شرح الحديث 267-268 (باب المزاح) - الأدب المفرد
|
267 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ
قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: مَزَحَتْ عَائِشَةُ عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ أُمُّهَا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، بَعْضُ دُعَابَاتِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ، قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ بَعْضُ مَزْحِنَا هَذَا
الْحَيُّ» [قال الشيخ
الألباني: ضعيف] |
رواة
الحديث:
حَدَّثَنَا
بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (صدوق رمى بالإرجاء: ت. 224 هـ):
بشر بن محمد
السختياني، أبو محمد المروزي، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ
* قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ (ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد: ت.
181 هـ بـ هيت):
عبد الله بن المبارك
بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي (أحد الأئمة الأعلام و
حفاظ الإسلام)، المولود: سنة 118 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق
* قَالَ:
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ (ثقة):
عمر بن سعيد بن
أبى حسين القرشي النوفلي المكي (ابن عم عبد الله
بن عبد الرحمن بن أبى الحسين)، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له: خ م مد ت س ق
(مد: أبو داود في المراسيل)
*
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ (ثقة فقيه: ت. 117
هـ):
عبد الله بن
عبيد الله بن أبى مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي، أبو بكر (ويقال
أبو محمد)، المكي الأحول، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق
نص
الحديث وشرحه:
عَنِ ابْنِ
أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ:
مَزَحَتْ
عَائِشَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقَالَتْ
أُمُّهَا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعْضُ دُعَابَاتِ هَذَا الْحَيِّ مِنْ
كِنَانَةَ."
قَالَ
النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «بَلْ بَعْضُ مَزْحِنَا هَذَا
الْحَيِّ»
المعنى
الإجمالي للحديث:
بيّن هذا الحديث
جواز المزاح بين الزوجين والأهل والأقارب، وأن المزاح إذا كان في حدود الأدب
والصدق، وخاليًا من المحرَّمات، فإنه من الأمور المباحة التي تدخل في حسن العشرة
والتلطّف مع الناس.
فقد وقع من أم
المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ مزاحٌ عند النبي ﷺ، فوصفت أمُّها بعض دعابات عائشة
بأنها من طبيعة أهل كنانة، أي: إن هذا النوع من الملاطفة والمزاح معروف فيهم
ومتأصل في عادتهم.
فأقرَّ النبي ﷺ
ذلك، بل قال بمعنى: بل إن بعض مزاحنا نحن أيضًا من هذا القبيل؛ أي إن المزاح
والملاطفة أمر معروف في الناس، وليس عيبًا في نفسه، وإنما المعتبر أن يكون منضبطًا
بالشرع والآداب.
فالشريعة لم
تمنع المزاح مطلقًا، وإنما منعت ما كان منه محرّمًا أو مؤذيًا أو مشتملًا على
الكذب والسخرية ونحو ذلك. وأما المزاح المباح الذي يكون بقصد التأنيس وإدخال
السرور وحسن العشرة، فهو من الأمور الجائزة، وقد فعله النبي ﷺ وأقرّه.
وخلاصة الباب:
أن المزاح المباح خلق من أخلاق الألفة، وليس مناقضًا للوقار، وإنما المذموم منه ما
جاوز حدَّه، فأفضى إلى كذب أو سخرية أو أذى أو تضييع للواجبات.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
في "الأدب المفرد" (ص: 102) (رقم: 267)،
ضعيف مرسل: ضعفه
الألباني في "ضعيف الأدب المفرد" (ص: 40) (رقم: 44)
وأخرجه ابن
عساكر في "تاريخ دمشق" (4/ 36) (رقم: 834) مرفوعا، فقال:
قال: ونا الزبير
عن حمزة بن عتبة عن نافع بن بن عمر الجُمَحِيِّ عن
ابن أبي مُليكة عن عائشة:
أنها مزحت عند
رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فقالت: إنها بعض دعابات هذا الحي من بني كنانة
فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: بل بعض مزحنا هذا الحيِّ من قريشٍ."
قلت:
قال ابن حجر
_رحمه الله_ في "لسان الميزان" – ت. أبي غدة (3/ 290) (رقم: 2784):
"حمزة بن
عتبة: شيخ للزبير بن بكار. لا يعرف، وحديثه منكر." اهـ
ملحق
الفوائد:
في هذا الحديث
فوائد جليلة في باب المزاح والملاطفة وحسن العشرة، ومن أهمها:
1. جواز المزاح
إذا سلم من المحظور
في الأثر دلالة
ظاهرة على أن المزاح في نفسه ليس بمذموم، وإنما المذموم ما قارنه محظور شرعي، من
كذب أو سخرية أو أذى أو انتقاص.
الفائدة: أن
المؤمن لا يلزمه أن يكون جادًّا في جميع أحواله، بل له أن يروح عن نفسه وأهله
وأصحابه بالمزاح المباح.
2. أن المزاح لا
ينافي الوقار
كان رسول الله ﷺ
أوقر الناس وأعظمهم هيبة، ومع ذلك كان يمزح ويلاطف.
الفائدة: أن
الوقار الحقيقي ليس في العبوس وترك الملاطفة، وإنما في لزوم حدود الله، وصيانة
اللسان عن الباطل، ووضع كل أمر في موضعه.
3. حسن عشرة
النبي ﷺ لأهله
فإقرار النبي ﷺ
لمزاح عائشة رضي الله عنها يدل على لطفه بأهله، وحسن معاشرته لهم، وسعة صدره معهم.
الفائدة: أن من
كمال حسن العشرة أن يعرف الرجل متى يجدّ ومتى يلاطف، ومتى يتكلم بما يسرّ أهله ويؤنسهم.
4. ملاطفة
الزوجة من محاسن العشرة
فكون عائشة رضي
الله عنها تمزح عند النبي ﷺ يدل على وجود الأنس والملاطفة بينهما.
الفائدة: أن
ملاطفة الزوجة وإدخال السرور عليها من أسباب دوام المودة، ولا سيما إذا كانت
بالكلام الطيب والمزاح السالم من المحاذير.
5. أن المزاح
المباح من أسباب الألفة
فإن النفوس
مجبولة على الأنس بمن يلاطفها ويحسن مخاطبتها.
الفائدة: أن
المزاح الحسن قد يكون سببًا لاجتماع القلوب وائتلافها، بخلاف الغلظة الدائمة فإنها
تورث النفرة والجفوة.
6. اعتبار
العادات الجارية بين الناس في باب الملاطفة
قول أم عائشة
رضي الله عنها: «بعض دعابات هذا الحي من كنانة» يشعر بأن بعض أنواع الدعابة قد
تكون من العادات المعروفة بين الأقوام.
الفائدة: أن
العادات في أصلها معتبرة ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا، ولا سيما في الأمور العرفية
التي لا تتضمن عبادة ولا محرمًا.
7. أن اختلاف
الطباع في المزاح أمر واقع
فالناس يتفاوتون
في الدعابة والملاطفة؛ فمنهم من يغلب عليه الجد، ومنهم من يكون كثير الدعابة،
ومنهم المتوسط بين ذلك.
الفائدة: أن
اختلاف الطباع لا يقتضي ذم أحد الفريقين، ما دام كل واحد منهم واقفًا عند حدود
الأدب والشرع.
8. أن الاعتدال
هو المحمود في المزاح
فليس المراد من
جواز المزاح أن يجعل المرء جميع كلامه هزلًا، ولا أن يشتغل بالدعابة عن مصالح
الدين والدنيا.
الفائدة: أن خير
الأمور أوساطها، فيجعل المسلم لكل مقام مقالًا؛ فيجدّ حيث يحسن الجد، ويمزح حيث
يحسن المزاح.
9. أن المزاح لا
يكون بالكذب
وإن كان هذا
الأثر لا يذكر الكذب صراحة، فإن المزاح المشروع إنما يكون فيما أباحه الشرع، وقد
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إني لا أقول إلا حقًّا».
الفائدة: أن
المسلم لا يجعل الكذب سبيلًا إلى إضحاك الناس؛ فإن صدق اللسان أصل في جميع
الأحوال، في الجد والهزل.
10. تحريم ما
يشتمل عليه المزاح من أذى
فليس كل ما يسمى
مزاحًا يكون مباحًا، إذ قد يشتمل المزاح على شتم أو تحقير أو تخويف أو سخرية.
الفائدة: أن
العبرة بحقيقة الفعل ومآله، لا بمجرد تسميته مزاحًا؛ فما كان مؤذيًا أو محرمًا لم
يصر حلالًا بمجرد قول صاحبه: «إنما كنت أمزح».
11. جواز إظهار
السرور والانبساط مع الأهل
فالإنسان مأمور
بأن يعاشر أهله بالمعروف، ومن المعروف أن يكون بينهم قدر من الأنس والانبساط.
الفائدة: أن
إظهار السرور لأهل البيت ليس من خوارم المروءة، بل قد يكون من محاسن الأخلاق إذا
ضبطه الشرع.
12. أن حسن
الخلق يشمل أوقات الجد والهزل
فحسن الخلق ليس
مقصورًا على كثرة العبادة أو حسن الكلام في المجالس الرسمية، بل يظهر كذلك في
معاشرة الأهل والأصحاب.
الفائدة: أن
صاحب الخلق الحسن يعرف كيف يخاطب كل إنسان بما يلائم حاله، من غير أن يتنازل عن
دينه أو مروءته.
13. لطف النبي ﷺ
في تصحيح المعنى
لما قالت أم
عائشة رضي الله عنها ما قالت، لم يعنّفها النبي ﷺ، وإنما قال برفق: «بل بعض مزحنا
هذا الحي».
الفائدة: أن من
الحكمة في التعليم والتوجيه أن يصحح المرء الخطأ بلطف، ولا يجعل كل تصحيح مقترنًا
بالتغليظ والتعنيف.
14. أن المزاح
قد يكون بين الكبار والصغار وبين الأقارب
فالمزاح ليس
خاصًّا بفئة دون فئة، وإنما ضابطه الأدب والشرع.
الفائدة: أن
المسلم ينبغي أن يراعي حال من يخالطه؛ فيداعب من يحتاج إلى التأنيس، ويترك المزاح
حيث يكون سببًا للهيبة أو سوء الفهم.
15. أن كثرة
المزاح ليست هي المقصودة
فالحديث دل على
أصل المزاح، ولم يدل على استحباب الإكثار منه.
الفائدة: أن
المزاح كالملح في الطعام، إذا قلَّ منه ما يصلح، وإذا كثر أفسد؛ فالمحمود منه ما
كان عارضًا بقدر الحاجة، ولم يشغل عن الجد النافع.
16. أن المباح
قد يصير عبادة بالنية الصالحة
فإذا قصد الرجل
بمزاحه مع أهله إدخال السرور عليهم، وإحسان عشرتهم، وتأليف قلوبهم، أمكن أن يؤجر
على ذلك.
الفائدة: أن
العادات المباحة تتغير أحكامها باعتبار المقاصد والنيات، فقد يكون الشيء في أصله
مباحًا، ثم يصير قربة إذا اقترنت به نية صالحة.
17. أن السنة ليست
كلها في مظاهر الجد والعبادة الظاهرة
فالسنة تشمل
أيضًا حسن العشرة، والرفق، والتبسم، والملاطفة، ومراعاة النفوس.
الفائدة: أن من
فقه السنة أن يعرف المسلم هدي النبي ﷺ في عبادته ومعاملته وأخلاقه، فلا يقتصر
اقتداؤه به على جانب دون جانب.
18. حسن العشرة
من كمال الهدي النبوي
فالرسول ﷺ كان
أعلم الناس بالله، وأتقاهم له، ومع ذلك كان أرفق الناس بأهله وأحسنهم عشرة.
الفائدة: أن
العبادة الصحيحة تورث صاحبها حسن الخلق، ولين الجانب، وحسن المعاملة، لا الجفاء
والفظاظة.
19. أن الأصل في
المزاح الحل ما لم يشتمل على مانع
وهذا من القواعد
المهمة في هذا الباب؛ لأن المزاح من العادات، والأصل في العادات الإباحة حتى يقوم
دليل على المنع.
الفائدة: أن
المسلم لا يحرم على الناس ما أحل الله لهم من العادات والملاطفات بمجرد الاستثقال
الشخصي أو اختلاف الطباع.
20. فقه الاعتدال
بين الجد والمزاح
والهدي الكامل
أن يكون للمسلم حظ من الجد وحظ من الانبساط، فلا يكون عبوسًا منفّرًا، ولا هازلًا
ساقط المروءة.
|
268 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ
اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ:
«أَنَا حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»، قَالَ: "يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ نَاقَةٍ؟" فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ
إِلَّا النُّوقُ» [قال الشيخ
الألباني: صحيح] |
رواة
الحديث:
* حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ (ثقة حافظ: ت. 227 هـ):
محمد بن الصباح
البزاز الدُّوْلاَبِيُّ، أبو جعفر البغدادي (مولى
مزينة، وهو صاحب كتاب "السنن")، المولود: سنة 150 هـ بـ دُوْلاَب بالرَّيِّ،
من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ م د ت
س ق
* حَدَّثَنَا
خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (ثقة ثبت: ت. 182
هـ):
خالد بن عبد
الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان، أبو الهيثم (ويقال: أبو محمد)، المزني مولاهم، الواسطِيُّ (يقال: مولى النعمان بنِ مُقَرِّنٍ)،
المولود: سنة 110 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى
له: خ م د ت س ق
* عَنْ
حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ (ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله فى شىء من
أمر الأمراء: ت. 142 هـ، ويقال: 143 هـ):
حُميد بن أبى حُميد
الطويلُ البصري، أبو عُبيدة الخُزاعِي (ويقال: السلمي، ويقال: الدارِمي)، مولى طلحة
الطلحات (خال حماد بن سلمة)، من صغار التابعين، روى له: خ
م د ت س ق
*
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (صحابي: ت. 92 هـ و قيل 93 هـ):
أنس بن مالك بن
النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصاري النجاري، أبو حمزة المدني، روى
له: خ م د ت س ق
نص
الحديث وشرحه:
عَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَسْتَحْمِلُهُ،
فَقَالَ: «أَنَا
حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»،
قَالَ: "يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ نَاقَةٍ؟"
فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا
النُّوقُ»
المعنى الإجمالي
هذا الحديث
يبيّن جانبًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المزاح، وأن المزاح المباح لا
ينافي كمال الوقار والهيبة، بل قد يكون وسيلةً إلى إدخال السرور على النفس وتأليف
القلوب، إذا خلا من الكذب والأذى والمحرمات.
فقد جاء رجل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يعطيه دابةً يركبها، فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم مازحًا: «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»، أي: سأحملك على ولد
ناقة.
فظن الرجل أن
المقصود صغير الناقة الذي لا يستطيع حمله، فقال متعجبًا: «وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ
نَاقَةٍ؟»، أي: ماذا أصنع بهذا الصغير؟ وكيف يمكنني أن أركبه أو أنتفع به؟
فبيّن له النبي
صلى الله عليه وسلم مراده على سبيل الملاطفة، فقال: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ
إِلَّا النُّوقُ؟»، أي: أليست الإبل كلها تولدها النوق؟ فكل جملٍ كبيرٍ كان في
الأصل ولد ناقة.
فالنبي صلى الله
عليه وسلم لم يكن يقصد أن يعطيه صغيرًا لا يصلح للركوب، وإنما قصد المزاح بالكلام
الصادق؛ لأن الدابة التي سيحمله عليها هي في الحقيقة ولد ناقة، إذ إن جميع الإبل
من أولاد النوق.
فالمقصود أن
النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يمازح الرجل، فقال له كلامًا صادقًا في ظاهره
ومعناه، ولكنه صاغه بطريقة لطيفة أوقعت الرجل أولًا في ظنٍّ آخر، ثم كشف له المقصود
بقوله: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟».
وهذا من جمال
مزاحه صلى الله عليه وسلم وحسن معاشرته للناس.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
في "الأدب المفرد" (ص: 102) (رقم: 268)، سنن أبي داود (4/ 300) (رقم: 4998)،
سنن الترمذي ت شاكر (4/ 357) (رقم: 1991)، الشمائل المحمدية للترمذي ط المكتبة
التجارية (ص: 196) (رقم: 239)، مسند أحمد – ط. عالم الكتب (3/ 267) (رقم: 13817)، مسند
أبي يعلى الموصلي (6/ 412) (رقم: 3776)، وغيرهم.
صحيح:
تخريج
مشكاة المصابيح (3/ 1369) (رقم: 4886)، مختصر الشمائل (ص: 126) (رقم: 203)
من
فوائد الحديث:
تحفة الأحوذي
(6/ 109)
فَفِيهِ مَعَ
الْمُبَاسَطَةِ لَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى إِرْشَادِهِ وَإِرْشَادِ غَيْرِهِ
بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ قَوْلًا أَنْ يَتَأَمَّلَهُ وَلَا يُبَادِرَ
إِلَى رَدِّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْرِكَ غَوْرَهُ
مرقاة المفاتيح
شرح مشكاة المصابيح (7/ 3063)
فَفِيهِ مَعَ
الْمُبَاسَطَةِ لَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى إِرْشَادِهِ وَإِرْشَادِ غَيْرِهِ،
بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ قَوْلًا أَنْ يَتَأَمَّلَهُ، وَلَا يُبَادِرَ إِلَى
رَدِّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْرِكَ غَوْرَهُ.
قال الشيخ محمد
لقمان السلفي في كتابه رش البرد (ص: 160):
"فيه إباحة
المزاح والدعابة وأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يمزح أحيانا بما يناسب
المخاطب وحالَه، كما في هذا الحديث." اهـ
ملحق
الفوائد:
١- جواز المزاح
إذا كان حقًّا
في الحديث دليلٌ
على جواز المزاح إذا سلم من الكذب والمحظور، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مازح
الرجل، ولم يكن في مزاحه كذبٌ ولا بهتان، وإنما تكلم بكلام صحيح، وأراد به معنى
لطيفًا.
٢- أن المزاح لا
ينافي الوقار
فليس الوقار أن
يكون الرجل عابسًا في كل أحواله، ولا أن يترك الملاطفة مع أهله وإخوانه، فقد كان
النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس وأعظمهم هيبة، ومع ذلك كان يمزح أحيانًا.
فالمزاح المباح لا يقدح في كمال المروءة والوقار.
٣- أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا
وهذه خصلة جليلة
من خصال هديه صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يكن يجعل الكذب وسيلةً لإضحاك الناس، بل
كان مزاحه صدقًا في نفسه، حسنًا في لفظه، لطيفًا في معناه.
٤- تحريم الكذب
في المزاح
إذا كان النبي
صلى الله عليه وسلم قد اقتصر في مزاحه على الصدق، ففي ذلك تنبيهٌ إلى اجتناب الكذب
لإضحاك الناس، فإن الكذب قبيحٌ سواء كان صاحبه جادًّا أو مازحًا.
٥- حسن معاشرة
النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه
في الحديث شاهدٌ
على لطف النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وحسن عشرته لهم، وإدخاله السرور على
نفوسهم، فلم يكن بينه وبين أصحابه حاجزٌ يمنع من الملاطفة والمزاح المباح.
٦- استحباب
إدخال السرور على المسلمين
فالمزاح الطيب
من أسباب تأليف القلوب وإزالة الوحشة، وقد يكون من حسن المعاشرة أن يلاطف المرء
أخاه بكلمةٍ طيبة أو نكتةٍ صادقة، ما لم يترتب عليها أذى أو محذور.
٧- فطنة النبي
صلى الله عليه وسلم وحسن جوابه
في قوله: «وهل
تلد الإبل إلا النوق؟» من لطيف الجواب وحسن التخلص ما يدل على كمال فطنته صلى الله
عليه وسلم؛ فإنه أجاب الرجل بجوابٍ صحيح، وأزال عنه الإشكال من غير تكلف ولا غلظة.
٨- أن الكلام قد
يكون صحيحًا وإن فُهِم منه أولًا معنى آخر
فالنبي صلى الله
عليه وسلم قال: «ولد ناقة»، والرجل حمله على المعنى القريب، وهو صغير الناقة، ثم
بيّن له أن كل بعيرٍ كبير إنما كان في أول أمره ولد ناقة.
وفي ذلك دلالة
على سعة اللغة العربية، وأن اللفظ الواحد قد يحتمل معاني متعددة بحسب المقام
والسياق.
٩- حسن التعليم
بالأسلوب اللطيف
لم يوبخ النبي
صلى الله عليه وسلم الرجل على فهمه، ولم يقل له: إنك لم تفهم، وإنما أتمّ معه
المزاح وأرشده إلى المقصود بعبارة لطيفة. وفي هذا تعليمٌ للدعاة والمعلمين أن
الرفق وحسن العبارة أقرب إلى قبول النفوس.
١٠- أن المزاح
ينبغي أن يكون منضبطًا بالآداب الشرعية
ليس كل مزاح
مباحًا، وإنما المزاح المحمود ما خلا من الكذب، والسخرية، والاستهزاء، وترويع
المسلم، وإيذائه، والتعدي على أعراض الناس، والإفراط الذي يذهب الهيبة والوقار.
١١- أن كثرة
المزاح مذمومة وإن كان أصل المزاح مباحًا
فالحديث يدل على
وقوع المزاح منه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك شأنه في جميع أوقاته، بل كان
يمزح أحيانًا عند الحاجة إلى الملاطفة.
فالمحمود أن
يكون المزاح كالملح في الطعام؛ إن زاد أفسده، وإن انعدم ربما لم يستسغه بعض الناس.
١٢- جواز
الملاطفة مع من يطلب الحاجة
فالرجل جاء يطلب
دابةً تحمله، فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من ملاطفته، بل جمع بين قضاء
حاجة الرجل وإدخال السرور عليه.
وهذا من كمال
حسن الخلق؛ إذ ليس قضاء الحوائج مقصورًا على مجرد إعطاء المطلوب، بل يحسن أن
يصاحبه طيب الكلام وحسن البشر.
١٣- أن حسن الخلق
يجمع بين الجد والمزاح
كان النبي صلى
الله عليه وسلم إمام الأنبياء، وصاحب أعظم الرسالات، ومع ذلك لم يكن يمنعه عظم
شأنه من التبسط مع أصحابه.
فكمال الشخصية
ليس في الجمود والعبوس، وإنما في أن يضع المرء الجد في موضعه، والمزاح في موضعه،
واللين في موضعه.
١٤- أن المقصود
من المزاح إدخال السرور لا إيذاء الناس
المزاح المشروع
ما كان باعثه الألفة والمودة وإزالة الوحشة، لا الانتقاص من الآخرين أو إضحاك
الحاضرين على حساب شخص آخر.
ولهذا كان مزاح
النبي صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن السخرية والاحتقار، مشتملًا على اللطف والبشاشة.
١٥- فضل الصدق
في جميع الأحوال
فالصدق خلقٌ لا
يتركه المؤمن في حال الجد ولا في حال المزاح، وفي الحديث تربيةٌ عظيمة على أن يكون
المسلم صادق اللسان في كلامه كله.
١٦- أن حسن
المزاح يحتاج إلى ذكاء وفهم
فليس المقصود من
المزاح مجرد إطلاق الكلام المضحك، وإنما يحتاج المرء إلى معرفة حال من أمامه، وما
يناسبه، وما لا يناسبه، وأن يختار من الكلام ما لا يوقع في محذور ولا يجرح مشاعر
أحد.
١٧- أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان قدوةً في مكارم الأخلاق
فالحديث وإن كان
في باب المزاح، إلا أنه يكشف عن خلقٍ عظيم من أخلاقه صلى الله عليه وسلم: البشاشة،
واللطف، وحسن الصحبة، والصدق، وحسن العبارة، وإدخال السرور على المسلمين.
١٨- أن المزاح
الصادق من محاسن العشرة
فإذا ضبطه
المسلم بالشرع، كان سببًا في تقوية المحبة بين الإخوان، وإزالة التكلف، وتطييب
النفوس، وتقريب القلوب؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يعرف متى يمزح، ومع من يمزح، وبماذا
يمزح، ومتى يمسك عن المزاح.
Komentar
Posting Komentar