بابُ الحثِّ عَلَى الازدياد من الخير في أواخِر العُمر - والحديث 112

 

12- بابُ الحثِّ عَلَى الازدياد من الخير في أواخِر العُمر

 

قَالَ الله تَعَالَى:

{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37]

 

* قال ابن عباس والمحققون:

(معناه: أولم نُعَمِّرْكُمْ سِتِّينَ سَنَةً؟)،

وَيُؤَيِّدُهُ الحديث الَّذِي سنذْكُرُهُ _إنْ شاء الله تَعَالَى_،

* وقيل: معناه ثماني عَشْرَة سَنَةً.

* وقيل: أرْبَعينَ سَنَةً. قاله الحسن والكلبي ومسروق, ونُقِلَ عن ابن عباس أيضاً.

وَنَقَلُوا: أنَّ أَهْلَ المدينَةِ كانوا إِذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ أربْعينَ سَنَةً تَفَرَّغَ للعِبادَةِ.

* وقيل: هُوَ البلوغ.

 

قال الله _تعالى_:

{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37]

 

قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (3/ 514):

"وفي مقدار هذا التعمير: أربعة أقوال:

* أحدها: أنه سبعون سنة (قال ابن عمر: هذه الآية تعيير لأبناء السبعين).

* والثاني: أربعون سنة.

* والثالث: ستون سنة (رواهما مجاهد عن ابن عباس)،

وبالأول منهما قال الحسن، وابن السائب.

* والرابع: ثماني عشرة سنة (قاله عطاء، ووهب بن منبّه، وأبو العالية، وقتادة)." اهـ

 

المعنى الإجمالي للآية:

 

بيَّنتْ الآية الكريمة أن خاطب الله _تعالى_ أهل النار يوم القيامة، موبخًا لهم على تفريطهم، فيقول لهم: "ألم نمنحكم من العمر مدةً كافيةً يستطيع فيها من أراد الاتعاظ أن يتعظ، ومن أراد الرجوع إلى الله أن يرجع، ومن أراد التوبة أن يتوب؟ وقد جاءكم مع ذلك النذير الذي يحذركم من عذاب الله ويدعوكم إلى طاعته. فلم يبق لكم بعد قيام الحجة عذرٌ تحتجون به."

 

فالآية تذكّر العبد بأن العمر رأس ماله الحقيقي، وأن مرور السنوات ليس مجرد انقضاء للأيام، وإنما هو اقتراب من الآخرة ونقصان من مدة البقاء في الدنيا.

 

ولهذا كان من أعظم ما ينبغي للعاقل أن يفعله، ولا سيما إذا تقدم به العمر، أن يستدرك ما مضى، ويكثر من التوبة والاستغفار والعمل الصالح، فإن ما بقي من عمره - وإن قلَّ -، قد يكون سببًا في نجاته وفوزه، والعبرة ليست بطول العمر وحده، وإنما بما أودعه العبد فيه من الإيمان والعمل الصالح.

 

ومن هنا تظهر مناسبة إيراد الإمام النووي _رحمه الله_ لهذه الآية في الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر؛ فإن العبد مهما تقدم به السن، فلا ينبغي له أن يستسلم للفتور، ولا أن يقول: "قد مضى أكثر عمري"، بل عليه أن يجعل ما بقي منه خيرًا مما مضى، وأن يختم حياته بالتوبة والطاعة والإحسان، فإن حُسْنَ الخاتمة ثمرةٌ عظيمةٌ من ثمار الاستقامة على طاعة الله حتى الممات.

 

من فوائد الآية:

 

وقال الجزائري _رحمه الله_ في "أيسر التفاسير" (4/ 358):

"من هداية الآيات:

1- بيان مُرّ العذاب وأليمه الذي هو جزاء الكافرين.

2- الإعذار لمن بلّغه الله من العمر أربعين سنة." اهـ

 

وقال القاسمي في "محاسن التأويل" (8/ 169):

"قال قتادة:

(اعلموا أن طول العمر حجة. فتعوذ بالله أن تغتر بطول العمر)." اهـ

 

تفسير ابن جُزَيٍّ الغرناطي _رحمه الله_ في "التسهيل لعلوم التنزيل" (2/ 177):

"الآية توبيخٌ لهم، وإقامةُ حجةٍ عليهم." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

في هذه الآية الكريمة جملةٌ من الفوائد الجليلة والقواعد التربوية، ومن تأمل سياقها علم أن العمر نعمةٌ وحجة، وأن الغفلة عنه من أعظم أسباب الخسران. ومن فوائدها:

١. أن طول العمر نعمةٌ إذا استُعمل في طاعة الله _تعالى_،

فليس المقصود من العمر مجرد امتداد الأيام والسنين، وإنما المقصود أن تكون تلك المدة ميدانًا للإيمان والعمل الصالح. فمن طال عمره وحسن عمله فقد أُعطي خيرًا عظيمًا، ومن طال عمره، وساء عمله، كانت حجته أبلغ عليه.

٢. أن الله _تعالى_ أقام الحجة على العباد قبل معاقبتهم،

فقال _تعالى_: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}،

ففي الآية بيانٌ أن الله سبحانه لم يأخذ العباد بغتةً من غير إنذار، بل أعطاهم من العمر ما تقوم به الحجة، وأرسل إليهم النُّذُرَ: المبشرين والمنذرين.

٣. أن الاعتبار بالعمر الذي يمكن فيه التذكر والاتعاظ

فالعاقل لا ينظر إلى عدد السنين فحسب، وإنما ينظر: ماذا صنع فيها؟ وماذا قدم لنفسه؟ فرب امرئٍ عاش سنين معدودةً، فأودعها من الطاعات ما لم يودعه غيره في أعمار طويلة.

٤. أن الغاية من العمر التذكر والاعتبار،

فقوله تعالى: {مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} يدل على أن من مقاصد إبقاء العبد في الدنيا أن يتذكر ربه، ويتفكر في مآله، ويعتبر بما حوله من الآيات والعبر، ثم يحمل ذلك على إصلاح عمله.

٥. أن قيام الحجة يكون بالتذكير والإنذار،

فالعبد يحتاج إلى من يذكره بالله واليوم الآخر، ويحذّره من سوء العاقبة؛ ولذلك قال سبحانه: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}.

ففي هذا بيانٌ لعظيم شأن الدعوة إلى الله والوعظ والتذكير، وأنها من أسباب إقامة الحجة على الخلق.

٦. التحذير من التسويف وطول الأمل،

فالإنسان قد يؤمل التوبة والعمل الصالح، ويقول: "سأفعل ذلك غدًا، أو إذا كبرت، أو إذا فرغت من أشغالي."

فإذا انقضى العمر ولم يعمل، لم ينفعه الندم. فالآية تقطع مادة التسويف، وتحث على المبادرة قبل حلول الأجل.

٧. أن مُضِيَّ العمر ليس أمرًا هيِّنًا،

فكل يوم يمضي من عمر العبد، فهو جزء من رأس ماله قد انقضى، ولا يمكن استرجاعه. ولهذا كان السلف أشد الناس عنايةً بأوقاتهم؛ إذ كانوا يعلمون أن الأنفاس معدودة، وأن ما مضى منها لا يعود.

٨. أن تقدم السن ليس عذرًا لترك العمل الصالح، بل إذا أدرك الإنسان آخر عمره، كان حريًّا به أن يزداد من الخير، وأن يستدرك ما فاته بالتوبة والإنابة وكثرة الطاعات؛ فإن الباب لم يُغلق ما دام في زمن المهلة.

٩. أن العاقل هو الذي ينتفع بالتذكير،

فقال تعالى: {مَنْ تَذَكَّرَ}، ففيه إشارة إلى تفاوت الناس في الانتفاع بالمواعظ؛ فمنهم من يسمع الموعظة فتوقظ قلبه، ومنهم من تمر به الآيات والأحداث، فلا تزيده إلا غفلةً وإعراضًا.

١٠. أن التذكير وحده لا ينفع من أعرض عنه،

فقد يسمع الإنسان القرآن والمواعظ، ويرى الموت والمرض وتقلب الأحوال، ثم لا يتغير قلبه ولا يستقيم عمله.

فالعبرة ليست بمجرد سماع الموعظة، وإنما بأن يقبل القلب عليها ويترجمها إلى عمل.

١١. أن الإنسان مسؤول عن عمره فيما أفناه،

فالآية تحمل في طياتها معنى المحاسبة: لقد أُعطي العبد زمنًا يتمكن فيه من التذكر، وجاءه النذير، فما عذره بعد ذلك؟

ولهذا ينبغي للمؤمن أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، وأن ينظر في أيامه الماضية: أفي طاعة أم في غفلة؟

١٢. أن حسن الخاتمة يكون بالمبادرة إلى الخير،

فمن أراد أن يختم له بخير، فليجتهد في إصلاح ما بقي من عمره، فإن الأعمال بالخواتيم، والعبرة بما يختم للعبد به. وليس من الحكمة أن يلقى العبد ربه وهو لا يزال يؤخر التوبة ويؤمل طول البقاء.

١٣. أن الندم بعد فوات زمن العمل لا ينفع،

جاءت هذه الآية في سياق ذكر حال أهل النار، وفيه إشارة إلى أن أهلها يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا ما فرطوا فيه، ولكن قد انقضى زمن العمل وجاء زمن الجزاء. فالسعيد من اغتنم زمن الإمكان قبل أن يأتي يوم لا يمكن فيه الاستدراك.

١٤. أن من أعظم نعم الله على العبد إمهاله،

فإذا أذنب العبد ثم لم يعاجله الله بالعقوبة، وأبقاه حيًّا، فقد فُتح له باب عظيم للتوبة والاستدراك. وليس بقاء العبد في الدنيا دليلًا على رضى الله عنه، بل قد يكون إمهالًا له ليرجع ويتوب قبل انقطاع الأجل.

١٥. الحث على اغتنام أواخر العمر،

وهذه من أظهر مناسبات الآية للباب الذي ذكرها فيه الإمام النووي _رحمه الله_. فإذا بلغ العبد مرحلةً من العمر علم فيها قرب الرحيل، فليجعل ما بقي منه ذخيرةً للقاء الله، وليكثر من الصلاة والذكر والصدقة والاستغفار وسائر أبواب البر.

١٦. أن الأعمال الصالحة يمكن أن تستدرك ما فات،

فليس من شأن المؤمن أن يقول: "لقد ضاع أكثر عمري، فلا فائدة مما بقي"، بل هذه نظرةٌ قاصرة؛ فإن الله كريم، وباب التوبة مفتوح، ورب عملٍ صالحٍ في بقية العمر يرفع الله به صاحبه درجاتٍ عظيمة.

١٧. أن الموت هو نهاية زمن التذكر والعمل،

فقوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} يذكّر العبد بأن العمر محدود، وأن له نهايةً لا محالة. فإذا جاء الموت انقطع العمل، وانتقل الإنسان من دار العمل إلى دار الجزاء؛ فليعمل قبل أن يأتيه ما يقطع عليه أمله.

١٨. أن من أعظم أسباب الخسران الغفلةَ عن حقيقة المصير،

فالذي يعلم أنه سائر إلى الله، وأن وراء الدنيا حسابًا وجزاءً، لا يستوي مع من جعل الدنيا غايته ومنتهى أمله. وكلما قوي يقين العبد بالآخرة، هان عليه فراق الدنيا، وسارع إلى اغتنام أيامه في مرضاة مولاه.

 

فالآية الكريمة توقظ القلب من غفلته، وتضع العمر أمام العبد على حقيقته: مهلةٌ محدودة، ونعمةٌ معدودة، وحجةٌ قائمة، وفرصةٌ للعمل قبل الرحيل.

فطوبى لمن جعل ما بقي من عمره خيرًا مما مضى، واستدرك بالتوبة ما فرّط فيه، وأكثر من الخير كلما دنا أجله، حتى يلقى الله تعالى بقلبٍ منيبٍ وعملٍ صالح.

 

وقوله _تعالى: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37]

قَالَ ابن عباس والجمهور: هُوَ النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_.

وقيل: الشَّيبُ. قاله عِكْرِمَةُ، وابن عيينة، وغيرهما. والله أعلم.

 

قال ابن الجوزي _رحمه الله_ في "زاد المسير في علم التفسير" (3/ 514):

قوله تعالى: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37]،

فيه أربعة أقوال:

* أحدها: أنه الشيب (قاله ابن عمر، وعكرمة، وسفيان بن عيينة)،

والمعنى: أو لم نعمركم حتى شبتم؟!

* والثاني: النبيّ _صلى الله عليه وسلّم_ (قاله قتادة، وابن زيد، وابن السائب، ومقاتل).

* والثالث: موت الأهل والأقارب.

* والرابع: الحمّى، ذكرهما الماوردي." اهـ

 

 

 

 

 

 

 

 

[112] وأما الأحاديث:

فالأول: عن أبي هريرةَ _رضي الله عنه_:

عن النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_، قَالَ :

«أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً». رواه البخاري.

 

ترجمة أبي هريرة الدوسي:

 

اختلف فِي اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا، فقيل: اسمه عبد الرحمن بْن صخر بن  ذي الشري بْن طريف بْن عيان بْن أَبي صعب بْن هنية بْن سعد ابن ثعلبة بْن سليم بْن فهم بْن غنم بْن دوس بْن عدثان بن عَبد الله بن زهران بن كعب بن الْحَارِثِ بْن كعب بْن عَبد اللَّهِ بن مالك ابن نصر بْن الأزد.

 

وفي "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (34/ 366_367) للمزي:

"ويُقال: كَانَ اسمه فِي الجاهلية عبد شمس، وكنيته: أبو الأسود...وروي عَنْهُ أنه قال: (إنما كنيت بأبي هُرَيْرة، أني وجدت أولادَ هرةٍ وحشيّةٍ، فحملتها فِي كمي، فقيل: ما هَذِهِ؟ فقلت: هرة، قِيلَ فأنت أَبُو هُرَيْرة)." اهـ

وذكر أَبُو القاسم الطبراني أن اسم أمه ميمونة بنت صبيح." اهـ

 

وفي تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 377):

"وَقَال عَمْرو بْن علي: نزل المدينة، وكان مقدمه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر فِي المحرم سنة سبع."اهـ

 

وفي تهذيب الكمال في أسماء الرجال (34/ 378):

قال سفيان بْن عُيَيْنَة، عن هشام بْن عروة: مات أَبُو هُرَيْرة، وعائشة سنة سبع وخمسين.

وَقَال أَبُو الحسن المدائني، وعلي ابن المديني، ويحيى بْن بكير، وخليفة بْن خياط، وعَمْرو بْن علي: مات أَبُو هُرَيْرة سنة سبع وخمسين.

 

وفي تاريخ الإسلام ت بشار (2/ 561) للذهبي :

"قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ: ثمان مائة رَجُلٌ أَوْ أكثر.

قلت: روي لَهُ نَحْو من خمسة آلاف حديث وثلاث مائة وسبعين حديثًا (5370).

في الصحيحين منها: ثلاث مائة وخمسة وعشرون حديثًا (325)، وانفرد الْبُخَارِيُّ أيضًا لَهُ بثلاثة وتسعين (93)، ومسلم بمائة وتسعين (190)." اهـ

 

نص الحديث وشرحه:

 

وأما الأحاديث فالأول : عن أبي هريرةَ _رضي الله عنه_ :

عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم – قَالَ :

«أعْذَرَ الله إِلَى امْرِئٍ،


وفي "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (23/ 36) للعيني:

"قَوْله: (فقد أعذر الله إِلَيْهِ)، أَي: أَزَال الله عذره فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حينئذٍ إِلَّا الاسْتِغْفَار وَالطَّاعَة والإقبال على الْآخِرَة بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يكون لَهُ على الله عد ذَلِك حجَّة، فالهمزة فِي أعذر للسلب، وَحَاصِل الْمَعْنى: أَقَامَ الله عذره فِي تَطْوِيل عمره وتمكينه من الطَّاعَة مُدَّة مديدة." اهـ

 

أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» . رواه البخاري.

 

وفي "فتح الباري" لابن حجر (11/ 240):

"قَوْلُهُ: (أَخَّرَ أَجَلَهُ)، يَعْنِي: أَطَالَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: (لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى يَبْلُغَ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْه." اهـ

 

صحيح البخاري (8/ 89) (رقم: 6420):

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ص:90] يَقُولُ: " لاَ يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

بيّن هذا الحديث الشريف عظيم فضل الله _تعالى_ على عباده، وأنه _سبحانه_ أقام الحجة وأزال العذر عن العبد إذا أمهله في الدنيا حتى بلغ ستين سنة؛ فقد قال النبي ﷺ: «أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة»، أي: لم يبق لهذا الإنسان بعد بلوغه هذه السن عذرٌ يحتج به في تأخير التوبة والاستعدادِ للآخرة؛ لأن الله تعالى قد أمهله عمرًا طويلًا يتمكن فيه من التذكر والإنابة والعمل الصالح.

 

ومعنى «أعذر الله»: بلغ به الغاية في إزالة العذر وإقامة الحجة، فكأن الله سبحانه أعطاه من المهلة ما تقوم به الحجة عليه، فلم يكن موته في سنّ مبكرة، ولم تنقطع عنه فرصة التوبة والعمل سريعًا، بل أُمهل حتى بلغ ستين سنة.

 

وفي الحديث تحذير شديد من طول الأمل والتسويف؛ فإن الإنسان كلما تقدم به العمر كان أولى بأن يزداد توبةً وإنابةً واستعدادًا للقاء الله، لا أن يزداد غفلةً وإعراضًا. فإذا بلغ الستين فقد دخل مرحلةً ينبغي أن يستشعر فيها قرب الرحيل، وأن يعلم أن ما بقي من عمره أغلى من أن يصرفه في اللهو والغفلة.

 

ولهذا أورده الإمام النووي رحمه الله في باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر؛ فإن الحديث يحث العبد على اغتنام ما بقي من حياته، ولا سيما عند الكبر، بالإكثار من الطاعات، واستدراك ما فاته، والتوبة من الذنوب، والإقبال على الله تعالى، فإن العاقل إذا علم أن عمره قد قارب نهايته لم يضيّع ما بقي منه، بل جعله خاتمةً حسنةً لما مضى.

 

فمن بلغ ستين سنة، فقد أعطاه الله تعالى مهلةً طويلةً وأزال عنه عذر الغفلة والتأخير، ولذلك ينبغي له أن يجعل ما بقي من عمره معمورًا بالطاعة والإنابة والاستعداد للقاء الله؛ فإن بلوغ الكِبَر ليس دعوةً إلى الكسل والفتور، وإنما هو نداءٌ إلى المسارعة في الخيرات وحسن الختام.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه البخاري في "صحيحه" (8/ 89) (رقم: 6419)، وأحمد في "المسند" – ط. عالم الكتب (2/ 275 و 2/ 417) (رقم: 7713 و 9394)، وابن منده في "التوحيد" (1/ 251) (رقم: 106)، وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (1/ 267)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 517) (رقم: 6517).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (3/ 79) (رقم: 1089)

 

من فوائد الحديث:

 

وقال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (3/ 532_533):

"أعذر: أَي أَقَامَ الْعذر فِي تَطْوِيل التَّعْمِير.

وَاعْلَم أَن الْأَسْنَان أَرْبَعَة: سنّ الصَّبِي، وَسن الشَّبَاب، وَسن الكهولة، وَسن الشيخوخة:

* فسن الصَّبِي: هُوَ الَّذِي يكون فِيهِ الْبدن دَائِم النشوء والنمو، وَهُوَ إِلَى خمس عشرَة سنة.

* وَسن الشَّبَاب: هُوَ الَّذِي يتكامل فِيهِ النمو ويبتدئ عَقِيبه بالإنحطاط، ومنتهاه فِي غَالب الْأَحْوَال خمس وَثَلَاثُونَ سنة، وَقد يبلغ أَرْبَعِينَ. وَبَعْضهمْ يُسمى مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين سنّ الْوُقُوف، كَأَن الْقُوَّة وقفت فِيهِ. ثمَّ من الْأَرْبَعين يَأْخُذ فِي النَّقْص، قَالَ الشَّاعِر:

(كَأَن الْفَتى يرقى من الْعُمر سلما ... إِلَى أَن يجوز الْأَرْبَعين وينحط)

* وَسن الكهول: الَّذِي قد تبين فِيهِ الإنحطاط وَالنُّقْصَان مَعَ بَقَاء من الْقُوَّة، ومنتهاه فِي أَكثر الْأَحْوَال سِتُّونَ سنة،

* فَمن بلغ السِّتين فقد انْتهى، وَأثّر فِيهِ ضعف الْقُوَّة، وجاءته نذر الْمَوْت، وَدخل فِي سنّ الْمَشَايِخ، وَفِي ذَلِك الزَّمَان يزِيد انحطاط الْقُوَّة ويقوى ظُهُور الضعْف إِلَى آخر الْعُمر...

عَن يحيى بن يمَان قَالَ: سَمِعت سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول: (من بلغ سنّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فليرتد لنَفسِهِ كفنا)." اهـ

 

وقال ابت هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 327):

في هذا الحديث من الفقه: أن العمر القصد الذي يتجاوز عن أم الشبيبة، ويسلم من توهين الهم، هو سن الكهول، مابين الأربعين والستين، فإذا أمهل الله عبده حتى جاوز زمن الصبي والحداثة، وسن الشبيبة، ودخل في الكهولة، فقد أعذر إليه؛ لأنه لا يبقى بعد هذا من العمر إلا مالا يؤثر فيه النقص، ويستولى عليه الضعف، فلا يكون تركه ما يترك عن قدرة عليه، بل___عن عجز عنه، ولا يأخذ ما يأخذ إلا إضرارًا به، والحديث الآخر: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين).

 

ففي "سنن الترمذي" – ت. شاكر (5/ 553) (رقم: 3550):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»

وأخرجه الترمذي (4/ 566) (رقم: 2331)، ابن ماجه (2/ 1415) (رقم: 4236). حسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (2/ 385) (رقم: 757)

 

وقال العثيمين في شرح رياض الصالحين (2/ 141):

"الله _عز وجل_ إذا عمر الإنسان حتى بلغ ستين سنة فقد أقام عليه الحجة، ونفى عنه العذر؛ لأن ستين سنة يبقى الله الإنسان إليها؛ يعرف من آيات الله ما يعرف، ولاسيما إذا كان ناشئاً في بلد إسلامي،

لا شك أن هذا يؤدي إلى قطع حجته، إذا لاقى الله _عز وجل_، لأنه لا عذر له. فلو أنه مثلاً قصر في عمره إلى خمس عشرة سنة، أو عشرين سنة، لكان قد يكون له عذر في أنه لم يتمهل ولم يتدبر الآيات،

ولكنه إذا أبقاه إلى ستين سنة، فإنه لا عذر له، قد قامت عليه الحجة، مع أن الحجة تقوم على الإنسان من حين أن يبلغ، فإنه يدخل في التكليف، ولا يعذر بالجهل، فإن الواجب على المرء أن يتعلم من شريعة الله ما يحتاج إليه." اهـ

 

وقال ابن حجر في فتح الباري (11/ 240):

"وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا بِالْعُمُرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ، إِلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالطَّاعَةُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَنِسْبَةُ الْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ مَجَازِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ لِلْعَبْدِ سَبَبًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ حُجَّةٍ

 

وقال ابن حجر في فتح الباري (11/ 240):

"قَالَ بن بَطَّالٍ: إِنَّمَا كَانَتِ السِّتُّونَ حَدًّا لِهَذَا لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُعْتَرَكِ، وَهِيَ سِنُّ الْإِنَابَةِ وَالْخُشُوعِ وَتَرَقُّبِ الْمَنِيَّةِ.

فَهَذَا إِعْذَارٌ بَعْدَ إِعْذَارٍ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ حَتَّى نَقَلَهُمْ مِنْ حَالَةِ الْجَهْلِ إِلَى حَالَةِ الْعِلْمِ، ثُمَّ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُعَاقِبْهُمْ، إِلَّا بَعْدَ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ، وَإِنْ كَانُوا فُطِرُوا عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ، لكِنهمْ أُمِرُوْا بمجاهدة النَّفس فِي ذَلِك ليمتثلوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَة." اهـ

 

وقال ابن حجر في فتح الباري (11/ 240)

وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اسْتِكْمَالَ السِّتِّينَ مَظِنَّةٌ لِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ.

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ:

(الْأَسْنَانُ أَرْبَعَةٌ: سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ، ثُمَّ الشَّبَابِ، ثُمَّ الْكُهُولَةِ، ثُمَّ الشَّيْخُوخَةِ، وَهِيَ آخِرُ الْأَسْنَانِ. وَغَالِبُ مَا يَكُونُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ ضَعْفُ الْقُوَّةِ بِالنَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ. فَيَنْبَغِي لَهُ الْإِقْبَالُ عَلَى الْآخِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْحَالَةِ الْأُولَى مِنَ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ).

وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ سِتِّينَ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا وَيَأْثَمُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ بِخِلَافِ مَا دُونَ ذَلِك

 

وقال العثيمين في شرح رياض الصالحين (2/ 142_143):

"وفي هذا الحديث: دليل على أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ له الحجةُ على عباده وذلك أن الله أعطاهم عقولاً، وأعطاهم أفهاماً، وأرسل إليهم رسلاً، وجعل من الرسالات ما هو خالد إلي يوم القيامة، وهي رسالة النبي _صلى الله عليه وسلم_.

فإن الرسالات السابقة محدودة، حيث إن نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحدودة في الزمن؛ حيث أن كل رسول يأتي بنسخ ما قبله، إذا كانت الأمة التي أرسل إليها الرسولان واحدة.

أما هذه الأمة فقد أرسل الله إليها محمداً صلى الله عليه وسلم، وجعله خاتم الأنبياء، وجعل آيته العظيمة الباقية هذا القرآن العظيم، فإن آيات الأنبياء تموت بموتهم، ولا تبقى بعد موتهم إلا ذكرى،

أما محمد صلى الله عليه وسلم فإن آيته هذا القرآن العظيم، باقية إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) (العنكبوت: 50، 51) ،

فالكتاب كاف عن كل آية لمن تدبره، وتعقله، وعرف معانيه، وانتفع بأخباره، واتعظ بقصصه، فإنه يغني عن كل شيء من الآيات.___

لكن الذي يجعلنا نحس بهذا الآيات العظيمة، أننا لا نقرأ القرآن على وجه نتدبره، ونتعظ بما فيه. كثير من المسلمين ـ إن لم يكن أكثر المسلمين ـ يتلون الكتاب للتبرك والأجر فقط، ولكن الذي يجب أن يكون هو أن نقرأ القرآن لنتدبره ونتعظ بما فيه، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) ، هذا الأجر (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) هذه هي الثمرة، (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: 29) . والله الموفق." اهـ

 

وقال حمزة محمد قاسم المغربي في "منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري" (5/ 293):

فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:

أولاً: أن الشيخوخة نذير الموت والرحيل عن الدنيا ولهذا ينبغي لمن بلغ الستين الاستعداد للقاء الله،

فقد قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سن الطفولة، وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، فإذا بلغ الستين وهو آخر الأسنان، فقد ظهر فيه ضعف القوة وتبين فيه النقص والانحطاط، وجاء نذير الموت، فهو وقت الإِنابة إلى الله.

ثانياً: قال الحافظ: في الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة انقضاء الأجل، وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة رفعه " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك "

قال القاري: وأكثر ما اطلعنا في هذه الأمة من المعمرين من الصحابة والأئمة سن أنس بن مالك، فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين." اهـ

 

ملحق الفوائد:

 

في هذا الحديث النبوي الشريف فوائد عظيمة في باب تربية النفس، واغتنام العمر، والاستعداد للقاء الله تعالى، ومن تدبر لفظه علم أنه من جوامع الكلم؛ إذ جمع بين التحذير من طول الأمل، والحث على المبادرة إلى العمل الصالح. ومن أبرز فوائده:

١. عِظَم نعمة الإمهال وطول العمر

في الحديث إشارة إلى أن بقاء العبد في الدنيا وإمهاله حتى يبلغ سنًّا متقدمة من جملة نعم الله عليه؛ إذ أمهله سبحانه ليستدرك ما فرط فيه، ويتوب من ذنوبه، ويزداد من الطاعات.

فالعمر فرصةٌ لا تتكرر، والأنفاس خزائن للأعمال، والسعيد من جعل أيامه سلّمًا إلى رضوان الله، ولم يجعلها ميدانًا للغفلة والبطالة.

٢. أن الله تعالى يقيم الحجة على عباده

قوله ﷺ: «أَعْذَرَ اللهُ» يدل على عظيم قيام الحجة على العبد؛ فإن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة.

ومن أعظم ما تقوم به الحجة على الإنسان أن يُمهل في الدنيا عمرًا يتمكن فيه من التذكر والتوبة والعمل الصالح.

٣. التحذير من طول الأمل

في الحديث زجرٌ بليغ عن الاغترار بطول الأمل؛ فإن المرء قد يقول: سأعمل غدًا، وسأتوب إذا كبرت، وسأصلح حالي إذا فرغت من مشاغلي، حتى يفاجئه الموت قبل أن يدرك ما أمّل.

فالعاقل من لم يجعل التوبة والعمل الصالح مؤخرين إلى زمن مجهول، بل بادر ما دام في زمن المهلة.

٤. أن بلوغ الستين سنٌّ ينبغي عندها شدة الاستعداد للآخرة

إذا بلغ العبد ستين سنة فقد قطع مرحلةً طويلةً من عمره، ودنا من الرحيل، فينبغي له أن يجعل ما بقي من أيامه معمورًا بطاعة الله، وأن يكثر من التوبة والاستغفار والصدقة وسائر أبواب البر.

فليس من الفقه أن يزداد العبد مع تقدّم سنه تعلقًا بالدنيا، وإنما الفقه أن يزداد استعدادًا للقاء مولاه.

٥. أن العمر حجة للعبد أو عليه

العمر في ذاته ليس فضيلةً بمجرد امتداده، وإنما الفضيلة فيما أودعه صاحبه فيه من الإيمان والعمل الصالح.

فمن طال عمره وحسن عمله، كان طول عمره زيادةً له في الخير، ومن طال عمره وأصر على الغفلة والمعصية، صار طول عمره زيادةً في قيام الحجة عليه.

٦. الحث على اغتنام بقية العمر

من أعظم مقاصد الحديث أن العبد إذا بقيت له بقيةٌ من عمره فلا ينبغي له أن يحتقرها، ولو كانت قليلة؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ورب عملٍ يسيرٍ صدقت فيه النية، فكان سببًا في عظيم النجاة.

فلا يقل أحد: قد ذهب أكثر عمري، بل ليقل: بقي لي من العمر ما أستدرك به ما فات، وأحسن به خاتمتي.

٧. أن التوبة لا ينبغي تأخيرها

الحديث يربي المؤمن على المبادرة إلى التوبة، فإن تأخيرها من أعظم أبواب الغرور.

وكم من إنسانٍ سوّف بالتوبة حتى أدركه الموت، فصار يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحًا، وهيهات أن يرجع بعد فوات زمن العمل.

٨. أن تقدم السن يقتضي زيادة المحاسبة للنفس

كلما مضت السنون بالعبد، كان أولى بأن يحاسب نفسه: ماذا قدمت؟ وماذا أعددت للقاء الله؟ وأين ذهبت تلك الأعوام؟

فالمؤمن الكيّس لا يمر عليه عامٌ بعد عام إلا وهو أنظر لنفسه، وأشد محاسبةً لها، وأعظم حرصًا على إصلاح ما بقي.

٩. أن الموت لا يتوقف على بلوغ الستين

ليس معنى الحديث أن من بلغ الستين قد انتهى أجله لا محالة، ولا أن من لم يبلغها في مأمن من الموت؛ فإن الموت قد يأتي الشاب والشيخ، والصحيح والمريض.

وإنما المقصود أن من بلغ الستين فقد بلغ سنًّا قامت عليه فيها الحجة بصورة أبلغ، ولذلك كان جديرًا بمزيد من الاستعداد.

١٠. فضل المبادرة إلى الأعمال الصالحة

في الحديث إشارة إلى أن التأخير مذموم، وأن المبادرة إلى الخير هي سبيل أهل البصيرة.

فلا ينتظر المؤمن الكبر ليكثر من العبادة، ولا ينتظر الفراغ ليطلب العلم، ولا ينتظر المرض ليتصدق، ولا ينتظر قرب الموت ليتوب؛ فإن العاقل يغتنم الصحة قبل السقم، والحياة قبل الموت، والفراغ قبل الشغل.

١١. أن من رحمة الله فتح باب الاستدراك للعبد

إمهال الله تعالى للعبد مع ما يقع منه من التقصير رحمةٌ عظيمة؛ إذ يستطيع في زمن المهلة أن يرجع إلى ربه، ويمحو بالتوبة آثار ما مضى.

فإذا وجد العبد نفسه لا يزال حيًّا، فليعلم أن باب الاستدراك لم يُغلق، وليحذر أن يكون إمهاله سببًا لازدياد غفلته.

١٢. أن التقدم في العمر ينبغي أن يكون مصحوبًا بالتقدم في العمل الصالح

ليس حسن التقدم في السن أن يزداد الإنسان خبرةً بالدنيا فحسب، وإنما حسن التقدم أن يزداد إيمانًا ويقينًا وتوبةً وخشيةً وإنابة.

فكل سنةٍ تمر ينبغي أن يكون العبد بعدها أقرب إلى الله من السنة التي قبلها.

١٣. التحذير من الاغترار بالصحة والشباب

الشاب قد يظن أن أمامه أعوامًا كثيرة، فيؤخر التوبة والطاعة، وهذا من مكايد الشيطان.

فالحديث وإن اشتد وعيده في حق من بلغ الستين، ففيه تنبيهٌ لمن دونها أن لا ينتظر بلوغها؛ إذ لا يدري أحدٌ متى يوافيه الأجل.

١٤. أن العبد مسؤول عن عمره

فالحديث يقرر معنى عظيمًا: أن العمر ليس ملكًا مهملًا للإنسان يصرفه كيف شاء، بل هو نعمةٌ ومسؤولية.

وسيُسأل العبد عن أيامه ولياليه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه؛ فليعدّ للسؤال جوابًا، وللوقوف بين يدي الله استعدادًا.

١٥. أن حسن الخاتمة من أعظم المطالب

إذا كان العبد قد بلغ آخر مراحل العمر، فإن من أعظم ما ينبغي أن يسأل الله تعالى حسن الخاتمة.

وليس حسن الخاتمة بكثرة الكلام والدعاوى، وإنما هو أن يثبت العبد على الإيمان والطاعة حتى يأتيه الموت، فيلقى ربه وهو عنه راضٍ.

١٦. أن كثرة السنين لا تغني عن صاحبها إذا خلت من العمل

قد يعيش الإنسان ستين سنة أو أكثر، ثم يلقى الله وليس في صحيفته من العمل ما يسرّه؛ فليست العبرة بكثرة الأعوام، وإنما العبرة بما ملأ تلك الأعوام.

والأيام أوعية، فمن ملأها بالطاعة كانت له ذخيرة، ومن ملأها بالمعصية كانت عليه حسرة.

١٧. أن من أعظم الخسران أن يبلغ العبد الكِبَر ولم يتب

فإذا بلغ الإنسان سنًّا متقدمة، ثم بقي مصرًّا على غفلته، فقد اجتمعت عليه نعمة الإمهال مع سوء استعمالها.

ولهذا كان بلوغ الستين نداءً للعبد أن يطوي صفحة التسويف، وأن يقبل على الله بقلبٍ منيب، وأن يجعل آخر عمره خيرًا من أوله.

١٨. أن العبرة بالخواتيم

قد يكون للعبد ماضٍ طويل من التقصير، ثم يوفقه الله تعالى في آخر عمره إلى توبة نصوح وعمل صالح، فيختم له بخير.

ولهذا لا ينبغي للمؤمن أن ييأس من إصلاح نفسه، ولا أن يقول: فات الأوان؛ فإن ما دام في زمن العمل فباب الاستدراك مفتوح.

١٩. الحث على الإكثار من الخير في أواخر العمر

وهذه هي المناسبة الظاهرة التي من أجلها أورد الإمام النووي رحمه الله هذا الحديث في باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر.

فكلما قرب المسافر من المنزل اشتد اهتمامه بأمر رحلته، وكلما قرب العبد من الآخرة كان أولى بأن يخفف من أثقال الدنيا، ويكثر من زاد الآخرة.

٢٠. أن الغاية من بقاء الإنسان ليست الدنيا وإنما الاستعداد للآخرة

فالإنسان لم يُخلق ليعيش للدنيا وحدها، وإنما خلق لعبادة الله والاستعداد للقائه.

فإذا امتد به العمر، فليكن امتداد عمره امتدادًا في الطاعة، لا امتدادًا في الغفلة؛ وليجعل كل يومٍ يمر به شاهدًا له لا شاهدًا عليه.

وخلاصة الحديث: أن بلوغ الستين تذكيرٌ قويٌّ بقرب الرحيل، وأن الله تعالى قد أعذر إلى من بلغه، فلا ينبغي له بعد ذلك أن يركن إلى طول الأمل أو يؤخر التوبة والعمل الصالح. وإنما شأن المؤمن العاقل أن يجعل ما بقي من عمره استدراكًا لما فات، وزيادةً في الخير، وإحسانًا للخاتمة، واستعدادًا للوقوف بين يدي رب العالمين.

 

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث 266-267

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام