شرح الحديث 226 (الترغيب في ركعتين بعد الوضوء) - من صحيح الترغيب

 

13 - (الترغيب في ركعتين بعد الوضوء)

 

226 - (1) [صحيح] عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لبلال:

"يا بلالُ! حَدِّثْني بأرجى عملٍ عمِلته في الإسلام؛ فإنّي سمعتُ دَفَّ نعلَيك بين يَديَّ في الجنةِ".

قال: "ما عملتُ عملاً أرجى عندي من أنّي لم أتطهَّر طُهوراً في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلا صلّيتُ بذلك الطُّهورِ ما كُتب لي أنْ أصلي."

رواه البخاري ومسلم.

(الدُّف) بالضم (1): صوت النعل حال المشي.

__________

(1) قال الشيخ الناجي: "كذا ضَبَطَه فوهم، إذ لا نزاع بين أهل اللغة والغريب أنّه بفتح الدال، وإنما المضموم الدُّف الذي يضرب به. كذا قال الجوهري، ثم قال: وحكى أبو عُبيد عن بعضهم أن الفتح لغة فيه، يعني في الثاني".

قلت: وهو بالذال المعجمة، ويُروى بالدال المهملة، وهو أصح.[1]

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيّن هذا الحديث فضْلَ صلاةِ ركعتين بعد الوضوء، وأن المحافظة على الصلاة عقب الطهارة من الأعمال العظيمة التي يُرجى بها خير كثير ورفعة الدرجات عند الله تعالى.

 

فقد سأل النبي _صلى الله عليه وسلم_ بلالًا رضي الله عنه عن أرجى عملٍ عمله في الإسلام، أي: أيُّ عملٍ من أعمال الطاعة كان بلال يرجو بسببه أعظم الخير والثواب عند الله؟

وكان النبي _صلى الله عليه وسلم_ قد سمع «دَفَّ نَعْلَيْهِ»، أي صوت نعليه، بين يديه في الجنة، فدلّ ذلك على أن بلالًا بلغ منزلةً عظيمةً عند الله.

 

فأخبر بلال رضي الله عنه أن من أرجى أعماله عنده أنه ما توضأ في وقت من ليل أو نهار، إلا صلى بعد ذلك الوضوء ما كتب الله له أن يصلي.

ومعنى ذلك أنه كان إذا فرغ من الوضوء، بادر إلى الصلاة، فيصلي ما تيسر له من النوافل، ولم يكن يقيد ذلك بعدد معين، بل يصلي من الركعات ما قدره الله له.

 

وفي الحديث دلالة واضحة على استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء، وهي التي تسمى سنة الوضوء؛ لأن بلالًا _رضي الله عنه_ كان يحافظ على الصلاة عقب كل وضوء، وأقره النبي _صلى الله عليه وسلم_ على ذلك ومدحه، بل أخبره بما رأى من علو منزلته في الجنة.

 

ودل الحديث على فضل المبادرة إلى الطاعات والمداومة عليها؛ فإن بلالًا رضي الله عنه لم يذكر عملًا عظيم المشقة، وإنما ذكر عملًا داوم عليه واستمر فيه، فكانت المداومة على هذا العمل سببًا لرفعة شأنه.

 

وأما قول النبي _صلى الله عليه وسلم_: «فإنّي سمعتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بين يديَّ في الجنة»، فمعناه: أنه _صلى الله عليه وسلم_ سمع صوت حركة نعلي بلال _رضي الله عنه_ أمامه في الجنة، وهذا يدل على أنه كان قد دخل الجنة أو أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ اطَّلع على منزلته فيها، وهو منقبة عظيمة لبلال _رضي الله عنه_.

 

فكان بلالٌ _رضي الله عنه_ شديد المحافظة على الصلاة بعد الوضوء، فكان كلما توضأ صلى عقب وضوئه ما تيسر له، فكان هذا العمل من أرجى أعماله عنده، وكان سببًا في بلوغه منزلةً عظيمة في الجنة،

ولذلك أخبره النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه سمع صوت نعليه فيها. وفي الحديث ترغيب في المحافظة على سنة الوضوء، والمداومة على النوافل، والمسابقة إلى أبواب الخير.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (2/ 53) (رقم: 1149)، ومسلم في "صحيحه" (4/ 1910/ 108) (رقم: 2458)، والنسائي في "السنن الكبرى" (7/ 343) (رقم: 8179)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (1/ 218) (رقم: 174)، وأحمد في "مسنده" - عالم الكتب (2/ 333 و 2/ 439) (رقم: 8403 و 9672)، وابن حبان في "صحيحه" (15/ 560) (رقم: 7085)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (10/ 489) (رقم: 6104)، وابن خزيمة في "صحيحه" (2/ 213) (رقم: 1208)، والبيهقي في "شُعَبِ الإيمان" (4/ 241) (رقم: 2460)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 653):

"في هذا الحديث: استحباب الصلاة بعد كل وضوء." اهـ

 

وقال محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف  بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (7/ 207):

"ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ:

* فِيهِ: أَن الصَّلَاة أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، لقَوْل بِلَال: إِنَّه مَا عمل عملا أَرْجَى مِنْهُ.

* وَفِيه: دَلِيل على أَن الله تَعَالَى يعظّم المجازاة على مَا يُسِرُّ بِهِ العَبْد بَينه وَبَين ربه مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ أحد، وَقد اسْتحبَّ ذَلِك الْعلمَاء ليدخرها وليبعدها عَن الرِّيَاء.[2]

* وَفِيه: فَضِيلَة الْوضُوءِ وفضيلةُ الصَّلَاة عَقِيبه لِئَلَّا يبْقى الْوضُوء خَالِيا عَن مَقْصُوده.

* وَفِيه: فَضِيلَة بِلَال _رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ_، فَلذَلِك بوب عَلَيْهِ مُسلم حَيْثُ قَالَ: (بَاب فَضَائِل بِلَال بن رَبَاح مولى أبي بكر _رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا_)، ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور.

* وَفِيه: سُؤال الصَّالِحين عَن عمل تِلْمِيذه ليحضه عَلَيْهِ ويرقبه فِيهِ إِن كَانَ حسنا، وإلاَّ فينهاه.[3]

* وَفِيه: أَن الْجنَّة مخلوقة مَوْجُودَة الْآن، خلافا لمن أنكر ذَلِك من الْمُعْتَزلَة.

* وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ الْبَعْض على جَوَاز هَذِه الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة، وَهُوَ عُمُوم قَوْله: (فِي سَاعَة)، بالتنكير أَي: فِي كل سَاعَة، ورد بِأَن الْأَخْذ بِعُمُوم هَذَا لَيْسَ بِأولى من الْأَخْذ بِعُمُوم النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة.

وَقَالَ ابْن التِّين: لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّة، فَيحمل على تَأْخِير الصَّلَاة قَلِيلا ليخرج وَقت الْكَرَاهَة، أَو أَنه كَانَ يُؤَخر الطّهُور إِلَى خُرُوج وَقت الْكَرَاهَة،

وَاعْترض بَعضهم بقوله: لَكِن عِنْد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة من حَدِيث بُرَيْدَة فِي نَحْو هَذِه الْقَضِيَّة: (مَا أصابني حدث قطّ، إلاَّ تَوَضَّأت عِنْده) ،

وَلأَحْمَد من حَدِيثه: (مَا أحدثت، إلاَّ تَوَضَّأت وَصليت رَكْعَتَيْنِ)، فَدلَّ على أَنه كَانَ يعقب الْحَدث بِالْوضُوءِ، وَالْوُضُوء بِالصَّلَاةِ فِي أَي وَقت كَانَ. انْتهى

قلت: حَدِيث بُرَيْدَة الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ذكره التِّرْمِذِيّ فِي مَنَاقِب عمر ابْن الْخطاب  _رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ_، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن حُرَيْث أَبُو عمار الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن وَاقد، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة، قَالَ: (حَدثنِي أَبُو بُرَيْدَة، قَالَ: أصبح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدَعَا بِلَالًا. فَقَالَ: يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة؟ مَا دخلت الْجنَّة قطّ إلاَّ سَمِعت خشخشتك أَمَامِي؟ قَالَ، دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي، فَأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فَقلت: لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لرجل من الْعَرَب. فَقلت: أَنا عَرَبِيّ، لمن هَذَا الْقصر، قَالُوا: لرجل من قُرَيْش، فَقلت: أَنا قرشي، لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لرجل من أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقلت: أَنا مُحَمَّد، لمن هَذَا الْقصر؟ قَالُوا: لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَقَالَ بِلَال: يَا رَسُول الله: مَا أَذِنت قطّ إلاَّ صليت رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أصابني حدث قطّ إلاَّ تَوَضَّأت عِنْدهَا، وَرَأَيْت أَن لله عَليّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بهما) .

وَأما جَوَاب هَذَا الْمُعْتَرض فَمَا مر ذكره الْآن، وَهُوَ قَوْلنَا: ورد بِأَن الْأَخْذ بِعُمُوم هَذَا ... إِلَى آخِره، وَيجوز أَن تكون أَخْبَار النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة بعد هَذَا الحَدِيث." اهـ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (3/ 35):

"وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ رَآهُ دَاخِلَ الْجَنَّةِ،

وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا:

"رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقِيلَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقِيلَ: "هَذَا لِعُمَرَ." الْحَدِيثَ.

وَبَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:

"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقِيلَ: "هَذَا لِعُمَرَ"، الْحَدِيثَ.

فَعُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْمَنَامِ، وَثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ بِذَلِكَ لِبِلَالٍ، لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَلِذَلِكَ جَزَمَ النَّبِيُّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لَهُ بِذَلِكَ، وَمَشْيُهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ فِي الْيَقِظَةِ، فَاتَّفَقَ مِثْلُهُ فِي الْمَنَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ بِلَالٍ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّابِعِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ إِلَى بَقَاءِ بِلَالٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى قُرْبِ مَنْزِلَتِه." اهـ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (3/ 35):

"وَفِيهِ: مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِبِلَالٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الطَّهَارَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْمُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يَبِيتَ الْمَرْءُ طَاهِرًا، وَمَنْ بَاتَ طَاهِرًا، عَرَجَتْ رُوحُهُ، فَسَجَدَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: (وَالْعَرْشُ سَقْفُ الْجَنَّةِ)، كَمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ." اهـ

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (39/ 263_266):

"(المسألة الثالثة): في فوائده:

1 - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل بلال المؤذّن - رضي الله عنه -.

2 - (ومنها): بيان أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان؛ لقول بلال - رضي الله عنه -: "إنه ما عَمِل عملًا أرجى منه."

3 - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنَّ الله _تعالى_ يُعَظِّم المجازاة على ما يُسِرّ به العبد بينه وبين ربه، مما لا يطّلع عليه أحد، وقد استَحَبّ ذلك العلماء؛ ليدّخرها، وليُبعدها عن الرياء.

4 - (ومنها): بيان فضيلة الوضوء، وفضيلة الصلاة عقبه؛ لئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده.

5 - (ومنها): استحباب إدامة الطهارة، ومناسبة المجازاة على ذلك بدخول الجَنَّة؛ لأنَّ مِن لازِم الدوام على الطهارة أن يبيت المرء طاهرًا، ومن بات طاهرًا عَرَجت روحه، فسجدت تحت العرش، كما رواه البيهقي في "الشُّعَب" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، والعرش سقف الجَنَّة،

وزاد بريدة في آخر حديثه: "فقال النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بهذا"،

وظاهره أن هذا الثواب وقع بسبب ذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يُدخل أحدكم الجَنَّة عمله"؛

لأنَّ أحد الأجوبة المشهورة بالجمع بينه وبين قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، أن أصل الدخول إنما يقع برحمة الله، واقتسام الدرجات بحسب الأعمال، فيأتي مثله في هذا، قاله في "الفتح" ["الفتح" 3/ 555، كتاب "التهجّد" رقم (1149)].___

6 - (ومنها): وفيه سؤال الصالحين عما يَهديهم الله له من الأعمال الصالحة؛ ليقتدي بها غيرهم في ذلك.

7 - (ومنها): سؤال الشيخ تلميذه عن عمله؛ ليحضّه عليه، ويرغّبه فيه إن كان حَسَنًا، وإلا فينهاه.

8 - (ومنها): بيان أن الجَنَّة مخلوقة، موجودة الآن، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.

9 - (ومنها): جواز الاجتهاد في توقيت العبادة؛ لأنَّ بلالًا توصّل إلى ما ذكرنا بالاستنباط، فصوّبه النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفي، بل الحقّ أن العبادة لا تثبت بالاجتهاد، وإنما هي بتشريع من الله تعالي، فتؤخذ من الكتاب والسُّنَّة، لا بالاجتهاد، قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الآية [الشورى: 21]،

وأما الاحتجاج بما وقع لبلال - رضي الله عنه -، فليس بصحيح؛ لأنه عَمِل في زمن الوحي، فأقرّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان تشريعًا منه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.

10 - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز هذه الصلاة في الأوقات المكروهة؛ لعموم قوله: "في كلّ ساعة".

وتُعُقِّب بأن الأخذ بعمومه ليس بأَولى من الأخذ بعموم النهي.

وتعقبه ابن التين بأنه ليس فيه ما يقتضي الفورية، فيُحْمَل على تأخير الصلاة قليلًا، ليخرج وقت الكراهة، أو أنه كان يؤخر الطهور إلى آخر وقت الكراهة؛ لتقع صلاته في غير وقت الكراهة.

وتعقّب الحافظ ذلك بأن عند الترمذيّ، وابن خزيمة، من حديث بُريدة في نحو هذه القصة: "ما أصابني حدث قطّ، إلَّا توضأت عندها"،

ولأحمد من حديثه: "ما أحدثت إلَّا توضأت، وصليت ركعتين"، فدلّ على أنَّه كان يُعقّب

الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة، في أيّ وقت كان. انتهى ["الفتح" 3/ 555، كتاب "التهجّد" رقم (1149)]

قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي تَعَقَّب به الحافظ تَعَقُّبَ ابن التين،___والذي قبله حسنٌ جدًّا، وإن تعقّبه العينيّ، فإنه مجرّد دفاع عن مذهبه،

والحقّ أن الصلاة في أوقات الكراهة جائزة؛ لأدلّة كثيرة، ومنها هذا الحديث، وقد تقدّمت في محلّها من "كتاب الصلاة"، وذكرت الأقوال بأدلّتها، وتوصّلت إلى ترجيح القول بجوازها؛ لكثرة أدلّته الصحيحة، فراجعها هناك تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

11 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قول النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبلال - رضي الله عنه -: "حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة"

هذا السُّؤال إنما أخرجه من النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما اطَّلع عليه من كرامة بلال - رضي الله عنه - بكونه أمامه في الجَنَّة، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك،

وقد جاء هذا الحديث في كتاب الترمذيّ بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه -، قال:

"أصبح رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدعا بلالًا، فقال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجَنَّة؟ فما دخلت الجَنَّة قط، إلَّا سمعت خشخشتك أمامي، دخلتُ البارحة الجنَّة، فسمعت خشخشتك أمامي ... "، وذكر الحديث،

فقال بلال:

"يا رسول الله! ما أذَّنت، إلَّا صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قط، إلَّا توضأت عنده، ورأيت أن لله _تعالى_ عليّ ركعتين"

فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بهما"،

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

قال القرطبيّ: فلنبحث في هذا الحديث، قوله: "بم سبقتني إلى الجَنَّة؟ "

لا يُفْهَم من هذا أن بلالًا يدخل الجَنَّة قبل النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فإنَّ ذلك ممنوع بما قد عُلم من أن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو السابق إلى الجَنَّة، وبما قد تقدَّم أنَّه أوَّل من يستفتح باب الجَنَّة، فيقول الخازن: "بك أُمرتُ، لا أفتح لأحد قبلك"، رواه مسلم،

وإنما هذه رؤيا منام أفادت أن بلالًا من أهل الجَنَّة، وأنه يكون فيها مع النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن ملازميه، وهذا كما قال في الغميصاء: "سمعت خشخشتك أمامي"، وقد لا يبعد أن يقال في أسبقية بلال أنَّها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه، والله تعالى أعلم.

وفيه ما يدلّ على أنَّ استدامة بعض النوافل، وملازمتها في أوقات، وأحوال فيه فضل عظيم، وأجر كثير، وإن كان النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدُمْ عليها، ولا لازَمها، ولا اشتهر العمل بها عند أصحابه - رضي الله عنهم -، وأن ذلك لا يُنكَر على من___لازَمه ما لَمْ يعتقد أن ذلك سُنَّة راتبة له ولغيره،

وهذا هو الذي منعه مالك حتى كره اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، من الصوم، والصلاة، والأذكار، والدعوات، إلَّا أن يعيّنه الشارع، ويدوم عليه،

فأمَّا لو دام الإنسان على شيء من ذلك في خاصة نفسه، ولم يعتقد شيئًا من ذلك، كما

فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كلّ أذان، وفي ملازمة الطهارة دائمًا، لكان ذلك يفضي بفاعله إلى نعيم مقيم، وثواب عظيم.

وقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "بهما"؛ أي: بسبب ثواب ذينك الأمرين وصلت إلى ما رأيتُ من كونك معي في الجَنَّة. انتهى كلام القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ – ["المفهم" 6/ 368 - 369].

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فيه ما يدلّ على أنَّ استدامة بعض النوافل ... إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ إذ ملازمة شيء من العبادات التي لا تثبت عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي عين البدعة ذمّها الله - عَزَّوَجَلَّ - في الآية السابقة: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ} الآية [الشورى: 21]،

والتي حذّر منها - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثه الصحيح، كما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -،

وفيه: " ... فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ"، لفظ الترمذيّ.

فالحقّ ما قاله الإمام مالك - رَحِمَهُ اللهُ - من كراهة اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات،

وأما الاحتجاج بفعل بلال، هذا فغير صحيح؛ لأنه اجتهد في زمن الوحي، فثبّته النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فصار سُنَّة ثابتة من هذه الناحية، وأما أن يفعل الآن شخص شيئًا مَما لا أصل له، فلا يجوز، فتبصّر بالإنصاف، فإن هذا المحلّ من مزالّ الأقدام، ولا يغرّنك كثرة المتشبّثين بمثل هذه البدعة؛ إذ الحقّ لا يُعرف بالأكثريّة، وإنما يُعرف بأدلّته، وإن كان القائلون به قلّة،

قال الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ

وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام: 116]،

والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}." اهـ

 

وقال الحسين بن محمود الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ، المشهورُ بـ"المُظْهِري" (المتوفى: 727 هـ) _رحمه الله_ في "المفاتيح في شرح المصابيح" (2/ 301):

"قوله: (بين يَدَيَّ)، هذا لا يدلُّ على تفضيلِ بلالٍ على واحدٍ من الصحابة العشرة فضلاً على رسول الله، وإنما مشى بلالٌ بين يديه عليه السلام للخِدْمة، كما يسبقُ العبدُ السيدَ في المَشْيِ، وسؤالُه عليه السلام بلالاً لُيَطَيبَ قلبَه بكونِه مستحِقًّا للجَنة، وليدومَ على ما عليه من الطاعةِ، وليُظْهِرَ رغبةَ مَنْ سمعَ هذا الحديثَ في الطاعة، وليصيرَ أداءُ الصلاةِ بعد الوضوء سُنَّةً، ويُسمَّى شُكْرَ الوُضوء." اهـ

 

وقال محمد بن أبي بكر، المخزومي القرشي، بدر الدين المعروف بـ"الدماميني" (المتوفى: 827 هـ) _رحمه الله_ في "مصابيح الجامع" (3/ 145):

"(إلا صليت بذلك الطهور): والحكمةُ في فضل الصلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما: أن الصلاة عَقيبَ الطهور أقربُ إلى اليقين منها إذا___تباعدت منه؛ لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلف.

الوجه الآخر: ظهور أثر الطهور باستعماله في استباحة الصلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكدٌ لها ومحقق." اهـ

 

وقال أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدِّهْلَوِيِّ» (المتوفى: سنة 1176 هـ) _رحمه الله_ في "حجة الله البالغة" (2/ 31) حول النوافل:

"وَمِنْهَا: صَلَاة الْوضُوء، وفيهَا: قَوْله _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِبلَال _رَضِي الله عَنهُ_: "إِنِّي سَمِعت دَفَّ نعلَيْكَ بَين يَدي فِي الْجنَّة."

أَقُوْلُ: وسرها أَن الْمُوَاظبَة على الطَّهَارَة وَالصَّلَاة عقبيها نِصَاب صَالح من الْإِحْسَان لَا يَتَأَتَّى إِلَّا من ذِي حَظّ عَظِيم.

 

وقال محمد بن علي اليمني، المعروف بـ"الشوكاني" (المتوفى: 1250هـ) _رحمه الله_ في "نيل الأوطار" (3/ 86):

"قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّمَا اعْتَقَدَ بِلَالٌ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَهْرِ. وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ إيرَادُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ

 

قال الشيخ عبد العزيز بن باز _رحمه الله_ في "الْحُلَلِ الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري" (1/ 347):

"يشهد له: «ما من عبد يتطهر فيحسن الطهور ثم يصلي .. » فيشمل وقت النهي، وغير وقت النهي.

* يدل على فضل سنة الوضوء، وأنه يصليها في أي وقت، وهي من ذوات الأسباب." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

من فوائد حديث بلال بن رباح _رضي الله عنه_:

١. فضلُ صلاة النافلة بعد الوضوء، فإن بلالًا رضي الله عنه كان لا يتوضأ إلا صلّى بعد وضوئه ما تيسّر له، فكان ذلك من أرجى أعماله عنده.

٢. استحبابُ صلاة ركعتين بعد الوضوء،

فالحديث أصلٌ في مشروعية ما يُسمّى عند أهل العلم سُنَّة الوضوء، فيُستحبُّ للمسلم إذا فرغ من وضوئه أن يصلّي ركعتين إن تيسّر له ذلك.

٣. فضلُ المداومة على العمل الصالح، فلم يكن فضل بلال _رضي الله عنه_ ناشئًا عن فعلٍ عارض، بل عن عملٍ داوم عليه، فكان كلما توضأ بادر إلى الصلاة؛ وفي هذا أنَّ دوام العمل الصالح، وإن قلَّ، من أسباب رفعة الدرجات.

٤. أنَّ الأعمال اليسيرة قد تعظم بالمواظبة عليها،

فربَّ عملٍ يسيرٍ في أعين الناس، يكون عظيمًا عند الله بسبب صدق صاحبه وإخلاصه ومداومته عليه؛ فليس الشأن بكثرة العمل وحدها، وإنما بحسن القصد ودوام الطاعة.

٥. فضلُ بلال بن رباح رضي الله عنه_، إذ أخبره النبي ﷺ أنه سمع صوت نعليه في الجنة، وهذه شهادةٌ له بعلو المنزلة ورفعة القدر.

٦. إثباتُ الجنة وأنها دارٌ حقيقية، فقوله ﷺ: «فِي الْجَنَّةِ» يدل على ثبوت الجنة ووجودها، وأنها دارٌ أعدّها الله تعالى لعباده المؤمنين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

٧. إثباتُ نعيم أهل الجنة، فمن نعيم الجنة أن أهلها يمشون فيها ويتحركون ويسمع بعضهم أصوات بعض، وفي الحديث إثبات شيء من أحوال أهل الجنة التي أطلع الله نبيه ﷺ عليها.

٨. فضلُ الوضوء وعظيم منزلته، فقد كان وضوء بلال _رضي الله عنه_ وسيلةً إلى عمل صالح متصل به، وهو الصلاة، ففي ذلك بيان أن الطهارة ليست مجرد إزالة للحدث، بل هي مفتاح لأبواب عظيمة من العبادة.

٩. المبادرة إلى الطاعة عقب الطهارة، فكان بلال _رضي الله عنه_ إذا تطهّر لم يؤخر الصلاة، بل بادر إليها، ففي ذلك حثٌّ على اغتنام أوقات النشاط قبل أن تعرض للعبد الشواغل والعوارض.

١٠. فضلُ المحافظة على النوافل، فإنها من أعظم أسباب رفعة العبد، وأن ملازمة العبد لها بعد أداء الفرائض مما يزيده قربًا من الله تعالى.

١١. أنَّ محبة الطاعة من علامات التوفيق، فكان بلال رضي الله عنه يحرص على الصلاة عقب الوضوء، حتى صار ذلك من أرجى أعماله عنده، وفيه دليل على أن توفيق العبد لمحبة العبادة والمداومة عليها نعمةٌ عظيمة.

١٢. فضلُ تعظيم الصلاة، فإن بلالًا رضي الله عنه كان كلما تهيأ بالطهارة أتبعها بالصلاة، ففي ذلك دلالة على تعظيمه لشأن الصلاة، وحرصه على اغتنام كل فرصة للوقوف بين يدي الله.

١٣. أنَّ المسلم ينبغي أن يبحث عن العمل الذي يرجو به النجاة، ففي سؤال النبي ﷺ: «بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ» تعليمٌ للأمة أن يتفقد العبد أعماله، وأن ينظر فيما يكون سببًا لرفعة درجته وقربه من ربه.

١٤. جواز سؤال أهل الفضل عن أعمالهم الصالحة للمصلحة، فسأل النبي ﷺ بلالًا عن عمله، وليس في ذلك حثٌّ على إظهار الطاعات، وإنما المقصود معرفة العمل الصالح والاقتداء به؛ فالأصل في العبد إخفاء عمله، إلا أن تدعو إلى إظهاره مصلحةٌ شرعية.

١٥. أنَّ النبي ﷺ كان يربي أصحابه بالسؤال،

فلم يكتفِ ﷺ بالأمر والنهي، بل كان يسأل أصحابه أسئلةً تفتح أبواب العلم، وتستخرج ما عندهم من الخير، وتلفت الأنظار إلى الأعمال الفاضلة.

١٦. أنَّ العبرة بصدق العمل ودوامه،

فقد يكون العمل صغيرًا في صورته، ولكن صدق العبد في فعله ودوامه عليه يجعله من أعظم أسباب الخير؛ ولهذا كان هذا العمل أرجى عند بلال من غيره.

١٧. فضلُ الصلاة في جميع الأوقات التي تُشرع فيها النوافل،

قوله: «فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» يدل على أن بلالًا رضي الله عنه كان يتحين أوقات الصلاة المشروعة عقب وضوئه، ولم يكن يخص ذلك بوقت دون وقت، مع مراعاة أوقات النهي التي جاءت بها السنة.

١٨. أنَّ فضل العمل قد يكون باعتبار ملازمته للعبادة، فالوضوء عبادة، والصلاة عبادة، واجتماعهما على هذا الوجه يزيد العبد اتصالًا بالطاعة؛ فكلما تطهر استعدَّ للصلاة، وكلما صلى ازداد قربًا من ربه.

١٩. استحباب اغتنام الطهارة بالصلاة، فإذا توضأ المسلم وتيسرت له الصلاة، فالأفضل أن يغتنم طهارته في عبادةٍ مشروعة، ولا يجعل الوضوء أمرًا عاديًا مجردًا عن استحضار العبادة.

٢٠. أنَّ الجزاء العظيم قد يكون على عمل خفي، فكان بلال رضي الله عنه يفعل هذا العمل في أوقات مختلفة من الليل والنهار، ولم يكن المقصود منه أن يراه الناس، ومع ذلك رفع الله به درجته وأظهر فضله على لسان نبيه ﷺ.

٢١. فضلُ الإخلاص في العبادة، فإن الأعمال الخفية أقرب إلى السلامة من الرياء، وبلال رضي الله عنه كان يفعل هذا العمل طلبًا للثواب، فصار من أرجى أعماله عنده.

٢٢. أنَّ الجنة تُنال بالأعمال الصالحة مع فضل الله ورحمته،

فالحديث يبين شرف العمل الصالح وثمرته، وفيه ترغيبٌ للمؤمن أن يكثر من الطاعات؛ فإنها من أسباب دخول الجنة ورفعة الدرجات.

٢٣. حرصُ الصحابة على أبواب الخير، فبلال رضي الله عنه لم يقتصر على الفرائض، بل كان يلتمس أبواب النوافل، ويجتهد في تحصيل ما يقربه إلى الله، وهذا من علو همتهم رضي الله عنهم.

٢٤. أنَّ الطهارة من أسباب النشاط إلى العبادة، فإذا تطهر العبد بالماء، طهرت جوارحه من الحدث، واستعد قلبه للصلاة، ولذلك كان الوضوء مقدمةً لأعظم العبادات العملية بعد الشهادتين.

٢٥. أنَّ دوام الطاعة من علامات حسن الخاتمة، فمَن وفّقه الله إلى ملازمة أبواب الخير في حياته، كان ذلك من أمارات الخير له؛ إذ العبد يموت غالبًا على ما اعتاده ولازمه، فحريٌّ بالمؤمن أن يعوّد نفسه الطاعة والمبادرة إليها.



[1] قال الخطابي _رحمه الله_ في "أعلام الحديث" (شرح صحيح البخاري) (1/ 640):

"دف النعل: حفيفها، وما يحس من صوت لها عند وطئها، وأصل الدف: السير السريع، ومنه قول الحسن: إنهم وإن دفدفت بهم الهماليج، أي: أسرعت." اهـ

[2] قال ابن بطال _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري" (3/ 143_144):

"قال المهلب: فيه دليل أن الله يعظم المجازاة على ما ستر العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد، ولذلك استحب العلماء أن يكون بين___العبد وبين ربه خبيئة عمل من الطاعة يدخرها لنفسه عند ربه، ويدل أنها كانت خبيئة بين بلال وبين ربه أن النبى، (صلى الله عليه وسلم) ، لم يعرفها حتى سأله عنها." اهـ

[3] قال ابن بطال _رحمه الله_ في "شرح صحيح البخاري" (3/ 144): "وفى سؤال النبى عن ذلك دليل على سؤال الصالحين عما يهديهم الله إليه من الأعمال المقتدى بهم فيها، ويمتثل رجاء بركتها." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

شرح الحديث 266-267