجال. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
١٤ ـ أن مخالفة
الرسول ﷺ ليست كالمخالفة لآحاد الناس
فمن خالف أمر
رجل من الناس فقد يخالف رأيًا بشريًا يحتمل الخطأ والصواب، أما مخالفة ما ثبت عن
رسول الله ﷺ من الهدى، فهي مخالفة للوحي الذي جاء به، ولذلك اشتد الوعيد فيها.
١٥ ـ التحذير من
تقديم الهوى على السنة
فالذي يعرض عن
أمر النبي ﷺ لهوى في نفسه قد جعل هواه مقدمًا على الوحي. ومن أعظم أبواب الانحراف
أن يعرف العبد الحق ثم يتركه لموافقته لرغبة أو عادة أو تقليد.
١٦ ـ أن السلامة
في لزوم السنة
فالآية لما حذرت
من مخالفة الأمر، دل مفهومها على أن السلامة في اتباعه. فالسنة سفينة نجاة من
الفتن، ومن لزم هدي النبي ﷺ سلم بإذن الله من مضلات الأهواء.
١٧ ـ أن الوعيد
يدل على خطورة البدع والمحدثات المخالفة للسنة
فكل ما كان
مخالفًا لما جاء به الرسول ﷺ فهو داخل في جنس المخالفة بحسب حاله، ولهذا كان السلف
شديدي التحذير من البدع؛ لأن البدعة تصد عن السنة، وربما حملت صاحبها على رد
النصوص أو تأويلها لتوافق هواه.
١٨ ـ أن العبد
لا يأمن على نفسه من الفتنة
قال تعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ﴾، وفي ذلك حث على الخوف من الزيغ، وعدم الاغترار بالعلم أو العمل.
فكم من عبد رأى نفسه ثابتًا ثم أُعجب برأيه فزلّ، وكم من إنسان استهان بأمر يسير
فكان سببًا لفتنته.
١٩ ـ أن العبرة
بالخواتيم
فقد يبدأ المرء
باستصغار مخالفة السنة، ثم تتتابع عليه المخالفات حتى يألفها قلبه، وربما صار يرد
السنة أو يستنقصها. فليحذر العبد من أول الطريق، فإن صغار الذنوب قد تجر إلى كبارها.
٢٠ ـ أن تعظيم
السنة من تعظيم صاحبها ﷺ
فمن عظّم رسول
الله ﷺ عظّم سنته، ومن عرف قدره لم يستثقل أمره ونهيه. ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ
أسرع الناس إلى امتثال أمره، وأبعدهم عن التقدم بين يديه.
٢١ ـ أن الآية
أصل في باب التسليم للنص
فإذا ثبتت السنة
عن النبي ﷺ لم يكن للمؤمن إلا التسليم والقبول؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا
فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
٢٢ ـ أن من أعظم
آداب طالب العلم تعظيم السنة
فعلى طالب العلم
أن يطلب الحق لا أن ينتصر لنفسه، وأن يفرح بالدليل إذا ظهر، وأن يترك القول إذا
بان له خطؤه، وأن يجعل السنة حاكمة على آرائه، لا أن يجعل آراءه حاكمة على السنة.
فائدة جامعة
ومن أعظم ما
تستفاد من هذه الآية أن السنة ليست أمرًا زائدًا عن الدين يُؤخذ منها ما وافق
الأهواء ويترك ما خالفها، وإنما هي هدي النبي ﷺ الذي أمر الله تعالى باتباعه
وتعظيمه.
فمن عظّم السنة
عظّم أمر الرسول ﷺ، ومن عظّم أمره أسرع إلى طاعته، ومن أسرع إلى طاعته كان أبعد عن
الفتن؛
وأما من استهان
بالسنة، أو ردها لهوى أو تعصب أو تقليد، فليحذر أن تصيبه فتنة في قلبه أو عذاب
أليم في آخرته.
ولهذا كان السلف
يقولون في معنى الاتباع: كل طريق سوى طريق النبي ﷺ فمردود، وكل قول يخالف هديه،
فموزون بميزان الكتاب والسنة؛ فالسعادة كل السعادة في لزوم السنة، والتسليم للوحي،
والحذر من الأهواء والمحدثات.
Komentar
Posting Komentar