شرح الحديث 156 (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) - شرح رياض الصالحين لأبي فائزة البوجيسي
|
ثم قال النووي
_رحمه الله_ في (باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها) من كتابه "رياض
الصالحين": "والآيات
في الباب كثيرة. وَأَما الأحاديث : [156] فالأول
: عن أبي هريرةَ _رضي الله عنه_ : عن النَّبيّ
_صلى الله عليه وسلم_ قَالَ : «دَعُونِي مَا
تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ
واخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء،
فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. |
ترجمة
أبي هريرة الدوسي _رضي الله عنه_:
اختلف فِي اسمه
واسم أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه عبد الرحمن
بْن صخر بن ذي الشري بْن طريف بْن عيان
بْن أَبي صعب بْن هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن
عدثان بن عَبد الله بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن
مالك ابن نصر بْن الأزد.
وفي تهذيب
الكمال في أسماء الرجال (34/ 366_367) للمزي:
"ويُقال:
كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال، إنما
كنيت بأبي هُرَيْرة أني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟
فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة."
وذكر أَبُو
القاسم الطبراني: أن اسم أمه ميمونة بنت
صبيح." اهـ
وفي "تهذيب
الكمال في أسماء الرجال" (34/ 377):
"وَقَال
عَمْرو بْن علي: "نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي
المحرم سنة سبع." اهـ
وفي "تهذيب
الكمال في أسماء الرجال" (34/ 378):
"قال سفيان
بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.
وَقَال أَبُو
الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط، وعَمْرو بْن
علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين.
وفي "تاريخ
الإسلام" - ت بشار (2/ 561) للذهبي:
"قَالَ
الْبُخَارِيُّ : رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.
قلت: روي لَهُ
نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (5370).
في الصحيحين
منها ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ
بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)." اهـ
نص
الحديث وشرحه:
عن أبي هريرةَ
_رضي الله عنه_ :
عن النَّبيّ
_صلى الله عليه وسلم_ قَالَ :
«دَعُونِي مَا
تَرَكْتُكُمْ،[1]
إِنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ واخْتِلافُهُمْ عَلَى
أنْبيَائِهِمْ،[2]
فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء، فَاجْتَنِبُوهُ[3]،
وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بشيءٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ[4]» . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وفي "صحيح
مسلم" (2/ 975):
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ:
خَطَبَنَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»[5]،
فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ، يَا رَسُولَ اللهِ؟[6]
فَسَكَتَ حَتَّى
قَالَهَا ثَلَاثًا،[7]
فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_: "لَوْ قُلْتُ: (نَعَمْ)،
لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ."[8]
ثُمَّ قَالَ:
«ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى
أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ
فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ
عَنْ شَيْءٍ، فَدَعُوهُ»
وفي "سنن
الترمذي" (5/ 47):
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ، فَخُذُوا عَنِّي[9]،
فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ
عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»
وفي "سنن
النسائي" (5/ 110):
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ:
خَطَبَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ، قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ»
فَقَالَ رَجُلٌ:
"فِي كُلِّ عَامٍ؟" فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا،
فَقَالَ: «لَوْ
قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا، ذَرُونِي مَا
تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ،
وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ
بِالشَّيْءِ، فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ[10]،
وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَاجْتَنِبُوهُ»
المعنى
الإجمالي للحديث:
هذا الحديث أصلٌ
عظيم في وجوب المحافظة على سنة النبي _صلى الله عليه وسلم_، والوقوفِ عند حدود
الشرع، واجتنابِ التكلف وكثرةِ السؤال فيما لم يُطلب من المسلم.
وقد جاءت روايات
الحديث بألفاظ متقاربة، يفسر بعضها بعضًا، فتجتمع منها معانٍ جليلة في التعامل مع
أوامر النبي _صلى الله عليه وسلم_ ونواهيه وما أخبر به.
فقد خطب النبي _صلى
الله عليه وسلم_ أصحابه، وبيَّن لهم أن الله _تعالى_ فرض عليهم الحج، فبادر رجل
بالسؤال: «أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟» ولم يكن الحج قد فُرض في كل عام، فسكت
النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن جوابه،
فلما كرر الرجل
السؤال ثلاث مرات، بيَّن _صلى الله عليه وسلم_ أنه لو قال: «نعم»، كان سيجعل الحج
واجبًا كل عام، ولشقَّ ذلك على الأمة،
ولذلك قال:
«ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ»؛ أي: اتركوا السؤال عما لم أذكر حكمه، ولا تتكلفوا
البحث والتنقيب عن تفاصيل لم يكلّفكم الله بها.
ثم بيَّن _صلى
الله عليه وسلم_ سبب هذا التوجيه، فقال: «فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»،
أي: أن من أسباب
هلاك الأمم السابقة أنهم أكثروا من الأسئلة التي لا حاجة إليها، ثم لم يقفوا عند
حدود الإجابة، بل جادلوا أنبياءهم وخالفوهم واعترضوا على شرائعهم.
فالمذموم
هنا:
ليس السؤال النافع الذي يُقصد به طلب العلم والعمل، وإنما السؤال الذي يكون على
وجه التكلف والتنطع والجدال، أو السؤال عن أمور سكت الشرع عنها، ولم يحتج المسلم
إلى معرفتها.
قال شيخنا عبد
المحسن العباد _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة
الخمسين" (ص: 51)
"قوله: (فإنَّما
أهلك مَن كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)، المنهيُّ عنه في الحديث:
ما كان من المسائل قي زمنه يترتَّب عليه تحريم شيء على الناس بسبب مسألته، وما
يترتَّب عليه إيجاب شيء فيه مشقَّة كبيرة وقد لا يُستطاع، كالحجِّ كلَّ عام،
والمنهيُّ عنه بعد زمنه ما كان فيه تكلُّف وتنطُّع واشتغال به عمَّا هو أهم منه."
اهـ
ثم أرشد _صلى
الله عليه وسلم_ إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الشريعة فقال: «فَإِذَا
أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وفي رواية: «فَخُذُوا
بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
وهذا يدل على أن
أوامر الشرع تُمتثل بحسب القدرة والاستطاعة؛ فمن عجز عن أداء الواجب على وجهه
الكامل، أتى منه بما يستطيع، ولا يسقط عنه ما قَدِرَ عليه بسبب عجزه عن بعضه.
وأما النواهي،
فقال _صلى الله عليه وسلم_: «وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»،
وفي رواية: «فَدَعُوهُ».
وهذا يدل على أن
الأصل في النهي أن يُترك المنهي عنه، وأن المسلم مأمور بالابتعاد عن المحرمات، لا
بأن يتكلف منها ما يستطيع؛ لأن المقصود في النهي هو الترك والاجتناب.
وأما قوله _صلى
الله عليه وسلم_ في رواية الترمذي: «فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ، فَخُذُوا عَنِّي»،
ففيه: بيان وجوب قبول ما صح عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ من الأخبار والأحكام،
وأن المؤمن لا يجعل هواه أو رأيه مقدمًا على سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_،
بل يتلقى هديه بالقبول والتسليم.
فالخلاصة: أن الواجب
على المسلم أن يقف مع سنة النبي _صلى الله عليه وسلم_ حيث وقفت، فيأخذ بما أمر به،
ويجتنب ما نهى عنه، ويقبل ما أخبر به، ولا يتكلف السؤال عما سكت عنه الشرع، ولا
يفتح على نفسه وعلى الأمة أبواب المشقة والجدال والتعمق، وأن يعمل من أوامر
الشريعة بحسب استطاعته، مع ترك المنهيات واجتنابها.
فالحديث أرشد
المسلم إلى كمال الاتباع، وعدم التكلف، وترك التنطع، وتعظيم السنة، والتسليم
للوحي، والعمل بحسب الاستطاعة.
ولهذا كان
مناسبًا جدًا لإدراجه في باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها؛ إذ إن المحافظة
على السنة ليست بمجرد معرفتها، وإنما تكون بقبولها، والعمل بها، وتعظيمها، والوقوف
عند حدودها، وترك مخالفتها والتكلف فيما لم يرد فيها.
تخريج
الحديث:
أخرجه البخاري
في "صحيحه" (9/ 94) (رقم: 7288)، ومسلم في "صحيحه" (2/ 975/ 412
و 4/ 1830/ 130) (رقم: 1337)، والترمذي في "سننه" – ت. شاكر (5/ 47)
(رقم: 2679)، والنسائي في "سننه" (5/ 110) (رقم: 2619)، وابن ماجه في
"سننه" (1/ 3) (رقم: 2).
والحديث
صحيح:
صححه الألباني _رحمه الله_ في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"
(1/ 183 و 2/ 19) (رقم: 155 و 314)
من
فوائد الحديث:
قال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى:
676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (9/ 106):
"(فَإِذَا
أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ): هذا من قواعد الإسلام
المهمّة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها _صلى الله عليه وسلم_، ويدخل فيه ما لا
يُحصَى من الأحكام؛ كالصلاة بأنواعها،
فإذا عجز عن بعض
أركانها، أو بعض شروطها، أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء، أو الغسل،
غسل الممكن،
وإذا وجد بعض ما
يكفيه من الماء لطهارته، أو لِغُسل النجاسة، فَعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات،
أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن،
وإذا وجد ما
يستر بعض عورته، أو حَفِظَ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي
مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك.
وَهَذَا
الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى_: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]" اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (24/ 278_281):
"(المسألة
الثالثة): في فوائده:
1 - (منها):
بيان وجوب الحجّ.
2 - (ومنها): أن
الحجّ لا يتكرّر وجوبه، بل هو مرّة في العمر.
قال الخطّابيّ
رحمه الله: "لا خلاف في أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، إلا أن هذا الإجماع إنما
حصل بدليل، أما نفس اللفظ، فقد يوهم التكرار، ولذا سأل السائل، فإن الحجّ في اللغة
قصدٌ فيه تكرار." انتهى ["معالم السنن" (2/ 275)].
3 - (ومنها):
أنه يدلّ على أن المسلم إذا حجّ مرّة، ثم ارتدّ عن الإسلام -والعياذ بالله- ثم
أسلم أنه لا يلزمه إعادة الحجّ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله،
وذهب أبو حنيفة،
وأصحابه، ومالك -رحمهم الله تعالى- إلى أن المرتدّ لو عاد إلى الإسلام لا تعود
إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أدّاه منها قبل الرّدّة، إلا الحجّ،
فيلزمه إعادته؛ لأن وقته العمر، فلما أحبط حجه بالردّة، ثم أدرك وقته مسلمًا،
لزمه، وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه، فارتدّ، ثم أسلم في الوقت. [راجع: "المنهل
العذب المورود" (10/ 257 – 258)]
4 - (ومنها): أن
جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت دليل المنع من قبل الشارع.
5 - (ومنها):
أنه استدلّ به من قال: إن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كان يجتهد في
الأحكام؛ لقوله:
"ولو قلت: نعم، لوجبت"، وأجاب من منع ذلك باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك
في الحال، والقول بثبوت الاجتهاد له -صلى الله
عليه وسلم- هو الأرجح، كما أسلفته قريبًا، والله تعالى أعلم.
6 - (ومنها): أن
من أُمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدلّ
المزنيّ _رحمه الله_ على أنّ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثمّ كان الصحيح أن
القضاء بأمر جديد.
قال الجامع عفا
الله عنه: القول بأن القضاء بالأمر هو الأرجح، كما بيّنته في "التحفة
المرضيّة"، و"شرحها".___
7 - (ومنها): أن
اعتناء الشارع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيّات،
ولو مع المشقّة في الترك، وقيّد في المأمورات بقدر الطاقة،
وهذا منقول عن
الإمام أحمد _رحمه الله_.
[فإن قيل]: إن
الاستطاعة معتبرة في النهي أيضًا؛ إذ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
[أجيب]: بأن
الاستطاعة تُطلق باعتبارين، قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر
بالاستطاعة لا يدلّ على المدّعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكفّ، إذ كلّ أحد
قادر على الكفّ، لولا داعية الشهوة مثلًا، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكفّ، بل
كلّ مكلّف قادرٌ على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثمّ
قُيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي.
وعبّر الطوفيّ
في هذا الموضع بأن ترك المنهيّ عنه عبارةٌ عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على
عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وقد نوزع بأن القدرة
على استصحاب عدم المنهيّ عنه قد تتخلّف.
واستُدِلّ له
بجواز أكل المضطرّ الميتة.
وأجيب:
بأن
النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة.
8 - (ومنها):
أنه استُدلّ به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه،
فشمل الواجب والمندوب.
وأجيب: بأن قوله:
"فاجتنبوه" يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا
السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر. وقال الفاكهانيّ: النهي يكون تارة مع
المانع من النقيض، وهو المحرّم، وتارة لا معه، وهو المكروه، وظاهر الحديث
يتناولهما.
9 - (ومنها):
أنه استدلّ به على أن المباح ليس مأمورًا به؛ لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا
عكسه.
وأجيب: بأن من
قال: المباح مأمور به، لم يُرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعمّ، وهو
الإذن.___
10 - (ومنها):
أنه استُدلّ به على أن الأمر لا يقتضى التكرار، ولا عدمه، وقيل: يقتضيه، وقيل: بل
يُتوقّف فيما زاد على مرّة،
وحديث الباب يتمسّك
به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحجّ: "أكلّ عام؟ "، فلو كان
مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يحسُن السؤال، ولا العناية بالجواب،
وقد يقال: إنما
سأل استظهارًا واحتياطًا.
وقال المازريّ:
يَحْتَمِل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحجّ في اللغة قصد فيه
تكرارٌ، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر.
وقد تمسّك به من
قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحجّ إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة
والاشتقاق،
وقد ثبت في
الإجماع أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، فيكون العود إِليه مرّة أخرى دالًّا على وجوب
العمرة.
11 - (ومنها):
أنه استُدلّ به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمّق في ذلك.
قال البغويّ
رحمه الله في "شرح السنّة": المسائل على وجهين:
"أحدهما":
ما
كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله
تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} الآية [النحل: 43]،
وعلى ذلك تتنزّل
أسئلة الصحابة -رضي الله عنهم- عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما.
"ثانيهما":
ما
كان على وجه التعنّت والتكلّف، وهو المراد في هذا الحديث، والله أعلم.
ويؤيّده ورود
الزجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السلف، فعند أحمد من حديث معاوية: "أن النبيّ
-صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن الأغلوطات"،
قال الأوزاعيّ:
هي شداد المسائل، وقال الأوزاعيّ أيضًا: إن الله إذا أراد أن يَحْرِمَ عبده بركة
العلم، ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقلّ الناس علمًا.
وقال ابن وهب:
سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل.
وقال ابن
العربيّ: كان النهي عن السؤال في العهد النبويّ خشية أن ينزل ما يشقّ عليهم، فأما
بعده، فقد أُمِن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة___الكلام في المسائل التي لم
تقع، قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء، فإنهم فرّعوا، ومهّدوا، فنفع
الله من بعدهم بذلك، ولا سيّما مع ذهاب العلماء، ودروس العلم. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ رحمه
الله: وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم، إذا شغله ذلك عمّا هو أهمّ منه، وكان
ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرّدًا عما يندر، ولا سيّما في المختصرات؛ ليسهل
تناوله، والله المستعان. انتهى.
12 - (ومنها):
أن فيه إشارةً إلى الاشتغال بالأهمّ المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في
الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها
عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع.
فينبغي للمسلم
أن يبحث عما جاء عن الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يجتهد في تفهّم
ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميّات يتشاغل بتصديقه،
واعتقاد أحقيّته، وإن كان من العمليّات بذَلَ وُسْعه في القيام به، فعلًا وتركًا،
فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرّف حكم ما سيقع
على قصد العمل به أن لو وقع،
فأما إن كانت
الهمّة مصروفةً عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا
تقع مع الإعراض
عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي،
فالتفقّه في
الدين إنما يُحمَد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدل، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب. [راجع: "الفتح" 15/ 188 - 192 "كتاب الاعتصام
بالكتاب والسنّة"]." اهـ
وقال إسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) _رحمه الله_ في "التحفة الربانية في
شرح الأربعين حديثا النووية" (ص: 25_26):
يستفاد منه:
1 - الأمر
بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
2 - أن النهي
أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه،___وأمر قيد بالاستطاعة، ولهذا
قال بعض السلف: أعمال البر يعملها البار والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صديق.
3 - أن العجز عن
الواجب أو عن بعضه مسقط للمعجوز عنه، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، إلا أن
المعجوز عنه إن كان له بدل فأتى به فقد أتى بما عليه، كمن عجز عن القيام في الصلاة
فانتقل إلى الصلاة قاعدا، أو على جنب، وإن عجز عن أصل العبادة فلم يأت بها كالمريض
يعجز عن الصيام سقطت عنه المباشرة حالة العجز، ووجب عليه القضاء بعده. وقد يكون
الوجوب منوطا بالقدرة حالة الوجوب فقط، فإذا عجز عنه سقط رأسا كزكاة الفطر لمن عجز
عن قوته وقوت عياله.
4 - النهي عن
كثرة السؤال. وقد قسم العلماء السؤال إلى قسمين: أحدهما _ ما كان على وجه التعليم
لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهذا مأمور به لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن
كنتم لا تعلمون) وعلى هذا النوع تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما.
والثاني _ ما كان على وجه التعنت والتكلف وهذا هو المنهي عنه.
5 - تحذير هذه
الأمة من مخالفة نبيها، كما وقع في الأمم التي قبلها." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح الأربعين النووية" (ص: 135_140):
"من فوائد
هذا الحديث:
1 - وجوب الكفّ
عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله: مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ
فَاجْتَنِبُوهُ.
2 - أن المنهي
عنه يشمل القليل والكثير، لأنه لا يتأتّى اجتنابه إلا باجتناب قليله وكثيره،
فمثلاً: نهانا عن الرّبا فيشمل قليله وكثيره.
3 - أن الكفّ
أهون من الفعل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في المنهيات أن تُجتنب كلّها،
لأن الكفّ سهل.
فإن قال قائل:
يرد على هذا إباحة الميتة والخنزير للمضطر، وإذا كان مضطراً لم___يجب الاجتناب؟
فالجواب
عن هذا:
أن نقول: إذا وجدت الضرورة، ارتفع التّحريم، فلا تحريم أصلاً، ولهذا كان من قواعد
أصول الفقه: (لا محرم مع الضرورة، ولا واجب مع العجز) إذاً، هذا الإيراد غير وارد.
فلو
قال لنا قائل: (فاجتنبوه) عام فيشمل اجتناب أكل الميتة
عند الضرورة. فنقول: لايشمل، لأنه إذا وجدت
الضرورة، ارتفع التحريم.
هل
يجوز فعل المحرّم عند الضرورة أم لا؟
والجواب:
أنه
يجوز لقول الله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: الآية 119)
فمن اضطر إلى
أكل الميتة، جاز له أن يأكل منها، ومن اضطر إلى أن يأكل لحم الخنزير جاز له أن
يأكل لحم الخنزير وهكذا.
ومن اضطر إلى
شرب الخمر، جاز له شرب الخمر، ولكن الضرورة إلى شرب الخمر تصدق في صورة واحدة،
وهي: إذا غصّ بلقمة، وليس عنده، إلا خمر، فإنه يشربه لدفع اللقمة، وأما شرب الخمر
للعطش، فلا يجوز، قال أهل العلم: لأن الخمر لا يزيد العطشان إلا عَطَشاً، فلا
تندفع به الضرورة.
وإذا
اضطر شخص إلى محرّم، فهل له أن يزيد على قدر الضرورة؟ بمعنى:
إذا حل له أكل الميتة، فهل له أن يشبع، أو نقول له: اقتصر على ما تبقى به الحياة
فقط؟
والجواب:
ذكر
بعض العلماء: أنه يجب أن يقتصر على ما تبقى به الحياة فقط، ولا يشبع. والصحيح: التفصيل في هذا:
فإن كان يعلم أو
يغلب على ظنه أنه سيحصل على شيء مباح قريباً، فليس له أن يشبع، إلا إذا كان معه
شيء يحفظ به اللحم إن احتاجه أكله، فهنا لا حاجة للشبع، بل يكون بقدر ما تندفع به
الضرورة.
* وما
هي الضرورة إلى المحرّم؟ الضرورة إلى المحرم هي: أن لا يجد سوى
هذا المحرّم، وأن تندفع به___الضرورة، وعلى هذا:
فإذا كان يجد غير المحرّم فلا ضرورة، وإذا كان لاتندفع به الضرورة فلا يحلّ.
- فأكل الميتة
عند الجوع إذا لم يجد غيرها تندفع به الضرورة.
- والدواء
بالمحرّم لا يمكن أن يكون ضرورة لسببين:
أولاً:
لأنه
قد يبرأ المريض بدون دواء، وحينئذ لا ضرورة.
ثانياً:
قد
يتداوى به المريض ولا يبرأ، وحينئذٍ لا تندفع الضرورة به، ولهذا قول العوام: إنه يجوز
التداوي بالمحرّم للضرورة قولٌ لا صحّة له، وقد نص العلماء _رحمهم الله_ على أنه
يحرم التداوي بالمحرّم.
4 - أنه لا يجب
من فعل المأمور، إلا ما كان مستطاعاً، لقوله: وَمَا أَمرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا
مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ
فإن قال قائل:
هل هذه الجملة تفيد التسهيل، أو التشديد، ونظيرها قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: الآية16)
فالجواب: لها
وجهان:
* فقد يكون
المعنى: لابد أن تقوموا بالواجب بقدر الاستطاعة وأن لا تتهاونوا مادمتم مستطيعين.
* ويحتمل أن
المعنى: لا وجوب إلا مع الاستطاعة، وهذا يؤيده قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: الآية286)
ولهذا لو أمرت
إنساناً بأمر، وقال: "لا أستطيع"، وهو يستطيع، لم يسقط عنه الأمر.
5 - أن الإنسان
له استطاعة وقدرة، لقوله: (مَا استَطَعْتُمْ)،
فيكون فيه رد
على الجبرية الذين يقولون: "إن الإنسان لا
استطاعة له، لأنه مجبر على عمله"، حتى الإنسان إذا حرّك يده عند الكلام،
فيقولون: "تحريك اليد ليس باستطاعته، بل مجبر،
ولا ريب أن___هذا
قول باطل يترتب عليه مفاسد عظيمة.
6 - أن الإنسان
إذا لم يقدر على فعل الواجب كله، فليفعل ما استطاع. ولهذا مثال: يجب على الإنسان
أن يصلي الفريضة قائماً، فإذا لم يستطع صلى جالساً.
وهنا
سؤال: لو
كان يستطيع أن يصلي قائماً، لكنه لا يستطيع أن يكمل القيام إلى الركوع، بمعنى: أن
يبقى قائماً دقيقة أو دقيقتين ثم يتعب ويجلس، فهل نقول: "اجلس وإذا قارب
الركوع، فقم"، أو نقول: "ابدأ الصلاة قائماً، وإذا تعبت، اجلس؟
الجواب:
هذا
فيه تردد عندي، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ حين أخذه اللحم كان يصلي في الليل
جالساً، فإذا بقي عليه آيات، قام وقرأ ثم ركع [خ م].
وهذا يدلّ على
أنك تقدّم القعود أولاً، ثم إذا قاربت الركوع فقم.
لكن يردّ على
هذا أن النفل يجوز أن يصلي الإنسان فيه قاعداً، فقعد، فإذا قارب الركوع قام.
والفريضة الأصل
أن يصلّي قائماً، فنقول: ابدأها قائماً، ثم إذا
تعبت، فاجلس، وربما تعتقد أنك لا تستطيع القيام كله، ثم تقدر عليه، فنقول: ابدأ
الآن بما تقدر عليه، وهو القيام، ثم إن عجزت فاجلس، وهذا أقرب.
لكني أرى عمل
الناس الآن في المساجد بالنسبة للشيوخ والمرضى، يصلي جالساً فإذا قارب الركوع قام،
ولا أنكر عليهم، لأني ليس عندي جزم أو نص بأنه يبدأ أولاً بالقيام ثم إذا تعب جلس،
لكن مقتضى القواعد أنه يبدأ قائماً، فإذا تعب جلس.
7 – لا ينبغي
للإنسان إذا سمع أمر الرسول _صلى الله عليه وسلم_ أن يقول: "هل هو واجب أم
مستحبّ؟" لقوله: (فَأْتُوا مِنْهُ مَا استَطَعْتُمْ)، ولا تستفصل، فأنت عبد
منقاد لأمر الله عزّ___وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.
لكن إذا وقع
العبد وخالف، فله أن يستفصل في أمره، لأنه إذا كان واجباً، فإنه يجب عليه التوبة،
وإذا كان غير واجب فالتوبة ليست واجبة.
8 - أن ما أمر
به النبي _صلى الله عليه وسلم_، أو نهى عنه، فإنه شريعة، سواء كان ذلك في القرآن
أم لم يكن، فُيعمل بالسنة الزائدة على القرآن أمراً أو نهياً.
هذا من حيث
التفصيل، لأن في السنة ما لا يوجد في القرآن على وجه التفصيل، لكن في القرآن ما
يدل على وجوب اتباع السنة، وإن لم يكن لها ذكر في القرآن مثل قول الله تعالى:
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: الآية 80) ومثل قول
الله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ) (الأعراف: الآية 158)
فالقرآن دلّ على
أن السنة شريعة يجب العمل بها، سواء ذكرت في القرآن أم لا.
9 - أن كثرة
المسائل سبب للهلاك ولاسيّما في الأمور التي لايمكن الوصول إليها، مثل مسائل الغيب
كأسماء الله وصفاته، وأحوال يوم القيامة، لا تكثر السؤال فيها، فتهلك، وتكون
متنطّعاً متعمّقاً.
وأما ما يحتاج
الناس إليه من المسائل الفقهية، فلا حرج من السؤال عنها مع الحاجة لذلك، وأما إذا
لم يكن هناك حاجة، فإن كان طالب علم، فليسأل وليبحث، لأن طالب العلم مستعدٌ لإفتاء
من يستفتيه. أما إذا كان غير طالب علم، فلا يكثر السؤال.
10 - أن الأمم
السابقة هلكوا بكثرة المساءلة، وهلكوا بكثرة الاختلاف على أنبيائهم.
11 - التحذير من
الاختلاف على الأنبياء، وأن الواجب على المسلم أن يوافق الأنبياء _عليهم الصلاة
والسلام_، وأن يعتقدهم أئمة، وأنهم عبيد من عباد الله، أكرمهم الله تعالى
بالرسالة، وأن خاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى جميع الناس،
وشريعته هي___دين الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وأن الله لا يقبل من
أحدٍ ديناً سواه، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) (آل
عمران: الآية19) . والله الموفق." اهـ
وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في
شرح الأربعين وتتمة الخمسين" (ص: 53)
8 مِمَّا
يُستفاد من الحديث:
1 وجوب ترك كلِّ
ما حرَّمه الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 وجوب الإتيان
بكلِّ ما أوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
3 التحذير من
الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب مِمَّا كان سبباً في هلاكهم.
4 أنَّه لا يجب
على الإنسان أكثر مِمَّا يستطيع.
5 أنَّ مَن عجز
عن بعض المأمور كفاه أن يأتي بما قدر عليه منه.
6 الاقتصار في
المسائل على ما يُحتاج إليه، وترك التنطُّع والتكلُّف في المسائل.
ملحق
الفوائد:
في هذا الحديث
فوائد جليلة وقواعد عظيمة، تتعلق بحفظ السنة، وحسن الاتباع، وترك التكلف والتنطع.
ومن أبرزها:
١- وجوب طاعة
رسول الله ﷺ واتباع سنته.
فإذا ثبت أمر
النبي ﷺ وجب على المؤمن أن يتلقاه بالقبول والانقياد، فإن طاعته من طاعة الله
تعالى، قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. فليس شأن
المؤمن أن يعارض السنة برأيه وهواه، وإنما شأنه أن يقول: سمعنا وأطعنا.
٢- أن السنة
النبوية أصلٌ من أصول الدين.
فقوله ﷺ:
«فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي» يدل على أن ما صح عنه ﷺ من خبر أو حكم
يُتلقى بالقبول، إذ السنة بيان للكتاب، وشرح لما أجمله، وتفصيل لما أطلقه.
٣- التحذير من
كثرة السؤال على وجه التكلف والتنطع.
ليس كل سؤال
مذمومًا، فإن السؤال عن العلم النافع محمود، وإنما المذموم كثرة السؤال فيما لا
حاجة إليه، أو السؤال على سبيل التعنت والجدال، أو التعمق فيما سكت عنه الشرع؛ فإن
ذلك قد يكون سببًا للمشقة والاضطراب.
٤- أن السكوت عن
بعض المسائل رحمة بالأمة.
فقوله ﷺ:
«ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» يدل على أن ما سكت عنه الشارع ولم يوجبه على الناس قد
يكون في السكوت عنه توسعة ورحمة، فلا ينبغي للعبد أن يتكلف ما لم يكلفه الله به.
٥- أن التعمق في
الدين بغير هدى من أسباب الهلاك.
قال ﷺ:
«فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ
وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ». ففيه تحذير من مسالك أهل الغلو والتكلف،
الذين لا يقفون عند حدود النص، بل يفتحون على أنفسهم أبواب الجدل والاعتراض.
٦- أن الواجب في
الأوامر فعلها بحسب الاستطاعة.
قال ﷺ:
«فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، ففيه أن العبد لا يكلف من العمل إلا ما يقدر
عليه، وأن العجز عن بعض المأمور به لا يقتضي ترك ما قدر عليه منه.
٧- أن الاستطاعة
معتبرة في امتثال الأوامر الشرعية.
فالعبد مأمور
بأن يأتي من الطاعة بما يقدر عليه، فإذا عجز عن بعض الكمال لم يترك أصل العمل الذي
استطاعه؛ فإن الشريعة مبنية على اليسر ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
٨- أن النهي
يقتضي الترك والاجتناب.
قال ﷺ: «وَإِذَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ». فالمسلم إذا بلغه النهي الشرعي وجب
عليه أن يدع المنهي عنه، وأن يحذر من الوقوع فيه، ولا يتعلل بضعف النفس أو موافقة
الهوى.
٩- أن اجتناب
المحرمات مقدم على التكلف في النوافل.
فالعبد مأمور
بترك ما حرمه الله، ثم يجتهد بعد ذلك في أبواب الخير. ومن الحكمة أن يبدأ المسلم
بما أوجب الله عليه وما حرم عليه، قبل أن يشتغل بما هو دون ذلك رتبة.
١٠- أن الشريعة
جاءت برفع الحرج عن المكلفين.
ويتجلى ذلك في
قوله ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»؛ فإن الله تعالى
لم يفرض الحج في كل عام، بل جعله مرة في العمر على المستطيع، رحمة بالعباد
وتيسيرًا عليهم.
١١- أن من أسباب
المشقة على العبد أن يتكلف ما لم يلزمه الشرع.
فقد يسأل
الإنسان عن أمر مباح أو مسكوت عنه، ثم يترتب على السؤال إلزام أو تضييق. ولهذا كان
من فقه العبد أن يعرف متى يسأل، ومتى يمسك عن السؤال.
١٢- أن حسن
السؤال من آداب طلب العلم.
فالسؤال النافع
هو الذي يقصد به صاحبه معرفة الحق والعمل به، لا مجرد جمع المسائل أو امتحان
العالم أو فتح أبواب المراء. فليس الفقيه بكثرة ما يسأل، ولكن بحسن قصده وحسن فهمه
لما يسأل عنه.
١٣- التحذير من
المراء والخصومة في الدين.
فقوله ﷺ:
«وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» فيه ذم لمخالفة الرسل والخصومة في
شرائعهم. والمؤمن إذا ظهر له الدليل أذعن له، ولم يجعل نفسه خصمًا للنص.
١٤- أن مخالفة
الأنبياء سبب للضلال والهلاك.
فالأمم الماضية
لم تهلك لمجرد وجود الأسئلة عندها، وإنما هلك من هلك حين تحولت الأسئلة إلى معارضة
للرسل، ورد للأوامر، واستكبار عن الحق. وفي ذلك عبرة لمن جاء بعدهم.
١٥- وجوب
التسليم للنصوص الشرعية.
فإذا صح الحديث
عن رسول الله ﷺ، فسبيل المؤمن أن يتلقاه بالتسليم والقبول، لا أن يعرضه على أهوائه
وأذواقه؛ فإن الوحي هو الحاكم على العقول، وليس العقل حاكمًا على الوحي.
١٦- أن السنة
تجمع بين الأمر والنهي والخبر.
فالرواية التي
فيها: «فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي»، مع قوله: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ»
وقوله: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ»، تجمع أصول تلقي السنة: تصديق الخبر، وامتثال الأمر،
واجتناب النهي.
١٧- رحمة النبي ﷺ
بأمته وشفقته عليها.
ويتجلى ذلك في
سكوته عن السؤال، وفي بيانه أن إيجاب الحج كل عام كان سيشق عليهم. فكان ﷺ أرحم
الناس بأمته، وأحرصهم على ما فيه صلاحها ورفع الحرج عنها.
١٨- أن من فقه
الصحابي أن يسأل عما يحتاج إليه، ولكن لا يتجاوز الحد.
فالصحابة رضي
الله عنهم كانوا يسألون النبي ﷺ عن مسائل الدين، وكان سؤالهم سببًا في تعلم الأمة،
لكن الحديث يبين أن السؤال إذا جاوز حد الحاجة، وصار تكلفًا وجدالًا، انقلب من
وسيلة للعلم إلى سبب للمشقة.
١٩- أن الأحكام
الشرعية مردها إلى الوحي، لا إلى الأهواء والعادات.
فالنبي ﷺ لم
يجعل الحكم تابعًا لما تستحسنه النفوس، وإنما بيّن أن الفرض والنهي والأمر من أمر
الله تعالى، فعلى العبد أن يتلقى ذلك بالسمع والطاعة.
٢٠- أن من تمام
المحافظة على السنة ترك الغلو فيها وترك التهاون بها.
فالمحافظة على
السنة ليست في التشدد والتكلف، كما أنها ليست في التهاون والترك؛ بل حقيقتها أن
يقف العبد عند حدودها: يأخذ بما أمر به، ويجتنب ما نهي عنه، ويصدق ما أخبر به، ولا
يتجاوز ما شرعه الله ورسوله ﷺ.
٢١- أن هذا
الحديث أصل في سد باب التنطع.
والتنطع هو
التعمق والتشدد ومجاوزة الحد المشروع. وقد جاء الشرع بذم الغلو والتكلف، وأمر
بلزوم السنة والاقتصاد في الدين، فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ.
٢٢- أن العبرة
ليست بكثرة الأعمال، وإنما بحسن الاتباع.
فالعبد لا يتقرب
إلى الله بما تهواه نفسه، وإنما بما شرعه الله ورسوله ﷺ. فرب عمل كثير لا أصل له
يرده الشرع، ورب عمل قليل وافق السنة فكان عظيم البركة.
٢٣- أن من كمال
العبودية الوقوف عند حدود الشرع.
فلا يقدم العبد
بين يدي الله ورسوله، ولا يزيد في الدين ما ليس منه، ولا ينقص منه ما ثبت فيه، بل
يلزم الصراط المستقيم، ويعبد الله على بصيرة.
٢٤- أن الشريعة
جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد ورفع المشقة.
فعدم إيجاب الحج
في كل عام من مظاهر رحمة الشريعة وتيسيرها، وفي الحديث إشارة إلى أن الأحكام
الشرعية لم تأت لتعذيب الناس وإعناتهم، وإنما جاءت لإصلاحهم وهدايتهم بما يناسب
طاقتهم.
٢٥- أن خير طريق
للنجاة هو لزوم السنة وترك التكلف.
فمن لزم سنة
النبي ﷺ، وقبل خبره، وامتثل أمره بحسب استطاعته، واجتنب نهيه، وترك المراء والتنطع
وكثرة السؤال فيما لا ينفعه، فقد سلك سبيل السلامة، وأخذ بأدب عظيم من آداب
الشريعة.
[1] (دَعُونِي مَا
تَرَكْتُكُمْ)، أيْ: اتركوني ما دمتُ قد تركتُ بيانَ شيْءٍ لكم، فلا تسألوا عنه،
ولا تتكلفوا البحث عن حكمه ما لم أذكرْه لكم. والمقصود: ليس ترك اتباع النبي _صلى
الله عليه وسلم_، وإنما المراد: لا تتكلفوا السؤال عن أمورٍ سكتُّ عنها، ولم
أوجبها عليكم.
[2] (إِنَّمَا أَهْلَكَ
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)، أي: كان من أسباب هلاك الأمم السابقة وفساد حالهم ما
وقعوا فيه من كثرة الأسئلة المخالفة للشرع، والجدال مع أنبيائهم، وعدم الانقياد
لهم.
والمراد بالهلاك هنا أعم من
الهلاك الدنيوي والأخروي، بحسب ما ترتب على مخالفتهم. (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ)، أي:
بكثرة أسئلتهم التي لا حاجة إليها، أو التي يقصد بها التعنت والتكلف والجدال. وليس
المراد: ذم كل سؤال؛ فإن السؤال عن العلم النافع من أسباب العلم والهداية، وقد قال
الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
[النحل: 43]، وإنما المذموم السؤال: الذي لا يُقصد به الاهتداء والعمل، أو السؤالُ
عن أمور لم تَدْعُ الحاجةُ إليها، أو السؤالُ على وجه الاعتراض والتعنت. (وَاخْتِلَافِهِمْ
عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)، أي: مخالفتهم لأنبيائهم ومجادلتهم لهم وعدم انقيادهم
لأوامرهم. فلم تكن المشكلة مجرد اختلاف في الرأي، وإنما كان اختلافًا يؤدي إلى رد
أمر الأنبياء ومخالفتهم.
ومن أمثلته ما قصه الله عن بني
إسرائيل من كثرة مراجعتهم لموسى عليه السلام في شأن البقرة، حتى شددوا على أنفسهم
بكثرة الأسئلة.
[3] (فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ
عَنْ شَيْءٍ، فَاجْتَنِبُوهُ)، أي: إذا حرَّمْتُ عليكم شَيْئًا أو نهيتكم عنه،
فاتركوه وابتعدوا عنه بالكلية. والاجتناب أبلغ من مجرد الترك؛ لأنه يتضمن الابتعاد
عن الشيء وعن الأسباب والطرق الموصلة إليه. ولهذا جاء التعبير بـ"فاجتنبوه"
في رواية، وبـ"فدعوه" في رواية مسلم.
[4] (وَإِذَا
أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ)، أي: إذا أمرتكم بأمر شرعي، سواء كان أمرًا واجبًا أو
أمرًا مستحبًا بحسب دلالة الأمر والسياق. فالمسلم مأمور بتلقي أمر النبي _صلى الله
عليه وسلم_ بالقبول والطاعة، ثم ينظر في قدر استطاعته إلى ما يمكنه فعله. (فَأْتُوا
مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، أي: افعلوا من المأمور به القدر الذي تستطيعونه. فإذا
كان الإنسان عاجزًا عن أداء العبادة أو الواجب على الوجه الكامل، فإنه يفعل منها
ما يقدر عليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ومن هنا كانت الاستطاعة معتبرة في
امتثال الأوامر.
[5] (إِنَّ اللَّهَ _عَزَّ
وَجَلَّ_ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ)، أي: أوجب الله تعالى على المسلمين حج
بيت الله الحرام، وذلك على المستطيع. والفرض: هو الأمر الذي أوجبه الله تعالى، فلا
يجوز للمكلف تركه مع القدرة والاستطاعة. (فَحُجُّوا)، أي: اذهبوا إلى بيت الله
الحرام وأدوا مناسك الحج. وهذا أمر من النبي _صلى الله عليه وسلم_ بتأدية ما فرضه
الله تعالى.
[6] (أَكُلَّ عَامٍ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟)، أي: هل يجب علينا أن نحج في كل سنة؟ وهذا هو السؤال الذي ترتب
عليه بيان عظيم من النبي _صلى الله عليه وسلم_ في النهي عن التكلف وكثرة السؤال.
والسائل هو الأقرع بن حابس
التميمي _رضي الله عنه_، ففي "سنن النسائي" (5/ 111) (رقم: 2620):
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ
تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ
التَّمِيمِيُّ: "كُلُّ عَامٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟" فَسَكَتَ، فَقَالَ:
«لَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ثُمَّ إِذًا لَا تَسْمَعُونَ، وَلَا تُطِيعُونَ،
وَلَكِنَّهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ»
صححه الألباني _رحمه الله_ في
"الإرواء" (رقم: 149_150)
[7] وفي "البحر
المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (24/ 270):
قال التوربشتيّ _رحمه الله_: إنما
سكت النبيّ -صلى الله عليه وسلم-؛ زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى؛
لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما بُعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان
أمر عَلِم أن بالأمة حاجةً إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدُّمٌ بين يدي رسول
الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد نُهُوا عنه، بقوله _تعالى_: {لَا تُقَدِّمُوا
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1]، والإقدام عليه ضرب من الجهل،
وشرٌّ." اهـ
[8] (لَوْ
قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ)، أي: لما سأل الرجل: «أكل عام يا رسول الله؟»، بيّن
النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه لو أجاب: "نعم"، لكان الحج واجبًا في كل
سنة. وهذا يدل على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان لا يتكلم في التشريع عن هوى،
وأن جوابه في مقام التشريع له أثر في بيان الحكم الشرعي. (وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)،
أي: لو وجب الحج في كل عام لشق ذلك عليكم، ولعجز كثير منكم عن القيام به. ففي
الحديث رحمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأمته، وحرصه على عدم تكليفها بما يشق
عليها. (وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا)، أي: لو صار الحج واجبًا كل عام
بسبب الجواب بـ"نعم"، لما قدِرْتُمْ على القيام بهذا الواجب على الوجه
المطلوب. ما قمتم بها: أي ما أديتموها وقمتم بحقها.
[9] (فَإِذَا
حَدَّثْتُكُمْ، فَخُذُوا عَنِّي)، أي: إذا أخبرتكم عن الله أو عن أمر من أمور
الدين، فاقبلوا ما أخبرتكم به، وصدقوه، واعملوا بمقتضاه. وفيه بيان وجوب تعظيم
حديث رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وقبول سنته. فَخُذُوا عَنِّي: أي تلقوا عني،
واقبلوا ما أبلغكم به من الشرع. فالسنة ليست شيئًا اختياريًا للمسلم من حيث أصل
القبول، بل ما ثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ يجب الإيمان به وقبوله، ثم العمل
بالحكم الذي دل عليه الحديث بحسب دلالته.
[10] (فَخُذُوا
بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، هذه رواية النسائي، ومعناها قريب من قوله: «فأتوا منه ما
استطعتم»، أي: تمسكوا بالمأمور به، واعملوا منه بحسب قدرتكم واستطاعتكم. فلفظ
«خذوا به» يدل على الأخذ والتمسك والعمل، وليس مجرد معرفة الحكم.
Komentar
Posting Komentar