شرح الحديث 110 (باب المجاهدة) - رياض الإحسان
|
[110] السادس عشر: عن أبي مسعود
عقبة بن عمرو الأنصاري البدري _رضي الله عنه_ قَالَ : "لَمَّا
نَزَلَتْ آيةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا، فَجَاءَ
رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثيرٍ، فقالوا: "مُراءٍ." وَجَاءَ
رَجُلٌ آخَرُ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فقالُوا: "إنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ
صَاعِ هَذَا!" فَنَزَلَتْ:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ} [التوبة (79) ]. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. |
ترجمة
أبي مسعود البدري _رضي الله عنه_ :
وفي "تهذيب
الكمال في أسماء الرجال" (34/ 287) للمزي:
"أَبُو
مسعود الأَنْصارِيّ البدري: صاحب رَسُول اللَّهِ _صلى الله عليه وسلم_. اسمه: عقبة بْن عَمْرو." اهـ
معرفة الصحابة
لأبي نعيم (4/ 2147)
عُقْبَةُ بْنُ
عَمْرٍو أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ الْأَنْصَارِيُّ: وَهُوَ ابْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يُسَيْرَةَ (وَقِيلَ: أَسِيرَةُ)
بْن عَسِيرَةَ بْنِ جَدَارَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ___بْنِ الْخَزْرَجِ، يُكَنَّى أَبَا مَسْعُودٍ، يُعْرَفُ بِـ"الْبَدْرِيِّ"،
نَسَبَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهُ بَدْرِيٌّ." اهـ
وفي "تاريخ
الإسلام" – ت. بشار (2/ 375) للذهبي:
"أبو
مَسْعُود البدْريّ [المتوفى: 40 ه]:
ولم يكن بدريًّا،
بل سكن ماءً ببدْر فنسب إليه، بل شهد العقبة، وكان أصغر
من السَّبعين حينئذٍ. اسمه: عُقْبَة بْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة بْن أُسَيرة بْن
عُسَيْرة الْأَنْصَارِيّ. نزل الكوفة، وكان من
الفقهاء." اهـ
والصواب:
أنه شهد بدرا.
ففي "الإصابة
في تمييز الصحابة" (4/ 432) لابن حجر:
"عقبة بن
عمرو : بن ثعلبة بن أسيرة بن عطية بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري،
أبو مسعود البدري. مشهور بكنيته.
اتفقوا على
أنه شهد العقبة، واختلفوا في شهوده بدرا، فقال
الأكثر: نزلها فنُسب إليها. وجزم البخاري بأنه شهدها،
واستدل بأحاديث أخرجها في "صحيحه"، في بعضها: التصريح بأنه شهدها، منها:
حديث عروة بن
الزبير، عن بشير بن أبي مسعود، قال:
"أخّر
المغيرةُ العصرَ، فدخل عليه أبو مسعود عقبةُ بْنُ عمْرٍو، جدِّ زيد بن حسن، وكان شهد بدرا." [خ (رقم : 4007)]
وقال أبو عتبة
بن سلّام، ومسلم في الكنى: (شهد بدرا). وقال ابن البرقي: (لم يذكره ابن إسحاق
فيهم، وورد في عدّة أحاديث أنه شهدها)." اهـ
وفي تهذيب
التهذيب (7/ 249) لابن حجر:
"قلت: فإذا
شهد العقبة، فما المانع من شهوده بدرا؟!
وما ذكره المؤلف
عن ابن سعد، لَمْ يَقُلْهُ من عند نفسه، إنما نقله عن شيخه الواقدي. ولو قبِلْنا قوله في "المغازي" مع
ضعفه، فلا يُرَدُّ بِهِ الأحاديْثُ الصحيحةُ، والله الموفق." اهـ
الأعلام للزركلي
(4/ 241):
"ونزل
الكوفة. وكان من أصحاب علي، فاستخلفه عليها لما
سار إلى صفين." اهـ
وفي "معرفة
الصحابة" لأبي نعيم (4/ 2148):
"اسْتَخْلَفَهُ
عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي مَخْرَجِهِ إِلَى صِفِّينَ عَلَى الْكُوفَةِ."
اهـ
تاريخ الإسلام ت
بشار (2/ 377)
وقال الواقدي:
مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة.
وله
مائة حديث وحديثان، اتّفقا منها على تسعة، وانفرد
الْبُخَارِيّ بحديث، ومسلم بسبعة.
وفي "سير
أعلام النبلاء" – ط. الرسالة (2/ 496)
وَقَالَ
المَدَائِنِيُّ، وَغَيْرُهُ: سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ...
قَالَ يَحْيَى
القَطَّانُ: مَاتَ أَبُو مَسْعُوْدٍ أَيَّامَ قُتِلَ عَلِيٌّ بِالكُوْفَةِ.
وَقَالَ
الوَاقِدِيُّ: مَاتَ بِالمَدِيْنَةِ، فِي خِلاَفَةِ مُعَاوِيَةَ
نص
الحديث وشرحه:
السادس عشر :
عن أبي مسعود
عقبة بن عمرو الأنصاري البدري _رضي الله عنه_
قَالَ:
لَمَّا نَزَلَتْ
آيةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ
عَلَى ظُهُورِنَا،
عمدة
القاري شرح صحيح البخاري (8/ 276)
قَوْله:
(لما نزلت آيَة الصَّدَقَة)، وَهِي قَوْله
تَعَالَى {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} الْآيَة." اهـ
وتمام الآية: {خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة: 103]
وفي
"كشف المشكل من حديث الصحيحين" (2/ 199) لابن الجوزي:
"وَأما
آيَة الصَّدَقَة، فَالظَّاهِر: أَنَّهَا قَوْله:
{من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا} [الْبَقَرَة: 245]." اهـ
وتمام الآية: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ
قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ
وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]
وقال _تعالى_:
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ
أَجْرٌ كَرِيمٌ } [الحديد: 11]
وفي
فتح الباري لابن حجر (1/ 108): "(كُنَّا نُحَامِلُ)
أَيْ نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا لغيرنا." اهـ
وفي
فتح الباري لابن حجر (3/ 283): "قَوْلُهُ (كُنَّا
نُحَامِلُ)، أَيْ: نَحْمِلُ عَلَى ظُهُورِنَا بِالْأُجْرَةِ. يُقَالُ:
"حَامَلْتُ"، بِمَعْنَى: حَمَلْتُ، كَسَافَرْتُ. وَقَالَ
الْخَطَّابِيُّ: "يُرِيدُ نَتَكَلَّفُ الْحَمْلَ بِالْأُجْرَةِ لِنَكْتَسِبَ
مَا نَتَصَدَّقُ بِهِ."
وَيُؤَيِّدُهُ
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ: (انْطَلَقَ
أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلَ) أَيْ: يَطْلُبُ الْحَمْلَ
بِالْأُجْرَةِ." اهـ
ففي "صحيح
البخاري" (3/ 92) (رقم: 2273):
عَنْ أَبِي
مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ
أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ
لَمِائَةَ أَلْفٍ» قَالَ: مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ
وفي "سنن
النسائي" (5/ 59) (رقم: 2529):
عَنْ أَبِي
مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«يَأْمُرُنَا بِالصَّدَقَةِ فَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ
حَتَّى يَنْطَلِقَ إِلَى السُّوقِ، فَيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَجِيءَ
بِالْمُدِّ فَيُعْطِيَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنِّي
لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ رَجُلًا لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ مَا كَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ
دِرْهَمٌ»
فَجَاءَ رَجُلٌ
فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثيرٍ، فقالوا: مُراءٍ،
وفي "فتح
الباري لابن حجر" (3/ 283):
"قَوْلُهُ
(فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ)____هُوَ: عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ. وَالشَّيْءُ
الْمَذْكُورُ : كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ." اهـ
وفي
"عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (8/ 276) للعيني:
"وَفِي
أَسبَاب النُّزُول لِلْوَاحِدِيِّ:
حث
رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على الصَّدَقَة، فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم شطر
مَاله يَوْمئِذٍ، وَتصدق يَوْمئِذٍ عَاصِم بن عدي
بن عجلَان بِمِائَة وسق من تمر، وَجَاء أَبُو
عَقيل بِصَاع من تمر فَلَمَزَهُمْ المُنَافِقُونَ فَنزلت هَذِه الْآيَة {الَّذين
يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين}." اهـ
الوسق:
ستون صاعًا
وللشيخ أحمد
محمد شاكر _رحمه الله_ تفصيل جميل في اسم أبي عقيل _رضي الله عنه_، فانظره في
تعليقه على جامع البيان (14/ 384) للطبري، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420
هـ.
وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فقالُوا: إنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا!
وفي
فتح الباري لابن حجر (3/ 284):
"قَوْلُهُ
(وَجَاءَ رَجُلٌ)، هُو: أَبُو عَقِيلٍ _بِفَتْحِ
الْعَيْنِ_ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِير، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ
ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي خَيْثَمَةَ،
وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي عَقِيلٍ لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ
عَلَى النَّزْحِ مِنَ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ." اهـ
وفي
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (8/ 276) : "وَقَالَ السُّهيْلي فِي كِتَابه
التَّعْرِيف والإعلام : "أَبُو عقيل : اسْمه حبحاب، أحد بني أنيف. وَقيل:
الملموز رِفَاعَةُ بن سُهَيْل." اهـ
ويؤيد
الأول: رواية لمسلم في صحيحه (2/ 706) (رقم : 1018):
عَنْ
أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ» قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ،
قَالَ : فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ،
قَالَ : وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ:
إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا
رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ}
[التوبة: 79]."
وفي "زاد
المسير في علم التفسير" (2/ 284) لابن الجوزي:
"وفي
اسم أبي عقيل: ثلاثة أقوال:
أحدها:
عبد
الرحمن بن بِيْجَان، رواه أبو صالح عن ابن عباس، ويقال: ابن بِيْحان ويقال:
سِيْحَان. وقال مقاتل: هو أبو عقيل بنُ قيس. والثاني:
أن اسمه الحَبْحَاب، قاله قتادة. والثالث :
الحُبَاب." اهـ
وفي فتح الباري
لابن حجر (3/ 284):
"قَوْلُهُ
(فَقَالُوا)، سُمِّيَ مِنَ اللَّامِزِينَ فِي "مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ":
مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَبْتَلَ _بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ
مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ_." اهـ
فَنَزَلَتْ:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ} [التوبة (79) ] . مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وتمام الآية:
{الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ
لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79]
المعنى
الإجمالي للحديث:
بيّن هذا الحديث
شدةَ مبادرة الصحابة _رضي الله عنهم_ إلى الصدقة وبذل المال في سبيل الله، وحرصهم
على امتثال أمر الله تعالى عند نزول آية الصدقة. فقد كان فقراء الصحابة لا يملكون
مالًا كثيرًا، فكانوا يعملون ويجلبون الأشياء على ظهورهم ليحصلوا على ما يتصدقون
به، وهذا معنى قول أبي مسعود رضي الله عنه: «كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا»؛
أي كانوا يعملون في حمل الأمتعة ونحوها بأجرة، ثم يتصدقون مما كسبوه.
ثم جاء رجل من
أهل اليسار فتصدق بمال كثير، فاتهمه بعض المنافقين بأنه إنما فعل ذلك رياءً
وسمعةً، وجاء رجل آخر فقير فلم يجد إلا شيئًا قليلًا، فتصدق بصاع، فقالوا على سبيل
السخرية والاستخفاف: «إن الله لغني عن صاع هذا». فكان هؤلاء لا يسلم منهم أحد: إن
تصدق الغني بكثير عابوا قصده، وإن تصدق الفقير بالقليل احتقروه واستهزؤوا بصدقته.
فأنزل الله
تعالى في ذم هؤلاء قوله سبحانه: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ}
[التوبة: 79]. فبيّن الله تعالى قبح صنيعهم، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يحتقر
صدقةً وإن قلّت، ولا أن يتهم المتصدق في نيته بغير بيّنة، بل العبرة بما يقوم في
قلب المتصدق من الإخلاص لله تعالى، وبذله ما يستطيع.
والحديث كذلك
شاهد على أن المجاهدة في طاعة الله تكون ببذل المال والجهد بحسب الاستطاعة؛ فالغني
يجود من ماله، والفقير يجود بما يقدر عليه، ورب درهم أو صاعٍ قليلٍ عند الناس يكون
عظيمًا عند الله إذا خرج من قلب صادق ونفس محتسبة.
تخريج
الحديث :
أخرجه البخاري
في صحيحه (2/ 109) (رقم: 1415)، ومسلم في صحيحه (2/ 706/ 72) (رقم: 1018)، والنسائي
في سننه (5/ 59) (رقم : 2530)، وابن ماجه في "الزهد" (رقم: 4155)
من
فوائد الحديث :
وقال
أبو زكريا يحيى بن شرف النووي
(المتوفى: 676 هـ) _رحمه الله_ في "المنهاج شرح صحيح مسلم بن
الحجاج" (7 / 105):
"ففيه:
التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأنه إذا لم يكن له مال، يتوصل إلى تحصيل ما يتصدق
به من حمل بالأجرة أو غيره من الأسباب المباحة." اهـ
وقال فيصل بن عبد العزيز بن فيصل ابن حمد المبارك الحريملي النجدي (المتوفى: 1376 هـ) _رحمه الله_ في
"تطريز رياض الصالحين" (1 / 98):
"قوله: «وجاء
رجل فتصدَّق بصاع»، وكان تحصيله له بأن أجّر نفسه على النزع من البئر بصاعين من
تمر، فذهب بصاع لأهله وتصدَّق بالآخر.
وفي
هذا: أنَّ العبد يتقرب إلى الله بجهده وطاقته، وحسب قدرته واستطاعته." اهـ
وقال
محمود بن أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف
بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى:
855 هـ) _رحمه الله_ في "عمدة
القاري شرح صحيح البخاري" (8/ 276):
"لما أنزل
آيَة الصَّدَقَة حث النَّبِي _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم_ أَصْحَابه
عَلَيْهَا فَمنهمْ من تصدق بِكَثِير وَمِنْهُم من تصدق بِقَلِيل حَتَّى أَن
مِنْهُم من يعْمل بِالْأُجْرَةِ فَيتَصَدَّق مِنْهُ كَمَا فهم ذَلِك من الحَدِيث."
اهـ
وقال محمود بن
أحمد الغيتابى الحنفى، المعروف بـ"بدر الدين العيني" (المتوفى: 855 هـ) _رحمه
الله_ في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (8/ 276):
"وَفِيه
التحريض على الاعتناء بِالصَّدَقَةِ وَأَنه إِذا لم يكن لَهُ مَال، يتَوَصَّل
إِلَى تَحْصِيل مَا يتَصَدَّق بِهِ من حمل بِالْأُجْرَةِ أَو غَيره من الْأَسْبَاب
الْمُبَاحَة." اهـ
"وفى حديث
أبي مسعود ما كان عليه السلف من التواضع، والحرص على الخير واستعمالهم أنفسهم فى
المهن والخدمة رغبةً منهم فى الوقوف عند حدود الله، والاقتداء بكتابه، وكانوا لا
يتعلمون شيئًا من القرآن، إلا للعمل به، فكانوا يحملون على ظهورهم للناس ويتصدقون
بالثمن لعدم المال عندهم حينئذ." اهـ
وقال
محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"البحر
المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" (19/
445_446):
"في
فوائده:
1 - (منها):
بيان فضلِ صدقةِ قليلِ المال.
2 - (ومنها):
مشروعيّة حثّ الإمام الناسَ على الصدقة لإزالة فاقة المحتاجين.___
3 - (ومنها): ما
كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم-، من المسارعة إلى الخيرات، كل على حسب حاله،
فالغنيّ يجود بالكثير، والفقير بقدر استطاعته.
4 - (ومنها):
بيان أخلاق المنافقين، وسوء طويّتهم، وأنهم لا يَسْلَم من لَمْزهم وغَمْزهم أحدٌ
من المؤمنين في جميع الأحوال، لا الأغنياء، ولا المقلّون، فإن تصدّق أحد منهم بمال
جزيل قالوا: هذا مُرَاءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغنيّ عن صدقة هذا.
وبالجملة فهم
يتّهمون المؤمنين المخلصين بما هم بريئون منه، بل هو من صفات المنافقين أنفسِهِم،
فإن الرياء والسمعة، وحُبّ المحمدة بما لم يفعلوا، ونحوها من الأخلاق المذمومة هي
بضاعتهم، وفيها تجارتهم، ولقد جازاهم الله تعالى على هذا الخلُق الذميم، كما أخبر
بذلك في قوله: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79]،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقال
الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى:
1421 هـ) _رحمه الله_ في "شرح
رياض الصالحين" (2/ 111_112):
"لما نزلت
هذه الآية جعل الصحابة _رضي الله عنهم_ يبادرون ويسارعون في بذل الصدقات إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم،
وهذه هي عادتهم
_رضي الله عنهم_ أنهم إذا نزلت الآيات بالأوامر، بادروها وامتثلوها، وإذا نزلت
بالنواهي، بادروا بتركها،
ولهذا لما نزلت
آية الخمر التي فيها تحريم___الخمر، وبلغت قوماً من الأنصار، وكان الخمر بين
أيديهم يشربون قبل أن يحرم، فمن حين ما سمعوا الخبر أقلعوا عن الخمر، ثم خرجوا
بالأواني يصبونها في الأسواق حتى جرت الأسواق في الخمر.
وهذا هو الواجب
على كل مؤمن؛ إذا بلغه عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم شيء أن يبادر بما
يجب عليه؛ من امتثال هذا الأمر، أو اجتناب هذا النهي." اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 112):
"وهؤلاء هم
المنافقون، والمنافقون هم الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويظهرون الشماتة بالمؤمنين
دائماً، جعلوا أكبر همهم وأعذب مقال لهم، وألذ مقال على أسماعهم؛ أن يسمعوا
ويقولوا ما فيه سب المسلمين والمؤمنين ـ والعياذ بالله ـ لأنهم منافقون، وهم
العدو، كما قال الله ـ عز وجل ـ فاحذرهم المنافق الذي يظهر لك خلاف ما يبطن."
اهـ
وقال الشيخ محمد
بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)
_رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/ 113):
"ففي هذا
دليل على حرص الصحابة على استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسهم على ذلك، أيضاً على أن
الله ـ عز وجل ـ يدافع عن المؤمنين، وأنظر كيف أنزل الله آية في كتاب الله، مدافعة
عن المؤمنين الذين كان هؤلاء المنافقين يلمزونهم.
وفيه دليل على
شدة العداوة من المنافقين للمؤمنين، وأن المؤمنين لا يسلمون منهم؛ إن عملوا كثيراً
سبوهم، وإن عملوا قليلاً سبوهم، ولكن الأمر ليس إليهم، بل الله ـ عز وجل ـ ولهذا
سخر الله منهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم في قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ."
اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
" (22/ 353):
"في
فوائده:
(منها): الأمر
بالصدقة، والحثّ عليها بما تيسّر
(ومنها): ما كان
عليه الصحابة - رضي اللَّه عنهم - من الحرص على فعل الخير، حتى يؤاجرون أنفسهم
(ومنها): جواز
إيجار الحرّ نفسه لحمل شيء على ظهره حتى يتصدّق من أجرته (ومنها): ما كان عليه
الصحابة - رضي اللَّه عنهم - من قلّة العيش، وصبرهم على ذلك." اهـ
وقال محمد بن علي بن آدم بن موسى الوَلَّوِي المشهور بـ"الإثيوبي" (المتوفى 1442 هـ) _رحمه الله_ في
"ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" (22/ 357) :
في فوائده :
(منها) : ما
بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صدقة قليل المال
(ومنها) :
مشروعيّة حثّ الإمام الناسَ على الصدقة لإزالة فاقة المحتاجين
(ومنها) : ما
كان عليه الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من المسارعة إلى الخيرات، كلٌّ على
حسب حاله، فالغنيّ يجود بالكثير، والفقير بقدر استطاعته
(ومنها) : بيان
أخلاق المنافقين، وسوء طويّتهم، وأنهم لا يَسْلَم منهم أحدٌ من المؤمنين، لا
الأغنياء، ولا المقلّون، فيتّهمون كلًّا منهم بما هم بريؤون منه، بل هو من صفات
المنافقين أنفسِهِم، فإن الرياء والسمعة، وحبّ المحمدة بما لم يفعلوا، ونحوها من
الأخلاق المذمومة هي بضاعتهم، وفيها تجارتهم، ولقد جازاهم اللَّه تعالى على هذا
الخلُق الذميم، كما أخبر بذلك في قوله: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ} [التوبة: 79]. "واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب".
"إن أريد
إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
قال ابن خزيمة في
"صحيحه" (4/ 102):
"بَابُ
الزَّجْرِ عَنْ عَيْبِ الْمُتَصَدِّقِ الْمُقِلِّ بِالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ،
وَلَمْزِهِ، وَالزَّجْرِ عَنْ رَمْيِ الْمُتَصَدِّقِ بِالْكَثِيرِ مِنَ
الصَّدَقَةِ بِالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ «إِذِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ
الْعَالِمُ بِإِرَادَةِ الْمُرَادِ، وَلَا إِرَادَةَ مِمَّا تُكِنُّهُ الْقُلُوبُ،
وَلَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى مَا فِي ضَمَائِرِ غَيْرِهِمْ مِنَ
الْإِرَادَةِ»." اهـ
قال ابن حبان في
"صحيحه" (8/ 127) :
"ذِكْرُ
الْإِبَاحَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يُخْرِجَ الْيَسِيرَ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى
حَسْبِ جُهْدِهِ وَطَاقَتِهِ." اهـ
قال ابن حبان في
"صحيحه" (8/ 169):
"ذِكْرُ
الْإِخْبَارِ عَمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ لُزُومِ تَرْكَ اسْتَقْلَالَ
الصَّدَقَةِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِمُخْرِجِهَا." اهـ
قال ابن تيمية
في "مجموع الفتاوى" (23/ 174_175):
وَمَنْ نَهَى
عَنْ أَمْرٍ مَشْرُوعٍ بِمُجَرَّدِ زَعْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ رِيَاءٌ فَنَهْيُهُ
مَرْدُودٌ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا:
أَنَّ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ لَا يُنْهَى عَنْهَا خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ
بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا وَبِالْإِخْلَاصِ فِيهَا وَنَحْنُ إذَا رَأَيْنَا مَنْ
يَفْعَلُهَا أَقْرَرْنَاهُ وَإِنْ جَزَمْنَا أَنَّهُ يَفْعَلُهَا رِيَاءً
فَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {إنَّ الْمُنَافِقِينَ
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا
كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا}
فَهَؤُلَاءِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ
يُقِرُّونَهُمْ عَلَى مَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الدِّينِ وَإِنْ كَانُوا مُرَائِينَ
وَلَا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي تَرْكِ إظْهَارِ___الْمَشْرُوعِ
أَعْظَمُ مِنْ الْفَسَادِ فِي إظْهَارِهِ رِيَاءً كَمَا أَنَّ فَسَادَ تَرْكِ
إظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالصَّلَوَاتِ أَعْظَمُ مِنْ الْفَسَادِ فِي إظْهَارِ
ذَلِكَ رِيَاءً؛ وَلِأَنَّ الْإِنْكَارَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْفَسَادِ فِي إظْهَارِ
ذَلِكَ رِئَاءَ النَّاسِ.
الثَّانِي:
لِأَنَّ الْإِنْكَارَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا أَنْكَرَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَقَدْ
قَالَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنِّي لَمْ أومر أَنْ
أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَنْ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ؟} وَقَدْ قَالَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَحْبَبْنَاهُ
وَوَالَيْنَاهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَمَنْ
أَظْهَرَ لَنَا شَرًّا أَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ سَرِيرَتَهُ
صَالِحَةٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ تَسْوِيغَ مِثْلِ هَذَا يُفْضِي إلَى أَنَّ أَهْلَ
الشِّرْكِ وَالْفَسَادِ يُنْكِرُونَ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ إذَا
رَأَوْا مَنْ يُظْهِرُ أَمْرًا مَشْرُوعًا مَسْنُونًا قَالُوا: هَذَا مِرَاءٌ
فَيَتْرُكُ أَهْلُ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ إظْهَارَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ
حَذَرًا مِنْ لَمْزِهِمْ وَذَمِّهِمْ فَيَتَعَطَّلُ الْخَيْرُ وَيَبْقَى لِأَهْلِ
الشِّرْكِ شَوْكَةٌ يُظْهِرُونَ الشَّرَّ وَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ.
الرَّابِعُ:
أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ شَعَائِرِ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ يَطْعَنُ عَلَى مَنْ
يُظْهِرُ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ
لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ___سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
فَإِنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَضَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ
عَامَ تَبُوكَ جَاءَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِصُرَّةِ كَادَتْ يَدُهُ تَعْجِزُ مِنْ
حَمْلِهَا فَقَالُوا: هَذَا مِرَاءٌ وَجَاءَ بَعْضُهُمْ بِصَاعِ فَقَالُوا: لَقَدْ
كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا عَنْ صَاعِ فُلَانٍ فَلَمَزُوا هَذَا وَهَذَا فَأَنْزَلَ
اللَّهُ ذَلِكَ وَصَارَ عِبْرَةً فِيمَنْ يَلْمِزُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُطِيعِينَ
لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ملحق
الفوائد:
فوائد الحديث
ودروسه
١. في الحديث
الحثُّ على المسارعة إلى أبواب البر والخير.
فإن الصحابة رضي
الله عنهم لما نزل الأمر بالصدقة لم يتوانوا ولم يتعللوا بقلة ذات اليد، بل بادروا
إلى العمل والكسب ثم بذلوا ما حصل لهم، فهذه همةٌ عالية، ونفوسٌ إلى الخيرات
متشوفة.
ففي "شعب
الإيمان" (13/ 184) (رقم: 10152):
عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ:
"أَنْتُمْ
أَكْثَرُ صَلَاةً، وَأَكْثَرُ صِيَامًا، وَأَكْثَرُ جِهَادًا مِنْ أَصْحَابِ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ."
قَالُوا: "فَبِمَ
ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟"
قَالَ: "
كَانُوا أَزْهَدَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبَ مِنْكُمْ فِي الْآخِرَةِ
"
٢. أن المؤمن
يجاهد نفسه في طاعة الله بحسب قدرته.
فمن لم يجد
المال الكثير فلا يقعد عن الخير، بل يبذل من وسعه، ويجتهد في تحصيل ما ينفعه عند
ربه، فإن العبرة ببذل المقدور، لا بكثرة الموجود.
٣. أن قليل
الصدقة قد يعظم عند الله بحسن النية.
فإن الرجل الذي
لم يجد إلا صاعًا لم يترك الصدقة لاستقلال ما في يده، بل بذله ابتغاء وجه الله،
وما كان لله فهو وإن قلَّ في أعين الخلق عظيم عند الله.
٤. أن الفقر ليس
حائلًا بين العبد وبين أبواب الخير.
فإن الفقير
يستطيع أن يتصدق بما تيسر له، وأن يعمل ويكتسب ثم ينفق، وقد يكون صدقه في القليل
أعظم من صدق غيره في الكثير.
٥. أن بذل المال
في سبيل الله من أعظم مجالات مجاهدة النفس.
فالنفوس مجبولة
على محبة المال، فإذا أخرج العبد منه شيئًا لله تعالى فقد جاهد شح نفسه وهواه، وقد
قال سبحانه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
٦. أن المسلم
ينبغي له أن يلتمس أسباب الطاعة ولو شقَّت عليه.
فالصحابة رضي
الله عنهم لم يجدوا المال حاضرًا بين أيديهم، فاحتملوا المشقة، وحملوا المتاع على
ظهورهم، ليحصلوا على ما يتصدقون به. وفي ذلك شاهد على صدق الرغبة في مرضاة الله.
٧. ذمُّ الرياء
والتحذير من طلب المحمدة بعمل الآخرة.
فإن العمل
الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا أريد به وجهه، والرياء آفة خفية تفسد على العبد
عبادته، فعلى المؤمن أن يتعاهد قلبه بالإخلاص، وأن يحذر التفات النفس إلى ثناء
الخلق.
٨. أن اتهام
الناس في نياتهم من مسالك أهل البغي والفساد.
فقد عاب أولئك
المتصدقَ الكثيرَ واتهموه بالرياء، مع أن ظاهر عمله الطاعة، وليس للعبد أن يشق عن
قلوب الناس ويعلم ما أضمروه.
٩. أن احتقار
أعمال الخير منكر عظيم.
فإنهم لما رأوا
الرجل لم يتصدق إلا بصاع احتقروه وقالوا: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ
هَذَا}، فذمهم الله تعالى على ذلك، فعُلم أن ازدراء المعروف وصاحبه خلق مذموم.
١٠. أن الواجب
على المسلم تعظيم الطاعات وإن قلَّت في أعين الناس.
فرب عمل صغير
تعظمه النية، ورب عمل كبير تحقره النية الفاسدة؛ وإنما التفاضل عند الله بالإخلاص
والمتابعة وصدق العبودية.
١١. أن اختلاف
الناس في مقادير أموالهم لا يوجب اختلافهم في أصل التكليف بحسب الاستطاعة.
فالغني مأمور أن
ينفق من سعته، والفقير مأمور أن ينفق مما آتاه الله، وكلٌّ بحسب ما أعطاه الله
تعالى، قال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}.
١٢. أن الشريعة
جاءت بمراعاة أحوال العباد وقدرتهم.
فلم تُطالب
الفقير بما يعجز عنه، وإنما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهُمْ}، فدل ذلك على أن التكليف جارٍ على قدر الوسع والطاقة.
١٣. أن من أبواب
المجاهدة مجاهدة النفس عن القعود والبطالة.
فالصحابة رضي
الله عنهم بذلوا أبدانهم في طلب الرزق حتى يجدوا ما ينفقونه، ففيه ذمُّ التواني
والكسل، وحثٌّ على السعي فيما أباح الله.
١٤. أن العمل
والكسب لا ينافي التوكل على الله.
فقد كانوا
يباشرون أسباب الرزق بأبدانهم، ثم يتصدقون مما رزقهم الله؛ فالتوكل الحق ليس بترك
الأسباب، وإنما هو اعتماد القلب على الله مع فعل الأسباب المشروعة.
١٥. أن المؤمن
لا ينبغي أن يحتقر ما عنده من الخير.
فإن لم يكن في
يده إلا القليل فليبذله، ولا يقل: ما قيمة هذه الصدقة؟ فإن أبواب البر كثيرة،
والقليل إذا صدقت فيه النية كان له شأن عند الله.
١٦. أن الواجب
على المسلم أن يشكر الله على نعمة المال باستعمالها في مرضاته.
فالغني الذي
وسّع الله عليه ينبغي أن يجعل من ماله نصيبًا للفقراء والمحتاجين وأبواب البر، ولا
يجعل الغنى سببًا للغفلة والبطر.
١٧. أن أهل
الباطل قد يطعنون في أهل الحق مهما فعلوا.
فإن هؤلاء لم
يسلم منهم صاحب المال الكثير ولا صاحب المال القليل؛ طعنوا في الأول بالرياء،
واحتقروا الثاني لقلة ما أعطى. فدل ذلك على أن طالب رضا الخلق لا يبلغ غايته،
وإنما العبرة بطلب رضا الله.
١٨. أن من
علامات سلامة القلب محبة الخير للناس.
فالمؤمن يفرح
إذا رأى أخاه يتصدق وينفق، ويدعو له بالقبول والبركة، ولا يحمل فعله على أسوأ
المحامل بغير حجة.
١٩. أن من
علامات فساد القلب الوقيعة في أهل الطاعة.
فمن لم يقدر على
فعل الخير، ثم أخذ يعيب العاملين فيه، فقد جمع بين حرمان نفسه من الفضيلة والوقوع
في ذم إخوانه.
٢٠. أن العبرة
ليست بكثرة العمل وحدها، وإنما بما يصحبه من الإخلاص لله تعالى.
فقد يكون المال
كثيرًا، والعمل ظاهرًا، ولكن إذا دخله الرياء ذهب ثوابه؛ وقد يكون العمل يسيرًا في
صورته، عظيمًا في ميزان الإخلاص.
٢١. في الحديث
بيان فضل أصحاب الهمم العالية من الصحابة رضي الله عنهم.
فقد كانوا
يتنافسون في الطاعات، ويتحملون المشاق في سبيل تحصيل الخير، فلا يرضون أن يفوتهم
باب من أبواب البر مع قدرتهم على دخوله.
٢٢. أن الطعن في
أهل الصدقة قد يكون من أعظم أسباب صدِّ الناس عن الخير.
فإذا رأى الناس
أن المتصدق يُتهم بالرياء، والفقير يُسخر منه لقلة ما تصدق به، ربما تركوا الصدقة
خوفًا من ألسنة السوء؛ ولذلك جاء الشرع بذم هذا المسلك وصيانة أهل الخير منه.
٢٣. أن المسلم
مأمور بترك الاشتغال بعيوب الناس.
فمن اشتغل بتلمس
مقاصد المتصدقين ونياتهم شغله ذلك عن إصلاح قلبه وعمله. وكان الأولى به أن ينظر في
عيب نفسه، وأن يجتهد في إصلاحها.
٢٤. أن الصدقة
تربية للنفس على السخاء وترك الشح.
فكلما بذل العبد
من ماله لله تعالى ضعفت سلطان محبة الدنيا على قلبه، وقويت فيه خصلة الجود
والإيثار، وصار المال في يده لا في قلبه.
٢٥. أن أبواب
الخير لا تختص بأصحاب الثراء.
فإن الفقير
يستطيع أن يعمل، وأن يتصدق بالقليل، وأن يعين غيره ببدنه أو جاهه أو كلمته الطيبة،
فلا ينبغي لأحد أن يحقر نفسه عن مواطن البر.
٢٦. أن الله
تعالى غني عن طاعات خلقه، وإنما العباد هم المحتاجون إلى الطاعة.
فالله سبحانه لا
تنفعه صدقة المتصدق ولا تضره معصية العاصي، وإنما شرع الأعمال الصالحة رحمةً
بعباده، ليزكي بها نفوسهم ويرفع بها درجاتهم.
٢٧. أن الجزاء
عند الله يكون على قدر الصدق والإخلاص لا على مجرد الصورة الظاهرة.
فقد يتساوى
عملان في الصورة، ويفترقان في الثواب افتراقًا بعيدًا، لاختلاف ما في القلوب من
إخلاص واحتساب.
٢٨. أن من أعظم
المجاهدة أن يعمل العبد الخير ولا يلتفت إلى مدح الناس ولا ذمهم.
فيبذل ما
استطاع، ويستر عمله ما أمكن، ويستوي عنده بعد ذلك أمدحه الناس أم ذموه؛ لأنه إنما
أراد وجه مولاه، ومن طلب رضا الله أغناه الله عن رضا الخلق.
|
[111] السابع
عشر: عن سعيد بن
عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أَبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن
جُنادة _رضي الله عنه_: عن النَّبيّ
_صلى الله عليه وسلم_ فيما يروي عن اللهِ _تَبَاركَ
وتعالى_: أنَّهُ قَالَ:
«يَا عِبَادي،
إنِّي حَرَّمْتُ الظُلْمَ عَلَى نَفْسي وَجَعَلْتُهُ بيْنَكم مُحَرَّماً فَلا
تَظَالَمُوا. يَا عِبَادي،
كُلُّكُمْ ضَالّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاستَهدُوني أهْدِكُمْ. يَا عِبَادي،
كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أطْعَمْتُهُ فَاستَطعِمُوني أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادي،
كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ. يَا عِبَادي،
إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيلِ وَالنَّهارِ وَأَنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادي،
إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفعِي
فَتَنْفَعُوني. يَا عِبَادي، لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ
وَجنَّكُمْ [1]كَانُوا
عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ في مُلكي شيئاً. يَا عِبَادي،
لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ كَانُوا عَلَى
أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذلِكَ من مُلكي شيئاً. يَا عِبَادي،
لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ
وَاحِدٍ، فَسَألُوني فَأعْطَيتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْألَتَهُ مَا نَقَصَ ذلِكَ
مِمَّا عِنْدِي إلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ. يَا عِبَادي،
إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا،
فَمَنْ وَجَدَ خَيراً فَلْيَحْمَدِ الله وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلا
يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ» . قَالَ سعيد :
كَانَ أَبُو إدريس إِذَا حَدَّثَ بهذا الحديث جَثا عَلَى رُكبتيه." رواه مسلم. وروينا عن
الإمام أحمد بن حنبل _رحمه الله_، قَالَ: لَيْسَ لأهل الشام حديثٌ أشرفُ من
هَذَا الحديث. |
[1] وفي تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 70) للبيضاوي :
"الخطاب
مع الثقلين خاصة, لاختصاص التكليف, وتعاقب التقوى والفجور بهم, ولذلك فصل
المخاطبين بالإنس والجن, ويحتمل أن يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة
والثقلين, ويكون ذكر الملائكة مطويا مدرجا في قوله: " وجنكم " لشمول
الإحسان لهم, وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف على صدور الفجور منهم, ولا على
إمكانه, لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير." اهـ
Komentar
Posting Komentar