شرح الحديث 265 (باب المزاح) - من الأدب المفرد

 

265 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا؟ قَالَ:

«إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ (صدوق كثير الغلط، ثبت فى كتابه، و كانت فيه غفلة: ت. 222 هـ)[1]:

عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني مولاهم، أبو صالح المصري (كاتب الليث بن سعد)، المولود: سنة 137 هـ، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خت د ت ق 

 

قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ (ثقة ثبت فقيه إمام: ت. 175 هـ):

الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري (مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر)، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ (صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة: 148 هـ بـ المدينة)[2]:

محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، من صغار التابعين، روى له: خت م د ت س ق

 

* عَنْ أَبِيهِ أَوْ سَعِيدٍ:

أبوه (لا بأس به: ت. 101 هـ):

عجلان القرشي المدني، مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة (والِدُ محمدِ بْنِ عَجْلاَنَ)، من طبقة تلي الوسطى من التابعين، روى له:  خت م د ت س ق.

 

وسَعِيدٍ (ثقة، تغير قبل موته بأربع سنين: ت. 120 هـ):

سعيد بن أبى سعيد (كيسان) المقبُري، أبو سعد المدني، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

قلت: كلاهما من شيوخ ابن عجلان.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت: 57 هـ):

عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا؟[3]

قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»

 

وفي "عمل اليوم والليلة" لابن السني (ص: 370):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_، قَالَ:

قُلْنَا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَمْزَحُ مَعَنَا."

قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»

 

وفي "سنن أبي داود":

عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِلْنِي، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ» قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (3/ 161) (12648)، و"الشمائل المحمدية" للترمذي – ط. المكتبة التجارية (ص: 196) (رقم: 240):

عَنْ أَنَسٍ:

أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرًا، وَكَانَ يُهْدِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّةَ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ،

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ» .

وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ يَوْمًا، وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَلَا يُبْصِرُهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا، فَالْتَفَتَ، فَعَرَفَ النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ عَرَفَهُ،

وَجَعَلَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟»

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ»."

صححه الألباني في "مختصر الشمائل" (ص: 127) (رقم: 204)

 

وقال عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي القاهري، الشهير بـ"الْمُنَاوِيّ" (المتوفى: 1031 هـ) _رحمه الله_ في "التيسير بشرح الجامع الصغير" (1/ 367):

"(تَنْبِيه): فرّق بَعضهم بَين المداعبة والمزاح بِأَن المداعبة مَا لَا يُغْضِبُ جِدُّهُ، والمزاحَ مَا يُغْضِبُ جِدُّهُ." اهـ

 

المعنى الإجمالي

 

بيّن هذا الحديث جواز المزاح والملاطفة بين المسلمين، وأن المزاح ليس من الأمور الممنوعة في أصلها، ما دام منضبطًا بالشرع، خاليًا من الكذب والباطل والأذى.

 

فقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يمازح أصحابه ويلاطفهم، مع كمال هيبته وعلو منزلته، ليؤنسهم ويقرّب قلوبهم، وليعلّم الأمة أن البشاشة وحسن المداعبة لا تنافي الوقار والصلاح.

 

فلما قال الصحابة _رضي الله عنهم_ للنبي _صلى الله عليه وسلم_: «إنك تداعبنا»، أي: إنك تمازحنا وتلاطفنا، ظنًّا منهم أن المزاح قد يكون مظنة قولِ ما لا حقيقة له، بيّن لهم _صلى الله عليه وسلم_ الضابط الذي ينبغي أن يكون عليه المزاح، فقال: «إني لا أقول إلا حقًّا». فدل ذلك على أن المزاح المباح هو ما كان صدقًا في نفسه، سالمًا من الكذب، ولم يتضمن محرّمًا أو أذىً لمسلم.

 

وفي الحديث أيضًا دلالة على أن المزاح لا يبيح الكذب، فإن بعض الناس إذا أراد إضحاك غيره، تساهل في اختلاق القصص والأخبار، ثم اعتذر بأنه إنما أراد المزاح.

 

وهذا خلاف هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_؛ إذ كان يمزح، ولكن لا يقول، إلا حقًّا. فالمؤمن يحفظ لسانه في الجد والهزل، ولا يجعل إضحاك الناس ذريعة إلى الكذب أو السخرية أو انتهاك الأعراض.

 

ففي سنن أبي داود (رقم: 4990):

عَنْ حكيم بن حزام _رضي الله عنه_، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ»

 

ومن لطيف معاني الحديث أن النبي _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ جمع بين البشاشة والصدق، والملاطفة والوقار؛ فلم يكن انبساطه مع أصحابه سببًا في سقوط هيبته، كما أن هيبته لم تمنعه من ملاطفتهم.

 

وهذا من كمال هديه _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_؛ إذ كان يعطي كل مقام حقه، فيكون جادًّا حيث ينبغي الجد، ومازحًا حيث يحسن المزاح، وفي الحالين لا يتكلم، إلا بالحق.

 

فالمزاح إذا كان صادقًا، مباحًا، خاليًا من الأذى والمحرمات، فهو من حسن العشرة ومكارم الأخلاق، وأن الواجب على المسلم أن يجعل الصدق ميزان كلامه في الجد والمزاح جميعًا.

 

وأجمع ما يقال في معنى الحديث: أن المؤمن قد يمازح، ولا يكذب؛ وقد يلاطف، ولا يؤذي؛ وقد يضحك، ولا يسقط مروءته؛ وقد يؤنس إخوانه، ولا يتجاوز حدود الحق.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 102) (رقم: 265)، سنن الترمذي ت شاكر (4/ 357) (رقم: 1990)، الشمائل المحمدية للترمذي ط المكتبة التجارية (ص: 195) (رقم: 238)، مسند أحمد - عالم الكتب (2/ 340 و 2/ 360) (رقم: 8481 و 8723)، الصمت لابن أبي الدنيا (ص: 211) (رقم: 397)، المعجم الأوسط (8/ 305) (رقم: 8706)، عمل اليوم والليلة لابن السني (ص: 370) (رقم: 418)، السنن الكبرى للبيهقي (10/ 420) (رقم: 21173_21174).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (4/ 304) (رقم: 1726)، و"صحيح الأدب المفرد" (ص: 116) (رقم: 200)، و"تخريج مشكاة المصابيح" (رقم: 4885)، "صحيح الجامع الصغير وزيادته" (1/ 493) (رقم: 2509)، و"مختصر الشمائل" (ص: 125) (رقم: 202)

 

من فوائد الحديث:

 

فتح الباري لابن حجر (10/ 526_527):

"الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا فِيهِ إِفْرَاطٌ أَوْ مُدَاوَمَةٌ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ___وَالتَّفَكُّرِ فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَيَئُولُ كَثِيرًا إِلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَالْإِيذَاءِ وَالْحِقْدِ وَسُقُوطِ الْمَهَابَةِ وَالْوَقَارِ.

وَالَّذِي يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْمُبَاحُ فَإِنْ صَادف مصلحَة مثل تطييب نَفْسِ الْمُخَاطَبِ وَمُؤَانَسَتِهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: (مِنَ الْغَلَطِ أَنْ يُتَّخَذَ الْمِزَاحُ حِرْفَةً وَيُتَمَسَّكُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَزَحَ، فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الرِّيحِ حَيْثُ دَارَ، وَيَنْظُرُ رَقْصَهُمْ وَيتَمَسَّكُ بِأَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أذن لعَائِشَة أَن تنظر إِلَيْهِم)." اهـ

 

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3140):

"قال النووي _رحمه الله_:المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين. ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار.

فأما من سلم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على الندرة لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سنة مستحبة. فاعلم هذا؛ فإنه مما يعظم الاحتياج إليه." اهـ

 

التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 39)

ومزاحه - صلى الله عليه وسلم - بحق دليل على أن المزاح بحق ليس من الباطل وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقًّا"

قال الشارح: وقد استدل القرطبي به على تحريم الغناء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تبرأ منه وما يتبرأ منه حرام وليس بسديد إذ ليس كل لهو ولعب محرماً بدليل لعب الحبشة بمسجده - صلى الله عليه وسلم - بمشهده.

قلت: لعب الحبشة تصوير لكيفية الحرب وتدريب للحذاقة فيه فليس من اللعب المجرد الذي يشتغل به أهل البطالة وهو مثل تأديب الرجل فرسه." اهـ

 

البدر التمام شرح بلوغ المرام (10/ 315):

المنهي عنه ما كان باطلًا، وأما ما كان حقًّا ولا يتسبب به شحناء، فهو جائز، كما قد وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وروي أبو هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، إنك لتداعبنا. قال: "إني لا أقول إلا حقًّا". أخرجه الترمذي. فنبه أن المزاح الحق لا حرج فيه." اهـ

 

بستان العارفين للسمرقندي (ص: 381)

لا بأس بالمزاح بعد أن لا يتكلم بكلام فاحش يأثم فيه أو يقصد أن يضحك الناس فإن ذلك مذموم.

 

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (8/ 184)

قوله: (لا أقول إلا حقًّا) وإن كان في صورة الباطل عند من لا يفهم حقيقة المقصود، وبهذا يحصل الطيبة والمزاح، وهذا هو الضابط في هذا الباب، ومع ذلك ينبغي أن لا يكون فيه إيذاء للصاحب، ولا يعتاد ذلك؛ فإنه يذهب بالمهابة والوقار.

 

 

عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/ 169)

"وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أحسن الْأمة أَخْلَاقًا وأبسطهم وَجها، وَقد وَصفه الله عز وَجل بذلك بقوله: {وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم} فَكَانَ ينبسط إِلَى النِّسَاء وَالصبيان ويداعبهم ويمازحهم، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنِّي لأمزح وَلَا أَقُول إلاَّ حَقًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤمنِ الِاقْتِدَاء بِحسن أخلاقه وطلاقة وَجهه." اهـ

 

شرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 304):

"كان النبى عليه السلام أحسن الأمة أخلاقًا وابسطهم وجهًا، وقد وصف الله ذلك بقوله: (إنك لعلى خلق عظيم) فكان ينبسط إلى النساء والصبيان ويمازحهم ويداعبهم، وروى عنه أنه قال: (إنى لأمزح ولا أقول إلا حقًا) وكان يسرح إلى عائشة صواحباتها ليلعبن معها، فينبغى للمؤمنين الاقتداء بحسن أخلاقه وطلاقة وجهه (صلى الله عليه وسلم)

 

وقال الراغب الأصفهاني _رحمه الله_ في "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (ص: 201_202):

"المزاح: إذا كان على الاقتصاد محمود، فقد روي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: (إني لأمزح، ولا أقول إلا حقًا)،

وروي عنه _صلى الله عليه وسلم_ كلماتٌ مازَحَ بهن،

وقال سعيد بن العاص__لابنه: (اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجرّيء عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين).

ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا، لا يكاد يوقف عليه، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل: (المزاح مسلبة للبهاء، ومقطعةٌ للإخاء، وفعْلٌ لا ينتج إلا الشر).

وأما الضحك، فمن خصائص الإنسان، وذلك أنه يكون من التعجب، والتعجب لا يكون، إلا عن فكرة، وبالفكرة يميَّز الإنسان عن البهائم.

والاقتصاد فيه، ومعرفة ما يحسن منه عسير كما هو في المزاخ.

وقيل: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان،

وقيل: كثرة الضحك من الرعونة،

وحكي عن عيسى _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال: (إن اللَّه تعالى يبغض المضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب).

وأما إيراد المضحكات على سبيل السخف، فنهاية القباحة.

وقد قال _صلى الله عليه وسلم_: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ»[4]." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث فوائد جليلة، وقواعد نافعة في باب حسن الخلق، وضبط اللسان، ومعاملة الناس، ومن أبرزها:

١ ـ فيه: جواز المزاح إذا انضبط بالحق، وأن المزاح في أصله مباح، وليس كل انبساط مع الناس مذمومًا؛ فإن النبي ﷺ كان يمازح أصحابه، غير أن مزاحه لم يكن خارجًا عن حدود الشرع. فالمزاح الممدوح ما سلم من الكذب والإيذاء والمحرمات.

٢ ـ أن الصدق لا يَسْقُطُ حال المزاح،

فقوله ﷺ: «إني لا أقول إلا حقًّا» أصل عظيم في حفظ اللسان؛ فالمؤمن صادق في جده وهزله، ولا يجعل المزاح بابًا يتوصل به إلى الكذب. فما جاز أن يقال في حال الجد، جاز أن يقال في حال المزاح إذا كان حقًّا، وما حرم قوله في الجد لم يجز قوله في الهزل.

٣ ـ تحريم الكذب في المزاح،

ففيه: ردّ على من يتذرع بالمزاح، فيختلق الأخبار، وينسُج القصص التي لا أصل لها، ثم يقول: إنما أردت إضحاك الناس. فإن النبي ﷺ، مع مزاحه، قال: «لا أقول إلا حقًّا»، فدل ذلك على أن إضحاك الناس لا يبيح الكذب.

٤ ـ كمال هدي النبي ﷺ في حسن معاشرة أصحابه،

فالنبي ﷺ كان يخالط أصحابه، ويلاطفهم، ويمازحهم، ولا يمنعه مقام النبوة والرسالة من إظهار البشاشة وحسن العشرة. وهذا من كمال أخلاقه ﷺ، إذ جمع بين الهيبة والرحمة، والوقار والبشاشة.

٥ ـ أن المزاح لا ينافي الوقار،

فليس الوقار أن يكون الرجل عبوسًا دائمًا، ولا أن يقطع نفسه عن مخالطة الناس ومؤانستهم، وإنما الوقار أن يملك الإنسان لسانه وجوارحه، فيضع المزاح في موضعه، ولا يخرجه إلى السخف وسوء الأدب.

٦ ـ أن حسن الخلق يكون مع الجد والهزل جميعًا،

فالمؤمن حسن الخلق في معاملته للناس، سواء كان في مقام الجد أو في مقام الملاطفة. فلا يظلم في مزاحه، ولا يكذب، ولا يسخر، ولا يهتك ستر أحد، بل يكون خفيف الروح مع حفظ حدود الدين والمروءة.

٧ ـ أن العبرة ليست بكون الكلام مزاحًا أو جدًّا، وإنما بمضمونه،

فقد يكون الكلام في صورة المزاح، وهو مشتمل على الكذب أو الغيبة أو السخرية أو الفحش، فيكون مذمومًا. وقد يكون المزاح كلمة لطيفة صادقة، فيكون مباحًا أو مستحبًا بحسب ما يترتب عليه من المصالح.

٨ ـ أن من تمام النصيحة بيان الضابط عند الاشتباه،

لما قال الصحابة رضي الله عنهم: «إنك تداعبنا؟» بيّن لهم النبي ﷺ الحد الفاصل بين المزاح المحمود والمذموم، فقال: «إني لا أقول إلا حقًّا». وفي ذلك تعليم للناس أن المسائل التي قد تشتبه عليهم ينبغي أن تضبط بالعلم والبيان.

٩ ـ أن الصدق خلق لازم للمؤمن في جميع أحواله

فالصدق ليس خُلُقًا خاصًّا بمقام الشهادة أو القضاء أو نقل الأخبار، بل هو خلق لازم للعبد في كل أحواله. فمن صدق في كلامه حين يمازح، كان أحق أن يصدق حين يجدّ.

١٠ ـ التحذير من التساهل في اللسان

فاللسان قد يورد صاحبه موارد الهلكة بسبب كلمة يقولها في ساعة مزاح. ومن ثم كان النبي ﷺ يحفظ لسانه، فلا يتكلم إلا بحق، ليكون في ذلك أسوة لأمته في صيانة الكلام.

١١ ـ أن إدخال السرور على المسلمين من محاسن الأخلاق

إذا كان المزاح صادقًا سالمًا من المحظورات، فإنه قد يكون سببًا لانشراح الصدر، وتقوية المودة، وإزالة الوحشة بين الإخوان. فليس المقصود من الصلاح أن يكون المرء جافيًا غليظًا، بل يجمع بين الاستقامة وحسن العشرة.

١٢ ـ أن المزاح ينبغي أن يكون بقدر الحاجة

فالمزاح إن زاد عن حده انقلب إلى عبث، وأورث قسوة القلب، وأذهب الهيبة، وربما جرّ إلى الكذب والخصومات. فالمحمود منه ما كان عارضًا، لحاجة أو مصلحة، ولم يستول على أوقات العبد وأحواله.

١٣ ـ أن كثرة المزاح قد تفسد ما يصلحه قليله

فإذا صار المزاح ديدن الرجل وعادته الغالبة، قلّت مهابته، وربما جرّه ذلك إلى التوسع في الباطل. وأما المزاح اليسير الذي يقع في موضعه، فإنه أدعى إلى الألفة وأقرب إلى السلامة.

١٤ ـ أن النبي ﷺ كان قدوة في مكارم الأخلاق

فليس هديه ﷺ في العبادة وحدها، بل كان قدوة في الكلام والمعاشرة والملاطفة والضحك والمزاح وسائر أبواب الأخلاق. فمن أراد حسن الخلق فليتأسَّ بهديه ﷺ، ولا يجعل التدين سببًا للجفاء والغلظة.

١٥ ـ أن المزاح الصادق لا يدخل في الكذب وإن كان المقصود منه الإضحاك

فإن قول النبي ﷺ: «إني لا أقول إلا حقًّا» يدل على أن حقيقة المزاح المباح أن يكون الكلام صادقًا، ولو كان المقصود منه الترويح عن النفس أو إدخال السرور على الآخرين.

١٦ ـ أن الكذب لا يصير مباحًا بمجرد حسن القصد

فلو قصد المرء بإخباره الكاذب أن يضحك الناس أو يسرّهم، لم يكن حسن القصد مسوغًا للكذب؛ إذ المقاصد الحسنة لا تجعل الوسائل المحرمة مباحة. ولهذا جعل النبي ﷺ ضابط مزاحه قوله: «لا أقول إلا حقًّا».

١٧ ـ أن المسلم مطالب بمراقبة الله في سره وعلانيته

فالعبد قد يتساهل في الكلام إذا كان في مجلس مؤانسة، ويظن أن الأمر لا يعدو المزاح، ولكن المؤمن يعلم أن كل كلمة محسوبة عليه؛ قال تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

١٨ ـ أن ملاطفة الناس من أسباب تأليف القلوب

فالكلمة الطيبة، والبشاشة، والمزاح الصادق، كل ذلك مما يورث المحبة إذا وضع في موضعه. وقد يكون الإنسان بالبسمة والكلمة اللطيفة أقرب إلى قلوب الناس منه بكثرة الكلام والمواعظ.

١٩ ـ أن المزاح المباح لا ينبغي أن يشتمل على تنقص أحد

فمن مزاح الناس اليوم ما يقوم على السخرية من الأشكال، أو الأنساب، أو الأخطاء، أو العيوب، أو الفقر، أو غير ذلك. وهذا ليس من هدي النبي ﷺ؛ فإن المزاح المباح لا يكون طريقًا إلى إذلال المسلم أو كسر قلبه.

٢٠ ـ أن حسن الخلق لا يعني التنازل عن الحق

فالنبي ﷺ كان يلاطف أصحابه ويداعبهم، ومع ذلك لم يكن يقول إلا حقًّا. ففيه تعليم للداعية والمربي أن الجمع بين اللين في المعاملة والثبات على الحق من أكمل طرائق الدعوة والتعليم.

٢١ ـ أن الحكمة وضع كل شيء في موضعه

فليس المطلوب أن يكون الإنسان جادًّا في كل وقت، ولا أن يكون مازحًا في كل وقت؛ وإنما الحكمة أن يعرف موضع الجد وموضع المزاح. فلكل مقام مقال، ولكل حال ما يليق بها.

٢٢ ـ أن مزاح النبي ﷺ كان منضبطًا بالمروءة

فلم يكن من هديه ﷺ أن يتكلف السخف، أو يرفع صوته بالقهقهة، أو يجعل الناس غرضًا لنكاته، أو يطلب الشهرة بإضحاك المجالس؛ وإنما كان مزاحه لطيفًا، صادقًا، بعيدًا عن الفحش والباطل.

خلاصة جامعة

فهذا الحديث أصل نفيس في آداب المزاح وحفظ اللسان؛ فإنه يعلّم المسلم أن يكون بشوشًا من غير إسفاف، ومازحًا من غير كذب، لطيفًا من غير أذى، قريبًا من الناس من غير أن يتنازل عن وقاره ودينه.

 



[1] تابعه عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ البَغْدَادِيُّ (ثقة) في رواية الترمذي

[2] تابعه أسامة بن زيد الليثي (صدوق) في رواية الترمذي ، ونجيح بن عبد الرحمن السندي أبو معشر المدني مولى بنى هاشم (ضعيف) في رواية ابن أبي الدنيا وابن السني.

[3] قال القاري _رحمه الله_ في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (7/ 3062):

"(إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا) مِنَ الدُّعَابَةِ أَيْ: تُمَازِحُنَا، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوهُ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ أَكَّدُوا الْكَلَامَ بِأَنْ وَبِاللَّامِ أَيْضًا عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ: لَتُدَاعِبُنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَنْشَأَ سُؤَالِهِمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُمْ عَنِ الْمُزَاحِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ." اهـ

[4] أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1199) (رقم: 7136)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

خمس بلايا على الأمة وسببها