شرح الحديث 129 (باب المواقيتِ) - من بلوغ المرام
|
129 - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ
الْأَسْلَمِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_
يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى
الْمَدِيْنَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ
الْعِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ
يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى
الْمِائَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1). وَعِنْدَهُمَا مِنْ
حَدِيثِ جَابِرٍ: "وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا
يُقَدِّمُهَا وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا، عَجَّلَ.
وَإِذَا رَآهُمْ، أَبْطَئُوْا، أَخَّرَ. وَالصُّبْح كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-
يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ" (2). وَلِمُسْلِمٍ
مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: "فَأَقَامَ
الْفَجْرَ حِيْنَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا" (3). __________ (1) البخاري (547)، مسلم (647). (2) البخاري (560)، مسلم (646). (3) مسلم (614). |
نص الحديث وشرحه:
وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ -رضي الله عنه-
قَالَ:
"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_
يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى
الْمَدِيْنَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ،[1]
وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ،
وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا،[2]
وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ
يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ."
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.[3]
وَعِنْدَهُمَا
مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ:
"وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا
وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا، عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ،
أَبْطَئُوْا، أَخَّرَ.[4]
وَالصُّبْح كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-
يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ".[5]
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ
حَدِيثِ أَبِي مُوسَى:
"فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِيْنَ انْشَقَّ الْفَجْرُ،
وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا".[6]
المعنى الإجمالي للحديث:
تضمن هذا الحديث بيان شيء من هدي النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في أوقات الصلوات المفروضة، وكيف كان يراعي في ذلك الوقتَ المشروعَ
وحالَ المصلين، فيقدّم الصلاة أو يؤخرها بحسب ما تقتضيه السنة والمصلحة.
فأخبر أبو برزة الأسلمي _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى
الله عليه وسلم_ كان يصلي العصر مبكّرًا، حتى إن أحد الصحابة كان يرجع بعد الصلاة
إلى منزله في أقصى المدينة، والشمس لا تزال قويةً مضيئةً، وهذا يدل على المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها أو قريبًا منه.
وأما صلاة العشاء، فكان النبي _صلى الله عليه وسلم_
يستحب تأخيرَها عن أول وقتها؛ لأن وقتها يمتد، والتأخير فيها أفضل إذا لم يترتب
عليه مشقةٌّ على المصلين.
ولذلك كان _صلى الله عليه وسلم_ ينظر إلى حال أصحابه:
* فإن رآهم قد اجتمعوا، عجّل الصلاة،
* وإن رآهم قد تأخروا ولم يجتمعوا، أخّرها، مراعاةً
لأحوالهم ودفعًا للمشقة عنهم.
وكان _صلى الله عليه وسلم_ يكره النوم قبل صلاة
العشاء؛ لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى فواتها، كما كان يكره الحديث بعدها؛ لأن
السمر والاشتغال بالكلام بعد العشاء قد يؤدي إلى السهر والتقصير في صلاة الفجر أو
قيام الليل. وأما الحديث الذي تدعو إليه حاجة أو
تترتب عليه مصلحة شرعية، فلا يدخل في النهي.
ثم بيّن أبو برزة _رضي الله عنه_ هدي النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في صلاة الفجر، فقال: «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل
جليسه»،
أي: كان _صلى الله عليه وسلم_ يفْرُغُ من صلاة الفجر
في وقت لا يزال فيه الظلام باقيًا، بحيث يستطيع الرجل أن يعرف الشخصُ الجالِسَ
بجانبه.
وفي رواية جابر _رضي الله عنه_: التصريحُ
بأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يصلي الصُّبْحَ بغَلَس، والغَلَس: هو اختلاط ظلمة آخر الليل بضياء الصباح عند
ظهور الفجر.
وجاء في حديث أبي موسى _رضي الله عنه_: أن
النبي _صلى الله عليه وسلم_ أقام صلاة الفجر حين انشق الفجر، وكان الناس لا يكاد
بعضهم يعرف بعضًا من شدة بقاء الظلمة.
وكان _صلى الله عليه وسلم_ يطيل القراءة في صلاة
الفجر، فكان يقرأ فيها بنحو ستين إلى مائة آية، وهذا يدل على أن صلاة الفجر من
الصلوات التي يشرع فيها تطويل القراءة، مع مراعاة حال المصلين وعدم المشقة عليهم.
خلاصة الأحاديث:
فالحديث يبيّن جانبًا من اعتدال هدي النبي _صلى الله
عليه وسلم_ في مواقيت الصلاة:
* كان _صلى الله عليه وسلم_ يبادر بصلاة
العصر ولا يؤخرها إلى آخر وقتها.
* وكان يستحب تأخير العشاء، إذا لم يكن في
ذلك مشقة على الناس.
* وكان يراعي اجتماع الناس وحالهم في تقديم
العشاء وتأخيرها.
* وكان ينهى عن النوم قبل العشاء لما قد
يترتب عليه من فوات الصلاة.
* وكان يكره السمر والحديث بعد العشاء إذا
كان يؤدي إلى السهر والتفريط في العبادة.
* وكان يصلي الفجر في الغَلَس، أي: في أول
وقتها بعد تحقق طلوع الفجر.
* وكان يطيل القراءة في الفجر، فيقرأ فيها ما
يقارب ستين إلى مائة آية.
مثال ذلك: سورة العنكبوت
(69 آية)، وسورة الروم (60 آية)، أو سورة يونس (109 آية)، وسورة الكهف (110 آية)،
وسورة يوسف (111 آية)، سورة الإسراء (111 آية)، وسورة الأنبياء (112 آية)، وسورة
المؤمنين (118 أية)، وسورة هود (123 آية)، وسورة النحل (128 آية)، وسورة التوبة
(129 آية)، وسورة طه (135 آية).
* وفي ذلك كله: دلالةٌ على كمال هديه _صلى الله عليه
وسلم_ في المحافظة على الصلوات في أوقاتها، ومراعاة أحوال المصلين، والجمع بين فعل
الأفضل ودفع المشقة.
تخريج الحديث:
أخرجه أخرجه البخاري في "صحيحه" (1/ 114 و 1/
123 و 1/ 153) (رقم: 541 و 547 و 599 و 771)، ومسلم في "صحيحه" (1/ 338/
172 و 1/ 447/ 235_237) (رقم: 461 و 647)، وأبو داود في "سننه" (1/ 109)
(رقم: 398)، والنسائي في "سننه" (1/ 246 و 1/ 262 و 1/ 265) (رقم: 495 و
525 و 530).
من فوائد الحديث:
"وفيه: كان يكره النوم قبلها والحديث
بعدها.
وكره الشارع السمر بعد العشاء خوف الاستغراق فيشتغل
عن قيام الليل وصلاة الصبح، أو غيره من مصالح الآخرة والدنيا.
وكان عمر _رضي الله عنه_ يضرب الناس عَلَى الحديث بعد
العشاء، ويقول: (أَسَمَرًا أول الليل، ونومًا آخره؟)،
وقال سلمان الفارسي: (إياكم والسَّمَرَ أول الليل،
فإنه مَهْدِمَةٌ لآخره، فمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه).
وأما السمر في العلم والخير، فجائز كما فعله الشارع
وأصحابه كما ستعلمه." اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "شرح أبي داود" (2/ 258):
"وذلك لأن السَّهر في الليل سبب للكسل
في اليوم عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدين.
قالوا: المكروه منه: ما كان في الأمور التي لا مصلحة
فيها؛ أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه؛ وذلك كمدارسةِ العلم، وحكاياتِ
الصالحين، ومحادثةِ الضيف والعروسِ للتأنيس، ومحادثةِ الرجل أهلَه وأولادَه
للملاطفة والحاجة، ومحادثةِ المسافرين لحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديثِ في الإصلاح
بين الناس، والشفاعةِ إليهم في خير، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، والإرشادِ
إلى مصلحة ونحوِ ذلك، وكل ذلك لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي
في مَعناه ". اهـ
"فقه الحديث: دل هذا الحديث على كراهية
السمر بعد العشاء لغير فائدة مقصودة شرعاً كمسامرة الأهل أو لضيف، وسماع موعظة أو
علم فإنه لا يكره." اهـ
وقال
محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي
الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ)
_رحمه الله_ في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي
داود" (3/ 308):
"(واستدلّ) بهذا الحديث من قال يستحب
التعجيل بصلاة الصبح لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس. وقد
صرّح بأن ذلك كان عند الفراغ من الصلاة. وكان من عادته صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم ترتيل القراءة وتعديل الأركان فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسا
(وادعى) الزين ابن المنير أنه مخالف لحديث عائشة الآتى___حيث قالت فيه: "لا
يعرفن من الغلس."
(وردّ) بأنه لا مخالفة بينهما، فإن حديث أبى برزة
متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جانب المصلى، وحديث عائشة متعلق بمن هو مستور
بعيد." اهـ
وقال
محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب المالكي
الأزهري، أبو محمد السّبكي (المتوفى 1352 هـ)
_رحمه الله_ في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي
داود" (3/ 309)
"(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أفضلية
الصلاة أول وقتها، وعلى جواز تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه، وعلى
كراهية النوم قبلها والحديث بعدها. ومحله ما لم يكن لمصلحة كما تقدّم، وعلى أنه
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يطيل القراءة في صلاة الصبح." اهـ
وقال الحسين بن محمد اللاعيّ، المعروف بـ"المَغرِبي" (المتوفى: 1119 هـ) _رحمه الله_ في "البدر التمام شرح بلوغ
المرام" (2/ 211)
والحديث يدل على أن العادة مختلفة باختلاف أحوال
المجتمعين للجماعة كما صرح به، وأن الصلاة تأخيرها لأجل إدراك الجماعة أولى.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن البسام التميمي (المتوفى: 1423 هـ) _رحمه الله_ في "توضيح الأحكام
من بلوغ المرام" (1/ 478_479):
"ما يُؤْخَذ من الحديث:
1 - استحبابُ تعجيل صلاة العصر في أوَّل
وقتها؛ فإنَّ الصحابة يصلُّونها مع النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ثمَّ يذهبون إلى
رحالهم في أقصى المدينة، والشمسُ حيَّةٌ مرتفعةٌ بيضاءُ نقيةٌ، لم تدخلْها صفرة
المساء.
2 - استحبابُ تأخير صلاة العشاء حتَّى يذهَبَ
عامَّة الليل، وهذا التَّأخير مقيَّد بما___إذا لم يجتمعْ أصحابها لها.
3 - تقديم صلاة العشاء في أوَّل وقتها إذا
رأى أصحابَهُ قد اجتمعوا للصلاة، وذلك مراعاةً لراحتهم، وعدم المشقَّة عليهم في
الانتظار في وقت راحتهم.
4 - يكونُ التَّأخير مستحبًّا في حقِّ جماعة
في مكانٍ واحد، وفي حقِّ النساء في بيوتهنَّ.
5 - كراهة النوم قبلها؛ لئلا يستغرق النَّائم
في النوم حتَّى تفوته، أو يفوته وقتها المختار.
6 - كراهة الحديث بعدها؛ لئلا يتأخَّر عن
النوم، فيشق عليه قيام الليل، أو القيام لصلاة الصبح، وهذا في حَقِّ من ليس عنده
عذر، من ضيف أو دراسة علم أو عَمَلٍ فيه مصلحة للمسلمين.
7 - استحباب تعجيل صلاة الصبح، وذلك بأن يدخل
فيها بغلس، حيث لا يزال ظلام الليل قد خالطه قليل من ضوء الصبح؛ فإنَّه مع تطويل
القراءة ينصرف من الصلاة، والنَّاس يعرف بعضهم بعضًا.
8 - قال ابن دقيق العيد: صلاة الجماعة أفضلُ
من الصلاةِ في أوَّل الوقت.
9 - استحباب تطويل القراءة في صلاة الصبح؛
فهو المراد من قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا (78)} [الإسراء]، وهنا قدِّرت في الستين آية، ومائة آية.
10 - استحباب مراعاة حالة المأمومين، بعدم
التأخُّر عليهم في أداء الصلاة، وطول الانتظار، ومن حيث تخفيفُ الصلاة بدون إخلال
بما يكمِّلها من الواجبات والمستحبات، والميزانُ في ذلك إرشادُهُ -صلى الله عليه
وسلم- معاذ بن جبل.
11 - حالة المساجد زمن النبوَّة، من عدم
الإضاءة، وبساطة المبنى، ولكنَّها منوَّرة بالإيمان والصلاة والعبادة؛ قال تعالى:
{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة:
18].
ملحق الفوائد:
من فوائد هذه الأحاديث:
١- وجوب المحافظة على الصلوات المفروضة في
مواقيتها،
ففي هذه الأحاديث بيانٌ جليٌّ لعناية النبي صلى الله
عليه وسلم بأوقات الصلوات، فكان يؤدي كل صلاة في الوقت الذي شرعه الله، ولم يكن
يؤخرها عن وقتها. وفي ذلك دلالة على أن الوقت من أعظم شروط صحة الصلاة، وأن تعمد
إخراج الصلاة عن وقتها من أعظم الذنوب.
٢- استحباب المبادرة بصلاة العصر، فقول أبي
برزة _رضي الله عنه_: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي
الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ،
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ» يدل على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يبادر بصلاة
العصر، فلا يؤخرها إلى آخر وقتها.
ففيه حثٌّ على المسارعة إلى الصلاة، فإن المبادرة إلى
الطاعات من شأن أهل الهمم العالية.
٣- استحباب تأخير صلاة العشاء، فقول أبي برزة
_رضي الله عنه_: «وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ» يدل على أن
تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها أفضل إذا لم يترتب على ذلك مشقة على المصلين.
وهذا من محاسن الشريعة؛ فإنها جاءت بجلب المصالح
وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
٤- مراعاة الإمام أحوال المأمومين، فقول جابر
_رضي الله عنه_: «إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا
أَخَّرَ».
ففيه أن الإمام ينبغي له أن يراعي أحوال جماعته، فلا
يشق عليهم، ولا يتكلف ما ينفّرهم، بل يسلك بهم سبيل الرفق والرحمة.
وهذه قاعدة عظيمة في الإمامة والتعليم وسائر الوِلايات:
أن يتصرف صاحب الوِلاية بما فيه المصلحة لمن تحت ولايته.
٥- أن السنة قد تتنوع بحسب الأحوال، فالنبي
صلى الله عليه وسلم كان يقدم العشاء تارة ويؤخرها تارة، وذلك بحسب حال الناس.
ففيه ردٌّ على من يظن أن السنة لا تكون، إلا على صورة
واحدة في جميع الأحوال؛ فإن من السنة ما يكون متنوعًا، فيفعل المسلم هذا تارة وهذا
تارة، اتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
٦- كراهة النوم قبل صلاة العشاء، فقول أبي
برزة _رضي الله عنه_: «وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا» يدل على كراهة النوم
قبل صلاة العشاء؛ لما يخشى على النائم من استغراقه في النوم وفوات الصلاة.
ففيه سدٌّ لباب التفريط في الفرائض، فإن ما كان وسيلة
إلى تضييع الواجب، كان جديرًا بالمنع والكراهة.
٧- كراهة السمر والحديث بعد صلاة العشاء، فقول
أبي برزة _رضي الله عنه_: «وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» يدل على كراهة السمر بعد
العشاء إذا كان من غير حاجة، لما فيه من إضاعة الليل، وربما أدى إلى تضييع صلاة
الفجر أو ضعف البدن عن العبادة.
وأما الحديث لحاجة أو مصلحة شرعية، فلا يدخل في هذا
النهي؛ فقد ثبت أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يتحدث بعد العشاء في بعض الأمور
التي فيها مصلحة.
٨- فضل المبادرة إلى النوم بعد العشاء عند
عدم الحاجة إلى السهر،
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الحديث بعد
العشاء، كان في ذلك إرشاد إلى الاقتصاد في السهر، وإعطاء البدن حظَّه من الراحة،
ليستعين المسلم بذلك على القيام لصلاة الفجر وسائر الطاعات. فالليل موطن السكون،
والنهار موطن السعي والعمل.
٩- استحباب التبكير بصلاة الفجر، فقول جابر _رضي
الله عنه_: «وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهَا
بِغَلَسٍ» يدل على أنه _صلى الله عليه وسلم_ كان يصلي الفجر في أول وقتها، عند
تحقق طلوع الفجر الصادق. وفي ذلك المبادرة إلى أداء الفريضة، وعدم التساهل في
تأخيرها.
١٠- مشروعية تطويل القراءة في صلاة الفجر، فقول
أبي برزة _رضي الله عنه_: «وَكَانَ
يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ» يدل على أن تطويل القراءة في صلاة الفجر
من هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_، وأنها من الصلوات التي يناسبها طول القراءة،
لما في ذلك من تدبر القرآن واستماع المصلين له على وجه أتم.
١١- عظم شأن صلاة الفجر، فخصَّ النبي _صلى
الله عليه وسلم_ الفجْرَ بطول القراءة، وكان يؤديها في أول وقتها، ففي هذا تنبيه
إلى عظيم شأنها. وصلاة الفجر امتحانٌ للهمم؛ إذ يترك العبد لذة النوم ودفء الفراش،
ويقوم إلى نداء الصلاة، فيظهر بذلك صدقُ إيمانه وقوةُ عزيمته.
١٢- فضل اتباع هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_
في المواقيت، فهذه الأحاديث ليست مجرد أخبار عن أفعال النبي _صلى الله عليه وسلم_،
بل هي بيانٌ لهديه في العبادات، والمسلم مأمور باتباعه _صلى الله عليه وسلم_؛ قال
الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:
21].
فالسعيد من جعل هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_
إمامًا له في عبادته، لا يتقدم بين يديه برأي ولا هوى.
١٣- رحمة النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأمته،
فتقديمه صلاة العشاء عند اجتماع الناس، وتأخيرُه إياها عند تأخرهم شاهد على كمال
رحمته _صلى الله عليه وسلم_ بأمته.
فلم يكن مقصوده مجرد تحصيل الفضيلة لنفسه، بل كان
ينظر إلى مصالح المصلين وأحوالهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأقوم في
الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على
أمه» أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم: 707).
١٤- أن الشريعة مبنية على رفع الحرج، فمراعاة
النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأحوال الجماعة في صلاة العشاء أصلٌ في أن الشريعة لا
تقصد إلى المشقة بالعباد.
فإذا اجتمعت فضيلةٌ ومشقةٌ معتبرةٌ على الناس، نظر
المسلم إلى هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_، فيفعل ما تتحقق به السنة من غير تنفير
ولا تعسير.
١٥- عناية الصحابة _رضي الله عنهم_ بضبط
أوقات العبادات، فكانوا يصفون أفعالَ النبي _صلى الله عليه وسلم_ المتعلقةَ
بالأوقات وصفًا دقيقًا، حتى ذكروا حال الشمس عند صلاة العصر، وحال الظلام عند صلاة
الفجر، واجتماع الناس وتفرقهم عند صلاة العشاء.
وهذا يدل على شدة عنايتهم بالسنة، وعلى أن معرفة
أوقات العبادات من العلم الذي ينبغي للمسلم أن يعتني به.
١٦- أن السنة في صلاة الفجر هي الصلاة بعد
طلوع الفجر الصادق، فقول أبي موسى _رضي الله عنه_: «فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ
انْشَقَّ الْفَجْرُ» يبين أن وقت صلاة الفجر يبدأ بطلوع الفجر الصادق، لا بمجرد
ظهور ضوء كاذب يسبق الفجر.
فالعبرة في دخول الوقت بالعلامة الشرعية التي جعلها
الشارع حدًّا لدخول الصلاة.
١٧- فيه: الجمع بين طلب الفضيلة ومراعاة
المصلحة، فمِنْ أعظم ما يستفاد من مجموع الأحاديث أن العبد لا ينظر إلى فضيلة
العمل مجردة عن سائر المصالح، بل ينظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مجموع
الأمر.
فتأخير العشاء أفضل في الأصل، لكنه
صلى الله عليه وسلم كان يعجلها إذا اجتمع الناس؛ لأن مصلحة الجماعة وعدم المشقة
عليهم مقدمة في هذا الموضع. وهذا من فقه الشريعة وحسن تنزيل الأحكام على أحوال
الناس.
١٨- أن العبادة تحتاج إلى فقه، لا إلى مجرد
الحماس،
فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن يتعبد بمجرد
زيادة العمل، وإنما كان يعمل بما هو أوفق بالسنة وأصلح للعباد؛ فكان يطيل القراءة
في موضع، ويخفف حيث تدعو الحاجة، ويقدم الصلاة تارة ويؤخرها تارة.
وهذا يربي طالب العلم على أن العبادة المقبولة لا بد
فيها من الإخلاص والمتابعة، وأن معرفة السنة وفقهها أصلٌ في حسن العبادة.
[1] (كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_ يُصَلِّي الْعَصْرَ)، أي: كان النبي _صلى
الله عليه وسلم_ يؤدي صلاة العصر في وقتها، وكان من هديه المبادرةُ بها وعدم
تأخيرها إلى قرب خروج وقتها. (ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ)، الرَّحْل:
المنزل أو الموضع الذي ينزل فيه الإنسان، ويطلق أيضًا على متاع المسافر. ومعنى
الكلام: أن الصحابي كان يصلي العصر مع النبي _صلى الله عليه وسلم_، ثم يرجع بعد
الصلاة إلى منزله. (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ)، أي: في أبعد موضع من المدينة،
بعيدًا عن مسجد النبي _صلى الله عليه وسلم_. والمراد: بيان أن صلاة العصر كانت تقع
في وقت مبكر، بحيث كان الرجل يستطيع أن يرجع إلى مكان بعيد من المدينة بعد الصلاة،
والشمس لا تزال مرتفعة. (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ)، هذه من العبارات العربية البليغة. حيّة
هنا بمعنى: باقية قوية مضيئة، لم تضعف حرارتها ولم تدنُ من الغروب. فالمعنى: أن
الشمس كانت لا تزال قوية واضحة، ولم يكن وقت العصر قد قارب الانتهاء.
[2] (وَكَانَ
يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ)، أي: كان النبي _صلى الله عليه وسلم_
يستحب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، إذا لم يكن في ذلك مشقة على الناس. (وَكَانَ
يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا)، أي: كان _صلى الله عليه وسلم_ يكره أن ينام
الإنسان قبل صلاة العشاء؛ لأن النوم قد يؤدي إلى فوات الصلاة أو تأخيرها عن وقتها.
فالنهي هنا من أجل المحافظة على الصلاة وعدم تعريضها للفوات. (وَالْحَدِيثَ
بَعْدَهَا)، أي: كان يكره السمر والاشتغال بالكلام بعد صلاة العشاء من غير حاجة. والمقصود:
أن يبقى الإنسان مستيقظًا يتحدث ويتسامر، مع ما قد يترتب على ذلك من السهر، وفوات
صلاة الفجر، والتقصير في قيام الليل. أما الكلام الذي فيه مصلحة، كالتحدث مع
الأهل، أو مدارسة العلم، أو أمر يتعلق بمصلحة المسلمين، فلا يدخل في الكراهة على
إطلاقها.
[3] (وَكَانَ
يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ)، يَنْفَتِلُ: ينصرف ويفرغ من الصلاة. والغداة:
أول النهار، والمراد بها هنا: صلاة الفجر. فمعنى الجملة: كان النبي _صلى الله عليه
وسلم_ يفرغ من صلاة الفجر وينصرف منها في وقت لا يزال فيه شيء من ظلمة الليل. (حِينَ
يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ)، أي: كان ينصرف من صلاة الفجر في وقت يستطيع فيه
الرجل أن يعرف صاحبه الجالس بجانبه. والمراد به: بيان أن الصلاة كانت تقع في وقت
مبكر من الفجر، مع بقاء شيء من الظلام، ولكن يوجد من الضوء ما يتمكن معه الإنسان
من معرفة جليسه. (وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ)، أي: كان _صلى
الله عليه وسلم_ يقرأ في صلاة الفجر نحو ستين آية إلى مائة آية. والمراد به: بيان
طول القراءة في صلاة الفجر، وأنه كان يطيل فيها القراءة أكثر من كثير من الصلوات
الأخرى.
[4] (وَالْعِشَاءُ
أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا)، أي: كان النبي _صلى الله
عليه وسلم_ يقدم صلاة العشاء أحيانًا، ويؤخرها أحيانًا أخرى. وليس ذلك اضطرابًا في
السنة، وإنما كان يختلف فعله بحسب حال الناس واجتماعهم ومشقتهم. (إِذَا رَآهُمْ
اجْتَمَعُوا، عَجَّلَ)، أي: إذا رأى النبي _صلى الله عليه وسلم_ الناس قد حضروا،
واجتمعوا لصلاة العشاء، بادر بإقامتها ولم يؤخرها. وهذا من رحمته _صلى الله عليه
وسلم_ بأمته ومراعاته لأحوالهم. (وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا، أَخَّرَ)، أي: إذا
رأى أن الناس لم يجتمعوا، وأنهم تأخروا عن الحضور، أخّر صلاة العشاء، لأن التأخير
في هذه الحالة قد يكون أنسب لهم، إذ إنهم ربما كانوا يتأخرون بسبب أعمالهم أو
حاجاتهم، مع كون وقت العشاء ممتدًا.
[5] (وَالصُّبْحُ
كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ)، الصُّبْح: صلاة
الفجر. الغَلَس: ظلمة آخر الليل حين يختلط بها ضوء الصباح عند طلوع الفجر. فمعنى
«يصليها بغلس»: كان _صلى الله عليه وسلم_ يصلي صلاة الفجر في أول وقتها، حين يظهر
الفجر الصادق ويبقى شيء من ظلمة الليل.
[6] (فَأَقَامَ
الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ)، أي: أقام النبي _صلى الله عليه وسلم_ صلاة
الفجر عند ظهور الفجر الصادق وانتشاره في الأفق. وقوله: "انشق الفجر":
تعبير عن ظهور ضوء الفجر وانتشاره بعد ظلمة الليل. (وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ
يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا)، أي: كان الظلام لا يزال شديدًا، حتى إن الناس كانوا
يجدون مشقة في معرفة بعضهم بعضًا. وهذا يؤكد أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان
يصلي الفجر في وقت الغَلَس، أي في أول وقتها.
Komentar
Posting Komentar