شرح الحديث 225 (الترغيب في كلماتٍ يقولهن بعد الوضوء) من الترغيب
|
225 - (2) [صحيح] وعن أبي
سعيدٍ الخدريّ _رضي الله تعالى عنه_، قال: قال رسول الله - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من
قرأ سورةَ (الكهف) كانت له نوراً إلى يومِ القيامةِ، مِن مقامِه إلى مكة، ومن
قرأ عشرَ آياتٍ من آخرها (3) ثم خرج الدجال؛ لم يَضُرَّه، ومن توضأ فقال: (سبحانك اللهم وبحمدِك، أشهد أن لا إله إلا أنت،
أستغفرك وأتوب إليك)، كُتِبَ له في رَقٍّ، ثم جُعِلَ في طابع، فلم يُكسَر إلى
يومِ القيامةِ". رواه الطبراني
في "الأوسط"، ورواته رواة
"الصَّحيح"، واللفظ له. ورواه النسائي، وقال في آخره: "خُتِم
عليها بخاتَم فوضِعتْ تحتَ العرشِ، فلم تُكسَر إلى يومِ القيامةِ". وصوَّب وقفه على أبي سعيد.
(4) __________ (3) كذا
وقع في هذه الرواية: "آخرها" وهي شاذة، والصواب: "أولها"،
وبيانه في "الصحيحة" (2651) وانظر (13 - قراءة القرآن/ 8/ 1/ و2). (4) قلت:
ولكنّه في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي كما لا يخفى. ثم إن النسائي لم
يروه في "الصغرى" كما يفيده إطلاق العزو إليه، وإنما في "الكبرى"
له (6/ 236/ 10788). أي: في "اليوم والليلة" منه. وانظره في (7 -
الجمعة/ 7). |
قال الشوكاني في تحفة
الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص: 147)
(قَوْله فِي
رق) الرّقّ هُوَ مَا يكْتب فِيهِ من جلد أَو غَيره والطابع بِفَتْح الْبَاء هُوَ
الْخَاتم وَكسر الْبَاء لُغَة وَالْمعْنَى أَنه يخْتم على ذَلِك الْمَكْتُوب فِي
الرّقّ فَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَغْيِير وَلَا إبِطَال." اهـ
المعنى الإجمالي
للحديث
هذا الأثر يشتمل على ثلاثة
أعمال عظيمة، وما يترتب عليها من الفضائل، وهي: قراءة سورة الكهف، وقراءة عشر آيات
من آخرها، وذكر الله تعالى عقب الوضوء.
فأولًا: يذكر أبو سعيد
الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا إلى يوم
القيامة»، أي أن من قرأ هذه السورة إيمانًا واحتسابًا، كان له من النور والهداية
والبصيرة ما ينتفع به إلى يوم القيامة، وقد جاء في بعض الروايات بيان امتداد هذا النور
«من مقامه إلى مكة»، وهو تصوير لعظم النور وشدة امتداده.
وثانيًا: أخبر ﷺ أن من قرأ
عشر آيات من آخر سورة الكهف ثم خرج الدجال، لم يضره، أي تكون هذه الآيات سببًا -
بإذن الله تعالى - في عصمته من فتنة المسيح الدجال، وهي من أعظم الفتن التي تقع في
آخر الزمان. وفي هذا بيان لفضل حفظ هذه الآيات وقراءتها، ولا سيما عند ظهور هذه
الفتنة العظيمة.
وثالثًا: ذكر ﷺ فضلًا عظيمًا
لمن قال بعد وضوئه: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب
إليك»؛ فهذه الكلمات مشتملة على تنزيه الله تعالى عن كل نقص، وحمده والثناء عليه،
وإقرار العبد بتوحيده، ثم استغفاره وتوبته إليه. وقد أخبر الحديث أن هذه الكلمات
تُكتب للعبد كتابةً محفوظةً مختومةً لا تُكسر ولا تُفتح إلى يوم القيامة، وهذا يدل
على عظم شأنها ورفعة قدرها عند الله تعالى.
وفي مجموع الحديث حثٌّ على
ملازمة القرآن والذكر والتوحيد والاستغفار والتوبة، وأن الأعمال اليسيرة في ظاهرها
قد تكون عظيمة الأجر إذا أداها العبد على الوجه المشروع، مخلصًا لله تعالى، متبعًا
لسنة رسوله ﷺ.
وأما تنبيه المنذري إلى أن
النسائي صوَّب وقف الحديث على أبي سعيد رضي الله عنه، فمعناه أن الرواية المرفوعة
إلى النبي ﷺ لم تثبت عند الإمام النسائي على وجه الترجيح، وإنما الأصح عنده أن هذا
الكلام من قول أبي سعيد رضي الله عنه. ولذلك ينبغي عند الاستدلال به التفريق بين
ثبوت الحديث مرفوعًا وبين ثبوته موقوفًا على الصحابي.
تخريج الحديث:
المعجم الأوسط (2/ 123)
(رقم: 1455)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 752) (رقم: 2072)، شعب الإيمان (4/
268) (رقم: 2499)،
أخرجه - بالشطر الأول منه - مرفوعا
النسائي في "السنن الكبرى" (9/ 348) (رقم: 10722)[1]
أخرجه - بالشطر الثاني منه -
مرفوعا النسائي في "السنن الكبرى" (9/ 37) (رقم: 9829)
أخرجه - بالشطر الثاني منه -
موقوفا النسائي في "السنن الكبرى" (9/ 37) (رقم: 9830_9831)،
وأخرجه موقوفا – بشطريه - عبد
الرزاق الصنعاني في "مصنفه" (1/ 186 و 3/ 378) (رقم: 730 و 6023)
والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث
الصحيحة" (6/ 312) (رقم: 2651)[2]
من فوائد الحديث:
سبل السلام (1/ 80)
قَالَ النَّوَوِيُّ:
الْأَدْعِيَةُ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا
الْمُتَقَدِّمُونَ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ:
لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ.
هَذَا وَلَا يَخْفَى حُسْنُ
خَتْمِ الْمُصَنِّفِ بَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَ
تَمَامِ الْوُضُوءِ فِعْلًا، فَقَالَهُ عِنْدَ تَمَامِ أَدِلَّتِهِ تَأْلِيفًا.
وقال ابن رجب في "اختيار
الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" (ص: 64_65):
"لما
كانت الصلاة صلةً بين العبد وربه، ومناجاةً تظهر فيها آثار تجليه لقلوب العارفين
وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة،
فإنه لا يصلح للوقوف بين يدي
الله عز وجل والخلوة بمناجاته، إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة والباطنة،
فلا يصلح للقرب،
فشرع الله عز وجل للمصلي غسل
أعضائه بالماء، ورتب عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة
طهارة ظاهره وباطنه،
ثم شرع المشي إلى المساجد،
وفيه أيضاً___تكفير الخطايا حتى تكمل طهارة الذنوب إن بقي منها شيء بعد الوضوء،
حتى لا يقف العبد في مقام المناجاة إلا بعد كمال طهارة ظاهره وباطنه من درن
الأوساخ والذنوب،
ولهذا شرع له تجديد التوبة
والاستغفار عقيب كل وضوء حتى تكمل طهارة ذنوبه كما خرج النسائي من حديث أبي سعيد
مرفوعاً وموقوفاً." اهـ
ملحق الفوائد:
فوائد هذا الحديث وما
يُستنبط منه
١. فضل سورة
الكهف وعظيم شأنها.
فإنها سورة اشتملت على أصول
عظيمة من الإيمان، وقصصٍ جليلةٍ فيها من العبر والعظات ما يثبّت القلب على الحق،
وقد جاء في هذا الأثر ذكر النور لمن قرأها.
٢. أن القرآن
نورٌ وهدايةٌ لأهله.
فالنور المذكور في الحديث
يدل على ما يحصل للقارئ من الهداية والبصيرة، فالقرآن يهدي صاحبه في ظلمات الفتن
والشبهات إلى صراط الله المستقيم.
٣. فضل قراءة
القرآن والمداومة عليه.
فالعبد لا ينبغي له أن يهجر
كتاب ربه، بل يجعل له حظًّا معلومًا من تلاوته وتدبره؛ فإن ملازمة القرآن من أعظم
أسباب صلاح القلب واستقامته.
٤. فضل العشر
الآيات من آخر سورة الكهف.
ففي الحديث أن من قرأها ثم
أدرك الدجال لم يضره، وفي ذلك تنبيه على شرف هذه الآيات، وعظيم ما اشتملت عليه من
أسباب الثبات عند الفتن.
٥. أن فتنة
الدجال من أعظم الفتن وأشدها خطرًا.
ولهذا خُصَّت هذه الآيات
بالذكر في مقام العصمة من فتنته، فينبغي للمؤمن أن يتعوذ بالله من الدجال، وأن
يتعلم ما جاءت به السنة من أسباب النجاة منه.
٦. أن النجاة
من الفتن إنما تكون بتوفيق الله والأخذ بأسبابها الشرعية.
فالعبد لا يعتمد على قوته
وعقله، وإنما يلجأ إلى ربه، ويتمسك بالوحي، ويعمل بما شرعه الله ورسوله ﷺ، فإن
القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
٧. فضل الذكر
بعد الوضوء.
فهذا الذكر مشتمل على
التوحيد والتنزيه والحمد والاستغفار والتوبة، فناسب أن يختم العبد وضوءه بذكر ربه،
كما طهّر جوارحه بالماء.
٨. أن الوضوء
سبب من أسباب تطهير الظاهر، وأن الذكر سبب لتطهير الباطن.
فالوضوء يغسل أعضاء البدن،
وأما الاستغفار والتوبة فيغسلان أدران الذنوب والمعاصي، فاجتمع للعبد في هذا الذكر
طهارة الظاهر وطهارة الباطن.
٩. فضل الجمع
بين التسبيح والحمد.
فقوله: «سبحانك اللهم
وبحمدك» جمع بين تنزيه الله تعالى عن النقائص، وإثبات المحامد والكمالات له، وهذه
من أجلِّ صيغ الثناء على الله.
١٠. فضل
توحيد الله تعالى والإقرار بأنه المستحق للعبادة وحده.
فقوله: «أشهد أن لا إله إلا
أنت» كلمة عظيمة تشتمل على إفراد الله تعالى بالعبادة، ونفي استحقاقها عما سواه.
١١. أن
التوحيد أصل كل خير، وأن الأعمال الصالحة لا تقوم إلا عليه.
فبدأ هذا الذكر بالشهادة
بالتوحيد، ثم أعقبها بالاستغفار والتوبة، فدل ذلك على أن صلاح العبد مبناه على
معرفة ربه وإفراده بالعبادة والرجوع إليه.
١٢. فضل
الاستغفار.
فقوله: «أستغفرك» يتضمن سؤال
الله تعالى ستر الذنب ومحو أثره والتجاوز عن المؤاخذة به، والمؤمن لا يستغني عن
الاستغفار، إذ لا يخلو من تقصير وذنب.
١٣. فضل
التوبة إلى الله تعالى.
فقوله: «وأتوب إليك» يدل على
أن العبد ينبغي له أن يكون دائم الرجوع إلى ربه، كلما زلَّت قدمه بادر إلى التوبة
ولم يُصرَّ على المعصية.
١٤. أن العبد
يجمع في سيره إلى الله بين فعل الطاعة وطلب المغفرة.
فلا يغتر بما عمل من
الصالحات، بل يحمد الله على التوفيق، ويستغفره من التقصير، ويتوب إليه من الزلل؛
وهذه طريقة أهل العبادة والإحسان.
١٥. عظيم فضل
هذه الكلمات اليسيرة.
فإنها ألفاظ معدودة جمعت
أصولًا عظيمة: تنزيه الله، وحمده، وتوحيده، والاستغفار، والتوبة؛ وهذا يدل على سعة
فضل الله تعالى، إذ يثيب على العمل اليسير بالأجر الجزيل.
١٦. أن
الأعمال الصالحة تُكتب للعبد وتحفظ له.
وفي قوله: «كُتِبَ له في
رَقٍّ» إشعار بعناية الله تعالى بأعمال عباده، وأن شيئًا من أعمال البر لا يضيع
عنده سبحانه.
١٧. أن ما
يفعله العبد من الخير محفوظ له عند الله.
فإذا كان هذا الذكر اليسير
يُكتب ويُحفظ، فكيف بالأعمال العظيمة التي يؤديها المؤمن بإخلاص واحتساب؟ قال
تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}.
١٨. أن من
أعظم أسباب الثبات كثرة الذكر.
فالذكر حياة للقلوب، والعبد
إذا عمر قلبه بتوحيد الله وتسبيحه واستغفاره كان أقرب إلى الثبات عند حلول الفتن
ونزول البلايا.
١٩. أن العبد
ينبغي له أن يجمع بين العلم والعمل.
فليس المقصود من معرفة فضائل
سورة الكهف أو الذكر بعد الوضوء مجرد العلم بها، وإنما الشأن أن يعمل بها، ويجعلها
من هديه المستمر.
٢٠. حرص
السلف وأئمة الحديث على التثبت في نسبة الكلام إلى رسول الله ﷺ.
فالإمام النسائي رحمه الله
لم يكتف بمجرد رواية الحديث، بل نظر في طرقه، ثم صوَّب وقفه على أبي سعيد رضي الله
عنه، وهذا يدل على شدة تحري المحدثين في نسبة الأقوال إلى النبي ﷺ.
٢١. أن
الموقوف على الصحابي ليس في رتبة المرفوع إلى النبي ﷺ من جهة الاحتجاج ونسبة
القول.
فإذا قيل: «قال رسول الله ﷺ»
فقد نُسب القول إلى النبي ﷺ، وأما إذا صح أنه من كلام أبي سعيد رضي الله عنه فهو
من أقوال الصحابة، ولأهل العلم في الاحتجاج بالموقوف تفصيل معروف.
٢٢. أن صحة
رجال الإسناد لا تكفي وحدها للحكم بصحة الحديث مرفوعًا.
فقد يكون الرواة ثقات، ثم
يقع الاختلاف في رفع الحديث ووقفه أو في وصله وإرساله، فينظر النقاد في القرائن
والطرق، ويُرجّحون الوجه المحفوظ.
٢٣. أن فضل
الله تعالى واسع، وأن أبواب الخير كثيرة.
ففي هذا الحديث اجتماع فضائل
التلاوة والذكر والتوحيد والاستغفار والتوبة، وكلها أبواب ميسرة يستطيع المسلم أن
يلزمها في يومه وليلته.
٢٤. أن
المؤمن ينبغي له أن يتزود بالأعمال الصالحة قبل نزول الفتن.
فذكر الدجال في الحديث يعلّم
العبد ألا ينتظر حلول الفتنة حتى يبحث عن أسباب النجاة، بل يتهيأ لها بالإيمان
والعلم والعمل الصالح قبل نزولها.
٢٥. أن أعظم
ما يعين العبد على السلامة عند الفتن الاعتصام بالوحي.
فذكر سورة الكهف وآياتها في
هذا الباب يذكّر بأن القرآن أصل عظيم في تثبيت القلوب، وأن النجاة ليست بكثرة
الحيل، وإنما بالاعتصام بما جاء به الرسول ﷺ.
Komentar
Posting Komentar