شرح الحديث 264 (باب المزاح) - شرح الأدب المفرد

 

ثم قال البخاري _رحمه الله_ في كتابه "الأدب المفرد":

133- باب المزاح

264 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ - وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ - فَقَالَ: «يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ»

قَالَ أَبُو قِلَابَةَ:

فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعُبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: «سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ»

[قال الشيخ الألباني: صحيح]

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (ثقة حافظ: 228 هـ):

مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي، أبو الحسن البصري، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: خ د ت س

 

(ثقة حافظ: 193 هـ بـ بغداد):

إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدى مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بـ"ابْنِ عُلَيَّةَ" (أخو رِبْعِيٍّ، ووالد إبراهيم وحماد، ومحمد)، المولود سنة  110 هـ، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبَ (ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد: ت. 131 هـ):

أيوب بن أبى تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري (مولى عنزة. ويقال: مولى جهينة)، من صغار التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

عَنْ أَبِي قِلَابَةَ (104 هـ بـ الشام):

عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي، أبو قلابة البصري (وهو ابن أخي أبي المهلب الجرمي)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (صحابي: ت. 93 هـ):

أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بْنِ جُنْدُبِ بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار الأنصاري النجاري، أبو حمزة المدني، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ - وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ - فَقَالَ: «يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ»

قَالَ أَبُو قِلَابَةَ:

فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعُبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: «سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ»

 

قال النووي _رحمه الله_ في "شرح صحيح مسلم" (15/ 80)

وَأَمَّا (رُوَيْدَكَ)، فَمَنْصُوبٌ عَلَى الصِّفَةِ بِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: سق سوقا___رُوَيْدًا،

وَمَعْنَاهُ: الْأَمْرُ بِالرِّفْقِ بِهِنَّ.

وَ(سَوْقَكَ): مَنْصُوبٌ بِإِسْقَاطِ الْجَارِّ، أَيِ: ارْفُقْ فِي سَوْقِكَ بِالْقَوَارِيرِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: سُمِّيَ النِّسَاءُ قَوَارِيرَ لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ تَشْبِيهًا بِقَارُورَةِ الزُّجَاجِ لِضَعْفِهَا وَإِسْرَاعِ الِانْكِسَارِ إِلَيْهَا.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِتَسْمِيَتِهِنَّ قَوَارِيرَ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ:

* أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي وَآخَرِينَ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْهَرَوِيُّ وَصَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَآخَرُونَ: أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ أَنْجَشَةُ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ وَكَانَ يَحْدُو بِهِنَّ وَيُنْشِدُ شَيْئًا مِنَ الْقَرِيضِ وَالرَّجَزِ وَمَا فِيهِ تَشْبِيبٌ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَفْتِنَهُنَّ، وَيَقَعَ فِي قُلُوبِهِنَّ حِدَاؤُهُ. فَأَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ.

وَمِنْ أَمْثَالِهِمُ الْمَشْهُورَةِ: (الغناء رُقْيَةُ الزنى)،

قَالَ الْقَاضِي هَذَا أَشْبَهُ بِمَقْصُودِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَبِمُقْتَضَى اللَّفْظِ. قَالَ: (وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي قِلَابَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ)،

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرِّفْقُ فِي السَّيْرِ، لِأَنَّ الْإِبِلَ إِذَا سَمِعَتِ الْحِدَاءَ أَسْرَعَتْ فِي الْمَشْيِ وَاسْتَلَذَّتْهُ فَأَزْعَجَتِ الرَّاكِبَ وَأَتْعَبَتْهُ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاءَ يَضْعُفْنَ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرَكَةِ وَيُخَافُ ضَرَرُهُنَّ وسقوطهن." اهـ

 

صحيح البخاري (8/ 38)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ مَعَهُ غُلاَمٌ لَهُ أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، يَحْدُو، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالقَوَارِيرِ»

 

صحيح البخاري (8/ 45)

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فِي الثَّقَلِ، وَأَنْجَشَةُ غُلاَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسُوقُ بِهِنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَنْجَشُ، رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بِالقَوَارِيرِ»

 

صحيح البخاري (8/ 47):

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الحَادِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ، وَيْحَكَ بِالقَوَارِيرِ»

 

صحيح مسلم (4/ 1812)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، وَهُنَّ يَسُوقُ بِهِنَّ سَوَّاقٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: «أَيْ أَنْجَشَةُ رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ»

 

صحيح مسلم (4/ 1812)

عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُوَيْدًا يَا أَنْجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ» - يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ –

 

المعنى الإجمالي

يبين هذا الحديث جانبًا من كمال أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن معاشرته، ولطفه في مخاطبة الناس، وأنه كان يجمع بين الوقار والبشاشة، وبين الجِدِّ والمزاح المباح الذي لا يشتمل على كذبٍ ولا أذى ولا امتهان.

ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ ببعض نسائه، وكانت معهن أم سليم رضي الله عنها، وكان يقود الإبل رجلٌ يقال له أنجشة، وكان حسن الصوت يحدو بالإبل، فكانت الإبل تنشط وتسرع في السير بسبب حدائه.

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سرعة سير الإبل، وخشي أن يؤدي ذلك إلى اضطراب النساء أو وقوع المشقة عليهن، قال لأنجشة: «يا أنجشة، رويدًا، سوقك بالقوارير»؛ أي: ارفق في سوق الإبل، وتمهَّل، فإن معك نساءً ينبغي الرفق بهن.

وشبَّه النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير؛ لأن القارورة من الزجاج الرقيق الذي يحتاج إلى الرفق في حمله وصيانته من الكسر، فكذلك النساء يغلب عليهن الرقة واللين وضعف البنية بالنسبة إلى الرجال، فيحتجن إلى مزيد من الرفق والرحمة وحسن المعاملة. وليس في هذا التشبيه انتقاص لهن، بل هو من أبلغ أساليب التكريم، إذ يتضمن الأمر بالمحافظة عليهن، والعناية بهن، واجتناب ما يؤذيهن.

ثم قال أبو قلابة رحمه الله: «فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه»؛ أي: أن هذه العبارة لو صدرت من غير النبي صلى الله عليه وسلم لاتخذها بعض الناس موضعًا للمزاح أو السخرية، ولكنها لما صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من كمال فصاحته، وحسن تعليمه، ولطف عبارته، إذ أراد بها الرفق بالنساء، ولم يقصد تنقصهن ولا الاستهزاء بهن.

فالحديث يدل على جواز المزاح إذا كان حقًّا وصدقًا، وخاليًا من الإثم، كما يدل على استحباب الرفق بالنساء، والعناية بمشاعرهن وأحوالهن، واختيار الألفاظ الحسنة المؤثرة في النفوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقًا، وألينهم جانبًا، وأرفقهم بأهله وأصحابه، يجمع في كلامه بين الحكمة، وحسن الأدب، وجمال التعبير.

 

وجه المناسبة بين الحديث وترجمة الباب (باب المزاح)

عقد الإمام البخاري رحمه الله هذا الباب لبيان مشروعية المزاح المباح، وأنه لا ينافي الوقار ولا كمال الإيمان إذا خلا من الكذب، والأذى، والاستهزاء، وإضاعة الحقوق.

وقد أورد هذا الحديث؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أنجشة، رويدًا، سوقك بالقوارير» فيه ملاطفة لطيفة، وتشبيه بديع، ومزاح صادق أدخل السرور على السامعين، مع اشتماله على التوجيه والإرشاد.

فلم يكن مزاحه صلى الله عليه وسلم عبثًا، ولا لغوًا، وإنما كان حقًّا وصدقًا، يجمع بين حسن الخلق، ولطافة العبارة، والتعليم، والتأديب.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص: 101) (رقم: 264)، وفي "صحيحه" (8/ 35 و 8/ 38 و 8/ 44 و 8/ 47) (رقم: 6149 و 6161 و 6202 و 6209_6210)، ومسلم (4/ 1811/ 70) (رقم: 2323)

 

من فوائد الحديث:

 

قال الإثيوبي في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (37/ 509_510):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان جواز الْحُدَاء، وهو بضم الحاء، ممدودًا: الغناء والترنّم

بأراجيز في مواضعها، من سَوْق الإبل، وقطع الأسفار.

2 - (ومنها): جواز إنشاد الرقيق من الشعر بالأصوات الحسنة.

3 - (ومنها): بيان جواز السفر بالنساء.

4 - (ومنها): بيان جواز استعمال المجاز.

5 - (ومنها): مباعدة النساء من الرجال، ومن سماع كلامهم، إلا الوعظ

ونحوه،

6 - (ومنها): ما قال العلماء: سُمِّي النساء قوارير؛ لضعف عزائمهن، تشبيهًا بقارورة الزجاج؛ لِضَعفها، وإسراع الانكسار إليها.

قال النوويّ: واختُلِف في المراد بتسميتهن قوارير على قولين، ذكرهما القاضي وغيره، أصحهما عند القاضي، وآخرين، وهو الذي جزم به الهرويّ، وصاحب "التحرير"، وآخرون: أن معناه أن أنجشة كان حسن الصوت، وكان يحدو بهنّ، ويُنشد شيئًا من القريض، والرجز، وما فيه تشبيب، فلم يأمَن أن يفتنهن، ويقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكفّ عن ذلك. ومن أمثالهم المشهورة: الغِنَا رُقية الزنى، قال القاضي، هذا أشبه بمقصوده - صلى الله عليه وسلم -، وبمقتضى اللفظ، قال: وهو الذي يدلّ عليه كلام أبي قلابة المذكور في هذا الحديث في مسلم.___

والقول الثاني: أن المراد به الرفق في السير، لأن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي، واستلذَّته، فأزعجت الراكب، وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عند شدة الحركة، ويخاف ضررهنّ، وسقوطهن. انتهى (1).

قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح عندي هو القول الثاني، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.

 

ملحق فوائد الحديث

 

الفائدة الأولى

في الحديث دليلٌ على جواز المزاح إذا كان حقًّا وصدقًا، خاليًا من الكذب والإثم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مزح، وكان مزاحه حقًّا لا باطل فيه، وتأديبًا لا عبث معه.

الفائدة الثانية

أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فما صدر عنه من قولٍ أو فعلٍ فهو أكمل الأخلاق وأتم الآداب، ومن رام السعادة فليلزم سنته في جده ومزاحه وسائر شأنه.

الفائدة الثالثة

أن الرفق بالنساء من محاسن الشريعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أنجشة بالتؤدة في سوق الإبل؛ صيانةً للنساء، وشفقةً عليهن، ورحمةً بهن.

الفائدة الرابعة

أن التشبيه الحسن إذا خلا من الباطل كان من أفصح الكلام وأبلغه، فإن تشبيه النساء بالقوارير جمع بين حسن العبارة، ولطافة الإشارة، وعظيم الشفقة.

الفائدة الخامسة

أن المرأة خلقت على رقةٍ ولين، فهي أحوج إلى الرفق من الشدة، وإلى اللطف من الغلظة، ومن خالف هذا الهدي فقد خالف السنة، وأساء العشرة.

الفائدة السادسة

أن حسن اختيار الألفاظ من دلائل كمال العقل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عبَّر بأوجز لفظٍ وأبلغه، فجمع بين التعليم والإيناس وحسن الأدب.

الفائدة السابعة

أن المزاح المشروع لا يُسقط هيبة العالم ولا الإمام إذا كان في موضعه، بل يزيده قبولًا في القلوب، ويحبب الناس إليه، كما كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم.

الفائدة الثامنة

أن القائد والراعي ينبغي له أن يلاحظ أحوال من معه، فيأمر بما فيه مصلحتهم، وينهاهم عما يشق عليهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم راعى حال النساء مع أنجشة.

الفائدة التاسعة

أن الشريعة مبنيةٌ على الرحمة ورفع الحرج، فما كان مظنةً للمشقة أمرت فيه بالرفق، وما كان سببًا للأذى نهت عنه.

الفائدة العاشرة

أن حسن الصوت يؤثر في الدواب، كما يؤثر في بني آدم، ولذلك كانت الإبل تنشط بحداء أنجشة، حتى احتيج إلى أمره بالتخفيف.

الفائدة الحادية عشرة

أن البلاغة ليست في كثرة الألفاظ، وإنما في إصابة المعنى بأحسن عبارة، وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فكان كلامه قليل الألفاظ، عظيم المعاني.

الفائدة الثانية عشرة

أن كلام أهل الفضل قد يشتبه على من قصر فهمه، ولذلك قال أبو قلابة: لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه؛ تنبيهًا إلى أن الناس لا يحسنون تنزيل الكلام منازله.

الفائدة الثالثة عشرة

أن توقير كلام أهل العلم والفضل من الأدب، فلا يحمل كلامهم على محامل السخرية والاستهزاء، بل يُلتمس له أحسن المعاني ما وجد إلى ذلك سبيل.

الفائدة الرابعة عشرة

أن حسن المعاشرة بين الزوج وأهله من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يلاحظ أحوال نسائه في السفر والحضر، ويعاملهن بأكمل الرفق والرحمة.

الفائدة الخامسة عشرة

أن الرحمة إذا قارنت القوة كانت أكمل الأخلاق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قائدًا للأمة، ومع ذلك لم تغلبه الشدة على الرحمة، بل جمع بين الهيبة والرأفة.

الفائدة السادسة عشرة

أن من مقاصد الشريعة حفظ النفوس وصيانتها عن أسباب الضرر، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراع الذي قد يوقع النساء في الأذى أو المشقة.

الفائدة السابعة عشرة

أن المزاح إذا اقترن بالحكمة كان وسيلةً للتعليم، فإن هذه الكلمة اليسيرة بقيت تُروى في كتب السنة، لما اشتملت عليه من الأدب والرفق وحسن البيان.

الفائدة الثامنة عشرة

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس خلقًا، فكان يمزح، ويعلِّم، ويرشد، ويؤدب، ولا يخرج في شيءٍ من ذلك عن حد الحق والعدل، فاجتمع له كمال الخلق وكمال الخُلُق، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

خمس بلايا على الأمة وسببها