شرح الحديث 111 (باب المجاهدة) - رياض الصالحين

  

[111] السابع عشر:

عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أَبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن جُنادة _رضي الله عنه_:

عن النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ فيما يروي عن اللهِ _تَبَاركَ وتعالى_:

أنَّهُ قَالَ:

«يَا عِبَادي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُلْمَ عَلَى نَفْسي وَجَعَلْتُهُ بيْنَكم مُحَرَّماً فَلا تَظَالَمُوا.

يَا عِبَادي، كُلُّكُمْ ضَالّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاستَهدُوني أهْدِكُمْ.

يَا عِبَادي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أطْعَمْتُهُ فَاستَطعِمُوني أُطْعِمْكُمْ.

يَا عِبَادي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ.

يَا عِبَادي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيلِ وَالنَّهارِ وَأَنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ.

يَا عِبَادي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفعِي فَتَنْفَعُوني. يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ [1]كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ في مُلكي شيئاً.

يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذلِكَ من مُلكي شيئاً.

يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَألُوني فَأعْطَيتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْألَتَهُ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ.

يَا عِبَادي، إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيراً فَلْيَحْمَدِ الله وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ» .

قَالَ سعيد : كَانَ أَبُو إدريس إِذَا حَدَّثَ بهذا الحديث جَثا عَلَى رُكبتيه." رواه مسلم.

 

وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل _رحمه الله_، قَالَ: لَيْسَ لأهل الشام حديثٌ أشرفُ من هَذَا الحديث.

 

السابع عشر:

عن سعيد بن عبد العزيز،

 

سعيد بن عبد العزيز بن أبى يحيى التنوخى، أبو محمد الدمشقي (فقيه أهل الشام و مفتيهم بدمشق)، من كبار أتباع التابعين، توفي سنة 167 هـ، وهو ثقة. روى له:  بخ م د ت س ق

 

عن ربيعة بن يزيد،

 

ربيعة بن يزيد الدمشقى، أبو شعيب الإيادى ، القصير، من التابعين توفي سنة 121 أو 123 هـ، وهو ثقة. روى له: خ م د ت س ق

 

عن أَبي إدريس الخولاني،

 

عائذ الله بن عبد الله بن عمرو، أبو إدريس الخولاني، العَوْذِيُّ[2]، من كبار التابعين، توفي سنة 80 هـ، روى له: خ م د ت س ق

 

عن أبي ذر جندب بن جُنادة _رضي الله عنه_ :

 

ترجمة أبي ذر الغفاري _رضي الله عنه_ :

 

وفي "تاريخ الإسلام" – ت. بشار (2/ 218) للذهبي:

"أَبُو ذَرّ الغِفَاريّ، اسمه جُنْدُب بْن جُنَادَةَ على الصَّحيح (وقيل: جُنْدُب بْن سَكَن، وقيل: بُرَيْرُ بْن عبد الله، أو ابن جُنَادة). [المتوفى: 32 ه] :

أحد السّابقين الأوّلين، يقال: كان خامسًا في الإسلام، ثمّ انصرف إلى بلاد قومه، وأقام بها بأمر النّبيّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_،

ثمّ لمّا هاجر النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هاجر أَبُو ذر إلى المدينة.

وروي أنه كان آدم جسيمًا، كثّ اللّحْية.___

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَشْهَدْ أَبُو ذَرٍّ بَدْرًا، وَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ عُمَرُ مَعَ الْقُرَّاءِ، وَكَانَ يُوَازِي ابْنَ مَسْعُودٍ فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَكَانَ زَاهِدًا أَمَّارًا بِالْمَعْرُوفِ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ." اهـ

 

وفي "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 31) لابن حبان:

"وكان أبو ذر ممن هاجر إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ من بنى غفار إلى مكة، واختفى في استار الكعبة أياما كثيرة لا يخرج منها، الا لحاجة الانسان من غير أن يطعم أو يشرب شيئا، إلا ماءَ زمزم حتى رأى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بالليل، فآمن به. وهو أول من حياه بتحية الاسلام، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد جوامع المشاهد. ومات بالربذة في خلافة عثمان بن عفان سنة ثنتين وثلاثين (32 هـ)." اهـ

 

عن النَّبيّ _صلى الله عليه وسلم_ فيما يروي عن اللهِ _تَبَاركَ وتعالى_ أنَّهُ قَالَ:

«يَا عِبَادي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُلْمَ عَلَى نَفْسي،

 

وفي "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (20/ 157_158) لابن عبد البر _رحمه الله_:

"وَأَصْلُ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وَأَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ. وَمَنْ أَضَرَّ___بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَوْ بِمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ، فَقَدْ ظَلَمَهُ، وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا ثَبَتَ في الأثر الصحيح." اهـ

 

قال النوويّ في "شرح صحيح مسلم" (16/ 32):

"معناه: تقدستُ عنه، وتعاليتُ. والظلم مستحيل في حق الله _سبحانه وتعالى_، كيف يجاوز _سبحانه_ حدًّا، وليس فوقه من يطيعه؟ وكيف يتصرف في غير مُلك، والعَالَمُ كلُّهُ في مُلكه وسلطانه؟

وأصل التحريم في اللغة: المنع، فسمّي تَقَدُّسُهُ عن الظلم تحريمًا؛ لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء." اهـ

 

وقال القرطبيّ _رَحِمَهُ اللهُ_ في "المفهم" (6/ 552):

"قوله _تعالى_: (إني حرمت الظلم على نفسي)؛

أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز عليّ، كما قال _سبحانه وتعالى_: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92]، وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله _تعالى_ مُحَالٌ." اهـ

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين" (ص: 83):

"الظلم: وضعُ الشيء في غيرِ موضعه، وقد حرَّمه الله على نفسه ومنَعها منه، مع قدرته عليه وعلى كلِّ شيء، فلا يقع منه الظلم أبداً؛ لكمال عدله سبحانه وتعالى،

قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} [غافر: 31]، وقال: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس: 44]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]،

أي: لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيّئاته، أو تحميله سيِّئات غيره، ونفيُ الظلم عن الله عزَّ وجلَّ في هذه الآيات متضمِّنٌ إثباتَ كمال عدله _سبحانه_،

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/36): "وكونُه خَلَقَ أفعالَ العباد، وفيها الظلم، لا يقتضي وصفه بالظلم _سبحانه وتعالى_، كما أنَّه لا يُوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقُهُ وتقدِيرُه، فإنَّه لا يُوصَف إلاَّ بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنَّما يوصف بما قام به مِن صفاته وأفعاله، والله أعلم".

وقد حرَّم الله تعالى على عباده الظلم، فلا يظلمُ أحد نفسَه ولا يظلم غيرَه.

 

وَجَعَلْتُهُ بيْنَكم مُحَرَّماً فَلا تَظَالَمُوا

 

وفي "البحر المحيط الثجاج" (40/ 484) للإثيوبي:

"أصله: تتظالموا، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا، كما في قوله _تعالى_: {نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14]، {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ} [القدر: 4]." اهـ

 

يَا عِبَادي، كُلُّكُمْ ضَالّ، إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاستَهدُوني، أهْدِكُمْ.

 

وفي "البحر المحيط الثجاج" (40/ 484) للإثيوبي:

"(يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ)؛ أي: عن كلّ كمال وسعادة دينيّة، ودنيويّة." اهـ

 

قال ابن رجب _رحمه الله_ في "جامع العلوم والحكم" (2/39 40):

"قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لحديث عياض بن حمار عن النَّبيِّ _صلى الله عليه وسلم_: (يقول الله _عز وجل_: خلقت عبادي حُنفاء وفي رواية: مسلمين فاجتالتهم الشياطين)،

وليس كذلك، فإنَّ الله خلق بني آدم وفطَرَهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك والاستعداد له بالقوَّة، لكن لا بدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنَّه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئاً، كما قال _عزَّ وجلَّ_: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]،

وقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]،

والمراد وَجَدَك غيرَ عالِم بما علَّمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52]،

فالإنسانُ يُولَد مفطوراً على قبول الحقِّ، فإن هداه الله، سبَّب له مَن يعلِّمه الهدى، فصار مهتدياً بالفعل، بعد أن كان مهتدياً بالقوة، وإن خذله الله قيَّض له مَن يعلِّمه ما يغيِّر فطرتَه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه) [خ م]

وفي هذا الحديث: الأمرُ بسؤال الله الهداية، وهي تشمل هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والتسديد، وحاجة العباد إلى الهداية أشدُّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وقد جاء في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، فهم يسألون الله عزَّ وجلَّ أن يُثبِّتَهم على الهداية الحاصلة، وأن يزيدهم هدى على هدى." اهـ

 

وقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ_ في "المفهم" (6/ 553 – 555):

قوله: (كلّكم ضالّ إلا من هديته)

قيل في معناه قولان:

أحدهما: أنهم لو تُركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى الراحات، وإهمالِ النظر المؤدِّي إلى المعرفة، لغلبت عليهم العادات، والطباع، فضلّوا عن الحقّ،

فهذا هو الضلال المعنيّ.، لكن من أراد الله تعالى توفيقه، ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدّي إلى معرفة الله _تعالى_، ومعرفة الرسول؛ وأعانه على الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهُدَى الذي أمرنا الله تعالى بسؤاله.

وثانيهما: أن الضلال ها هنا يُعنَى به الحال التي كانوا عليها قبل إرسال الرُّسل من الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213]؛

أي: على حالة واحدة من الضلال والجهل، فأرسل الله الرسل؛ ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من الضلال، وُيبيّنوا لهم مرادَ الحقّ منهم في حالهم، ومآل أمرهم،

فمن نبّهه الحقّ سبحانه وتعالى، وبصّره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي على ذلك الضلال.

وعلى كل واحد من التأويلين، فلا معارضة بين قوله تعالى: (كلكم ضال، إلا من هديته)، وبين قوله: (كلّ مولود يولد على الفطرة)؛ لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئُ على الفطرة الأولى المغيِّرُ لها، الذي بيّنه

النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ بالتمثيل في بقية الخبر، حيث قال: (كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء) [خ م]، وبقوله: (خلق الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين) [م].

وهذا الحديث حجَّة لأهل الحقّ على قولهم: إن الهدى والضلال خَلْقه، وفِعله، يختص بما شاء منهما من شاء مِنْ خَلْقه، وأن ذلك لا يقدر عليه، إلا هو، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدّثّر: 31]

وكما قال: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43]، وكما قال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30].

وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريب لذي فهم سليم بقوله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)} [يونس: 25]،

فعمّ الدعوة، وخصّ بالهداية من سبقت له العناية.

وحاصل قوله: "كلكم ضالّ إلا من هديته ... إلخ" التنبيه على فقرنا، وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارّنا بأنفسنا، إلا أن ييسّر الله ذلك لنا، بأن يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرّنا، وهو تنبيه على معنى

قوله: "لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم"، ومع ذلك، فقال في آخر الحديث: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه"؛ تنبيهًا على أن عدم

الاستقلال بإيجاد الأعمال، لا يناقض خطاب التكليف بها، إقدامًا عليها، وإحجامًا عنها، فنحن، ما كنا نعلم أنّا لا نستقلّ بأفعالنا نُحِسّ بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية، والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكّن محسوس، وتأتّ معتادٍ يوجد مع الاختيارية، ويُفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبَّر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض، ولا تعنيف." اهـ

 

يَا عِبَادي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أطْعَمْتُهُ فَاستَطعِمُوني أُطْعِمْكُمْ.

 

وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (40/ 490) للإثيوبي _رحمه الله_:

"(فَاسْتَطْعِمُونِي)؛ أي: اطلبوا الطعامَ من جنابي، وتيسيرَ القُوْتَ والقوَّةَ مِنْ بَابِيْ." اهـ

 

يَا عِبَادي، كُلُّكُمْ عَارٍ، إلا مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ.

 

وقال الطيبي _رحمه الله_ في "الكاشف عن حقائق السنن" 6/ 1838):

"الإطعام والكسوة لَمّا كانا معبِّرَين عن النفع التّامّ، والبسط في الرزق، وعدمهما عن التقتير والتضيّق، كما قال _تعالى_: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الزمر: 52]

 

وقال شيخنا عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين" (ص: 84):

"في هاتَين الجملتين: بيانُ شدَّةِ افتقار العباد إلى ربِّهم، وحاجتِهم إليه في تحصيل أرزاقهم وكسوتهم، وأنَّ عليهم أن يسألوه _سبحانه وتعالى طعامهم وكسوتهم_.

 

يَا عِبَادي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيلِ وَالنَّهارِ وَأَنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ.

 

قال النوويّ _رَحِمَهُ اللهُ_ "شرح صحيح مسلم" (16/ 133 – 134):

"الرواية المشهورة: (تُخْطِئُوْنَ) بضم التاء، ورُوي بفتحها، وفتح الطاء.

يقال: خَطِئَ - يَخْطَأ: إذا فَعَل ما يأثم به، فهو خاطئ. ومنه قوله _تعالى_: {اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97]،

ويقال في الإثم أيضًا: أخطأ، فهما صحيحان." اهـ

 

وقال الفيومي _رحمه الله_ في "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" (1/ 174):

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "(خَطِئَ خِطْئًا) مِنْ بَابِ: (عَلِمَ). وَأَخْطَأَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لِمَنْ يُذْنِبُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ."

وَقَالَ غَيْرُهُ: (خَطِئَ) فِي الدِّينِ. وَ(أَخْطَأَ): فِي كُلِّ شَيْءٍ عَامِدًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ.

وَقِيلَ: (خَطِئَ) إذَا تَعَمَّدَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، فَهُوَ خَاطِئٌ. وَ(أَخْطَأَ): إذَا أَرَادَ الصَّوَابَ، فَصَارَ إلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الصَّوَابِ، وَفَعَلَهُ، قِيلَ: (قَصَدَهُ) أَوْ (تَعَمَّدَهُ). وَالْخِطْءُ: الذَّنْبُ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ. وَ(خَطَّأْتُهُ) بِالتَّثْقِيلِ: قُلْتُ لَهُ "أَخْطَأْت أَوْ جَعَلْتُهُ مُخْطِئًا."

وَ(أَخْطَأَهُ الْحَقُّ) إذَا بَعُدَ عَنْهُ. وَ(أَخْطَأَهُ___السَّهْمُ): تَجَاوَزَهُ، وَلَمْ يُصِبْهُ. وَتَخْفِيفُ الرُّبَاعِيِّ جَائِزٌ." اهـ

 

وفي "فتح القوي المتين في شرح الأربعين" (ص: 85) للعباد:

"أوجب الله عزَّ وجلَّ على العباد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات. والعباد يحصل منهم التقصير في أداء ما وجب عليهم، والوقوع في شيء مِمَّا نُهوا عنه. وطريق السلامة من ذلك: رجوعهم إلى الله، وتوبتُهم من ذنوبهم، وسؤالُ الله عزَّ وجلَّ أن يغفرها لهم،

وفي الحديث: "كلُّ بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون" حديث حسن، أخرجه ابن ماجه (4251) وغيرُه." اهـ

 

يَا عِبَادي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفعِي فَتَنْفَعُوني.

 

قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (2/43):

"يعني: أنَّ العبادَ لا يقدرون أن يوصلوا نفعاً ولا ضرًّا؛ فإنَّ الله _تعالى_ في نفسه غنيٌّ حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنَّما هم ينتفعون بها، ولا يتضرَّر بمعاصيهم، وإنَّما هم يتضرَّرون بها، قال الله تعالى: {وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً} ، وقال: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} ". اهـ

 

يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ في مُلكي شيئاً.

 

وفي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (40/ 492):

"(كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ)؛ أي: لو كنتم على غاية التقوى، بأن تكونوا جميعًا على تقوى

أتقى قلب رجل واحد منكم، قاله القاري." اهـ

 

 

يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذلِكَ من مُلكي شيئاً.

 

وفي "فتح القوي المتين في شرح الأربعين" (ص: 85) للعباد:

"في هاتين الجملتين: بيان كمالِ ملك الله عزَّ وجلَّ، وكمالِ غناه عن خلقه، وأنَّ العبادَ لو كانوا كلُّهم على أتقى ما يكون أو أفجر ما يكون، لَم يزد ذلك في ملكه شيئاً، ولم ينقص شيئاً، وأنَّ تقوى كلّ إنسان إنَّما تكون نافعةً لذلك المتَّقي، وفجورَ كلّ فاجر إنَّما يكون ضررُه عليه." اهـ

 

يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَألُوني، فَأعْطَيتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ.

 

وفي "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (2/ 70) للبيضاوي: "قيد السؤال بالاجتماع, لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول عنه ويبهته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلى مطالبهم." اهـ

 

وفي "فتح القوي المتين في شرح الأربعين" (ص: 86) للعباد:

"هذا يدلُّ على كمال غنى الله سبحانه وتعالى وافتقار عباده إليه، وأنَّ الجنَّ والإنسَ لو اجتمعوا أوَّلُهم وآخرُهم، وسأل كلٌّ ما يريد، وحقَّق الله لهم ذلك، لم ينقص ذلك مِمَّا عند الله، إلاَّ كما ينقص المِخيَط إذا أُدخل البحر. والمعنى: أنَّه لا يحصل نقصٌ أصلاً؛ لأنَّ ما يعلق بالمخيَط، وهو الإبرة من الماء لا يُعتبَر شيئاً، لا في الوزن ولا في رأي العين." اهـ

 

يَا عِبَادي، إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيراً فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ، فَلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ» .

 

وفي "البحر المحيط الثجاج" (40/ 494):

"(ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا) التوفية إعطاء حقّ كلّ واحد على التمام، قال البيضاويّ؛ أي: هي جزاء أعمالكم، فأحفظها لكم، ثم أؤدّيها إليكم تامّة وافيةً، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ." اهـ

 

وفي "فتح القوي المتين في شرح الأربعين" (ص: 86) للعباد:

"الناسُ في هذه الحياة مكلَّفون بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وكلُّ ما يحصل منهم من عمل خيراً أو شرًّا فهو مُحصًى عليهم، وسيجدُ كلٌّ أمامه ما قدَّم، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر،

قال الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة: 7، 8]،

فمَن قدَّم خيراً، وجد ثوابه أمامه، والثوابُ من فضل الله على العبد. وفعل الخير في الدنيا هو من توفيق الله عزَّ وجلَّ للعبد. فله الفضل أوَّلاً وآخراً،

ومَن وَجَدَ أمامه غير الخير، فإنَّما أُتي العبد من قبل نفسه ومعصيته لربِّه وجنايته على نفسه، فإذا وجد أمامه العذاب فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه." اهـ

 

قَالَ سعيد: كَانَ أَبُو إدريس إِذَا حَدَّثَ بهذا الحديث جَثا عَلَى رُكبتيه." رواه مسلم.

 

وفي "البحر المحيط الثجاج" (40/ 495):

"وقوله: (قَالَ سَعِيدٌ) هو سعيد بن عبد العزيز الراوي عن ربيعة بن يزيد، والظاهر أنه أخذه عن ربيعة؛ لأنه لم يُدرك أبا إدريس، فإنه مات سنة ثمانين من الهجرة، ووُلد سعيد سنة تسعين من الهجرة، على ما نُقل عن أبي مسهر، فيكون ولادته بعد عشر سنين من موت أبي إدريس، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

 

وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل _رحمه الله_، قَالَ: )لَيْسَ لأهل الشام حديث أشرف من هَذَا الحديث(.

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

هذا الحديث حديثٌ قدسي عظيم الشأن، جمع فيه النبي ﷺ عن ربِّه _سبحانه_ جملةً من أعظم أصول الدين،

فبيَّن الله تعالى فيه عدله، وكمال غناه، وافتقار خلقه إليه، وسعة مغفرته، وعظيم ملكه، وأن العباد إنما يعود نفع أعمالهم وضررها عليهم، وأن الله _سبحانه_ لا ينتفع بطاعة الطائعين ولا يتضرر بمعصية العاصين.

 

فافتتح الله _تعالى_ الحديث ببيان تحريم الظلم، فأخبر أنه حرَّم الظلم على نفسه، وحرَّمه بين عباده، فلا يجوز لأحد أن يظلم أحدًا في دمه أو ماله أو عرضه أو سائر حقوقه.

 

ثم بيَّن شدة افتقار العباد إليه، فقال: «كلكم ضال إلا من هديته»، أي أن العباد لا يهتدون إلى الحق إلا بهداية الله، فعليهم أن يسألوه الهداية ويطلبوها منه.

 

ثم ذكر _سبحانه_ افتقارهم إليه في أقواتهم وملابسهم، فقال: «كلكم جائع إلا من أطعمته»، و«كلكم عار إلا من كسوته»،

أي: أن الله هو المنعم على عباده بالطعام والكساء وسائر أسباب المعيشة، ولذلك أمرهم أن يسألوه حاجاتهم، فإن خزائنه ملأى لا تنفد.

 

ثم فتح لهم بابًا عظيمًا من أبواب الرجاء، فقال: «إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم»،

أي أن بني آدم لا يسلمون من الخطأ والذنب، ولكن الله _سبحانه_ واسع المغفرة، فمن تاب إليه، واستغفره صادقًا، غفر له ذنبه. وهذا لا يعني إباحة المعاصي، وإنما فيه بيان سعة رحمة الله لمن رجع إليه وأناب.

 

ثم بيَّن _سبحانه_ كمال غناه عن خلقه، فقال: «لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»،

فلو اجتمع الخلق كلهم على معصيته، فلن يضروا ملكه شيئًا، ولو اجتمعوا كلهم على طاعته، فلن يزيدوا في ملكه شيئًا؛ لأنه _سبحانه_ الغني المطلق، والخلق كلهم فقراء إليه.

 

ثم ضرب لذلك مثلًا عظيمًا، فقال: (إن أول الخلق وآخرهم، وإنسهم وجنهم، لو كانوا جميعًا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملك الله شيئًا،

ولو كانوا جميعًا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكه شيئًا).

وفي ذلك إظهار لكمال عظمة الله واستغنائه عن عباده.

 

ثم بيَّن سعة عطائه وكمال خزائنه، فقال: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر».

وهذا تصوير بليغ لسعة ملك الله؛ فلو أعطى جميع الخلق ما سألوه، لم ينقص ذلك من خزائنه شيئًا، كما أن الإبرة إذا غُمست في بحر عظيم لا تنقص من ماء البحر شيئًا محسوسًا.

 

ثم ختم الحديث بقاعدة عظيمة جامعة، فقال: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أُوَفِّيْكُمْ إياها»،

أي: أن الله يحصي أعمال عباده كلها، صغيرها وكبيرها، ثم يجازيهم عليها بالعدل والفضل؛ فمن وجد في صحيفته خيرًا فليحمد الله على توفيقه وإعانته، ومن وجد شرًّا فلا يلومن إلا نفسه؛ لأن الله لا يظلم العباد، وإنما العبد هو الذي يختار لنفسه طريق الخير أو الشر.

 

وأما جثوُّ أبي إدريس الخولاني على ركبتيه عند تحديثه بهذا الحديث، ففيه دلالة على عظيم تعظيم السلف لهذا الحديث، وشدة تأثرهم بما اشتمل عليه من معرفة الله تعالى، وتعظيمه، والخوف منه، والرجاء في رحمته، والإقرار بافتقار العباد إليه.

 

ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: «ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث»؛ لما اشتمل عليه من أصول عظيمة تجمع أبوابًا من التوحيد، والعبادة، والاستغفار، والافتقار إلى الله، والعدل، والرجاء، والخوف، والإيمان بالجزاء.

 

وخلاصة معنى الحديث: الله تعالى عادلٌ لا يظلم، وغنيٌّ لا يحتاج إلى خلقه، والخلق كلهم فقراء إليه، محتاجون إلى هدايته وطعامه وكسائه ومغفرته ورحمته.

وخزائنه لا تنفد، وطاعة العباد لا تزيد في ملكه، ومعصيتهم لا تنقص منه شيئًا، وإنما ثمرات أعمالهم عائدة إليهم؛ فمن أحسن فليحمد الله على فضله وتوفيقه، ومن أساء فلا يلومن إلا نفسه.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه مسلم في "صحيحه" (4/ 1994/ 55) (رقم: 2577)، الترمذي في "سننه" – ت. شاكر (4/ 656) (رقم: 2495)، وابن ماجه في "سننه" (2/ 1422) (رقم: 4257).

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "تخريج مشكاة المصابيح" (2/ 719) (رقم: 2326)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 800_801) (رقم: 4345)، و"تحقيق الاحتجاج بالقدر" (ص: 42)، "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (2/ 82) (رقم: 618)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (2/ 274 و 2/ 531) (رقم: 1625 و 2214)

 

من فوائد الحديث :

 

وقال الشيخ عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر _حفظه الله_ في "فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله" (ص: 86_87):

"مِمَّا يُستفاد من الحديث:

1 أنَّ من الأحاديث ما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربِّه يشتمل على ضمائر التكلُّم ترجع إلى الله، ويُقال له الحديث القدسي.___

2 تحريم الله الظلم على نفسه وتنزيهه عنه، مع إثبات كمال ضدِّه وهو العدل.

3 تحريم الله الظلم على العباد لأنفسهم ولغيرهم.

4 شدَّة حاجة العباد إلى سؤال ربِّهم الهُدى والطعام والكسوة وغير ذلك من أمور دينهم ودنياهم.

5 أنَّ الله يحبُّ من عباده أن يسألوه كلَّ ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدِّين.

6 كمال ملك الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ العبادَ لا يبلغون نفعه وضرَّه، بل يعود نفعُهم وضرُّهم إلى أنفسهم.

7 أنَّ العباد لا يسلمون من الخطأ، وأنَّ عليهم التوبة من ذلك والاستغفار.

8 أنَّ التقوى والفجور يكونان في القلوب؛ لقوله: "على أتقى قلب رجل"، و"على أفجر قلب رجل".

9 أنَّ ملكَ الله لا تزيده طاعة المطيعين، ولا تنقصه معاصي العاصين.

10 كمال غنى الله وكمال ملكه، وأنَّه لو أعطى عبادَه أوَّلَهم وآخرَهم كلَّ ما سألوه لم ينقص من ملك الله عزَّ وجلَّ وخزائنه شيئاً.

11 حثُّ العباد على الطاعة، وتحذيرهم من المعصية، وأنَّ كلَّ ذلك محصى عليهم.

12 أنَّ من وفَّقه الله لطريق الخير ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، والفضل لله للتوفيق لسلوك سبيل الهُدى، ولحصول الثواب على ذلك.

13 أنَّ مَن فرَّط وأساء العمل ظفر بالخسران، وندم حيث لا ينفع النَّدم.

 

وقال إسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ) _رحمه الله_ في "التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية" (ص: 54_55):

"يستفاد منه:

1 - تحريم الظلم، وذلك متفق عليه في كل ملة، لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ النفس والأنساب والأعراض والعقول والأموال، والظلم يقع في هذه أو بعضها، وأعظم الظلم الشرك، قال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم.

2 - وجوب الإقبال على المولى في جميع ما ينزل بالإنسان لافتقار سائر الخلق إليه وعجزهم عن جلب منافعهم ودفع مضارهم إلا بتيسيره. فيجب إفراده بأنواع العبادة: من السؤال والتضرع والاستعانة وغيرها، فإنه المتفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه، وإحيائه وإماتته، ومغفرة ذنوبه.___

3 - كمال فعله تعالى لتنزيهه عن الظلم، وكمال ملكه فلا يزاد بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي، وكمال غناه، فإن خزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء. وكمال إحسانه إلى عباده فإنه يجب أن يسألوه جميع مصالحهم الدينية والدنيوية كما يسألونه الهداية والمغفرة، فله تعالى الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله.

4 - أن الأصل في التقوى والفجور هو القلوب، فإذا بر القلب واتقى برَّتْ الجوارح، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارح.

5 - أن الخير كله من فضل الله تعالى على عباده من غير استحقاق. والشر كله من عند ابن آدم من إتباع هوى نفسه." اهـ

 

وقال الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح الأربعين النووية" (ص: 243)

"من فوائد هذا الحديث:

1/ رواية النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن ربه _عزّ وجل_،

وهذا أعلى مراتب السند، لأن غاية السند: إما الرب _عزّ وجل_، وهذا في الأحاديث القدسية، وإما النبيُّ _صلى الله عليه وسلم_، وهذا في الأحاديث المرفوعة، وإما عن الصحابة، وهذا في الأحاديث الموقوفة، وإما عن التابعين ومن بعدهم، وهذا في الأحاديث المقطوعة.

فإذا روينا أثراً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فنسميه موقوفاً، لأنه صحابي، وإذا روينا أثراً عن مجاهد _رحمه الله_، فنسميه مقطوعاً لأنه تابعي.

2/ إن أحسن ما يقال في الحديث القدسي: إنه ما رواه النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن ربه _عزّ وجل_، ونقتصر على هذا، ولا نبحث: هل هو من قول الله لفظاً ومعنى، أو من قول الله معنى، ومن لفظ النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأن هذا فيه نوع من التكلّف وقد نهينا عن التكلّف، ونهينا عن التنطّع وعن التعمّق.

3/ إثبات القول لله _عزّ وجل_، وهذا كثير في القرآن الكريم، وهو دليل على ما ذهب إليه أهل السنة من أن كلام الله يكون بصوت، إذ لا يطلق القول، إلا على المسموع...

4/ أن الله _تعالى_ قادر على الظلم لكنه حرّمه على نفسه لكمال عدله، وجه ذلك: أنه لو كان غير قادر عليه لم يثن على نفسه بتحريم الظلم لأنه غير قادر.

5/ أن من صفات الله ماهو منفي مثل الظلم، ولكن اعلم أنه لايوجد في صفات الله عزّ وجل نفي إلا لثبوت ضده، فنفي الظلم يعني ثبوت العدل الكامل الذي لانقص فيه.____

6/ أن لله _عزّ وجل_ أن يحرم على نفسه ما شاء، لأن الحكم إليه، فنحن لا نستطيع أن نحرّم على الله، لكن الله يحرم على نفسه ما شاء، كما أنه يوجب علىنفسه ما شاء. اقرأ قول الله تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام: الآية12) وكتب عزّ وجل عنده: "إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"___

7/ إطلاق النفس على الذات لقوله: "عَلَى نَفْسِيْ"، والمراد بنفسه ذاتُه _عزّ وجل_، كما قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران: الآية28)،

وليس النفس صفة كسائر الصفات: كالسمع والعلم والقدرة، فالنفس يعني الذاتَ،

فقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) يعني ذاته، وقوله هنا: "عَلَى نَفْسِي" يعني على ذاتي، وكلمة النفس أصوب من كلمة ذاتٍ، لكن شاع بين الناس إطلاقُ الذات دون إطلاق النفس، ولكن الأصل العربي: النفس.

8/ أن الله _تعالى_ حرّم الظلم بيننا فقال: "وَجَعَلتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمَاً" وهذا يشمل ظلم___الإنسان نفسه وظلم غيره، لكن هو في المعنى الثاني أظهر لقوله: "فَلا تَظَالَمُوا" أي فلا يظلم بعضكم بعضاً، وإلا فمن المعلوم أن الظلم يكون للنفس ويكون للغير، قال الله تعالى: (وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) (هود: الآية101)___

9/ أن الإنسان ضال، إلا من هدى الله، ويتفرع على هذه الفائدة: أن تسأل الله الهداية دائماً حتى لا تضلّ.

فإن قال قائل: هنا إشكال وهو أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أخبر أن كل مولود يولد على الفطرة، وهنا يقول: كلكم ضال؟

فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ" لكن قال: "أَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ" وهنا يخاطبُ عزّ وجل المكلّفين الذين قد تكون تغيرت فطرتهم إلى ما كان عليه آباؤهم، فهم ضلاَّلٌ حتى يهديهم الله عزّ وجل.

10/ الحثّ على طلب العلم، لقوله: "كُلُّكُم ضَالٌّ" ولاشكّ" أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل قد قال الإمام أحمد - رحمه الله -: (العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته)،

لاسيما في هذا الزمن الذي كثر فيه الجهل، وكثر فيه الظن، وأفتى من لايستحق أن يفتي، فطلب العلم في هذا الزمان متأكد.___

11/ أن لا تطلب الهداية، إلا من الله لقوله: "فَاستَهدُونِي أَهدِكُم".

ولكن الهداية نوعان:

* هداية التوفيق، وهذه لا تُطْلب، إلا من الله، إذ لايستطيع أحد أن يهديك هداية التوفيق، إلا الله _عزّ وجل_.

* وهداية الدلالة: وهذه تصحّ أن تطلبها من غير الله ممن عنده علمٌ بأن تقول: يا فلان أفتني في كذا، أي اهدني إلى الحق فيه.

هل نقول إن قوله: "فَاستَهدُونِي" يدل على أن المراد هداية التوفيق، أو نقول إنه يشمل الهدايتين، وهداية الدلالة تكون باتباع الوسائل التي جعلها الله _عزّ وجل_ سبباً للعلم؟ الجواب: الثاني، أي العموم.

12/ أن العباد في الأصل جياع، لأنهم لايملكون أن يخلقوا ما تحيى به الأجساد كما في سورة الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنَّا لَمُغْرَمُونَ*بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ*أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُون* أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) (الواقعة: 63-71)

فالأصل أن الإنسان قاصر جائع، إلا من أطعمه الله، ويتفرع على هذه الفائدة قوله: "فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ" أي اسألوني الطعام أطعمكم، وعليه فلا تلجأ في طلب الرزق إلا من الله عزّ وجل.

13/ وقوله: "اسْتَطْعِمُونِي" يشمل سؤال الله عزّ وجل الطعام، ويشمل السعي في الرزق وابتغاء فضل الله عزّ وجل كما قال تعالى في سورة الجمعة: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة: 10)

وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15) وإلا فمن المعلوم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا درهماً ولا خبزاً، بل لابد من السعي.____

14/ أن الأصل في الإنسان العري حتى يكسوه الله _عزّ وجل_، وسبق شرح أنه في الأصل العري الحسي، وقد يراد به المعنوي أيضاً، وذلك لأن الإنسان خرج من بطن أمه عارياً ولا يكسوه إلا الله عزّ وجل بما قدره من الأسباب.

15/ كرم الله عزّ وجل حيث يعرض على عباده بيان حالهم وافتقارهم إليه، ثم يدعوهم إلى دعائه عزّ وجل حتى يزيل عنهم ما فيهم من الفقر والحاجة.

16/ أن بني آدم خطاء، أي كثير الخطأ، كما قال الله عزّ وجل: (وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب: الآية72)

17/ أنه مهما كثرت الذنوب والخطايا فإن الله تعالى يغفرها، لكن يحتاج أن يستغفر الإنسان، ولهذا قال: "فَاسْتَغْفِرُوْنِيْ أَغْفِرْ لَكُمْ" وقد سبق في الشرح أن الاستغفار يكون على وجهين:

الوجه الأول: طلب المغفرة باللفظ بأن يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.

الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سبباً لذلك كقوله: "مَنْ قَالَ: سُبحَانَ اَلله وَبِحَمْدِهِ في اليَوم مائَةَ مَرةَ غُفِرَت خَطَايَاه ُوَإِنْ كَانَت مِثْلُ زَبَدِ البَحْرِ"

18/ أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، وهذا لمن استغفر، لقوله عزّ وجل "فَاسْتَغْفِرُونِيْ" أما من لم يستغفر فإن الصغائر تكون مكفرة بالأعمال الصالحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلَواتِ الخَمسُ وَالجُمُعَة إِلى الجُمُعَةِ وَرَمَضَان إِلى رَمَضَان مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ مَا اجتَنَبَ الكَبَائِرَ" (2) ، وأما الكبائر فلابد لها من توبة خاصة، فلا تكفرها الأعمال الصالحة، أما الكفر فلابد له من توبة بالإجماع.

فالذنوب على ثلاثة أقسام:___

قسم: لابد فيه من توبة بالإجماع، وهو الكفر.

والثاني: ما تكفره الأعمال الصالحة، وهو الصغائر.

والثالث: ما لابد له من توبة- على خلاف في ذلك-، لكن الجمهور يقولون: إن الكبائر لابد لها من توبة." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (16/ 132):

"وَالظُّلْمُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَيْفَ يُجَاوِزُ سُبْحَانَهُ حَدًّا وَلَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يُطِيعُهُ وَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ مُلْكٍ وَالْعَالَمُ كُلُّهُ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (16/ 132_133) :

"قَوْلُهُ _تَعَالَى_ (كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ)

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُهْتَدِيَ هُوَ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ، وبهدي اللَّهُ اهْتَدَى، وَبِإِرَادَةِ اللَّهِ___تَعَالَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ هِدَايَةَ بَعْضِ عِبَادِهِ، وَهُمُ الْمُهْتَدُونَ، وَلَمْ يُرِدْ هِدَايَةَ الْآخَرِينَ، وَلَوْ أَرَادَهَا لَاهْتَدَوْا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمُ الْفَاسِدِ: أَنَّهُ _سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى_ أَرَادَ هداية الجميع، جلَّ اللهُ أن يريد ما لا يقع، أو يقع ما لا يُرِيدُ." اهـ

 

وقال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (16/ 133):

"قَوْلُهُ _تَعَالَى_: (مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)

مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ نَقْصٌ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ الْمَحْدُودَ الْفَانِيَ، وَعَطَاءُ اللَّهِ _تَعَالَى_ مِنْ رَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ، وَهُمَا صِفَتَانِ قَدِيمَتَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمَا نَقْصٌ،

فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمِخْيَطِ فِي الْبَحْرِ، لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْقِلَّةِ، وَالْمَقْصُودُ: التَّقْرِيبُ إِلَى الْإِفْهَامِ بِمَا شَاهَدُوهُ فَإِنَّ الْبَحْرَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَرْئِيَّاتِ عَيَانًا وَأَكْبَرِهَا وَالْإِبْرَةُ مِنْ أَصْغَرِ الْمَوْجُودَاتِ مَعَ أَنَّهَا صَقِيلَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ." اهـ[3]

 

وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (40/ 500):

"وفي الحديث: دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم

ودنياهم، من الطعام، والشراب، والكسوة، وغير ذلك، كما يسألونه الهداية،

والمغفرة، وفي الحديث: "لِيَسْأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسَمع نَعْله إذا

انقطع" (1).

وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه، حتى مِلْح عجينه،

وعَلَفَ شاتِه، وفي الإسرائيليات أن موسى عليه السلام قال: "يا رب إنه ليَعْرض لي

الحاجة من الدنيا، فأستحي أن أسألك، قال: سَلْني حتى ملح عجينك، وعلف

حمارك"، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله، فقد أظهر حاجته فيه،

وافتقاره إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله

شيئًا من مصالح الدنيا، والاقتداء بالسُّنَّة أَولى." اهـ

 

وقال يحيى بن هُبَيْرَة الذهلي الشيبانيّ، أبو المظفر الحنبلي (المتوفى: 560 هـ) _رحمه الله_ في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (2/ 185_189):

"في هذا الحديث من الفقه: أنه لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه، إلا بالحق، لقوله سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي)،

فهو سبحانه لا يظلم عباده لنفسه، فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره، ولذلك قال (فلا تظالموا)،

والمعنى: لا بد من اقتصاص للمظلوم من الظالم، ويصدّق___هذا قولُ الله _تعالى_: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]

ومعناه: فيما أرى أنه ندب للمظلوم أن يجهر بذكر قصته باسم من ظلمه ليشيع ذلك بين الناس، فيكون شيوع ذلك عذرًا للقادر على الإيقاع بالظالم ليجمع في ذلك بين أن يعرف الناس أنه سبحانه لم يوقع بمن ظلم إلا انتصارًا منه لمن كان ظلمه، وليعلم العباد أن من وراء الظالمين طالبًا لا يرد بأسه، وهذا فهو كذلك، إلا أن من وراء هذا حالًا أخرى لولاها لم يكن يمهل ظالم في الأرض فواق ناقة، وتلك الحال أن الخلق كلهم عبيد الله سبحانه، وملك له، فإذا ظلم بعضهم بعضًا فالمظلوم لا يستحق على الظالم إلا أن يمكنه سيده، إذ من جنى على عبد جناية فالخصم فيها سيده، فالخلق كلهم لله تعالى، أروش جناياتهم حقوقه، فهو سبحانه إن أمهل فله ذلك، وإن اقتص فله ذلك.

* وقوله: (كلكم ضال، إلا من هديته)،

في هذا من الفقه: أن الشأن في الناس الضلال، إلا من هدى الله _تعالى_، فيترتب على ذلك أن الإنسان إذا رأى عنده آثارُ هدًى، فليعلم أن ذلك من عند الله _تعالى_، وكلما ازداد هدًى تعين عليه أن يزداد شكرًا وحمدًا لله تعالى.

* وقوله: (فاستهدوني أهدكم) أي اطلبوا مني الهداية، أهدكم، والمعنى أهديكم إذا استهديتموني، فإذا استهديتني أيها العبد فهديتك عرفتك أنني أجبت الدعاء وأعطيتك ما سألت فتعرفت إليك بذلك، ولو قد هديتك من قبل أن تسأل لم يكن تعبدًا منك أن تقول: {إنما أوتيته على علم عندي}

*وقوله: (كلكم جائع إلا من أطعمته) يعني سبحانه وتعالى أنه خلق الخلق ذوي فقر إلى الطعام، وأن كل طاعم فإنه كان جائعًا حتى أطعمه الله تعالى بأنواع منها سوق الرزق، ومنها تصحيح الآلة المتناولة لذلك الرزق، فهو___سبحانه يسوق إليك الطعمة ويهيء آلات استطعامك لتناولها، ويلطف بك حتى يخلصك من أثقالها.

* وقوله: (استطعموني) أي اطلبوا الرزق مني ولا يستنكف حي ولا ذو كثرة أن يستطعمني، فإن ذلك يجهله وعمهه يظن أن ذلك الذي في يده من رزقي وقد رفعه إلى فيه، يطعمه إياه غيري.

* وفيه أيضًا للفقراء ما يؤدبهم وكأنه قال: لا تطلبوا الطعمة من غيري، فكل هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا أطعمهم (فاستطعموني أطعمكم).

* وقوله: (كلكم عار إلا من كسوته)،

فيه من الفقه: أن الكسا من الله _تعالى_ متنوعة، فقد يكسو من عري جسدًا، وقد يكسو بالستر الجميل.

* وقوله: (فاستكسوني) أي : اطلبوا مني الكسوة الجميلة الطاهرة فإن من كساه الله تعالى لباس التقوى لم يقدر أحد أن ينزعه عنه.

* وقوله: (إنكم تخطئون بالليل والنهار)،

في هذا الكلام الشريف من التأنيب والتوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن، وذلك أنه إذا لمح العبد الفطن أن الله تعالى خلق الليل ليطاع فيه سرًا، ويعبد بالإخلاص في خلوة من الناس، حيث تسلم الأعمال غالبًا من الرياء والنفاق، ومشاهدة الخلق، ولا يستحي المؤمن ألا ينفق الليل فيما خلق له من الطاعة حتى يخطئ فيه ويعصي الله تعالى في مطاويه.

فأما النهار فإنه جعل مشهودًا من الناس يقتضي من كل فطن أن يطيع الله تعالى فيه، ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، فيكون مجرئًا لغيره على مثل ذلك، فكيف يحسن بمؤمن أن يخطئ جهرًا يشهد به عليه خلق الله عز وجل في نهار يكشف الأغطية، ويبدي الوجوه والألوان، إلا أنه سبحانه وتعالى قال بعد ذلك كله: (وأنا أغفر الذنوب جميعًا) وذكر الذنوب بالألف واللام اللتين للتعريف، وإنما قال سبحانه جميعًا ها هنا قبل أمره إيانا باستغفاره حتى لا يقنط أحد من رحمة الله لعظيم ذنب احتقبه ولا لشديد وزر قد ارتكبه.

* وقوله: {لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني} في مثل هذا___المقام لو قال المؤمن إلهي، وسيدي، ومولاي كيف لي بأن ترضى عني؟ بماذا أتقرب يا من له كل شيء؟ ماذا يعمل من ليس له شيء؟ أنت الغني وحدك، لا يتصور النفع والضر إلا منك، والحمد كله والملك لك، لا آمن إليك إلا بسواق اختيارك في وموضع أثارك مني، ولا أدلي بمثل أن جملتي تشهد لك وتفاصيلي تسبح بحمدك فإن فتر لساني عن الشهادة بوحدانيتك والتسبيح لك فإن ذراتي وأجزائي كلها ناطقة بلسان حالها لك، لا إله إلا أنت سبحانك وتعاليت، فأنا بعض دلائلك، ومن جملة الشهود على ربوبيتك، فالانتفاع والاستضرار لائقان مناسبان لحالي وأما خالق النفع والضر فتعالى علوًا كبيرًا.

* وقوله: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا)

في هذا ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة من الله تعالى لهم، ولمن بعدهم ودونهم، وأنه لا يقدر المتقون أن يزيدوا في ملك الله شيئًا كما أنه لا يقدر الفجار أن ينقصوا من ملك الله _تعالى_ شيئًا، ولكن تقوى المتقين وفجور الفاجرين سعادة وشقاوة.

* وقوله: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد)،

في هذا التنبيه للخلق على أن يعظموا المسألة، ويوسعوا الطلب، ولا يقتصر طالب ولا يختصر سائل، فإن ما عند الله لا ينقص.

* وقوله: (كما ينقص المخيط إذا دخل البحر)،

هذه إشارة إلى النعمة المخلوقة، فهي تنقص كما ينقص المخيط من البحر إذا أدخل فيه، وإنما أراد بهذا تجزئة السؤال وتشجيعهم على إيساع الطلب حتى لا يظن منهم ظان أن ما عند الله تعالى يغيضه الإنفاق فيتوهم الجاهل أن طلابه وإن اتسع ربما يصادف غورا، وقد تعالى الله _عز وجل_ عن ذلك، فإن ما عند الله تعالى لا يغيض.

* وقوله: (إنما هي أعمالكم)

ذكر _سبحانه_ هذا بعد أن عدّد ما عدده من نعمه وشرحه من فيض كرمه، ثم إنه سبحانه وتعالى بعد ذلك أوضح لنا أن أعمالنا هي التي تعرض علينا، فمن وجد منا خيرًا فليحمد الله تعالى على توفيقه، ومن___وجد غير ذلك، ولم يقل ها هنا ومن وجد شرًا بل قال غير ذلك، والخير كلمة مفاضلة لأن قولك زيد خير أي هو خير من خير.

* وقوله: {ومن وجد غير ذلك} أي وجد غير الخير أي غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه، فذكره بنون التوكيد، وإنما جاء للتأكيد ها هنا، يحذر من أن يخطر في قلب عامل أن اللوم في ذلك يستحقه غير نفسه؛ لأن الله تعالى أوضح فأعذر، وليس لأحد عليه حجة، حتى أن من قلة إنصاف الآدمي لربه أن يحسب طاعاته وعباداته لنفسه، ولا يسندها للتوفيق، كما يبرأ من معاصيه، ويسندها إلى الأقدار، فلو نظر إلى مغالطته في هذا، وهو أنه كان لا تصرف له كما يزعم، فهلا كان في الأمرين؟ أو إن كان له تصرف فلم يعزله عن أحد الحالين؟! ولكن الإنسان ظلوم!" اهـ

 

وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في "تطريز رياض الصالحين" (ص: 97):

"هذا حديث جليل شريف، وهو من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله عز وجل.

وفي هذا الحديث: قبح الظلم وأن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم.

وأنَّ الله تعالى يحب أن يسأله العباد ويستغفروه.

وأنَّ ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولا ينقص بمعصيتهم.

وأن خزائنه لا تنفذ ولا تنقص.

وأن ما أصاب العبد من خير فمن فضل الله تعالى، وما أصابه من شر فمن نفسه وهواه.

وهو مشتمل على قواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه، وغير ذلك." اهـ

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (21/ 95):

"وهذا الحديث حجَّة لأهل الحق على قولهم: إن الهدى والضلال خلقه وفعله يختص بما شاء___منهما من شاء من خلقه، وأن ذلك لا يقدر عليه، إلأ هو،

كما قال _تعالى_: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [المدثر: 31]

وكما قال: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } [الأعراف: 43]،

وكما قال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]

وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريبٌ لذي فهم سليم بقوله :

{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25]،

فعم الدعوة، وخص بالهداية من سبقت له العناية." اهـ

 

وقال أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ (المتوفى: 656 هـ) _رحمه الله_ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (21/ 97)

وقوله : (مَا نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ)

وهذا مثل قصد به التقريب للأفهام بما تشاهده، فإنَّ ماء البحر من أعظم المرئيات وأكبرها. وغمس الإبرة فيه لا يؤثر فيه ، فضرب ذلك مثلا لخزائن رحمة الله تعالى وفضله، فإنَّها لا تنحصر ولا تتناهى ، وأن ما أغطي منها من أول ر- خنق المخلوتات ، وما يغطي منها إلى يوم القيامة لا ينقص منها شيئا ، وهذا نحو وفض قوله ئ في الحديث الاخر.


ملحق الفوائد:

 

قد تضمن الحديث فوائد جليلة ودروس مهمة للأمة، منها:

١. في الحديث تحريم الظلم تحريمًا قاطعًا، وأنَّ الظلم من أعظم المحرَّمات، وأنَّ الله تعالى حرَّمه على نفسه، وحرَّمه بين عباده؛ فلا يحلُّ لمسلم أن يبغي على أخيه في دمه أو ماله أو عِرضه، ولا أن ينتقصه شيئًا من حقوقه.

٢. كمال عدل الله _تعالى_،

ففي قوله سبحانه: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» إثباتُ كمال العدل لله _عز وجل_، وأنه سبحانه لا يظلم عباده مثقال ذرَّة، ولا ينقص أحدًا من حسناته، ولا يحمل عليه وزر غيره.

٣. تحريم الظلم بين العباد،

فقوله: «وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» أصلٌ عظيم في صيانة حقوق الخلق، فيدخل فيه ظلم الأموال، والأبدان، والأعراض، والحقوق، وسائر وجوه الاعتداء.

٤. افتقار العباد إلى هداية الله،

فقوله تعالى: «كُلُّكُمْ ضَالٌّ، إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» يدل على أنَّ العبد لا يستغني عن هداية ربه طرفة عين، وأن الهداية من أجلِّ النعم التي ينبغي للعبد أن يسألها ربَّه.

٥. مشروعية سؤال الله الهداية،

ففي قوله: «فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» حثٌّ على دعاء الله تعالى وسؤاله الثبات على الحق، والاستقامة على الصراط المستقيم، وزيادة العلم النافع والعمل الصالح.

٦. أنَّ جميع النعم من فضل الله،

ففي ذكر الله الطعامَ والكسوة والهداية والمغفرة؛ تنبيهٌ إلى أنَّ ما بالعباد من نعمةٍ فمن الله، فينبغي لهم أن يشكروه عليها، وألا ينسبوها إلى حولهم وقوتهم استقلالًا.

٧. وجوب الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب بالله،

ففي قوله: «فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ» و«فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ» إرشادٌ إلى سؤال الله، وليس فيه نهيٌ عن طلب الرزق من وجوهه المشروعة؛ بل يأخذ العبد بالأسباب وقلبه معلقٌ بمسبب الأسباب.

٨. كثرة وقوع الإنسان في الذنب،

ففي قوله: «إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» بيانٌ لضعف بني آدم، وأنهم غير معصومين من الخطأ والزلل، وأن الواجب عليهم إذا زلَّت أقدامهم أن يبادروا بالتوبة والاستغفار.

٩. سعة مغفرة الله _تعالى_،

فقوله: «وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا» من أعظم أبواب الرجاء، يدل على سعة رحمة الله، وعظيم مغفرته لمن تاب وأناب واستغفره، فلا ينبغي للمذنب أن يقنَطَ من رحمة ربه.

١٠. فضل الاستغفار وكثرةِ التوبة،

فقوله: «فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ» ترغيبٌ عظيم في ملازمة الاستغفار؛ فإن العبد مهما كثرت زلاته، فباب التوبة مفتوح ما دام في زمن الإمكان.

١١. كمال غنى الله عن خلقه،

فقوله: «لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» يدل على أن الله غنيٌّ عن العالمين، لا تزيده طاعة الطائعين ملكًا، ولا تنقصه معصية العاصين سلطانًا.

١٢. أنَّ نفع الطاعة عائد إلى العبد، فالعبد إذا أطاع الله فإنما ينفع نفسه، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46]،

فعلى العبد أن يعلم أنَّ الله غنيٌّ عنه، وأن حاجته هو إلى الله لا العكس.

١٣. أنَّ معصية العبد لا تضر ملك الله،

فلو اجتمع الخلق كلهم على المعصية، لم ينقص ذلك من ملك الله شيئًا؛ وإنما ضرر المعصية يعود على أصحابها، وفي ذلك زجرٌ للعبد عن الاغترار بنفسه، كما قال _تعالى_: {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]

١٤. أنَّ طاعة الخلق لا تزيد في ملك الله شيئًا،

فلو اجتمع الإنس والجن على أتقى قلب رجل، لم تزد طاعتهم في ملك الله شيئًا؛ فالله سبحانه غنيٌّ بذاته، مستغنٍ عن عباده، وإنما الطاعة فضلٌ منه على من وفَّقه إليها.

١٥. كمال سلطان الله وعظمة ملكه،

فقوله: «مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا» و«مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» يدل على كمال ملكه _سبحانه_، وأنه لا يلحق ملكه نقصٌ ولا يعتري سلطانه عجز.

١٦. سعة خزائن الله _تعالى_، فقوله: «مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ» تصويرٌ بليغٌ لسعة ما عند الله، وأن عطاءه لا ينفد، ولا تعجز خزائنه عن مطالب خلقه.

١٧. الحث على سؤال الله جميع الحاجات،

فالحديث لم يخصَّ سؤال الله بأمرٍ دون أمر، بل ذكر الهداية والطعام والكسوة والمغفرة، ففيه تعليمٌ للعبد أن يرفع حوائجه كلها إلى مولاه، صغيرها وكبيرها.

١٨. أنَّ الله تعالى يحصي أعمال العباد،

قوله: «أُحْصِيهَا لَكُمْ» يدل على أن أعمال العباد محفوظةٌ عند الله، لا يضيع منها شيء، وسيجدها العبد يوم القيامة في كتابه.

١٩. إثبات الجزاء على الأعمال،

فقوله: «ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا» فيه إثبات الحساب والجزاء، وأن الله تعالى يجازي العباد على أعمالهم بالعدل، فيوفي المحسن جزاء إحسانه، ويجازي المسيء على إساءته.

٢٠. أنَّ الله لا يظلم العباد، فلمّا كان الله قد حرَّم الظلم على نفسه، وكان يحصي أعمال العباد ثم يوفيهم إياها، دلَّ ذلك على كمال عدله سبحانه، وأن الجزاء لا يكون ظلمًا ولا اعتباطًا.

٢١. وجوب حمد الله على التوفيق للطاعة،

ففي قوله: «فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ» ردُّ الفضل إلى صاحبه _سبحانه_؛ فإن العبد لا يهتدي ولا يعمل الخير، إلا بتوفيق الله وإعانته.

٢٢. أنَّ العبد لا يغتر بعمله الصالح،

فإذا وجد العبد الخير في صحيفته، حمد الله، ولم يعجب بعمله، إذ هو فضلٌ من الله عليه، ولو وكله الله إلى نفسه لعجز وضاع.

٢٣. أنَّ الشر ثمرة عمل العبد،

ففي قوله: «وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» بيان أن الإنسان يجني عاقبة ما قدَّمت يداه، فلا ينسب ظلمًا إلى الله تعالى.

٢٤. فيه: الجمع بين الخوف والرجاء،

فالحديث فتح باب الرجاء بقوله: «أَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا»، وحذَّر من الشر ببيان الجزاء على الأعمال؛ فالمؤمن يسيرُ إلى الله بين الخوف من عقابه والرجاء في رحمته.

٢٥. فيه: فضل مجاهدة النفس، فالعبد محتاج إلى مجاهدة نفسه على ترك الظلم، وطلب الهداية، وملازمة الاستغفار، وتحقيق الطاعة، والبعد عن المعصية؛ ولهذا كان الحديث مناسبًا لباب المجاهدة.

٢٦. عظيم شأن هذا الحديث وجمعُه لأصول كثيرة،

فقد جمع هذا الحديث أصولًا من التوحيد، والعبادة، والاستغفار، والدعاء، والافتقار إلى الله، والخوف والرجاء، والعدل، والجزاء؛

ولذلك عَظَّمه السلف، حتى كان أبو إدريس الخولاني رحمه الله يجثو على ركبتيه عند تحديثه به، وقال الإمام أحمد رحمه الله: «ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث».

 



[1] وفي تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 70) للبيضاوي :

"الخطاب مع الثقلين خاصة, لاختصاص التكليف, وتعاقب التقوى والفجور بهم, ولذلك فصل المخاطبين بالإنس والجن, ويحتمل أن يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين, ويكون ذكر الملائكة مطويا مدرجا في قوله: " وجنكم " لشمول الإحسان لهم, وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف على صدور الفجور منهم, ولا على إمكانه, لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير." اهـ

[2] وفي "اللباب في تهذيب الأنساب" (2/ 363) لابن الأثير _رحمه الله_:

"العَوْذِيُّ (بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخرهَا ذال مُعْجمَة): هَذِه النِّسْبَة إِلَى عوذ بن سود بن الْحجر بن عمرَان بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر مَاء السَّمَاء بطن من الأزد ينْسب إِلَيْهِ كثير." اهـ

[3] وفي إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 47_48) للقاضي عياض :

"غاية فى باب التمثيل فى هذا، ويقرب لك أفهام بما يشاهد؛ فإن ماء البحر من أعظم المرئيات عياناً وأكثرها. ودخول المخيط فيه، وهى الإبرة التي يخاط بها، وخروجها لا ينقص شيئاً؛ إذ لا يعلق بها من ماء البحر____شيء لصقالتها." اهـ

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

خمس بلايا على الأمة وسببها