شرح الحديث 227 (الترغيب في ركعتين بعد الوضوء) من صحيح الترغيب

 

227 - (2) [صحيح] وعن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"ما من أحدٍ يتوضأ فَيُحسن الوُضوء، ويُصلِّي ركعتين، يُقْبل بقَلبه ووجهه عليهما، إلا وَجَبَتْ له الجنةُ".

رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في "صحيحه" فى حديث.

[يأتي بتمامه في (5 - الصلاة / 14 - الترغيب في الصلاة)].

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (4/ 146):

«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَغُفِرَ لَهُ»

 

وفي "مسند أحمد" – ط. عالم الكتب (4/ 158):

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، يَقُولُ:

«مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى غَيْرَ سَاهٍ وَلَا لَاهٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَقَالَ يَحْيَى، مَرَّةً: «غُفِرَ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ سَيِّئَةٍ»[1]

 

وفي "مصنف عبد الرزاق الصنعاني" (1/ 46):

«مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَلَّى صَلَاةً، يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

 

قال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (1/ 150_151):

"وَقَوله: (فَيحسن وضوءه)، إِحْسَان الْوضُوء: إِتْمَامه.

وَقَوله: (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقبل عَلَيْهِمَا بِقَلْبِه وَوَجهه)،

الإقبال بِالْوَجْهِ: ترك الِالْتِفَات وَالنَّظَر إِلَى مَوضِع السُّجُود، وبالقلب: قطع الْفِكر عَنهُ___فِيمَا سوى الْعِبَادَة." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث على ضوء رواياته

 

هذه الأحاديث تبين عظيم فضل الوضوء وإحسانه، ثم المبادرة إلى صلاة ركعتين بعده، مع حضور القلب والخشوع والإقبال على الله تعالى، وأن هذه العبادة اليسيرة قد تكون سببًا في مغفرة الذنوب ودخول الجنة، لما اشتملت عليه من طهارة الظاهر والباطن، وإقبال العبد على ربه بالصلاة.

 

فقوله _صلى الله عليه وسلم_: «ما من أحد يتوضأ فيُحسن الوضوء»، وفي رواية أحمد: «فيسبغ الوضوء»،

يدل على أن المراد ليس مجرد غسل الأعضاء على وجه العادة، وإنما إتمام الوضوء وإسباغه، باستيفاء أعضائه، وإيصال الماء إلى مواضعه، والإتيان به على الوجه المشروع، مع الاحتساب والتعبد لله تعالى. فالوضوء عبادة، وكلما اعتنى العبد بإحسانها، كان ذلك أدعى لكمال أثرها.

 

ثم قال _صلى الله عليه وسلم_: «ويصلي ركعتين»،

أي: يعقب وضوءه بصلاة ركعتين، وهما مما شرع أن يصليهما المسلم بعد وضوئه.

وفي ذلك حثٌّ على اغتنام الطهارة وعدم جعلها مجردَ وسيلةٍ إلى الصلاة المفروضة، بل يتبعها العبد بعبادة أخرى مستقلة، شكرًا لله تعالى على نعمة الطهارة وقربةً إليه سبحانه.

 

وأما قوله _صلى الله عليه وسلم_: «يُقْبِلُ بقلبه ووجهه عليهما»، ففيه: بيان أن الفضل المذكور ليس لمجرد صورة الصلاة وحركاتها، وإنما لكمال الإقبال فيها.

فإقبال الوجه يكون بالتوجه إلى القبلة والقيام بين يدي الله، وإقبال القلب يكون بحضوره وخشوعه وتدبره لما يقرأ ويقول، وانصرافه عن الشواغل والخواطر التي تصرفه عن صلاته.

ولهذا جاءت رواية أحمد بلفظ: «غير ساهٍ ولا لاهٍ»، أي يصلي وهو حاضر القلب، غير غافل عن صلاته، ولا مشغول عنها باللهو والخواطر.

 

وتزيد رواية مصنف عبد الرزاق هذا المعنى إيضاحًا، ففيها: «يعلم ما يقول فيها حتى يفرغ من صلاته».

وهذا يدل على أن من كمال الصلاة أن يكون المصلي واعيًا لأقواله، متفهمًا لمعاني أذكاره وقراءته، مستشعرًا أنه واقف بين يدي ربه، لا أن تكون الصلاة مجردُ ألفاظٍ تجري على اللسان وحركاتٍ تجري على الجوارح، والقلبُ غائب عنها.

 

وأما قوله _صلى الله عليه وسلم_: «إلا وجبت له الجنة»، فهو من أعظم بشارات هذا العمل؛

أي: استحق هذا الفضل العظيم الذي رتبه الشرع على إحسان الوضوء، وإتمام الصلاة، وحضور القلب فيها. وليس المراد: أن مجرد هذه الركعتين تُغني العبد عن سائر الفرائض والواجبات، وإنما هي عبادة عظيمة جعل الله لها هذا الجزاء، مع القيام بما أوجب الله تعالى وترك ما حرّم.

 

وفي رواية أحمد الأخرى: «إلا وجبت له الجنة وغُفر له»، اجتمع فيها جزاءانِ عظيمان: مغفرة الذنب، ودخول الجنة.

وفي الرواية الأخرى: «غُفر له ما تقدم من ذنبه»، مما يدل على أن هذه الصلاة إذا أُديت على الوجه الذي ورد به الحديث كانت سببًا في تكفير الذنوب.

 

وتأتي رواية عبد الرزاق ببيان أثر أعظم، وهو قوله _صلى الله عليه وسلم_: «كان كهيئته يوم ولدته أمه»؛

أي: يكون قد تخلص من الذنوب وآثارها حتى يصير في حالٍ تُشْبِهُ حال المولود في براءته من الذنوب. وهذا يؤكد أن الطهارة الحسية قد تكون بابًا إلى الطهارة المعنوية، وأن العبد إذا جمع بين تطهير بدنه بالماء وتطهير قلبه بالتوبة والإقبال على الله، نال من الخير ما لا يخطر له على بال.

 

وخلاصة المعنى: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أرشد أمته إلى اغتنام نعمة الطهارة، وإحسان الوضوء، ثم صلاة ركعتين عقب ذلك مع كمال الخشوع وحضور القلب وفهم ما يُقال؛ وأن هذه العبادة، على يسرها، من أبواب الخير العظيمة التي جعل الله تعالى بها مغفرة الذنوب، واستحقاق الجنة، والتطهر من أدران الذنوب، إذا أداها العبد على الوجه المشروع، مع المحافظة على سائر فرائض الدين وواجباته.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 209/ 17) (رقم: 234)، أبو داود في "سننه" (1/ 43 و 1/ 238) (رقم: 169 و 906)، والنسائي في "سننه" (1/ 95) (رقم: 151)، وفي "السنن الكبرى" (1/ 145) (رقم: 177)، وابن المبارك في "الزهد والرقائق" (1/ 402) (رقم: 1145)، وعبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 45) (رقم: 142)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 13) (رقم: 21)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 145 و 4/ 153 و 4/ 158_159) (رقم: 17314 و 17393 و 17448_17449)، والبزار في "مسنده" = البحر الزخار (1/ 361) (رقم: 242)، وابن حبان في "صحيحه" (3/ 325) (رقم: 1050)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 95) (رقم: 288)، و"صحيح أبي داود" - الأم (1/ 298 و 4/ 60) (رقم: 162 و 841)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 1003 و 2/ 1010 و 2/ 1061) (رقم: 5756 و 5802 و 6166)، و"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 345) (رقم: 1047)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (1/ 282) (رقم: 395).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (3/ 428)

المسألة الرابعة: في بعض فوائده.

يستفاد من هذا الحديث:

* الاعتناء بالإحسان في الوضوء،

* واستحباب ركعتين بعده، وأداؤهما بالخشوع والخضوع،

* وأن ذلك سبب لوجوب الجنة،

* وأن من فعل هكذا له البشارة بالموت على الإيمان؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وهذا هو مأمول كل عاقل، وهو الذي فتت أكباد عباد الله الصالحين،

فكل متمنياتهم الموت على الإيمان، فينبغي الحرص على هذا العمل الذي هو سبب الفلاح الأبدي، والنجاح السرمدي، نسأل الله تعالى أن يلهمنا ما فيه الفوز والرشاد، والفلاح في دار المعاد، إنه غني كريم، رؤوف رحيم." اهـ

 

الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 219_220):

* وفيه أيضًا من الفقه: أن الصلاة التي يقبل عليها العبد بوجهه وقلبه إذا صح له منها ركعتان فصاعدًا وجبت له الجنة،

وإنما يوفق لذلك من لا يؤدي شيئًا من أركان الصلاة إلا وهو مفكر فيما يقوله منه، إذ ليس جزء من أجزاء الصلاة، إلا وقد عين له ذكر من الأذكار بحسبه؛ حتى إنه إذا خر ساجدًا، فيستحب له أن يمد الألف من اسم الله، ليكون بمقدار زمن هويه حتى يكون عند الأرض فيقول: (أكبر)، فيأخذ في التسبيح؛ لئلا يخلو جزء من أجزائه صلاته من ذكر يشغله به.

وينبغي للمسلم أن يكرر اعتماد هذا على نفسه، وإن غفل في بعض صلاته عاد إلى التفهم بقي، فإنه إذا فكر في نفسه ومثل روحه كأنه يشاهد صورة قلبه وهو بين يدي الله عز وجل، وهو يرى صورة قلبه يلتفت يمينًا وشمالا بين يدي الله عز وجل استحيى وخجل من ذلك؛ لاسيما وقلبه إلى أشياء غير لازمة ولا مهمة،

وقد يكون منها أشياء يقبح أن تخطر بقلب المؤمن في ذلك المقام، وعلى هذا فإن رحمة الله سبحانه اتسعت في الاحتساب لعبده بالصلاة التي هي صورة الصلاة.

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فمن وفقه الله للطبقة العليا دائمًا فناهيك به، وإلا فليجتهد في أن تخلص له الفرائض على ذلك الوجه، فإن لم ينل ذلك فلا أقل من أن لا ينزل عن مقدار الركعتين اللتين قدرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوجب عليهما الجنة، ومع ذلك فالفقهاء مجمعون على أن من خطر في قلبه وهو يصلي في فرض أو نفل خاطر من أمور الدنيا: المعاش أو غيره؛ فإن صلاته مجزئة عنه.

* وفيه من الفقه: أن الاستحباب للعبد أنه كلما جدد وضوءًا لصلاته فكذلك يجدد الشهادتين لله عز وجل بأنه: لا إله إلا هو؛ ولرسوله لصدقه في رسالته؛ احترازًا من غفلة قد كانت طرقت عليه أمرًا، أو شكًا أو ريبة أو غير ذلك مما يبطل___الصلاة. فإذا جدد الشهادة كان مجددًا لإسلامه قبل دخوله في الصلاة، فتصح صلاته ظاهرًا وباطنًا بيقين." اهـ

 

وقال محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، الشهير بـ"ابن سيد الناس"، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين (المتوفى: 734 هـ) _رحمه الله_ في "النفح الشذي شرح جامع الترمذي" – ط. الصميعي (2/ 12):

"قوله - عليه السلام -: (فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه

هكذا هو في الأصول: (مقبل)، أي: وهو مقبل،

وقد جمع - صلى الله عليه وسلم - بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع؛ لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع في القلب." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) _رحمه الله_ في "الحاشية على سنن النسائي" (1/ 95):

"قَالَ النَّوَوِيُّ _رَحِمَهُ اللَّهُ_:

جَمَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ أَنْوَاعَ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ لِأَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْأَعْضَاءِ وَالْخُشُوعَ فِي الْقَلْبِ عَلَى مَا قَالَهُ جمَاعَة من الْعلمَاء." اهـ

 

وقال عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد الرَّحْمَانِيُّ الْمُبَارَكْفُوْرِيُّ (المتوفى: 1414 هـ) _رحمه الله_ في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/ 9):

"الإقبال بالقلب أن لا يغفل عنهما ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء

 

محمد بن عبد الهادي التَّتَوِيُّ، أبو الحسن، الشهير بـ"نورِ الدينِ السنديِّ" (المتوفى: 1138 هـ) في "الحاشية على سنن النسائي" (1/ 96):

"وَقَوله فِي ذَلِك الحَدِيث: (غفر لَهُ)، الخ،

أُرِيد بِهِ أَنه يجب لَهُ الْجنَّة، وَلَا شكّ أَن لَيْسَ المُرَاد دُخُول الْجنَّة مُطلقًا فَإِنَّهُ يحصل بِالْإِيمَان بل المُرَاد دُخُولا أوليا وَهَذَا يتَوَقَّف على مغْفرَة الصَّغَائِر والكبائر جَمِيعًا بل مغْفرَة مَا يفعل بعد ذَلِك أَيْضا نعم لَا بُد من اشْتِرَاط الْمَوْت على حسن الخاتمة وَقد يَجْعَل هَذَا الحَدِيث بِشَارَة بذلك أَيْضا وَالله تَعَالَى أعلم

 

وقال عبد الحق بن سيف الدين البُخاري الدِّهلوي الحنفي (والمتوفى سنة 1052 هـ) _رحمه اللَّه تعالى_ في "لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح" (2/ 19):

"قال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم) (1): المعاني الباطنة التي تتم بها الصلاة جملتها ست: حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، والهيبة، والرجاء، والحياء:

* الأول: حضور القلب، ونعني به: أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابِس له ومتكلِّم به، فيكون العلم بالفعل مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جاريًا في غيرهما، والفهم غير الحضور، فربما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ، ولا يكون حاضرًا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه، إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معانٍ لطيفة يفهمها المصلي في أثناء صلاته ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهِم أمورًا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.___

وأما التعظيم: فهو أمر وراء حضور القلب والتفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظِّمًا له.

وأما الهيبة: فزائد على التعظيم، بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا يسمى مهابة، بل الخوف من السلطان العظيم يسمى مهابة.

وأما الرجاء: فلا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه ويخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب اللَّه كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللَّه.

وأما الحياء: فهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهُّمُ ذنب، ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب." اهـ

 

وقال عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "جامع العلوم والحكم" – ط. الرسالة (2/ 12):

"وَكُلٌّ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ مُوجِبٌ لِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

١. فيه: عِظَم فضل إحسان الوضوء وإسباغه،

فدلَّ الحديث على أن إحسان الوضوء ليس أمرًا هيّنًا، بل هو من أسباب نيل الفضائل العظيمة؛ فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ رتَّب على إسباغ الوضوء ثم الصلاة المغفرة والجنة.

وإسباغ الوضوء أن يأتي العبد به تامًّا مستوفيًا لما شُرع فيه، غير متساهل في شيء من أعضائه، ولا مخلٍّ بشيء من صفته. فالمؤمن إذا توضأ لم يكن قصده مجرد إزالة الوسخ، وإنما قصد الطاعة والتعبد والتطهر للوقوف بين يدي ربه.

٢. استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء،

ففي الحديث حثٌّ ظاهر على أن يغتنم المسلم طهارته فيصلي ركعتين، فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ جعل ذلك من أسباب هذا الفضل العظيم.

وفيه تربية للنفس على المبادرة إلى الطاعة، وألا يكون الوضوء مجرد مقدمة للصلاة المفروضة، بل يعقبه العبد بعبادة مستقلة متى تيسر له ذلك.

٣. أن كمال الصلاة بحضور القلب،

فقال _صلى الله عليه وسلم_: «يُقبل عليهما بقلبه ووجهه»،

فدل ذلك على أن حقيقة الصلاة ليست مجرد قيام وركوع وسجود، وإنما روحها حضور القلب وإقباله على الله تعالى.

فرب مصلٍّ قام بين يدي ربه بجسده، وقلبه هائم في أودية الدنيا، ورب مصلٍّ وقف بين يدي الله وقلبه خاشع مستشعر لعظمة من يناجيه؛ وبين الصلاتين من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله.

٤. أن الخشوع يجمع إقبال الظاهر والباطن،

فجمع النبي _صلى الله عليه وسلم_ بين القلب والوجه، وفي ذلك إشارة إلى اجتماع طهارة الباطن مع إقبال الظاهر.

فالوجه متوجه إلى القبلة، والجوارح ساكنة في الصلاة، والقلب متوجه إلى الله تعالى. وهذه هي الحال التي ينبغي أن يجاهد المسلم نفسه في تحصيلها.

٥. التحذير من السهو واللهو في الصلاة،

فجاء في رواية أحمد: «غير ساهٍ ولا لاهٍ»،

ففي هذا تحذير من أن يدخل العبد في الصلاة بجسمه، وقلْبُه غائب عنها.

والسهو والشرود مما يضعف أثر الصلاة في القلب، ولذلك كان من كمال فقه العبد أن يجاهد خواطره، ويرد قلبه كلما شرد، ويستحضر أنه واقف بين يدي رب العالمين.

٦. الحث على فهم معاني أذكار الصلاة،

قال ﷺ في رواية عبد الرزاق: «يعلم ما يقول فيها حتى يفرغ من صلاته».

وفي ذلك دلالة على عظيم أثر فهم معاني ما يتلفظ به المصلي؛ فإن من علم أنه يقول: الحمد لله رب العالمين، واستشعر أنه يحمد ربه، ومن علم أنه يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، استحضر عظمة ربه، كان ذلك أدعى لحضور قلبه وخشوعه.

فالعلم بمعاني الأذكار من أعظم أبواب إصلاح الصلاة.

٧. أن الأعمال القلبية لها أثر عظيم في قبول العبادة وكمالها،

هذه الروايات لم تكتف بذكر الوضوء والصلاة، بل ذكرت إقبال القلب وترك السهو واللهو والعلم بما يقال.

وهذا يدل على أن العبادات ليست صورًا ظاهرة فحسب، بل لها أعمال قلبية عظيمة، كالإخلاص والخشوع والتعظيم والمحبة والخوف والرجاء.

فكلما صلح باطن العبادة، ازداد ظاهرها كمالًا وأثرًا.

٨. عِظَم سعة فضل الله تعالى على عباده، فمِنْ عظيم فضل الله أن جعل عملًا يسيرًا في صورته سببًا لأجر عظيم: «إلا وجبت له الجنة»، و«غُفر له».

وهذا من كرم الله تعالى؛ إذ لا يقابل عباده على قدر أعمالهم فحسب، بل يضاعف لهم الحسنات، ويجعل للعمل اليسير إذا اقترن بالإخلاص والمتابعة آثارًا عظيمة.

فينبغي للمؤمن ألا يحتقر شيئًا من أبواب الخير، فقد يكون العمل صغيرًا في أعين الناس، عظيمًا عند الله.

٩. أن المغفرة مرتبطة بإحسان العبادة لا بمجرد صورتها،

فالروايات تبين أن الأمر ليس مجرد وضوء ثم حركات تؤدى على العادة، وإنما هناك وصف زائد: إحسان الوضوء، وإسباغه، والإقبال في الصلاة، وترك السهو واللهو، والعلم بما يقال.

وهذا يعلّم المسلم أن يعتني بجودة العبادة وكمالها، كما يعتني بكثرتها؛ فليس الشأن أن يكثر عمله فحسب، وإنما الشأن أن يكون عمله صالحًا موافقًا للسنة، قائمًا على الإخلاص وحضور القلب.

١٠. أن الطهارة الظاهرة ينبغي أن تكون طريقًا إلى طهارة الباطن،

فمِنْ أجمل معاني الحديث أن النبي ﷺ جمع بين الوضوء والصلاة والمغفرة، حتى ورد في إحدى الروايات أنه يكون «كهيئته يوم ولدته أمه».

فالماء يطهر ظاهر البدن، والصلاة مع التوبة والإقبال سبب في تطهير القلب من أدران الذنوب. وكأن المسلم حين يضع الماء على أعضائه ينبغي أن يستحضر أنه مقبل بعد ذلك على عبادة تطهر قلبه أيضًا.

ولهذا فالموفق لا يخرج من وضوئه طاهر البدن فحسب، بل يسعى أن يخرج من صلاته أطهر قلبًا، وأقرب إلى ربه، وأبعد عن الذنوب والمعاصي.

خلاصة جامعة

11 - وهذه الروايات تبين للمؤمن طريقًا بديعًا في العبادة:

وضوءٌ محكمٌ في الظاهر، ثم صلاةٌ مقبلةٌ فيها الجوارح، وقلبٌ حاضرٌ فيها، ولسانٌ واعٍ بما يقول؛ فيجتمع بذلك طهور البدن، وخشوع القلب، وحسن العبادة، فيكون ذلك من أعظم أسباب مغفرة الذنوب والفوز برضوان الله والجنة.



[1] (غير ساهٍ): أي غير غافل ولا ناسٍ لأفعال الصلاة وأقوالها، بل يعلم ما يقرأ وما يفعل. (ولا لاهٍ): أي غير منشغل بحديث النفس أو شواغل الدنيا، بل أقبل على صلاته بقلبه وجوارحه، مستحضراً عظمة الله تعالى واقفاً بين يديه.

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام