شرح الحديث 130 (باب المواقيت) من بلوغ المرام - الشارح أبو فائزة البوجيسي

 

130 - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُوْلِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

 

ترجمة رافع بن خديج الأنصاري الخزرجي الحارثي _رضي الله عنه_:

 

قال المزي في "تهذيب الكمال" :

(خ م د ت س ق): رافع بن خديج بن رافع بن عدى بن تزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي[1]، أبو عبد الله (ويقال: أبو رافع)، المدني، صاحب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، شهد أحدا و الخندق . اهـ .

 

وقال المزى :

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:

رافع بن خديج بن رافع بن عدي، وهو ابن أخي ظهير ومظهر ابْنَيْ رافع بن عدي، شهد رافع بن خديج أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وكان رافع بن خديج أصابه يوم أحد سهْم فى ترقوته إلى علابيه فقال له رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "إن شئت نزعت السهم، و تركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد" فتركها رافع لقول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، و كان لا يحس منها شيئا دهرا، وكان إذا ضحك فاستغرب بدا، فقيل: إنه لما كان فى خلافة عثمان، انتقض به ذلك الجرح، فمات منه، و كان رافع يكنى أبا عبد الله، ومات بالمدينة."

 

و قال يحيى بن بكير: مات أول سنة ثلاث وسبعين، و مات ابن عمر بعده في هذه السنة .

وقال الواقدي: مات أول سنة أربع و سبعين، وحضر ابن عمر جنازته، وكان رافع يوم مات ابن ست وثمانين سنة .

و قال خليفة بن خياط، وابن نمير: "مات سنة أربع و سبعين."

 

قال الحافظ في تهذيب التهذيب  3 / 229 :

و قال البخارى فى " تاريخه " : مات فى زمن معاوية .

و ذكره فى " التاريخ الأوسط " فى فصل من مات من الخمسين إلى الستين .

و أرخه ابن قانع سنة تسع و خمسين ، فالله أعلم .

و فى قول المصنف: ويقال فى كنيته: أبو رافع، نظر، لأنا لم نر من اكتنى باسم نفسه، إلا نادرا، ولا رأينا من كنّى رافعا هذا أبا رافع ، و كأنه سبْقُ قلم، أراد أن يكتب: ويقال: أبو خديج،

فقد حكى البخاري في "تاريخه" أنه يكنى أبو خديج." اهـ .

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 182)

وَكَانَ صَحْرَاوِيّاً، عَالِماً بِالمُزَارَعَةِ وَالمُسَاقَاةِ.

 

سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 182)

قُلْتُ: كَانَ رَافِعُ بنُ خَدِيْجٍ مِمَّنْ يُفْتِي بِالمَدِيْنَةِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَبَعْدَهُ.

تُوُفِّيَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوْ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَلَهُ عِدَّةُ بَنِيْنَ.

 

معرفة الصحابة لأبي نعيم (2/ 1044)

رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَهُوَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ بْنِ رَافِعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ حَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، كَانَ يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ وَيُحْفِي شَارِبَهُ، وَكَانَ عَرِيفَ قَوْمِهِ، اسْتُصْغِرَ عَنْ بَدْرٍ، وَأُجِيزَ يَوْمَ أُحُدٍ.

وَكَانَ يُعَدُّ فِي الرُّمَاةِ، أُصِيبَ بِسَهْمٍ يَوْمَ أُحُدٍ فِي ثَنْدُوَتِهِ، فَبَقِيَتِ الْحَدِيدَةُ فِي ثَنْدُوَتِهِ تَتَحَرَّكُ فَتُرِكَ فِيهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ لَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ،

وَشَهِدَهُ ابْنُ عُمَرَ وَكَانَ لَهُ عَقِبٌ بِالْمَدِينَةِ وَبِبَغْدَادَ...وَمِنْ أَوْلَادِهِ: رِفَاعَةُ، وَعَبَايَةُ، وَسَهْلٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدٌ، وَأُسَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ

 

وفي الأعلام للزركلي (3/ 12):

"رافِع بن خَديج (12 ق هـ - 74 هـ = 611 - 693 م):

رافع بن خديج بن رافع الأَنْصَارِي الأوسي الحارثي: صحابيّ. كان عريف قومه بالمدينة، وشهد أحدا والخندق. توفي في المدينة متأثرا من جراحة. له 78 حديثا." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُوْلِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

 

سنن النسائي (1/ 259) (رقم: 520):

عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمْ «كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهَالِيهِمْ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَرْمُونَ وَيُبْصِرُونَ مَوَاقِعَ سِهَامِهِمْ»

 

كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 186_187):

"مواقع النبل إِنَّمَا يكون فِي الْمَكَان المكشوف والصحراء، وَكَانُوا___يصلونَ الْمغرب مَعَ الْغُرُوب فيتهيأ لذَلِك إبصار مواقع النبل." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بين هذا الحديث أول وقت صلاة المغرب، وأن النبي ﷺ كان يبادر إلى أدائها عقب غروب الشمس، ولا يؤخرها تأخيرًا طويلًا، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلونها معه، ثم ينصرف أحدهم من الصلاة في وقتٍ لا يزال فيه ضوء النهار باقيًا إلى درجة أنه يستطيع أن يرى موضع سقوط نبله.

 

فقول رافع بن خديج رضي الله عنه: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» يدل على أن صلاة المغرب كانت تؤدى جماعةً مع النبي ﷺ، وأن هذا كان من هديه المستمر الذي شهده الصحابة ونقلوه للأمة.

 

وقوله: «فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا» أي: يفرغ أحد الصحابة من صلاة المغرب وينصرف من المسجد، والمراد أن زمن انصرافه كان قريبًا من زمن الغروب، لأن صلاة المغرب في ذلك العهد لم تكن تؤخر إلى اشتداد الظلام.

 

وأما قوله: «وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ»، فهو تصوير بليغ لشدة بقاء الضوء بعد صلاة المغرب؛ فكان أحدهم إذا انصرف من الصلاة يستطيع أن يرى الموضع الذي سقط فيه سهمه إذا رماه، أي إن بصره كان يدرك موضع السهم في ضوء النهار الباقي.

 

وفي هذا إشارة إلى أن النبي ﷺ كان يعجّل صلاة المغرب في أول وقتها، وأن وقتها يدخل بغروب الشمس، ولا يشترط لدخول وقتها ذهاب الحمرة أو اشتداد الظلام.

 

مناسبة الحديث لباب المواقيت

 

أورده الحافظ ابن حجر رحمه الله في باب المواقيت من بلوغ المرام للاستدلال به على وقت صلاة المغرب؛ فإن الرواية تصف الحال التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه في أدائها.

 

فالحديث يدل على أن المغرب من الصلوات التي يشرع تعجيلها، وأن وقتها يدخل بمجرد غروب الشمس، وكان هدي النبي ﷺ أن يصليها في أول وقتها، بحيث يفرغ الصحابة منها والضوء باقٍ.

 

تنبيه:

الحديث لا يدل على أن صلاة المغرب تُصلّى قبل تحقق الغروب، وإنما يدل على أنها كانت تُصلّى بعد غروب الشمس مباشرة أو قريبًا منه، ولذلك بقي من ضوء النهار ما يتمكن معه المصلي بعد فراغه من الصلاة من رؤية موضع نبله.

 

وخلاصة الحديث: كان النبي ﷺ يصلي المغرب عقب غروب الشمس، ولا يؤخرها حتى يشتد الظلام، وكان الصحابي إذا فرغ منها وانصرف لا يزال يستطيع أن يرى موضع سهمه الذي رماه؛ وفي ذلك بيانٌ واضحٌ لدخول وقت المغرب بغروب الشمس، واستحباب المبادرة بها في أول وقتها.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 116) (رقم: 559)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 441/ 217) (رقم: 637)، وابن ماجه في "سننه" (1/ 224) (رقم: 687)، وأحمد - عالم الكتب (4/ 141) (رقم: 17275)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (1/ 75) (رقم: 78)، و"مصنفه" (1/ 289) (رقم: 3320)، وعبد بن حميد في "المنتخب" – ت. صبحي السامرائي (ص: 159) (رقم: 427)، وأبو عوانة في "المستخرج" – ط. الجامعة الإسلامية (3/ 316) (رقم: 1111)، وابن حبان في "صحيحه" (4/ 381) (رقم: 1515)، والطبراني في "المعجم الكبير" (4/ 280) (رقم: 4422)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 543 و 1/ 655) (رقم: 1725 و 2100)، وفي "معرفة السنن والآثار" (2/ 282)  (رقم: 2716)، وغيرهم.

 

والحديث صحيح: صححه الالباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (1/ 190) (رقم: 596)، و"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (1/ 277) (رقم: 256).

 

من فوائد الحديث:

 

وقال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (المتوفى: 1353 هـ) _رحمه الله_ في "تحفة الأحوذي" (1/ 428_429):

"قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ هَلْ هِيَ ذَاتُ وَقْتٍ أو وقتين،

فقال الشافعي وبن الْمُبَارَكِ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ.

وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هِيَ ذَاتُ وَقْتَيْنِ أَوَّلُ الْوَقْتِ هُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَآخِرُهُ ذهاب الشفق الأحمر

تمسك الشافعي وبن الْمُبَارَكِ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَإِنَّ فِيهِ: (ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ)،

وَتَمَسَّكَ الْأَكْثَرُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّ فِيهِ: (وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ

وَبِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فَإِنَّ فِيهِ ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ هُوَ الْحَقُّ

وَأَمَّا حَدِيثُ جِبْرِيلَ فَإِنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُتَأَخِّرَانِ عَنْهُ وَمُتَضَمَّنَانِ لِزِيَادَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ" تَحْتَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو:

(هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِنَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ نَقَلَةِ مَذْهَبِنَا، وَقَالُوا: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا، إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَدْرِ مَا يَطْهُرُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ، فَإِنْ أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت، أَثِمَ، وَصَارَتْ قَضَاءً،

وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلى ترجيح القول___بِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.

وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ حِينَ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

* أَحَدُهَا: أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ وَقْتَ الجواز، وهذا جاز فِي كُلِّ الصَّلَاةِ سِوَى الظُّهْرِ،

* وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ.

وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِامْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ مُتَأَخِّرَةٌ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ فَوَجَبَ اعْتِمَادُهَا.

* وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ بَيَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ." اهـ

 

قلت:

ففي سنن أبي داود (2/ 26):

عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»،

قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَرَآكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، رَآنَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا» صححه الألباني

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ» خ م

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ، ثَلاَثًا لِمَنْ شَاءَ» خ م

 

وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام من بلوغ المرام" (1/ 480_481):

"ما يؤخذ من الحديث:

1 - استحبابُ تعجيل صلاة المغرب في أوَّل وقتها، بحيث ينصرفُ منها والضوء باق، واستحبابُ التعجيل باتفاقِ الأئمَّة؛ قاله الشيخ تقي الدِّين.

2 - المراد بالغروب هو غروبُ قرص الشمس جميعه، بحيث لا يرى منه شيء، ونُقِلَ الإجماع على ذلك؛ لما في البخاري (536)، ومسلم (636) من حديث سلمة بن الأكوع: "أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب".

3 - يمتد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة والشَّافعي وأحمد.

قال النووي: هذا هو الصوابُ الَّذي لا يجوز غيره؛ وذلك لما روى مسلم (612) وغيره عن ابن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وقت المغرب___ما لم يسقط نور الشفق"، ولما روى الدَّارقطني (1/ 229) عن ابن عمر أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الشفقُ الحمرة، فإذا غاب، وَجَبَتِ الصلاة".

قال عياض: الشفق: الحمرةُ التي تَبْقَى في السماء بعد مَغِيب الشمس، وهو بقيَّة شعاعها؛ هذا هو قولُ أهلِ اللغة وفقهاءِ أهل الحجاز." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" – ط. المكتبة الإسلامية (1/ 426_427):

ففي هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبكر بصلاة المغرب؛ لأنهم إذا كانوا ينصرفون منها والضياء باق إلى هذا الحد؛ دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبادر بصلاة المغرب, ولكن لا بد من أن يكون هناك فاصل بين الأذان والإقامة لقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب, صلوا___قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». [خ د]

وهذا يقتضي أن يكون بين غروب الشمس وبين صلاة المغرب وقت يتسع للصلاة.

وهل يجوز أن تؤخر؟

الجواب: نعم يجوز؛ لأن وقتها موسع, إلى متى؟ إلى أن يبقى بينه وبين دخول وقت العشاء مقدار الصلاة؛ فحينئذ يجب أن يصلي لأنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها ولا بعض الصلاة عن وقتها." اهـ

 

وقال محمد بن إسماعيل الحسني، الكحلاني، المعروف بـ"الأمير الصنعاني" (المتوفى: 1182 هـ) _رحمه الله_ في " (1/ 162):

"وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، بِحَيْثُ يَنْصَرِفُ مِنْهَا، وَالضَّوْءُ بَاقٍ، وَقَدْ كَثُرَ الْحَثُّ عَلَى الْمُسَارَعَةِ بِهَا." اهـ

 

وقال زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795 هـ) _رحمه الله_ في كتابه "فتح الباري" (4/ 350):

"وهذا كله يدل على شدة تعجيل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصلاة المغرب، ولهذا كانت تسمى صلاة البصر." اهـ

 

وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي، المعروف بـ"ابْنِ حجر العسقلاني" (المتوفى:  852 هـ) _رحمه الله_ في "فتح الباري" (2/ 41)

وَالنَّبْلُ هِيَ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا قَالَه بن سِيدَهْ وَقِيلَ وَاحِدُهَا نَبْلَةٌ مِثْلَ تَمْرٍ وَتَمْرَةٍ.

وَمُقْتَضَاهُ: الْمُبَادَرَةُ بِالْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بِحَيْثُ إِنَّ الْفَرَاغَ مِنْهَا يَقَعُ وَالضَّوْءُ بَاقٍ." اهـ

 

وقال العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (5/ 55)

"ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: دلّ الحَدِيث الْمَذْكُور على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى الْمغرب عِنْد غرُوب الشَّمْس وبادر بهَا بِحَيْثُ إِنَّه لما فرغ مِنْهَا كَانَ الضَّوْء بَاقِيا، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور.

وَذهب طَاوُوس وَعَطَاء ووهب بن مُنَبّه إِلَى أَن أول وَقت الْمغرب حِين طُلُوع النَّجْم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أبي بصرة الْغِفَارِيّ، قَالَ:

(صلى بِنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَصْر بالمحمض، فَقَالَ: إِن هَذِه الصَّلَاة عرضت على من كَانَ قبلكُمْ فضيعوها، فَمن حَافظ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاة بعْدهَا حَتَّى يطلع الشَّاهِد، وَالشَّاهِد: النَّجْم) أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِي،

وَأجَاب الطَّحَاوِيّ عَنهُ بِأَن قَوْله: (وَلَا صَلَاة بعْدهَا حِين يرى الشَّاهِد) ، يحْتَمل أَن يكون هُوَ آخر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذكره اللَّيْث، وَلَكِن الَّذِي رَوَاهُ غَيره تَأَول أَن الشَّاهِد هُوَ النَّجْم، فَقَالَ ذَلِك بِرَأْيهِ لَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على أَن الْآثَار قد تَوَاتَرَتْ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يُصَلِّي الْمغرب إِذا تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب." اهـ

 

وقال النووي في شرح مسلم (5/ 136):

"وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِبَ تُعَجَّلُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشِّيعَةِ فِيهِ شَيْءٌ لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَلَا أَصْلَ لَهُ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ إِلَى قَرِيبِ سُقُوطِ الشَّفَقِ فَكَانَتْ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ فَإِنَّهَا كَانَتْ جَوَابَ سَائِلٍ عَنِ الْوَقْتِ،

وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ إِخْبَارٌ عَنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَكَرِّرَةِ الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ فَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ

 

وقال أبو العباس القرطبي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (6/ 51): "وهذا يدل على تعجيل المغرب ، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لا يطولها." اهـ

 

وقال شرف الحق العظيم آبادي (المتوفى: 1329 هـ) _رحمه الله_ في "عون المعبود" (3/ 21):

"وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ فِي قِرَاءَةِ الْمَغْرِبِ

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ حَالَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَالصَّافَّاتِ وأنه قرأ فيها بحم الدُّخَانِ وَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَأَنَّهُ قَرَأَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ وَأَنَّهُ قَرَأَ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ

وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَأَنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْحَافِظُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ قَالَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَى مَرْوَانَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَلَوْ كَانَ مَرْوَانُ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ لَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى زَيْدٍ لَكِنْ لَمْ يُرِدْ زَيْدٌ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالطِّوَالِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

 

ملحق الفوائد:

 

في حديث رافع بن خديج رضي الله عنه فوائد فقهية وتربوية عديدة، وفيه تصوير دقيق لهدي النبي ﷺ في صلاة المغرب. ومن أبرز فوائده:

١. أن وقت المغرب يدخل بغروب الشمس

الحديث يدل دلالة ظاهرة على أن صلاة المغرب يدخل وقتها بغروب قرص الشمس؛ فإن النبي ﷺ كان يصليها عقب الغروب، ثم ينصرف الصحابي ويبقى من ضوء النهار ما يرى به موضع نبله.

وهذا هو الأصل في المواقيت: أن لكل صلاة وقتًا جعله الشارع حدًّا لدخولها وخروجها.

٢. استحباب المبادرة بصلاة المغرب

في الحديث بيان أن النبي ﷺ كان يعجّل صلاة المغرب، فلا يؤخرها إلى أن يشتد الظلام، بل كان يصليها في أول وقتها.

وهذا من هديه ﷺ الذي ينبغي للمسلم أن يقتدي به، ولا سيما أن المغرب وقتها قصير بالنسبة إلى غيرها من الصلوات.

٣. أن تأخير المغرب إلى اشتداد الظلام خلاف الهدي النبوي

إذا كان النبي ﷺ يصلي المغرب، ثم ينصرف الصحابي ولا يزال يرى موضع نبله، علم أن تأخيرها إلى أن يشتد الظلام ليس هو الهدي المعتاد للنبي ﷺ.

فالسنة أن تؤدى في أول وقتها، ما لم يوجد سبب شرعي يقتضي التأخير.

٤. أن وقت المغرب متصل ببقاء شيء من ضوء النهار

قوله رضي الله عنه: «وإنه ليبصر مواقع نبله» يدل على أن الصلاة كانت تقع في وقت لا يزال فيه أثر ضوء النهار ظاهرًا.

وهذا من أقوى ما يبين صفة الزمن الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه المغرب، وأنه لم يكن ينتظر زوال جميع آثار الضوء.

٥. عناية الصحابة بنقل دقائق هدي النبي ﷺ

لم يكتف رافع بن خديج رضي الله عنه بذكر أن النبي ﷺ كان يصلي المغرب، بل وصف حال الوقت وصفًا دقيقًا بقوله: «وإنه ليبصر مواقع نبله».

وفي هذا دلالة على عناية الصحابة رضي الله عنهم بضبط أفعال النبي ﷺ وأوقاته وهيئاته، ثم نقلها للأمة بأمانة ودقة.

٦. جواز الاستدلال بالقرائن الحسية على معرفة المواقيت

استُدل في الحديث على وقت الصلاة بقرينة محسوسة، وهي القدرة على رؤية موضع النبل.

وهذا يدل على أن العلامات الحسية التي جعلها الشرع أمارات على دخول الأوقات معتبرة، وأن معرفة المواقيت ليست مبنية على الظنون المجردة.

٧. أن صلاة المغرب كانت قصيرة في زمن النبي ﷺ

ظاهر الحديث أن الصحابي كان يفرغ من صلاة المغرب وينصرف في وقت لا يزال فيه ضوء قوي نسبيًّا.

وفي هذا إشارة إلى أن النبي ﷺ كان لا يطيل صلاة المغرب إطالةً تفضي إلى خروجها عن أول وقتها، بل كان يصليها على وجه يتحقق معه التعجيل.

٨. أن صلاة الجماعة كانت من هدي النبي ﷺ

قول رافع رضي الله عنه: «كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ» يدل على أنهم كانوا يصلونها جماعة خلف النبي ﷺ.

وفي ذلك فضل صلاة الجماعة، وبيان أن الصحابة كانوا حريصين على ملازمة النبي ﷺ في الصلوات.

٩. أهمية معرفة أوقات العبادات

إيراد الصحابي لهذا التفصيل يدل على أن معرفة وقت العبادة أمر له شأنه في الشريعة.

فالمسلم لا ينبغي له أن يؤدي الصلاة بلا عناية بمعرفة وقتها، بل عليه أن يتحرى دخول الوقت؛ لأن الوقت من أعظم شروط صحة الصلاة.

١٠. أن السنة النبوية تبين المجمل من النصوص

قد يعلم المسلم من النصوص أن الصلاة لها وقت، لكن السنة تأتي فتبيّن متى يدخل الوقت وكيف كان النبي ﷺ يؤدي الصلاة فيه.

فهذا الحديث مثال ظاهر على وظيفة السنة في بيان أحكام القرآن وتفصيل ما جاء فيه مجملًا.

١١. أن الأصل في العبادات اتباع هدي النبي ﷺ

لما ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي المغرب على هذه الصفة، كان هديه هو الميزان الذي يُرجع إليه في معرفة الأفضل والأكمل.

فالعبادة لا تُبنى على مجرد العادات والأذواق، وإنما تُبنى على الاتباع والاقتداء.

١٢. أن المبادرة إلى الصلاة من تعظيم أمر الله

تعجيل الصلاة عند دخول وقتها دليل على تعظيم العبد لشأن الصلاة، ومسارعته إلى أداء ما افترض الله عليه.

فالمؤمن إذا سمع النداء للصلاة، أو تحقق من دخول وقتها، لا يجعلها آخر ما يفكر فيه، بل يجعلها من أول اهتماماته.

١٣. دقة الصحابة في وصف الأزمنة

عبارة «ليبصر مواقع نبله» ليست مجرد وصف عابر، بل هي مقياس دقيق لدرجة الضوء؛ إذ كانوا يعرفون مقدار بقاء النهار بهذه العلامة العملية.

وهذا يدل على قوة ملاحظتهم، ودقة حفظهم، وحسن نقلهم لما شاهدوه من أحوال النبي ﷺ.

١٤. أن الأوقات الشرعية لها علامات ظاهرة

جعل الشارع لدخول الأوقات علامات يمكن إدراكها، ومن ذلك غروب الشمس لصلاة المغرب.

وهذا من تيسير الله تعالى على عباده؛ إذ جعل مواقيت الصلاة مرتبطة بأمور مشاهدة يمكن للناس معرفتها.

١٥. أن قصر وقت المغرب يستدعي المسارعة إليها

لما كان وقت المغرب أقصر من أوقات بعض الصلوات، كان من الحكمة ألا يؤخرها المسلم بغير عذر، بل يبادر إليها عند دخول وقتها.

فكلما كان وقت العبادة أضيق كان الاعتناء بتحري أول وقتها أولى.

١٦. أن هدي النبي ﷺ في المواقيت مبني على الرفق بالأمة

لم يكن ﷺ يجعل الناس في حرج في أداء المغرب، بل كان يصليها في أول وقتها، بحيث يدرك الناس الصلاة ثم ينصرفون قبل اشتداد الظلام.

وفي ذلك من التيسير وحسن التعليم ما هو ظاهر.

١٧. أن فعل النبي ﷺ من أقوى الأدلة على بيان وقت العبادة

هذا الحديث من السنة الفعلية؛ إذ نقل الصحابي فعل النبي ﷺ في وقت معين، فكان فعله ﷺ بيانًا عمليًا للأمة.

وهذا يبين أهمية جمع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته عند دراسة الأحكام الشرعية.

١٨. استحباب الاقتداء بالنبي ﷺ في تعجيل المغرب

من أراد اتباع السنة في هذه الصلاة فليحرص على أدائها بعد تحقق غروب الشمس، ولا يجعل العادة سببًا في تأخيرها بلا موجب شرعي.

فالاقتداء الحقيقي ليس مجرد محبة النبي ﷺ، وإنما هو اتباع سنته في الأقوال والأفعال والعبادات.

خلاصة جامعة

يجمع هذا الحديث أصولًا مهمة في باب المواقيت، وأبرزها: دخول وقت المغرب بغروب الشمس، واستحباب المبادرة إليها، وكون هدي النبي ﷺ عدم تأخيرها حتى يشتد الظلام، وأن السنة النبوية تبين المواقيت بالقول والفعل، وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في غاية الدقة في نقل أحوال النبي ﷺ وأوقاته.

ومن تأمل قوله: «وإنه ليبصر مواقع نبله» علم أن السنة لم تنقل لنا الحكم مجردًا، بل نقلت لنا صورة حية دقيقة لوقت الصلاة، حتى كأن القارئ يرى ذلك المشهد بعينه: غابت الشمس، وأقيمت المغرب، وفرغ الصحابي منها، ولا يزال ضوء النهار باقيا بحيث يرى موضع نبله.



[1] وفي "الأنساب" للسمعاني (4/ 9): "ومنهم أبو عبد الله رافع بن خديج بن رافع ابن عدي بن زيد بن جشم الأنصاري الحارثي من بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام