شرح الحديث 11-12 () من الشمائل

 

[11] – (11) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ:

"أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ (كان صدوقا، إلا أنه ابتلى بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه):

سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسي، أبو محمد الكوفي ( أخو مليح بن وكيع، وعبيد بن وكيع)، كبار الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: ت ق 

 

* قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ (ثقة: 189 هـ و قيل 190 هـ و قيل بعدها):

حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، أبو عوف الكوفي (وقيل: أبو علي (وأبو عوف لقَبٌ)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ زُهَيْرٍ (ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبى إسحاق بأخرة: ت. 172 أو 173 أو 174 هـ)[1]:

زهير بن معاوية بن حديج بن الرحيل بن زهير بن خيثمة، أبو خيثمة الجعفي الكوفي (أخو حديج بن معاوية، والرحيل بن معاوية)، المولود: سنة 100 هـ، من كبار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (ثقة مكثر عابد ، اختلط بأخرة: ت. 129 هـ بـ الكوفة):

عمرو بن عبد الله بن عُبيد (أو علي أو ابن أبي شعيرة)، الهمداني، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق

 

* قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ (صحابي: ت. 72 هـ بـ الكوفة):

البَرَاءُ بْنُ عازِب بن الحارث بن عدي الأنصاري الحارثي الأوسي، أبو عمارة (ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل)، المدني، روى له:  خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ: "أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ»

 

قال الحافظ ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري" (6/ 573):

"(مِثْلَ السَّيْفِ؟، قَالَ: لَا بَلْ مِثْلُ الْقَمَرِ)،

كَأَنَّ السَّائِلَ أَرَادَ أَنَّهُ مِثْلُ السَّيْفِ فِي الطُّولِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَرَاءُ، فَقَالَ: بَلْ مِثْلُ الْقَمَرِ أَيْ فِي التَّدْوِيرِ،

وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِثْلَ السَّيْفِ فِي اللَّمَعَانِ وَالصِّقَالِ، فَقَالَ: "بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ"، وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَرِ لِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِنَ التَّدْوِيرِ وَاللَّمَعَانِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ الْمَذْكُورَةِ:

"أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ حَدِيدًا مِثْلَ السَّيْفِ؟" وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ.

وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ:

(أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ أَكَانَ وَجْهُ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِثْلُ السَّيْفِ؟

قَالَ: لَا بَلْ مِثْلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مُسْتَدِيرًا)

وَإِنَّمَا قَالَ مُسْتَدِيرًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (مِثْلَ السَّيْفِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الطُّولَ أَوِ اللَّمَعَانَ، فَرَدَّهُ الْمَسْئُولُ رَدًّا بَلِيغًا.

وَلَمَّا جَرَى التَّعَارُفُ فِي أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاقُ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْمَلَاحَةُ دُونَ غَيْرِهِمَا، أَتَى بِقَوْلِهِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا: الْحسن والإستدارة.

وَلأَحْمَد وبن سعد وبن حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

(مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي جَبْهَتِهِ)[2]،

قَالَ الطِّيبِيُّ:

"شَبَّهَ جَرَيَانَ الشَّمْسِ فِي فَلَكِهَا بِجَرَيَانِ الْحُسْنِ فِي وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ عَكْسُ التَّشْبِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ"،

قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَنَاهِي التَّشْبِيهِ جَعْلُ وَجْهِهِ مقرى وَمَكَانًا لِلشَّمْسِ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي "تَارِيخِهِ":

مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي يَعْفُورَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ، قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَقُلْتُ لَهَا: شَبِّهِيهِ!

قَالَتْ: كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ.

وَفِي حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ:

(لَوْ رَأَيْتَهُ، لَرَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً)، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.

وَفِي حَدِيثِ يَزِيدَ الرَّقَّاشِيِّ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا عَن بن عَبَّاسٍ:

(جَمِيلُ دَوَائِرِ الْوَجْهِ، قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، حَتَّى كَادَتْ تَمْلَأُ نَحْرَهُ)،

وَرَوَى الذُّهْلِيُّ فِي "الزُّهْرِيَّاتِ": مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَتِهِ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:

(كَانَ أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ شَدِيدَ سَوَادِ الشَّعْرِ، أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ)، الْحَدِيثَ

وَكَأَنَّ قَوْلَهُ (أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ) هُوَ الْحَامِلُ عَلَى مَنْ سَأَلَ: (أَكَانَ وَجْهُهُ مِثْلَ السَّيْفِ؟).

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ فِي "الْغَرِيبِ":

(وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ)،

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي شَرْحِهِ: يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَايَةٍ مِنَ التَّدْوِيرِ، بَلْ كَانَ فِيهِ سُهُولَةٌ وَهِيَ أَحْلَى عِنْدَ الْعَرَبِ " اهـ

 

وقال زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري (المتوفى: 926 هـ) _رحمه الله_ في "منحة الباري بشرح صحيح البخاري" (6/ 607):

"(مثل السيف) أي: في الطول واللمعان. (قال: لا) أي: ليس هو مثل السيف. (بل مثل القمر) أي: في الحسن والملاحة والتدوير." اهـ

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

سأل رجلٌ البراءَ بن عازبٍ _رضي الله عنه_ عن وصف وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_، وهل كان حادًّا طويلاً كحدّ السيف؟

فأجابه البراء _رضي الله عنه_ بأن وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكن حادًّا ولا نحيفًا كالسيف، بل كان مستديرًا في حُسْنِه وإشراقه كالقمر.

 

والمقصود أنّ وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان ممتلئًا نورًا وجمالًا، حَسَنَ الشكل، مشرقًا، ليس فيه خشونة ولا حِدّة، بل كان عليه _صلى الله عليه وسلم_  من البهاء والوضاءة ما يشبه ضياء القمر في ليلة البدر.

 

فبيّن الحديث جانبًا من كمال خلقته _صلى الله عليه وسلم_ وجمال صورته، ويؤكد ما اتفق عليه الصحابة من أنّ وجهه كان من أبهى الوجوه وأحسنها منظرًا.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية"- ط. المكتبة التجارية (ص: 39) (رقم: 11)، وفي "سننه" – ت. شاكر (5/ 598) (رقم: 3636)، والبخاري في "صحيحه" (4/ 188) (رقم: 3552)، وفي "التاريخ الكبير" (1/ 10)، وابن الجعد في "مسنده" (ص: 375) (رقم: 2572)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" – ط. دار صادر (1/ 417)، وأحمد في "مسنده" – ط. عالم الكتب (4/ 281) (رقم: 18478)، والدارمي في "سننه" (1/ 206) (رقم: 65)، وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (2/ 372)، والروياني في "مسنده" (1/ 224) (رقم: 310)، وابن حبان في "صحيحه" (14/ 198) (رقم: 6287)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (1/ 194_195)، والبغوي في "شرح السنة" (13/ 224) (رقم: 3647)

 

والحديث صحيح: صححه الألباني _رحمه الله_ في "مختصر الشمائل" (ص: 26) (رقم: 9)

 

قال ابن حبان في "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" (ص: 223):

"ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس معظما في القلوب لم يبعث الله نبيا إلا جميل الصورة حسن الوجه كريم الحسب حسن الصوت كذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه." اهـ

 

ومن فوائد الحديث:

 

هذا الحديث الشريف من أحاديث الشمائل النبوية العظيمة، التي تصف جمال خَلق النبي _صلى الله عليه وسلم_ وكمال خُلقه، وفيه فوائد كثيرة، ومنها ما يلي:

1_ فيه: إثبات جمال وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_، وأنه كان من أكمل الناس وجهًا وأجملهم منظرًا، حتى شبّهه الصحابة بالقمر في إشراقه ونوره.

2_ فيه: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_، حبًّا له وتأسِّيًا به، حتى يسأل بعضهم بعضًا عن هيئته وصفته.

3_ فيه: فرق بين تشبيه وجهه _صلى الله عليه وسلم_ بالسيف وبين تشبيهه بالقمر:

* فالسيف، يُفهم منه الطول والحدة،

* أما القمر، فيُفهم منه الاستدارة والنور والبهاء،

ولذلك قال البراء رضي الله عنه: "بل مثل القمر"، لأن وجهه _صلى الله عليه وسلم_ كان مستديرًا مشرقًا منيرًا.

4_ فيه: دقة تعبير الصحابة رضي الله عنهم، حيث كانوا يختارون الألفاظ الدقيقة التي تُعبِّر عن الحقيقة دون مبالغة.

5_ فيه: جواز التشبيه في وصف الأشخاص إذا كان القصد به الثناء والمدح، لا السخرية أو الغلوّ.

6_ فيه: بلاغة وجمال في جواب الصحابي، حيث ردّ البراء رضي الله عنه بجواب مختصر جامع مانع، يجمع بين جمال العبارة وكمال المعنى.

7_ فيه: إشارة إلى أن جمال النبي ﷺ لا يشبه جمال المخلوقين المعتاد، فهو جمال يجمع بين البهاء، والإشراق، والسكينة.

8_ فيه: استفادة أدب السؤال والجواب في العلم، حيث سأل الرجل بأدب، وأجاب البراء بوضوح من غير غضب أو استهزاء، مما يدل على حسن الخلق في طلب العلم.

9. إثبات أن وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان مستديرًا كما ورد في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: «كَانَ مُسْتَدِيرًا»، وهو من دلائل كمال خلقه _صلى الله عليه وسلم_.

10_ فيه: تشبيه وجهه _صلى الله عليه وسلم_ بالقمر والشمس يجمع بين الضياء والنور؛ فالقمر يدل على الملاحة والرقة، والشمس على الإشراق والعظمة، فوجهه _صلى الله عليه وسلم_ جمع بينهما.

11_ فيه: استحباب وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_ بما ورد عن الصحابة فقط، وعدم الزيادة على ما نقلوه، صيانة لمقامه _صلى الله عليه وسلم_ من الغلو أو التقصير.

12_ فيه: بيان أن الجمال الحقيقي هو ما يقترن بالنور والبهاء لا بمجرد الشكل، فالقمر يُحبّ لنوره وإشراقه، لا لحدّته أو شدته.

13_ فيه: تجلي محبة الصحابة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ في وصفهم له بأجمل التشبيهات، وهذا من آثار تعظيمهم له وتقديرهم لمقام النبوة.

14_ فيه: إشارة إلى أن نور النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان ينعكس في وجوه أصحابه، حتى إنهم شبّهوه بالأنوار الكونية التي يهتدون بها في ظلمات الليل.

15_ فيه: دلالة الحديث على فضل من اعتنى برواية الشمائل النبوية، لأنها من العلم الشريف الذي يُورث محبة النبي _صلى الله عليه وسلم_ ويقوِّي الإيمان به.

16_ فيه: تعليمٌ غير مباشر أن الجمال الظاهري نعمة من الله، لكنه إذا اقترن بجمال الباطن صار كمالًا مطلقًا، كما كان حال النبي _صلى الله عليه وسلم_.

17_ فيه: إشارة إلى أن الأنبياء أفضل الناس خَلقًا وخُلقًا، وقد جرى ذلك سنةً من الله ليكونوا قدوة حسنة في الظاهر والباطن.

18_ فيه: فائدة لغوية وبيانية، وهي أن التشبيه بالقمر يدل في لسان العرب على الملاحة والحسن، بخلاف التشبيه بالسيف الذي يدل على الطول أو اللمعان فقط.

19_ فيه: إشارة إلى فقه المباركفوري رحمه الله في شرحه، حيث جمع بين المعاني المحتملة للتشبيه، وبيَّن أن وجه النبي _صلى الله عليه وسلم_ جمع بين صفتي الاستدارة واللمعان.

20_ فيه: حث على تأمل الشمائل النبوية لما فيها من زيادة المحبة والإجلال للنبي _صلى الله عليه وسلم_، إذ لا يصف الجمال أكمل ممن خُلِق على أكمل صورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[12] – (12) حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَبْيَضَ، كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ، رَجِلَ الشَّعْرِ»

 

رواة الحديث:

 

* حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ (ثقة: ت. 238 هـ):

سليمان بن سلم بن سابق الهدادي، أبو داود البلخي، الْمَصَاحِفِيُّ، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، روى له: د ت س 

 

وقال السمعاني _رحمه الله_ في "الأنساب" (12/ 283) (رقم: 3815):

"المَصَاحِفِيُّ (بفتح الميم والصاد المهملة، وكسر الحاء المهملة، وفي آخرها الفاء): هذه النسبة إلى المصاحف، وهو جمع مصحف. والمشهور بهذه النسبة: أبو داود سليمان بن سليم المصاحفي، وقيل: ابن سلم، من أهل بلخ، كان مولى لفرافصة بن ظهير ومؤذن مسجده وإمامهم، ولعله يتولى كتابة المصاحف فنسب إليها، وكان من أهل الخير والعلم والفضل." اهـ

 

* قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ (ثقة ثبت: ت. 204 هـ بـ مرو):

النضر بن شميل بن خرشة المازني، أبو الحسن النحوي البصري ثم المروزي، المولود: سنة 122 هـ، من صغار أتباع التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ (ضعيف يعتبر به: ت. بعد 140 هـ):

صالح بن أبى الأخضر اليَمَامِي (مولى هشام بن عبد الملك، نزيل البصرة)، من كبار أتباع التابعين، روى له: د ت س ق 

 

* عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (فقيه حافظ متفق على جلالته وإتقانه: ت. 125 هـ بـ شغب):

محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَةَ القرشي الزهري ، أبو بكر المدني، من طبقة تلى الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (ثقة مكثر: ت. 94 هـ على الصحيح بـ المدينة):

أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، المدني (قيل: اسمه عبد الله. وقيل: إسماعيل. وقيل: اسمه وكُنيته واحدٌ)، من الوسطى من التابعين، روى له: خ م د ت س ق 

 

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (صحابي: ت. 57 هـ):

عبد الرحمن بن صخر، أبو هريرة الدوسي اليماني (حافظ الصحابة)، روى له: خ م د ت س ق

 

نص الحديث وشرحه:

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَبْيَضَ، كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ، رَجِلَ الشَّعْرِ»

 

قال الأمير الصنعاني _رحمه الله_ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (8/ 273):

"(كان) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهكذا فيما يأتي جميعاً وهذا الإضمار من المصنف وإلا فإن الراوي مع تعدده لا يأتي به إلا صريحاً، ولعل مثل هذا التحويل يجوز. (أبيض كأنما صيغ) أي خلقه الله من الصبغ بمعنى الإيجاد في الأساس من المجاز فلان حسن الصيغة وهي الخلقة. (من فضة) لما يعلوه من الإضاءة ولمعان الأنوار والبريق، قال عمه أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

(رجل الشعر) بفتح الراء وكسر الجيم وتسكن في الفتح: مسرح الشعر، وقيل: كأنه الذي مشط فيكسر، وأغفل في النهاية تفسيره." اهـ

 

وفي "تاريخ بغداد" – ت. بشار (11/ 602) (رقم: 3453):

عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا صِيغَ مِنْ فِضَّةٍ "

 

المعنى الإجمالي للحديث:

 

أخبر أبو هريرة _رضي الله عنه_ عن صفةٍ من صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_ الخَلْقِيَّةِ، فقال: "إن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان أبيض اللون بياضًا ناصعًا نقيًّا، يشبه في صفائه ولمعانه الفضّة المصوغة.

 

ثم وصف شعره بأنه رَجِلُ الشَّعر، أي: مسترسل ومعتدل، ليس بالشديد الجعودة ولا بالمنبسط تمامًا.

 

فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان في أحسن هيئة وأجمل صورة، يجلّله النور، ويجتمع في شكله الاعتدال والحسن، مما يدل على كمال خِلْقته _صلى الله عليه وسلم_ التي أكرمه الله بها، وزاده بها مهابةً وجلالًا في أعين الناس.

 

تخريج الحديث:

 

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" – ط. المكتبة التجارية (ص: 40) (رقم: 12)، والبيهقي في "دلائل النبوة" – ط. دار الكتب العلمية (1/ 241)، والبغوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار" (ص: 147) (رقم: 165)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (3/ 271)، وتاج الدين السبكي في "معجم الشيوخ" (ص: 194)

 

وقال الألباني _رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (5/ 83):

"قلت: وهذا سند ضعيف، صالح بن أبي الأخضر قال الحافظ: "ضعيف يعتبر به".

قلت: وقد جاء الحديث مفرقا عن جمع من الصحابة." اهـ

 

والحديث صحيح: صححه الألباني رحمه الله_ في "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها" (5/ 82) (رقم: 2053)، و"صحيح الجامع الصغير وزيادته" (2/ 847) (رقم: 4619)، و"مختصر الشمائل" (ص: 27) (رقم: 10)

 

ومن فوائد الحديث:

 

هذا الحديث الجليل فيه فوائد كثيرة تتعلق ببيان شمائل النبي _صلى الله عليه وسلم_ وجمال خلقته الشريف، ومن تلك الفوائد ما يلي:

1_ فيه: إثبات حسن خَلْقِ النبي _صلى الله عليه وسلم_ وجمال هيئته، فقد كان أبيض اللون مشرق البشرة، وهذا من كمال خَلق الله له كما كمل خُلقه.

2_ فيه: تشبيه بياضه _صلى الله عليه وسلم_ بالفضة يدل على نقاء بشرته وصفاء لونه، فهو بياض منير مشرق لا يشوبه شحوب ولا كدَر.

3_ فيه: قوله: (كأنما صيغ من فضة) إشارة إلى كمال التناسق والإتقان في خلقه _صلى الله عليه وسلم_، كأنه صنع صنعًا بديعًا لا عيب فيه، وذلك من دلائل نبوته.

4_ فيه: أن هذا التشبيه من باب المدح والتعظيم، لا من باب المادِّية، لأنه تشبيه في الصفاء والنور.

5_ فيه: إثبات ما خصّه الله به من نور وضياء في وجهه الشريف، كما قال الصحابة: (كأن وجهه قطعة قمر).

6_ فيه: أن جمال النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان مزيجًا من الجمال الحسي والمعنوي، فكما كان وجهه مضيئًا، كان قلبه أنورَ بالحق والهدى.

7_ في الحديث: بيان التوازن في خلقته _صلى الله عليه وسلم_، فهو "رَجِل الشعر"، أي: شعره متوسط بين الجعودة والنعومة، مما يدل على اعتدال صفاته.

8_ من دلائل نبوته _صلى الله عليه وسلم_ أن من رآه أحبه قبل أن يسمع كلامه، لما في وجهه من الهيبة والنور والوقار.

9_ والحديث من دلائل عناية الصحابة بوصف النبي _صلى الله عليه وسلم_، مما يدل على شدة حبهم له وحرصهم على نقل كل ما يتعلق به.

10_ فيه: ما يدل الحديث على أن الجمال الحسي من نعم الله التي ينبغي شكرها، لا سيما إذا اقترن بجمال الخلُق والدين.

11_ فيه: ردٌّ على من يزعم أن الزهد يعني إهمال المظهر، فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ كان جميلًا أنيقًا في خلْقه ولباسه مع أكمل الزهد في الدنيا.

12_ فيه: تشبيه لون وجهه بالفضة يوحي بصفاء نفسه _صلى الله عليه وسلم_، فالظاهر تابع للباطن، والأنوار الباطنة تُشرق على الظواهر.

13_ فيه: ما يدل على أن الجمال إذا استُعمل في طاعة الله، يكون عبادة، لأن الله يحب الجمال كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم: 91): "إن الله جميل يحب الجمال".

14_ فيه: إشارة إلى عظمة الله الخالق الذي أبدع خلق نبيه ﷺ، فكما أن خَلْقه _صلى الله عليه وسلم_ كان بديعًا، فخُلقه كذلك أكمل ما يكون.

15_ والحديث من دلائل النبوة الحسية التي شاهدوها الصحابة بأعينهم، فكل من رآه أيقن أنه ليس كغيره من البشر.

16_ فيه: استعمال كلمة "صيغ" تفيد دقة الوصف، فهي تعني كأنما صُنع من مادة واحدة نقية، مما يبرز كمال خلقه _صلى الله عليه وسلم_.

17_ فيه: إشارة إلى أن الله أكرم نبيه _صلى الله عليه وسلم_ بكل صفات الجمال والكمال البشري الممكن، وهذا من تمام المحبة والتشريف له.

18_ فيه: حثٌّ على التأمل في شمائل النبي _صلى الله عليه وسلم_، لأن معرفة صفاته تزيد في حبه واتباعه.

19_ فيه: ما يدل على جواز وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_ بما ورد به النص من صفاته الحسية، دون غلو ولا تجاوز.

20_ من معاني الحديث: أن أنوار الهداية التي في قلبه _صلى الله عليه وسلم_ ظهرت آثارها في وجهه الشريف، فصار وجهه كمرآة صافية.

21_ فيه: بيان أن محبة الصحابة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ كانت نابعة من المعرفة والتأمل في كماله، لا مجرد عاطفة.

22_ في قوله: (رَجِل الشعر) بيان صفة شعره _صلى الله عليه وسلم_ الجميل، وأنه معتدل الشعر الذي ينسدل بنعومة من غير تجعد ولا استرسال مفرط، وهو من كمال الجمال.

23_ فيه: تعليم الأدب في وصف النبي _صلى الله عليه وسلم_، إذ يصفونه بما يليق من ألفاظ جميلة مهذبة خالية من المبالغة الممقوتة.

24_ والحديث يدل على أهمية معرفة الشمائل النبوية، لأنها تُعَمِّقُ المحبة وتقرّب القلوب من الاقتداء به _صلى الله عليه وسلم_.

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  وفي "فتح المنان شرح وتحقيق كتاب الدارمي أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن" (1/ 465):

"ما كل ما حدث به عن أبي إسحاق يطعن فيه، فيرد ولا يقبل، بل هو محل للنظر، وقد أخرج حديث الباب إمام الأئمة البخاري في صحيحه, لعلمه بصحته، فلا يلتفت إلى قول من ضعفه." اهـ

[2] حسنه الأرنؤوط _رحمه الله_ في "تخريج مسند أحمد" – ط. الرسالة (14/ 258) (رقم: 8604)، وصححه الألباني _رحمه الله_ في "هداية الرواة" (رقم: 5732)

Komentar

Postingan populer dari blog ini

شرح الحديث (باب التيمم) من بلوغ المرام

خمس بلايا على الأمة وسببها